محمد كمال
شيء عادي
Ordinary stuff

أحياناً لا تكون المسألة مسألة حياة أو موت
بل أن تحيى الموت في قبر يسمونه زنزانة
فإذا خرجت منها ........ كانت ولادة جديدة !
كنت كلما سألت صديقي عمر عن حاله يقول ( عادي ) ، وقد كان يلفظ كلمة ( عادي ) هذه بشكل مختلف ، بسبب آثار الورم الدماغي الذي كان يعاني منه ، وبالرغم من أن حياته لم تستمر طويلاً بعد إصابته ، لكنه استمر يقول ويكتب ( عادي ) حتى فقد القدرة على الكلام ثم الكتابة . وفارقنا إلى العالم الآخر كأي شيء عادي يحدث ، بعد أن قضى ليلته قبل الأخيرة في القبر ، يتأمل مسكنه القادم .
لقد كان عمر يعرف مصيره تماماً ويواجهه بشجاعة وصبر ، وقد تقبل فكرة الموت عن وعي وإدراك وتسليم ، وكأنها أمر عادي رغم حبه الكبير للحياة .
أنا أيضاً أعرف أن الكثير مما سأتحدث عنه هنا , هو باعتبار الكثيرين (شيء عادي ) , لكنني أرى أن المشكلة تكمن هنا ، في اعتبار ما يحدث لنا وبيننا وحولنا أمراً عادياً ، فنعتاد على ... ونعايش : هذا القدر من الأشياء .. غير ؟...!!! المشكلة إذا في هذا العادي المألوف المتكرر الذي نتغاضى عنه ، فيصبح و كأنه جزء لا يتجزأ من هويتنا .
ماذا يعني أن يوبخ أو يضرب تلميذ في المدرسة , وكم سيعاني من اضطراب حتى يتجاوز ذلك ، هذا إذا استطاع .. ماذا يعني أن يضرب سجين ويهان .. ماذا يعني أن تحرم أم من مشاهدة ولدها السجين ، أو حتى يمنعها شبك بينهما من أن تلمس رأسه في الزيارة .. ماذا يعني أن توضع في زنزانة قذرة بجوار تواليت قذر تنطلق منه روائح مهلكة ... وقبل ذلك لماذا يحدث هذا ؟ السنا مسؤولين عن ذلك لمجرد أننا نعتبره أمراً عادياً ، فيصبح شائعاً ، وإذا سألنا أحدهم عنه يقول ( ما دخلنا ) أو يطيب خاطرنا بذكر أشياء أبشع وأقبح وأكثر وحشية ..
ما هي النتائج العملية المترتبة على شيوع منظومة قيمية ترسخ عدم الإحساس وعدم المسؤولية ، خاصة عن سلوك سلطة يفترض أنها تحكم باسم الشعب ، وبالتالي يفترض نظرياً مسئولية كل مواطن عن مظالمها وبشكل شخصي . ثم كيف سيكون موقفك من المجتمع لو كنت أنت ضحية من ضحاياها
|
من قال أن الظلمة تأتي طوعاً عفواً ... الشمس لا تغيب نحن من يدير ظهره إليها ويختبئ من نورها فعندما يضيق المكان تتسع الكلمات للمعاني و تحبل بالدلالات وعندما يتوقف الزمان يستمر القلب بزمنه الداخلي عازفاً لحن الرجاء وعندما تسود ظلمة الحقد يتفجر صوت الحق الكوني مدوياً في الفضاء حتى لو قتلوا الجسد تنطلق منه الروح ترفرف تواقة لنور الحق والحب الذي يضيء السماوات والأرض |
|
الأحد 19/5/2002 – الساعة 12ظهراً
ليس غريباً أن تحدث لنا كل الأحداث الهامة يوم الأحد ، يبدو أنه يعقد في يوم السبت اجتماعاً للمسؤولين عن وضعنا .
