المجتمعات
العربية
المعاصرة
وأعراقها الثلاثة
د. منصف
المرزوقي
مجلة الحدث
عدد 51 -
مارس 2006-
يتعامل
علماء
الاجتماع مع أي
مجتمع
انطلاقا من
كونه كل متجانس
وفي نفس الوقت
مركب من
مكونات مختلفة
لا غبار أفراد
متجاورين .
هكذا يقسمونه إلى
ذكور وإناث ،
إلى شرائح
عمرية ، إلى
مستويات
اقتصادية
واجتماعية،
إلى ملل ونحل
سياسية أو
دينية ،
وأحيانا إلى
أعراق وديانات
إذا كان
مجتمعا متعدد
التواريخ .
لكن كل هذه
التقسيمات لا تعين
في شيء فهم
الديناميكية
التي تحرك هذا
المجتمع أو
ذاك بل
هي مجعولة
أحيانا
للتغطية على
الفوارق
الفعالة التي
يتوقف عليها
مصيره. لكننا
بأمس الحاجة
أكثر من أي
وقت مضى
لمفاتيح
نظرية تمكننا
من قراءة
واقعنا
المتردي و
فهمه فهما
صحيحا إن أقرينا
وقبلنا
بعجزنا عن
تغييره . مثلا
ما سبب
السكوت
المزري
لشعوبنا
العربية عن
الوضع الذي
تعيشه وكأنه
قد
انتفت منها
كل قيم
العروبة والإسلام
بينما
كانت تنزل
للشارع
منذ نصف قرن
لعشر المصائب
التي تلاحقنا
هذه الأيام؟
إنه السؤال
العويص الذي
واجهني به
أبغض الناس
إليّ (
الجالسون على
الربوة
والمكثرون
النقد لكل من
يعمل): ما الذي
يدفع بك
للتضحية من
أجل هذا الشعب
( قائمة من
الأوصاف أو
قل من
الشتائم ) ،
انظر
لاستكانته
للظلم ، أنظر
لسلبيته تجاه
ما يجري في
العراق
وفلسطين ، إنه جدير
بكل ما يصيبه
من هوان
وإذلال
، إنه
الداء
و ليس الحكام
و كيفما تكونوا
يولى عليكم ،
ويا رجل كف عن
تضييع عمرك
فلا يصلح
العقار ما أفسده
الدهر الخ.
وفي مثل هذه
المواجهات
يكون ردي
غالبا أن آخر ما
يهمني في
النضال ضد
الاستبداد
مصلحة "الشعب"
وأن آخر ما
يحرّك أفعالي
الدفاع عن
حريته وكرامته.
كنت ولا أزال
أرد على
المتحذلقين
المذكورين أعلاه
وهم يظنوني
أمزح أو
استفزّ ، أنني
لم أدافع يوما
عن كرامة
الشعب وإنما
عن كرامتي
الشخصية من
باب الأنفة
والاعتزاز
بالنفس حيث لا
اقبل أن يعذب
أو يسلب أو
يهان إنسان
وأنا لا أحرك
ساكنا خوفا من
عصابات
مجرمين
استولت على
الدولة. كذلك
لم يكن
حسي بالأنفة
وبالكرامة
الأصيلة التي
منحني إياها
الله يقبل بأن
يقرّر
دكتاتور ما هي
الجمعيات
التي يمكنني
أن أنخرط فيها
وما هي
الأقوال التي
تجوز والتي لا
تجوز، فأنا
إنسان عاقل
أمتثل لقانون
الطرقات بكل انضباط
لأنني اعرف
أنه عادل
وضروري ، لكن
لا توجد ولن
توجد قوة في
الأرض
لإرغامي على
قبول قانون
ظالم ولا
ضرورة له إلا
لدوام مصالح
خسيسة .
ثم أضيف : أما
الشعب فنحن
نسعى بكل
قوانا لكي يولد
فلننتظر
الحدث
السعيد
قبل أن نحكم
على الطريقة
التي سنتعامل
بها معه.
