التداول على السلطة : بيت القصيد في أزمة الدولة والمجتمع في الوطن العربي..

د منصف المرزوقي

ثمة داخل الفكر السياسي العربي خاصيتان تمنعان من التقييم الصحيح للأزمة الخانقة التي تمر بها  الأمة والتي تعكس بالأساس عمق أزمة نظامها السياسي . العائق الأول فكري بحت يتعلّق بالتبسيط الشديد في التحليل ومنه تغييب  البعد  الديناميكي  في قراءتنا للظواهر و الثاني عاطفي يتمثل في حبنا  للسوداوية

 و تلذّذنا  بجلد الذات.

 يظهر الأمر جليا في  تقييم وضع الديمقراطية في الوطن العربي،  حيث الإجماع  على  أنها مفقودة تماما و أننا نعيش في ظلّ آخر ديكتاتوريات العصر،  بل وأننا غير أهل للديمقراطية أو بغير حاجة إليها ،  إلى أخر الكلام اليائس البائس التي تعجّ به الصحف ويتردد صداه في الفضائيات.

 لكن إذا اعتبرنا ن الديمقراطية المكتملة نظام سياسي مبني على أركان أربعة هي حرية الرأي وحرية التنظم واستقلال القضاء والتداول السلمي على السلطة، وإذا تذكّرنا  أنها مشروع  تاريخي فيه مدّ وجزر حتى داخل البلدان الديمقراطية ، فإن الحكم الموضوعي يمرّ بتحليل وضعية كل هذه الأركان  في كل قطر على حدة . آنذاك يمكننا إعطاء  مؤشر لكل بلد حسب قربه أو ابتعاده من تحقيق كل  الأركان . لو قمنا بهذه العملية لتوضح أن مؤشر الدمقرطة  مختلف  حسب الأقطار، أنه يتحرّك طول الوقت كأي مؤشر اجتماعي واقتصادي آخر.

مثلا ستظهر القراءة الديناميكية  أن كل  أنظمتنا  فقدت  كل طموح  و خاصة كل قدرة ، على  تأطير المجتمع بالحزب القائد الذي  انكمش مثل  بالون ثفب بدبوس، في الوقت الذي نرى فيه  انطلاق  التنظم المستقلّ عن الدولة  عبر تكاثر الأحزاب و منظمات المجتمع المدني المعترف بها وغير المعترف.

 إنها ظاهرة  تتوسّع بصفة  حثيثة . كذلك الأمر عن حرية الرأي حيث يمكن القول اليوم  أن الأنظمة هي الخرساء وذلك بفضل انحسار الخوف وسطوة التكنولوجيات الحديثة التي لم تعد تسمح بوجود'' مونوبول'' ايدولوجي هو من أهمّ   ركائز الدكتاتورية .

 يعني هذا بكل بساطة ودون أن ننتبه للأمر  أن المجتمعات العربية قطعت ، عبر عقود من  التضحيات الجسيمة ، نصف الطريق إلى الديمقراطية.

                                                              *

يبقى الآن تقييم وضع التداول السلمي على السلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة  . إنه  بيت القصيد وحجر الرحى  ومربط الفرس ومبتدأ الخبر  ومنتهاه  في بناء النظام الديمقراطي . فوجود  حرية الٍرأي والتنظم  بمعزل عن الانتخابات الحرة والنزيهة  المنظمة للتداول ،  تجعل منها  متنفّسا مؤقتا  لمريض يختنق  . من البديهي كذلك أنّ كل ما نعاني منه من انتهاكات الحقوق الفردية والجماعية واستشراء القمع و الفساد وقصور أجهزة الدولة نتيجة تمسّك  شخص وبطانة  بالسلطة المطلقة  بلا محاسبة وإلى الممات . 

 نرتطم هنا بالغياب التام لهذا الركن المؤسس للنظام الديمقراطي أيا كان القطر.هوغير مطروح في الأنظمة  التي أصبحنا نتعارف على تسميتها بالجملكيات نظرا لتشبث كل زعيم  بعرشه الرئاسي بل وسعي  الكثيرين لتوريثه للابن وربما حتى للزوجة.هو غير وارد أيضا في الممالك حيث يتصرّف كل ملك كرئيس جملكية   لا يقبل بالتداول في مستوى السلطة التنفيذية بمعزل عن نفوذه  في إطار ملكية دستورية كالموجودة في ماليزيا مثلا .

