محمد الأسعدي والامتحان الجديد للصحافة

د .منصف المرزوقي *

 

مشكلة الصحفي اليمني  محمد الأسعدي وبقية الصحافيين العرب الذين وقعت متابعتهم  في المغرب والجزائر والأردن تذكّر بالضحايا الذين تسميهم اللغة العسكرية الأمريكية collateral dammages " أي الآثار الجانبية التي تخلفها المعركة بين الخصوم الحقيقيين ، علما أن  ضرب الآثار الجانبية هو دوما  جزء من خطة المعتدي خلافا لما يدعي وأحيانا هو الهدف الحقيقي الذي يغطي على الهدف المعلن.

 وهذه الأطراف التي أشعلت حرب الرسوم المسيئة للرسول الكريم هي اليمين العنصري  الغربي الحالم بحرب حضارات لا تبقي ولا تذر  من جهة، ومن جهة أخرى أنظمة عربية وإسلامية استغلت الفرصة لتظهر بمظهر مدافع عن القيم الإسلامية بعد أن وصلت أسهمها إلى الحضيض وباتت لا تنتظر شيئا غير طلقة الرحمة، أضف إليها بعض الشخصيات الدينية مثل مفتي قطر وغيره الذين استغلوا أيضا القضية لرفع أسهمهم وحتى لتكوين لجنة للدفاع عن النبي الكريم وكأن النبي شخص عادي يمكن أن نكون له لجنة أو أنه بحاجة لمثل هؤلاء المهرجين للدفاع عنه.أي أنها كانت بالأساس معركة بين مجانين  وانتهازيين استطاعوا اللعب على أوتار جد حساسة وبالغة الخطورة.

وفي هذه المعركة بين الفيلة  أسقط عمدا بين الأقدام الصحافي محمد الأسعدي  ليكون من بين الذين يجب تدفيعهم ثمن التطاول على رمز المقدسات. الإشكالية أن الأسعدي آخر من يمكن توريطه في تهمة نية الإساءة للرسول الأعظم .

ومما قرأت له هذه الأقوال.

"اسمي محمد وهو اسم النبي صلى الله عليه وسلم وبالتالي لا يمكنني في أي حال من الأحوال أن أسيء إليه، وفي العدد المذكور، والصفحات المذكورة نشرت كل ما فيه دفاعاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم ويمكنكم الاطلاع على ذلك" مضيفاً "وفي الصفحة 11 تقرير متكامل بعنوان اليمن ينضم إلى العالم الإسلامي لإدانة الإساءة وفيها ملخص لما قيل عن الرسول لبعض المستشرفين الذين أعجبوا بالرسول في الحلقة الأولى".
أو قوله : "نشرت صورة بمقاس 5 سم لأجزاء من الرسومات شطب عليها بعلامة أكس كبيرة جداً تخفي ملامح الرسومات، وهي إشارة إلى الرفض القاطع لها وتحقيرها أمام قراء الصحيفة الغربيين".
أو تساؤله  "هل هذه إساءة للنبي الكريم الذي لا يمكن أن يفعلها مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله" مرفقاً للنيابة جميع المواضيع التي نشرت في الأعداد الأولى مترجمة باللغة العربية.  وخاتما أقواله  "هذا اتهام في عقيدتي لا أقبله على نفسي".

إذن ما السرّ في القضية ؟ التهمة الصادقة والتي لا يمكن أن يطعن فيها أحد ولا حتى الأسعدي هي أن الرجل صحفي.

وهذا الجنس من الآدميين هو اليوم  من أخطر الآفات في دولة عربية  يحكمها الاستبداد.

ها قد وجدنا متهمنا العادي ، هذا النظام السياسي العربي الفاسد الذي نحتقره كما يحتقرنا ونبغضه كما يبغضنا.

المشكلة أن معطيات قضية الأسعدي تبدو أعقد من هذا. فالدولة الاستبدادية مجرّد طفيلي اغتنم الفرصة للتنكيل بأكره ما يكره ، هؤلاء الصحافيون الأحرار الذين يترصدون بأخبار فساده وظلمه وتزييفه. ذلك لأن القائم بالحملة على الأسعدي واحد من ضحايا هذا النظام لا يعنيه من الأسعدي ان يكون حليف اليوم وهو يعلم كم سيكون عدوا شرسا في الغد الممكن.

ومما قرأت في صفحة الجزيرة نت "دعا رئيس لجنة الإعلام والثقافة بنقابة الصحفيين اليمنيين ( علي الجرادي ) الشيخ عبد المجيد الزنداني رئيس جامعة الإيمان إلى استغلال الأموال التي جمعها لتمويل مقاضاة صحفيين يمنيين في مقاضاة السلطات الأميركية التي أقدمت على تمزيق المصحف الشريف وإلقائه في أماكن القاذورات بمعتقل غوانتانامو"

ربما بالغنا بعض الشيء في التركيز على الاستبداد السياسي لمجرد أنه القمة الطافية لجبل الجليد ...ربما حصل هذا لأنه المسئول عن الفظاعات الواضحة من تعذيب وفساد والتعرض للحريات العامة والفردية . لكن ما تعلمنا مثل هذه القضايا أن الاستبداد السياسي ليس مستوردا من المريخ ولم تفرضها علينا إسرائيل وإدارة بوش حتى تطمئنان على تواصل تخلفنا وفرقتنا وعجزنا وتفاهتنا . كلا، فهذه الأنظمة التي تكبل طاقاتنا هي إفرازات من مجتمعاتنا الاستبدادية .

وهذا بديهي في قضية الحال فالذي يقود عملية اضطهاد الصحافي الحر ليس السلطة وإنما شخص يجمع الملايين لا لمحاربة الجوع وإنما لمقاضاة الأسعدي يزايد على المزايدين وقد اتضح له كل ما يمكن جنايته من ربح مضمون من عملية تضرب عصفورين بحجر. وهذا الرجل حامل لواء مجتمع نخر فيه التعصب الفكري والديني والجنسوي ولن ينتج على أنقاض الاستبداد الحالي إلا استبدادا ألعن لأنه سيكون استبدادا جاهلا ومبتدئا لن يتعلم إلا بطول الزمن  على جثث كم من أبرياء .معنى هذا أن الأسعدي وقع بين فكي كماشة الاستبداد السياسي والاستبداد الأعمق الذي يحمله المجتمع وأن علينا الوقوف جميعا بجانبه وتعميق خطابنا ضد الاستبداد خاصة وأن أهم أدواة الحركة الديمقراطية ممثلة في الأسعدي  محاصرة في اليمن والوطن العربي على جبهتين لا على جبهة واحدة كما خيل لنا ونحن نركز على الشجرة بدل الانتباه للغابة.

   

جريدة المصري اليوم – أبريل 2006                                                     ***

* www.moncefmarzouki.net