لا شيء في
هذا
الكلام من
قبيل الاستفزاز
، ذلك لأنني
خرجت منذ
سنوات من-
وعلى- الإطار
النظري
والمصطلحات
التي ولدها
والتي أصبحنا
نعتبرها من
تحصيل
الحاصل، حيث
لم يعد في
عقلي وفي
قلبي
مكان للوطن
وإنما
للأراضي
المحتلة ،
للنظام وإنما
لدولة
العصابات ،
للوطنية
وإنما
للمواطنية ،
للعدالة
وإنما للحقوق
الاقتصادية
والاجتماعية
، للحرية
وإنما
للتحرّر ،
للقومية
وإنما
للإتحادية ،
للشعب وإنما
للمستبدين
والمستعبدين
والمواطنين.
يفتح
المتحذلقون
المذكورين أعلاه
فمهم
من فرط
الدهشة
لا يصدقون ما
يسمعون
ثم يخيل
للبعض منهم أنه وجد
مقتلا يخترقه
بلسانه
المذبب
يطعنني به: إذن
المسالة
شخصية بحتة
،إذن
أنت لا تدافع
إلا عن
مصالحك، إذن
أنت وطني كاذب
، إذن كل هذا
نرجسية مقيتة
الخ .
والردّ
بالطبع
أنني
لا أدافع فقط عن
كرامتي
وأنفتي
وكبريائي وحقوقي
وحرياتي
وإنما أيضا
وخصوصا وأساسا
عن الكرامة
والأنفة
والكبرياء
والحقوق والحريات
لبني جلدتي،
للعرق
الذي أنتمي
إليها
من باب العصبية
الشهيرة،
لكنها عصبية
من نوع جديد
لم يعرفها
تاريخ ابن
خلدون : عصبية
المواطنين .
*
المواطنون
لتعريفهم
يمكن القول
أنهم كل
الرجال
والنساء
البالغين،
وبغض النظر عن
مكانتهم
الاجتماعية
وعقيدتهم ، الذين
لهم حسّ قوي
بكرامتهم
الإنسانية
وبالتصدي
الحازم لكل
تطاول عليها ومعرفة
دقيقة
بحقوقهم
و
واجباتهم تجاه
الآخرين وخاصة
واجبهم في
احترام حقوق
وحريات كل
إنسان
و من بينها
حق المشاركة
في أخذ القرار
وتنفيذه
وتقييمه وذلك
على كل
المستويات
التي تهم
حياتهم.
وهم
يطالبون
بممارسة هذه
الحقوق والحريات
دون قيد أو
شرط
إلا ما تحدده
حقوق وحريات
الآخرين،ولا
يقبلون أن
تكون ممارستها
والتمتع بها
منة أو هبة من
أحد ويتصدون
بكل حزم لكل
من يحاول
مصادرتها أو
التحكم فيها ..
ومن خصائصهم
النفسية أنهم
لا يثقون في
أي سلطة ولا
يسلموا لها
مقاديرهم لأنهم
تعلموا من التاريخ
أن أي سلطة
دون مراقبة
حذرة
ومتواصلة مبنية
على الشكّ
البناء،
تنقلب بسرعة
تسلطا والتسلط
هو الكارثة
الاجتماعية
الكبرى التي تدمّر
مجتمعا أكثر
من أي كارثة
طبيعية.
أما
القيمة
المركزية التي
تقود أفعالهم
وتتحكم في
مواقفهم فهي
التوق إلى
الحرية عبر
مشروع متواصل
لا يكتمل أبدا
هو التحرّر.
إن
أهم خصائص
المواطنين
استعدادهم لتقديم
كل التضحيات
من أجل الدفاع
عن كرامتهم
وحقهم في
تسيير
المجتمع الذي
يعيشون فيه .
في الواقع هم
استبطنوا أن
عليهم أن يدفعوا
لتمتعهم
بالكرامة
والحقوق والحريات
أو للمحافظة
عليها، ثمنا
باهظا قد يكون
سلامتهم
الشخصية
واعتبروه
ثمنا زهيد في
مقابل ما
يحصلون عليه.
