برامج وأنشطة

أخبار

الأرشيف

طلب مساعدة

عن اللجنة

الصفحة الرئيسية

International NGO in special Consultative Status with the Economic and Social Council of the United Nations

Arab Commission for Human Rights
5, rue Gambetta
92240-Malakoff- France
Tel 0033140921588 Fax 0033146541913

e. mail achr@noos.fr
 

french

English

 

 
 

خالد الحروب

بلاد شنقيط

في عمر اليفاعة الأول لطالما واجهنا سحر أثير وغموض محبب حول شناقطة المشرق: هؤلاء الرجال الذين يحملون لقب شنقيطي ، وتتوسط أسماؤهم لفظة "ولد". نعرف أنهم علماء أو قضاة وأنهم رجال إستثنائيون. وعندما نسأل يُقال لنا إنهم من بلاد شنقيط ، بلاد عربية بعيدة يقودها رئيس له إسم ودود وغريب: المختار ولد داده.
لما كبرنا ، كانت موريتانيا قد كبرت ولم تعد في مخيلة من سمع عنها أو عرفها شنقيط فحسب.
صرنا أيضا نعرف أشياء كثيرة عن هذا البلد العربي الضارب في الأصالة المتوسد وهدة الغرب الأفريقي. وعندما كانت أقدار جميلة تسوقنا إليه في أواخر ثمانينات القرن الماضي تعاظمت أسباب ما قد ضاعف الشغف بالبلد.
هنا الناس والأشياء والتاريخ والصحراء والأسماء تجعل الفقر والجوع ظواهر عابرة لا تستحق إلا إحتلال ما بين قوسين في نص ثري وعميق أمتد كاتبوه من حضرموت إلى شاطىء الأطلسي.
وهنا الإهمال المرير من قبل الأشقاء العرب والظاهر هنا وهناك ، كان الموريتانيون يدارونه بكبرياء الشقيق الباحث عن أعذار لشقيقه. كانوا يؤثرون استغلال وقتهم بالترحاب الطافح بكرم الفقراء بالقادمين القلائل من المشرق عن تضييعه في العتاب والملامة. من عمر اليفاعة الأول إلى أعمار وأعمار لاحقة صار لموريتانيا وهج في القلب وإنحياز في المتابعة.
واليوم هنا في بلاد الإغتراب حيث يندر أن يتردد صدى لأغنية موريتانية تُنظم أمسية لندنية كاملة لتصبح مخطوطة ترحال شنقيطية. نكتشف في تلك الأمسية أن بعضاً من الرحالة البريطانيين كانوا قد نظموا رحلة إستكشاف إلى موريتانيا عام 1960 ، وأن عددا يفوق أصابع اليد الواحدة لا زالوا على قيد الحياة. منهم الدبلوماسي ، والأنثروبولوجي ، والمصور ، والمؤرخ ، والمستشرق وربما رجل الإستخبارات. والجانب الأهم في تلك الرحلة والأمسية هو أنها مصورة على فيلم قديم بالأبيض والأسود.
إذن نحن هنا نتابع في هذا الفيلم وعشية استقلال موريتانيا خط سير رحالة من نواكشوط إلى شنقيط. هنا الأسواق الفقيرة البسيطة ، هنا نواكشوط التي بدأت حياتها كقرية على مقربة من بحر مكتنز بالسمك ، وهنا على من يريد أن يغادرها بأي إتجاه إستخدام سيارات الدفع الخلفي المجهزة بكل الإحتياطات.
وعندما تكون شنقيط في الشمال هي مقصد الرحلة فإن التجهز لها يتطلب جهدا مضاعفاً ، فالطريق الرملي الصحراوي أطول من طويل ، والقطعة الواصلة ما بين أطار وشنقيط جبلية صخرية تنهزم فيها السيارات أمام صبر وصلابة وسرعة الجمال والحمير.
الرحالة البريطانيون الذين زاروا موريتانيا وصوروها عام 1960 ما زال من لا زال على قيد الحياة منهم محباً لها وآملاً أن يعود إليها. طالب كثيرون في تلك الأمسية اللندنية الشنقيطية أن يتم تصوير فيلم جديد بعد مرور أربعين سنة على تلك الرحلة ، يتضمن تصوير بعض المشاركين في الرحلة الأولى ، ليسيروا في نفس خطتها ، ولترسم الكاميرا مسيرة أربعة عقود من حياة وتطور موريتانيا. كل من حضر الفيلم بأن حاول الإتصال بأي جهة من الممكن أن تدعم هذه الفكرة وتتبناها. وأنا هنا أكتب عنه آملاً أن تقرأ هذه الكلمات من مهتم ما، تحدث ثلاثة ممن شاركوا في الإبحار إلى شنقيط عن ايامهم هناك ، وعن المخطوطات القديمة التي تحتضنها جنبات جامع شنقيط الصامد وسط رمال صحراء لا بداية لها ولا نهاية. رأينا الشناقطة المتحدرون من جغرافيا وتاريخ غني يشرحون للزائرين الغرباء بفرنسية الستينات عن أهمية المخطوطات التي عمر بعضها أكثر من عشرة قرون. شنقيط كانت "الرباط" الذي أسسه علماء المالكية لنشر الإسلام في الغرب الأفريقي. منها وإليها كانت وفود وجماعات تجيء وتروح تحمل الواحاً كتبت عليها أمهات الكتب ، جابت أقصى أقاصي القارة السوداء. لما آل إلي أن أنقل أنطباعاتي عن شنقيط وموريتانيا وأهلها كما شهدتها أول مرة في أواخر الثمانينات كنت أغلق عيني وأرحل إليها ثانية على بساط ريح حضرموتي حملني كما حمل قبائل الحسانيين من اليمن وطار بهم إلى هناك.