إن ظاهرة تحوير الدستور أو بالأحرى التحايل والانقلاب عليه والتي رأيناها مؤخرا  في سوريا وتونس ولبنان(و غدا في مصر وموريطانيا  والجزائر)  هي  جزء من هذه الظاهرة التي أصبح نظامنا السياسي العربي يختص بها . ثمة من يجد فيها الدليل القاطع على أن الديمقراطية قدر كل الشعوب باستثناء شعوب أمتنا . من جديد لا بدّ من وضع  إشكالية التداول في إطارها التاريخي وتحليلها قطرا قطرا  .آنذاك سنكتشف أن الأمر ليس بالقتامة التي تحيلنا إليه سوداوية المزاج العام وليس بالسهولة التي تراهن  عليها أنظمة   يبدو أنها فقدت كل ارتباط بالواقع المحلّي والعالمي .

لا يغيب عن أحد   أين توجد السلطة الحقيقية في مغرب اليوم . لكن  حكومة عبد الرحمان اليوسفي  دشّنت في نهاية التسعينات  مسلسل التداول السلمي على السلطة داخل نظام ملكي يقترب شيئا فشيئا من الملكية الدستورية. المهمّ  ليس قصر عمر التجربة، وربما حتى فشلها،  لكن ما يعنيه  الأمر من دخول المغرب  حقبة جديدة تخطو أولى خطواتها على طريق صعب طويل، لكنه في اتجاه معاكس لكل تجربة عهد  الحسن الثاني .

لنتتبع  الآن إلى  تطور الإشكالية  في  الجملكية التونسية.

يوم 24 أكتوبر سيتقدم السيد بن علي لما يسميه انتخابات( ومن الأصح تسميتها مبايعات) تحت ستار من الدخان الديمقراطي يتمثل في تقدّم ثلاثة ''منافسين '' عيّنهم هو وسيتصدّق عليهم بفتات ما سيبقى من ال 99 % ( اللهم إلا إذ أقنعه أصدقاؤه بعدم استفزاز أصحاب النكت ).  هذه المبايعات المرتقبة  هزيمة نكراء للديمقراطية  في  تونس  إذا قارنّاها  بالاستشارات الحقيقية كالتي تقع في الهند واندونيسيا والفيليبين أو السنغال . لكن لو نظرنا إليها في إطار  الصيرورة التاريخية لاكتشفنا  أنها  حلقة من سلسلة من المعارك المتواصلة في اتجاه  تحقّق الركن الأساسي للنظام الديمقراطي . ففي سنة 1974 بصم ''البرلمان '' على تنقيح للدستور منح لبورقيبة  الرئاسة مدى الحياة . وفي سنة 1987  أعلن الرئيس الجديد السيد بن علي إلغاء هذا المبدأ المتناقض مع فكرة النظام الجمهوري وهو الأمر الذي صدّقه التونسيون آنذاك  وهم لا يدركون أن  الرئاسة مدى الحياة ستستبدل فقط  بالرئاسة إلى الممات . المهمّ أن الرجل  تقدّم للرئاسة بمفرده  لمبايعات  1989  ولم يخطر يومها  ببال أحد منافسته . لكن في سنة 1994 كسر '' طابو'' أو محظور الترشّح ضدّ الرئيس المباشر فتقدّم للانتخابات كاتب هذه السطور ليجد نفسه في السجن حال انتهاء المسرحية . لكن هذا الاحتجاج الرمزي  أثمر نتيجته حيث فهم النظام   استحالة تواصل مرحلة الانفراد بالترشح  . هكذا بادر بوضع قانون  جديد حصر، لتفادي أي مفاجأة  ، حق الترشح للانتخابات الرئاسية  في رؤساء أحزاب '' المعارضة'' القانونية الممثلة في البرلمان . لا يستغرب أحد أن تكون هذه   الأحزاب مصطنعة أو تحت السيطرة تنتدب للتمثيل - بالمعنى الأصيل للكلمة – داخل برلمان معيّن سلفا . هكذا ترك ''الخيار'' للمواطنين  في مبايعات  1999  بين السيد بن علي ومرشحين نكرتين انتهى واحد منهما في السجن بتهمة ....الفساد . إنّها المرحلة التي يمكن تسميتها بالتعدّدية المزيّفة  والتي نعيش فصلا جديدا منها  حيث يتقدّم السيد بن علي مرة أخرى لنفس التمثيلية بكومبارس جدد  بعد انقلابه على الدستور وتطويعه لكي يسمح له بترشّح رابع  ولا يظن أحد أنه الأخير.

المهمّ  أنّ تمرير مثل هذه التجاوزات لم يعد مسألة روتينية كما كان الأمر دوما.