لا علاقة لهم
إذن بمن
يتشدقون بمثل
هذه القيم في
أبراجهم
العاجية ولا
يتحملون
تكلفتها سواء
كانت الجهد
والعمل في ظل
دولة
ديمقراطية ،
أو كل أصناف
الاضطهاد في
ظل دولة
استبدادية .
فهذا النمط من
الناس ليسوا
إلا أعلى طبقة
في عرق أو ملة
أو قبيلة مكوننا
الثاني
للمجتمع
العربي
المعاصر
المستعبدون
إن أهمية هذا
"العرق"
ناجمة عن كونه
الخزّان الذي
لا ينضب الذي
يخرج منه
العرقين
الآخرين .
لتعريف
المنتمين
إليه
يمكن القول أنهم
كل الرجال
والنساء
البالغين،
بغض النظر عن
مكانتهم
الاجتماعية
وعقيدتهم ،
الذين قايضوا
بأمنهم
الجسدي
تخليهم عن
كرامتهم وحقوقهم
وحرياتهم
ومنها حق
المشاركة في
أخذ القرارات
التي تهم
حياتهم ، كل
هذا رعبا من سلطة
استبدادية
شرسة تفعل
بالناس ما لا
يصدر إلا عن خيال
مريض وما لا يأتي به إلا وحش لبس
شكل الآدميين.
وللمستعبدين
"قيمهم " الخاصة
تمجّد كلّها الذلّ
والضعف وتحثّ
على الخنوع والاستسلام
. لكن هذا لا
يعني أنهم
راضون بالحالة
التي هم
عليها.
فالكرامة
مطلب غريزي
بالغ العمق
والتأصل لم يختف
عندهم ، كل ما
في الأمر أن
غطاء الخوف
وضع فوقها كما يهال
الرماد على
الجمر. كذلك
لا يلغي هذا
الخوف مطالب
الحقوق
والحريات بما هي
أيضا
تعبير عن
حاجيات ملحة
وإنما يؤجلها
إلى يوم قد
يصل أحيانا
موعد رجوع
المهدي المنتظر.
لا غرابة أن
تكون القيمة
الأولى عندهم العدل
وليس الحرية . وهؤلاء
الناس هم
الذين يملئون
منذ غابر التاريخ
الكنائس
والمساجد وكل
دور العبادة
يستجيرون
بالعادل الذي
في السماء من
الظالم الذي في
الأرض، إما
لأنهم عجزوا
عن التخلص منه
أو لأنه
يتجدّد
كالنبتة
المضرة التي
لا تقتلعها إلا
وتنبت من
جديد. هذا لا
يعني أن كل
مرتادي دور
العبادة هم
مجرّد مساكين
يبحثون في
الدين عما
يعينهم على
تحمل وضعيتهم
، لكن إن جزءا
كبير منهم
يبحث في دور
العبادة عن حل
موجود لكن في
أماكن أخرى.
ربما العدد
الحقيقي لمن
يدخلونها
لأسباب
روحانية بحت
وليس للهروب
من واقعهم
الفظ والبحث
عن حلول سحرية
هو عدد الموجودين
في معابد
البلدان التي
تحققت فيها المواطنة
كاملا. هكذا
أتصور أن عدد مرتادي
الكنائس في
السويد هو عدد
المؤمنين
الحقيقيين.
لكن لا يمكن
أن يتصور عاقل
أن عدد مرتادي
جوامعنا هو
عدد المؤمنين
الفعليين
لأنه
خليط من
الفارين من
الواقع ومن
الذين يتوقون
لصلة روحية
بخالق الكون.
. يقولون
صحوة إسلامية
وأقول غفوة
مواطنية أرجو
ألا تدوم
طويلا .