إلتحفت ذراعي وتركت لساقي نهب الصحراء ونثر إنطباعات أربعة كانت وما زالت تتأكد لي كلما زرت البلد المضياف. أولها ، قلت ، الإندهاش والتعلق لكل من يغوص فيما وراء السطح. في موريتانيا وكما في غيرها ينقسم الزوار إلى قسمين: من يبقون على السطح فلا يرون سوى القليل ولا ينخرطون إلا مع القليل ، فيعودون بإنطباعات السائحين ، وهناك من يغوصون فيما وراء السطح ويدركون غنى العمق وثرائه.
الأولون يشتكون من فقر البلد وفوضاه وعدم توفر أسباب الدعة والراحة ، ويغادرون بشكواهم وربما لا يعودون. الآخرون يسحرهم غنى البلد وتاريخه وجغرافيته وأهله وتعدد جوانب عظمتهم ، وهؤلاء لا يملكون إلا أن يعودوا مرة ومرات. الإنطباع الثاني الكبرياء والتواضع. هؤلاء هم الناس الذي يرفض الرجال في بعض قبائلهم الشمالية أن يظهر عواطفه لزوجته أو أبنائه لأن فيها إظهار لضعف لا يليق بالرجولة ، كما أقتنعوا.
وفي أقصى الحالات كان بعضهم يتفادى أداء الصلاة أمام زوجته لأن فيها ركوع وسجود يأنف أن تراه زوجته يؤديهما أمامها.
هذه هي القبائل التي رفضت الخضوع لإملاءات الإستعمار الفرنسي ، أو تحالفات الحكام ، أو التقيد بما تمليه انماط الحياة الحديثة. الصحراء التي لا حدود لها هي ناظمة تمردهم على قيود المدينة والحكومة وأشكال العيش الحديث المعلب. لكن جمال الكبرياء لا يتبدى إلا مع التواضع والكرم الذي يحتضن الضيف ، ويتطامن لحظة يجب أن يتطامن. التواضع ، قلت ، هو الذي قيد موريتانيي اللحظة الحاضرة عن إلقاء الخطب والدروس على بقية العرب بأنهم يقدمون درسا في الديموقراطية لأنهم الآن ينتقلون من حكم العسكر إلى حكم المدنيين عبر إنتخابات تشريعية ورئاسية لا تسيل فيها الدماء.
في الأمسية اللندنية قلت إنني ألححت إلحاحا مشرقياً على رئيس الوزراء ووزير الخارجية في نواكشوط أن يدليا بتصريح مفاده أن موريتانيا تقدم درساً ديموقراطياً لبقية العرب في كيفية التداول السلمي للسلطة. كلاهما رفض ، وقالا في لقاءين منفصلين نحن لا نتمعلم على أحد ولا نعطي دروساً لأحد. تجربتنا هذه متواضعة وعلى قدرنا ونحن تأخرنا في الوصول إلى الديموقراطية. التواضع الذي ادهشني هو الدرس الثاني إلى جانب الدمقرطة السلمية. الأنطباع الثالث الذي تراكم لدي عن موريتانيا والموريتانيين هو الفصاحة. فهؤلاء اليعاربة الأقحاح يعشقون العربية ويذوبون بها حباً. ورغم أن لهجتهم الحسانية فاجأت مشرقياً مثلي للوهلة الأولى ، إلا أن فصحاهم التي تترجم شعراً هنا وهناك لا تترك مجالاً إلا للإعجاب. هنا بلد المليون شاعر ، يلقون الشعر في أي مقام ، وهنا بلد الحفاظ والأئمة الذين يتلون عن ظهر قلب متون الكتب الكبرى ، فضلا عن القرآن والحديث.
والأنطباع الرابع هو المفاجأة. موريتانيا التي تبدو رتيبة مملة للناظرين من على السطح ، مليئة بالمفاجآت للمتأملين في العمق. آخر المفاجئات الجميلة هو فوز الميمونة بنت الميداح المطربة الموريتانية الأصيلة بمقعد في الإنتخابات التشريعية.
الميمونة هي مثال الفنان الملتزم والمبدع: تمردت على الحكم العسكري وغنت للحرية والديموقراطية ، وحظرت حكومات العسكر أغانيها عن التلفزيون والإذاعة الرسميين. كما تمردت على أنماط التلحلين التقليدي الموريتاني وأصبحت رائدة في تحديثه. ظلت لسنوات طويلة تغني لموريتانيا عاشقة للحرية حتى زال العسكر وبقيت هي. الموريتانيون حملوها إلى برلمانهم. واحدة من أماسي لندن الرتيبة كان لشنقيط أن تحيلها إلى حياة دافقة ، وجمال إستثنائي.

 

* باحث واعلامي فلسطيني

 

C.A. DROITS HUMAINS -5 Rue Gambetta - 92240 Malakoff - France

Phone: (33-1) 4092-1588  * Fax:  (33-1) 4654-1913  *

Email:  achr@noos.fr

http://www.achr.nu

عودة إلى الرئيسة

 

بيانات

مقالات

دراسات

تقارير

حملات

كتب

وجهة نظر

أخبار

إصدارات

نشاطات

كتب سلسلة براعم

الدولة



 الأردن

الإمارات العربية المتحدة

البحرين

 تونس

 الجزائر

 السعودية

 السودان

 سوريا

 الصومال

 العراق

 عمان

 فلسطين

 قطر

 الكويت

 لبنان

 ليبيا

 مصر

 المغرب

 موريتانيا

 اليمن

أروقة لأعضاء اللجنة

هيثم مناع

منصف المرزوقي

فيوليت داغر

المصطفى صوليح

ناصر الغزالي

 
   

عودة إلى الرئيسة

 

أتصل بنا

الصفحة الرئيسية