فلأوّل مرّة في تاريخ النظام السياسي  التونسي والعربي  ووجهت  عملية تحوير الدستور سنة 2002  (التي منح بموجبها السيد بن علي لنفسه إضافة  إلى  الترشّح المتواصل الحصانة المؤبدة ) بمقاومة صلبة  . لقد أجمعت كل المعارضة  الديمقراطية الحقيقية  وكذلك حركة  النهضة الإسلامية  على الدعوة لمقاطعة '' الاستفتاء''  وعدم الاعتراف بشرعية نتائجه . هذه المعارضة  هي التي تنادي اليوم  بمقاطعة مبايعات 24 أكتوبر، لا ترفض فقط نتائج معروفة مسبقا وإنّما تطرح بكل وضوح لا شرعية نظام  مبني على انقلاب على الدستور و مهزلة انتخابية . معنى هذا أن تونس مرت تاريخيا  من الرئاسة مدى الحياة الواضحة إلى وحدانية الترشح إلى  '' انتخابات'' تعددية مزيفة  وأن المعركة الجديدة  تنخرط في سياق دفع  الدمقرطة  نحو  المحطة النهائية : الانتخابات التعددية الحقيقية المنظمة للتداول .

 إنها بتفاصيل متباينة نفس التحديات التي تواجهها عملية الدمقرطة في مصر أو الجزائر أو سوريا والقوى الاجتماعية  التي أجبرت الأنظمة الاستبدادية  على التراجع أمام توسع حرية الرأي والتنظم هي نفس القوى التي تهدّد بجدّية آخر حصون الاستبداد . لا نرى ما الذي يمكن أن يوقفها حتى ولو أخذنا بعين الاعتبار كل المكبلات والمعرقلات التي يمكن أن تؤخّر ساعة الحسم .  ليس من باب بالصدفة، وإنما لأن الأمور بدأت تنضج ن  أن تنطلق مبادرة طرحتها مع توأمي السوري الدكتور هيثم منّاع لتأسيس لجنة عربية من أجل التداول على السلطة  ستضمّ مناضلين سياسيين وحقوقيين  عرب توحيدا للجهود  و

 استعدادا  للمعارك المقبلة التي ستقع هنا وهناك. 

                                                        * 

لا شكّ  أن السيد بن علي سيفرض الأمر الواقع كما فرضه السيد بشار الأسد وكما سيحاول فرضه غدا السيد  مبارك أو السيد  بوتفليقة وغيرهم  .  لكن  لا يجب أن يغيب عنّا  لحظة ، في إطار رؤيتنا الديناميكية للموضوع،  أن  عمليات التلاعب بالدستور لتأبيد البقاء في الحكم ،  لا تمارس من قبل  أنظمة في أوج قوتها مثلما كان الأمر في  الستينات والسبعينات من القرن الماضي .  نحن على النقيض  أمام أنظمة  فاشلة على كل المستويات ،  فاقدة الهيبة ، فاقدة المصداقية،  فاقدة الشرعية ، مطلوبة الرأس  محليا ودوليا  لا همّ لها سوى الاستماتة في الدفاع عن وجودها  أطول فترة من الزمن. والحق أن  المستبدّ  العربي في وضع  لا يحسد عليه حيث حشر نفسه في مأزق لا مخرج منه  .هو مثل شخص تسلق الهرم وعاش على قمته ولا يستطيع النزول منه إلا وتعرّض لخطر دقّ عنقه . وقديما قال حكيم صيني إذا حاصرت عدوّا لا تحصره من الجهات الأربعة واترك لنفسك دوما منفذا . لكن الزعماء العرب حاصروا أنفسهم بأنفسهم بالقمع والفساد  من الجهات الأربعة  ولم يتركوا لا لنا ولا لهم منفذا. فجرائمهم المتعددة  وشبح المحكمة الجنائية الدولية من أكبر أسباب الاستماتة في حكم هو مهربهم  الوحيد من  عسير المحاسبة . لكن هذه الاستماتة  تعمق الأزمات الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية  التي تعيشها مجتمعاتنا دون أن تضمن للحكّام سوى الغرق في الخوف الذي  تصوّروا أنهم يستطيعون به ترويض شعوبهم إلى الأبد.  هل من مخرج للجميع ؟  إنّه السؤال الأوحد الذي يجب طرحه وتناوله بمنتهى الجدية .