المستبدون
لتعريفهم
يمكن القول
أنهم كل
الرجال
والنساء
البالغين،
بغض النظر عن
مكانتهم
الاجتماعية
وعقيدتهم
الذين
صادروا
الكرامة
والحريات
والحقوق من الأغلبية
للتمتع بها
وحدهم ، أو
إذا اعتمدنا
صورة أخرى كل
الذين صادروا
الشواء
لنفسهم
وتركوا
رائحته
للجائعين.
ولو درسنا
بالتدقيق هذا
" العرق"
لاكتشفنا أنه
متشكل من
دوائر
متباعدة مثل
تلك التي تحدثها
حصاة رميت على
سطح الماء.
فالدائرة
الأولى هي
الدكتاتور
الذي تألّه
وتنبأ وأعطى
لنفسه كل الكرامة
وكل الفضائل
وكل الحقوق
وكل الحريات
.تأتي
الدائرة
الثانية التي
تتشكل من عصابات
الشر والسوء
التي تحيط
دوما بنصف
المعتوه هذا الذي
تألّه وتنبّأ
. ثم تتوسع الدوائر
لتشمل كل
المنتفعين
بالوضع، وفي
كل دائرة تقل
كمية وأهمية
الغنيمة من
الكرامة والحقوق
والحريات
التي سلبت من
المستعبدين.
نجد في مستوى
آخر دائرة
الشرطي
الفقير الذي
يبتزّ سائقي
الشاحنات في
تقاطعات
الطرق ساق في
خانة المستبدين
والأخرى في
خانة
المستعبدين .
إنه المنطقة
الحدودية
الفاصلة بين
عرقين
وكيانين متعاديين
بالطبع
والتطبع، ومع
هذا
يفترض فيهما
الانتماء إلى
نفس الكائن
النظري
الهلامي
المسمى "الشعب".
ومن الطبيعي
أن تكون
القيمة
الأولى عند
هذا العرق
الأمن
أي
الاستقرار
على الوضع الذي
يخدم مصالحه .
وهذا العرق
ليس كما يدعي
الأنبل، بل
بالعكس هو
الأحقر، لا
لأنه يتعاطى
مع القيم
النبيلة من
باب التوظيف
والنفاق وأنه
بحاجة لدوام
سيطرته إلى كل
المفاسد، ولكن
لأنه من صنف
الطفيليات
التي تعيش على
جسد المريض.
فالمستبدون
يمتصون من
المستعبدين
كرامتهم
وحقوقهم
وحرياتهم
وأيضا
جزءا هاما من
أرزاقهم
مباشرة أو
بصفة غير
مباشرة، كل
هذا على طريقة
الطفيلي :
العيش على
حساب جسد يرهق
ولا يقتل.
*
من الضروري
تفحص
التحديات
الأساسية
التي تواجه
هذه الأعراق
الثلاثة لأن
طبيعة هذه
التحديات
وطرق
مواجهتها هي
أحسن مدخل لفهم
وظائفي
وديناميكي.
فبخصوص
المواطنين
تتمثل
اشكاليتهم
الرئيسية في
المحافظة على
ما اكتسبوه من
الحقوق... هذا
بالطبع في النظام
الديمقراطي
حيث لا يختفي
الاستبداد كما
يظن السذّج
وإنما ينحسر
وراء الستار
مؤقتا أين لا
يمكن تتبعه
مثل الجيش
والمؤسسة
الاقتصادية
والإدارة.....
منتظرا أقرب
فرصة لاستعادة
المواقع التي
خسرت .
أما في ظل
الدكتاتورية
كما هو الحال
عندنا ، فإن
مشكل
المواطنين ألا
يبقوا نواة
صغيرة
تحاصرها
أدوات قمع
المستبدين .
ومن ثمة فإن
توسيع دائرة
المواطنة قضية
حياة بالنسبة
لهم مثلما هي
قضية موت
بالنسبة
للمستبدين.
هكذا يصبح
هؤلاء محور
صراع مصيري
بين الطرفين
الفاعلين. فمن
جهة يحاول
المواطنون
اللعب على
ضغينة
المستعبدين
ضد المستبدين
والمخزون
المطمور من حس
الكرامة
لدفعهم للتمرّد
اعتمادا على
القدوة
والمثال وخاصة
على التلويح
بالمكاسب
الحقيقية
التي ستمكن
المستعبدين
من استعادة
إنسانيتهم المصادرة.
يواجه
المستبدون
خطر تحوّل
المستعبدين
لصف أشرس
أعدائهم
بمحاولة
السيطرة على
العقول والقلوب
عبر تزييف
الوعي ، كأن
يتقدموا
كحماة الوطن وهم
حماة مصالحهم
الخسيسة ، أو
كأن يخوّنوا
كل من يعارضهم
، وحتى
بإطلاق
لقب المواطنين
على من سلبوهم
ابسط صفات
المواطنة
وشروطها. لكن
العملية في
عصر الإعلام
أصبحت شبه مستحيلة
. لذلك لا مفرّ
من الاتكال
على
سلاحهم الأخير
الذي هو أيضا سلاحهم
الأول : اللعب
على الخوف
الذي روضوا به
المستعبدين.
ما لا يعرفه
الكثير أن من
يعيشون
بالخوف يموتون
به، فمأساة
المستبدين أن
هذا السلاح
لصالحهم
وضدهم في نفس
الوقت .
لا أحد يعيش
حالة
خوف مستمرة
وعميقة
ومسترسلة قدر
الدكتاتور
وعصابته وهو خوف
له مصادر متعددة :
الخوف من أقرب
قريب، والخوف
من انكشاف
الأسرار
ومنها أن شبه
المعتوه
المتأله
والمتنبي
إنسان عادي
جدّا
وأحيانا أقل
من عادي، والخوف من
العقاب في
حالة تغيير
النظام .
حتى خوف
المستعبدين
يبدو
بالمقارنة
هيّن فهو خوف
حاد
وظرفي
ثم يقع تناسيه
ولو أن
تعاليمه
استبطنت ، أما
خوف المستبدين
فهو حاد منتبه
يقظ طول
الوقت، مما
يعني أنه لا
داعي لأن يحسد
أحد أناسا
ورطوا أنفسهم
وورطوا
مجتمعاتهم في
علاقة مدمرة
في كل مراحلها.
تبقى
إشكالية
المستعبدين
وهي في اختيار
أحسن توقيت
للتمرد
لاكتساب
الكرامة
والحقوق
والحريات
التي حجبت
عنها أو لم
تنل منها إلا رائحة
الشواء.
فالقضية
المركزية
بالنسبة للمستعبدين
أن لا تتكرّر
المحاولات
السابقة لأوانها
و التي كلفت
ثمنا باهظا
دون أن تؤدي
إلى نتيجة .
فإذا تعشش في ذاكرة
المستبدين
قصص الثورات
والمقاصل
ورؤوس الملوك
المقطوعة، فإن
ما يعشش في
ذاكرة
المستعبدين
هو الانتفاضات
التي قمعت في
حمامات من
الدم. ومن هذا
المنظار يمكن
القول أن
للمستعبدين
تعامل خبيث cynique مع
المواطنين
حيث
يعتبرونهم
نوعا من وحدات
الاستكشاف
لتحسس دفاعات
العدوّ وإضعافها
ولا يتحرجون
من بعثهم
للمذبحة
ومتابعة تضحياتهم
بنوع من
التعاطف
المؤدب في
أحسن الحالات
....إلى أن تنضج
الثمرة
وتتوفّر كل حظوظ
النجاح
للثورة .
*
أين الشعب في
كل هذا؟
صحيح أن من
يؤمنون بوجود
النظم
الجمهورية
والديمقراطية
والعدالة
المستقلة والاستقلال
والتقدم لا
مشكل لهم مع
الإيمان بوهم
إضافي.
لكن لننظر
للواقع
وسنكتشف أن
للمستبدين
شعبهم
وللمواطنين
شعبهم
وللمستعبدين
شعبهم هم أيضا.