بداهة لا مستقبل لأنظمة ماتت في العقول والقلوب ولا بدّ لها من الموت على صعيد المؤسسات حيث لم يعد كل هذا '' السيرك'' الذي يحيط بها  فعالا أو مقبولا . لكن كيف يمكن المرور سلميا   من مرحلة افتعال الديمقراطية إلى الديمقراطية  الحقيقية التي لا توجد إلا بتداول  تحكمه إرادة الشعب لا إرادة ما وراء الستار؟ 

لننطلق من جملة من البديهيات التي تستطيع أن تشكّل إطارا نظريا للتعامل مع المشكلة .

1- سياسة  الفرار إلى الأمام تمهل ولا تهمل  ، تؤجل ولا تلغي المواعيد التاريخية .

2- الإصلاح الحقيقي  ليس  بعض الإجراءات السطحية التي  من شأنها أن تنفّس  عن الاحتقان السياسي والغليان الاجتماعي  دون أن تمس بحق البقاء المؤبد  في السلطة.  فالإصلاح  لا يكون إلا عبر  تغيير هرم السلطة الفاشلة وخاصة تغيير قواعد اللعبة السياسية التي أدت إلى  هذا الفشل.

3- دور القوى الديمقراطية عدم المفاوضة على مبدأ سيادة الشعب وحقه في انتخابات حرة ونزيهة  ورفض كل شرعية لأنظمة الانقلاب بالدستور. هذه القوى عاجزة متفرقة عن التعجيل بنهاية الدكتاتورية اللّهم إلاّ إذا  اجتمعت   في صلب مؤتمرات وطنية ديمقراطية تضم كل القوى المناهضة للاستبداد والقابلة للديمقراطية (على شاكلة التي شهدتها إفريقيا في التسعينات) وذلك  لوضع أسس النظام الديمقراطي المنشود والتقدم أمام الشعب والأسرة الدولية  كبدائل انتقالية  بانتظار تنظيم انتخابات حقيقية تعيد صياغة الساحة السياسية العربية .

4- من المتوقع أنه كلما تفاقمت الأزمات كلما ركن الاستبداد  إلى مزيد من القمع لربح الوقت وهو الأمر الذي لن يزيد إلا في دوران الجميع في الحلقة المفرغة  مع تصاعد حظوظ واسهم الخيارات العنيفة وغير الديمقراطية  وتقدمها للشعب كحلّ  قادر وحده على أن   يجتثّ الداء من جذوره .

5- الحلّ الأوحد لانتقال سلمي يمرّ إجباريا بفتح المنفذ الذي أغلقه المستبدّ العربي على نفسه . بصريح العبارة لا يمكن تفادي تواصل  الانسداد الحالي وفرار أنظمة مذعورة نحو مزيد من التزييف والقمع إلا بمقايضة  الانتقال السلمي إلى الديمقراطية  مقابل عدم المتابعة . ثمة من يعتبر هذا الرأي مخالفا لمبدأ العدل وهو كذلك . لكن العدل تعويض و عقاب . والقاعدة التي يجب أن يضعها كل مناضل ديمقراطي يؤمن بحقوق الإنسان  هي إن كنت في موقع ضعف لا تستسلم وإن كنت في موقع قوة لا تنتقم . ليكن مفهومنا للعدل مبني على  التعويض المادي والمعنوي لكل ضحايا الدكتاتورية ولنترك الانتقام جانبا....هذا إن قبل المستبد بالمقايضة أما إذا ركب رأسه ورهن  رحيله بحمام الدم فإن مبدأ المحاسبة لا مفرّ منه.

كيف يمكن تصوّر سيناريو مثالي لحل الأزمة  ؟  بداهة لا يستطيع أي دكتاتور أن يسلم مصيره لخصوم  قد يختلفون في قضية عدم المتابعة . لكن  يمكن أن يفرز النظام القائم قيادة جديدة  تفاوض المؤتمرات الوطنية الديمقراطية على مرحلة انتقالية  قصيرة  قبل تنظيم انتخابات فعلية وتتفق معها على شروط عدم المتابعة   تشارك في تفعيلها دول صديقة وديمقراطية مثل الدول الاسكندنافية .

أضغاث أحلام ؟ ربّما . لكن هل نحن مطالبون بالبحث عن الحلول أم بالبقاء مكتوفي الأيدي  ولا أحد يتعلّم من وضع  يتمثل في  دكتاتور قابع  في السجن ينتظر حبل المشنقة  وشعب في محرقة العنف   ووطن يرزح تحت الاحتلال .

 

-----------   

أول رئيس للجنة العربية لحقوق الإنسان، الدكتور منصف المرزوقي من أبرز الديمقراطيين في تونس والمغرب الكبير