فبالنسبة
للمستبدين
يجب العودة
إلى أصول اللغة
السياسية
التي طالما
استعملوها
والتي كانت
تتحدث دون
حياء عن
الراعي والرعية
. فهذه الصورة
غنية
بالمعاني
المعبرة وعلى ضوئها
نفهم
مقولة الحسن
الثاني الذي قال
أكثر من مرة
انه لن يتردّد
في التضحية
بالثلثين
الفاسدين – من
قطيعه –
لإنقاذ الثلث
الصالح ،
تماما كما
يفعل أي مزارع
حصيف أو ربما
كما يفعل
اليوم أصحاب
المداجن
المهددين
بأنفلونزا
الطيور.
أما
المستعبدون
فالشعب
بالنسبة لهم
هو المجموعة
التي تدين
بالطاعة
والولاء لنفس
الدكتاتور
الذي يمنح
ويمنع . لكن
المواطنون لا
يتصورون
الشعب إلا
مكونا من
أفراد يعيشون بالوفاق
لا بالخوف
ويعترفون
لبعضهم البعض
بالكرامة
والحريات
وخاصة
وبالحق في تسيير
الشأن العام في ظل
نظام
ديمقراطي .
معنى هذا
أننا أمام
ثلاثة شعوب
مختلفة تتعايش
داخل المفهوم
الفضفاض ومن
ثمة استحالة
التخاطب التي
تظهر في تعامل
الأعراق
الثلاثة مع بعضها
البعض.
الثابت
أن حركة
التاريخ تنحو نحو
بلورة شعب
المواطنين
على حساب شعب
الرعايا سواء
كان الأمر من
منظور
المستبدين أو
من منظور المستعبدين.لكن
الأمر ليس
تقدما مطردا
وإنما مد وجزر.
إن
إحدى أسباب
سكوت
المجتمعات
العربية عن
الاستبداد
واستباحة
فلسطين
والعراق بالمقارنة
مع مجتمعات
الخمسينات
والستينات التي
كانت تنزل
للشوارع
وتقوم
بالثورات ناجم
بكل بساطة على
أن عدد
المواطنين
تقلص كثيرا في
الخمسين سنة
الأخيرة خلافا
لما يتصوره البعض.
فشعور الأنفة
عند آبائنا
كان أرفع ،
واستكانتهم
للمحتل –لأنه
كان أجنبيا-
أضعف، واهتمامهم
بالشأن العام
وطنيا وقوميا
أقوى.
هذا
الانحسار هو
نتيجة قمع وحشي
لكل إرادة
مواطنة حقيقية لكن وقت
المدّ قد حان
وقد اتضح حجم إفلاس
المستبدين..
إنه من
المفارقات أن
يكون
شعب المواطنين
الوحيد في
الوطن العربي
هو الشعب
الفلسطيني
الذي يرزح تحت
نير
الاستعمار
بينما
كل
المجتمعات
العربية
الأخرى التي ترزح
تحت نير
الاستقلال ما
زالت جد بعيدة
عن وضع لا
تصله إلا كبرى
الأمم .
كيف يمكن وصف
المجتمعات
العربية
الأخرى إذن ؟ بداهة
هي ليست شعوبا
وهي ليست أيضا
قطعان من
البقر في
مزرعة
الدكتاتور
وورثته . فلا حق لأحد أن
يتحدث عن
القطيع التونسي
أو السوري أو
الليبي
لوجود نواة
من المواطنين
داخله تحمل
المشعل وتفتح الطريق
.
لكن هذا الطريق
ما زال طويلا
أمامنا والتكلفة
باهظة
والعقبات
كثيرة فليس من
السهل أن نخلق
من شعوب في
طور التكوين
شعوبا من المواطنين
حرّرت
وتحرّرت وهذا
هو رهان الأمة
اليوم وعلى
ربحه أو
خسارتة يتوقف
أن نكون أو لا
نكون.
***
كل مؤلفات
الدكتور منصف
المرزوقي على
موقعي
http://moncef.marzouki.free.fr