في غرفة مدير السجن لم يكن هذه المرة النقيب ( س ) هو الذي يجلس وراء المكتب ، بل كان رئيس الفرع ( ع ) ، بينما جلس المحامي الطويل النحيل ، الذي لم تحن قامته السنون والأمراض على اليمين ، بجوار الكاتب بالعدل التابع للنقابة والذي ينظم الوكالات . هذا المحامي كان في السابق ضابط شرطة كبير وبعد أن تقاعد زاول مهنة المحاماة ، وصار مع الأيام أقرب لوجهة نظر الناس من السلطة ، شتان بين أن تكون رجل سلطة ، رجل أمر ونهي ، وبين أن تكون مواطناً ، في بلد يقول فيه المسؤولون (القانون لنا وليس علينا )، القانون وضعناه لنطبقه على الآخرين ، وليس لنقيد به أيدينا .. القانون هو مجرد لغة تهديد نهدد بها من يزعجنا ، فيعلم الثمن الذي سوف يدفعه لو غضبنا عليه ..
اليوم جاء المحامي ، وهو ضابط شرطة سابق ليتوكل عني ، وينضم إلى بقية المحامين .. وعليه أن يواجه الرجال الذين مروا ذات يوم تحت أمرته ، وأن يواجه السلطة التعسفية التي كان شريكاً فيها بشكل ما .. وباسم القانون والحقوق التي غابت وغيبت زمناً طويلاً ..
في الواقع كان جلّ همه أن يحصل على زيارة بحجة الوكالة وأن يراني ، وأن يقدم أي مساعدة باسمه واسم الكثيرين في بلدتي .. وكأنما كان يعرف أنها المرة الأخيرة التي سنلتقي فيها ، وأن المرافعة التي كتبها للدفاع عني ، ستكون آخر ما سيكتب على فراش الموت قبل رحليه إلى دار البقاء .. كانت بادرة طيبة منه ، وقد قيمت ذلك كثيراً في جو من السلبية يعم الشارع تجاه كل قضية عامة .. لم تطل الأيام قبل أن يدخل المستشفى بنزيف معدة تبين أنه ناجم عن سرطان مستفحل .. وهكذا كان شيئاً عاديا أن لا يحضر جلسات المحكمة وأن يرحل إلى رحمة الله تعالى .
فبعد أن نظمت الوكالة ووقعت عليها ، أوصى بي رئيس الفرع الذي يعرفه سابقاً .. فتبسم رئيس الفرع بجفاف ، ثم أعطاني المحامي صفحات قائلاً هذا نص خطاب القسم للسيد رئيس الجمهورية ستبني دفاعك عليه ، تناولت الأوراق ، فتدخل رئيس الفرع قائلاً وهل تعترفون عليه .. تبسمت أنا ابتسامة جافة تشبه ابتسامته السابقة .. إنه أمر واقع ، هو أيضاً لا يهمه اعترافنا ، دائما هناك من يرفض وهناك من يقبل .
نظر العقيد رئيس الفرع للمحامي : هل انتهيت لدينا عمل كثير ..
نهض المحامي وقبلني وغادر ، وقف رئيس الفرع في الباب وقال اجمع حاجياتك ستنتقل من الغرفة ، حدقت عيناي في عينيه .. ماذا ؟ كان متوتراً ومنزعجاً لدرجة الغضب لكنه كان يحاول إخفاء ذلك ، حتى النقيب كانت ملامحه شديدة التوتر .. تركتهم وتوجهت لغرفتي القريبة فتبعوني إليها ومعهم بعض العناصر
دخلنا الغرفة وبدأت بجمع أشيائي ورغم كثرتها فقد كنت دوماً متحسباً لانتقال سريع ، المهم تمكنت من جمع معظم الأشياء قبل أن تبدأ حركة الانتقال ، وأثناء ذلك كان العقيد يوجه الإهانات والتهديدات والصفعات لسجين آخر كان يشاركني الغرفة ، أيضا حاول استفزازي لضربي .. لكنني بقيت صامتاً اجمع أشيائي ولا أرد عليه وكأن أمراً لم يكن متجاهلاً وجوده ، حاولت جاهداً ألا أفقد هدوئي ولا أمثل دور الضحية والسجين بل الند ، كنت أدرك أنه في لحظة ضعف واحدة سوف يستغلها لينهال علي بالضرب .. تذكرت مرة كنت في زيارة أحد الأصدقاء في لبنان ، وكان عنده كلب حراسة شرس ، يومها طلب منا الانتظار كي يبعد الكلب عنا ، تجاهلت طلبه وتابعت باتجاه الكلب وأنا أقول له : الكلاب لا تعض السوريين ، وبالفعل حاول هذا الكلب إخافتي ، وتهجم ونبح ، وعندما حدق في عيني ، ولم يجد فيها غير التحدي ، تراجع وهمد وصمت .. علمتني تلك الحادثة شيء اسمه لغة العيون ، فالحيوانات تقرأ العيون .. ويبدو أن للعين إصدار ما تصدره ربما كان موجات رادارية ، وتتلقاه العيون الأخرى فليست البقعة الصفراء هي المنطقة الوحيدة التي تستقبل الأشعة التي تجمعها عدسة العين ، لكن كرة العين فيها شبكة عصبية وتستطيع الإمساك بأمواج أخرى تقاس بالسنتي مترات . طبعاً هذا افتراض أفترضه ، وليس حقيقة علمية بعد .. المهم نجحت في تجنب إهانة جديدة ، بواسطة تجاهل زمجرة وعنفوان ضابط أمن يحيط به عناصره ، وهم مستعدون للانقضاض على ضحيتهم بمجرد الإشارة منه .. في حين سقط جاري في مصيدة محاولة التبرير والدفاع عن نفسه ونال ما نال من الإهانة .. لسانك بدو قص ولا .. هنت ( أنت ) حقير ولا ، وما بتفهم ، وعندما لمس في عينيه الخوف ، انهال عليه بالصفعات .. أظن أنه نال مخصصاته ومخصصاتي من الصفعات أيضاً .
هذا اليوم هو يوم الجلسة الثانية من محكمة رياض الترك رياض ، الذي رفض المرافعة أمام المحكمة ، و علمت فيما بعد أن ذات الضابط في ذات اليوم قام بضرب عارف وحبيب ، قبل أن ينقلني إلى المنفردة الأولى على اليسار ، في المهجع رقم 2 ، الذي قسم لسبع منفردات وحمام .... العناصر حملوا حقائبي ونشروها في الكوريدور على الطرفين ودخلت أنا للغرفة بدون أي شيء وأغلق الباب المصمت علي ، كانت غرفة صغيرة 3×2 متر ، وفي داخلها مرحاض عربي 1×1 متر ، وبجانبه مغسلة صغيرة جداً ، وفيها سرير عليه بطانيتان ، فيها ضوء نيون ، ولها نافذة عالية تحت السقف تطل على باحة الجناح الأول الذي تحتنا .. كانت الغرفة قذرة جداً ، وعندما فتحت حنفية الماء ، تدفق الماء قليلاً ثم بدأت يتناقص ، أسرعت وملأت إبريق ماء موجود في التواليت .. نفضت البطانية من الغبار وشغلت الشفاط وخلعت قميصي . وجلست على السرير أنتظر الآتي وحاجياتي .
وبعد ساعتين أدخل لي بعض الحاجيات وقد جرى تفتيشها بدقة . فأنا كنت دوماً أرتبها لتأخذ أقل حجم ممكن داخل الشنتة والكرتونة .. تناولت بشكيراً صغيراً وحولته إلى ممسحة وبدأت بمسح الغرفة وغسل البشكير ، ومرة بعد مرة صارت الغرفة أقل قذارة ولكن الماء تلاشى ، الروائح المنبعثة من بلوعة التواليت كانت كريهة جداً ، فمستوى الماء فيها لا يغلق الفتحة ، وليس لها كوع S قاطع للرائحة ، لذلك كان الحل الوحيد هو إغلاقها .
استعملت قنينة بلاستيكية كانت تحتوي ماء جافيل كنت اشتريته من الندوة لتطهير الغرفة السابقة . جاءت مناسبة للفتحة ، أفرغت محتواها في التواليت الجديد القذر المليء بالاسمنت ، ولا أدري وكيف صار بتلك القذارة وهو جديد ، ولم يستخدم بعد فأنا أول من يسكن هذه الزنزانة ، كنا نمر بجانبها وهم يبنونها ، لكن يبدو أن العناصر كانوا يستخدمون الغرفة كمستودع قبل انتقالي إليها وتعمدوا تركها قذرة لتستقبلني في ليلتي الأولى معها وهي في كامل قباحتها و سفالتها .
لم يقصد مصمم المنفردات وهو للغرابة رياض الترك ذاته ، و الذي كان موقوفاً فيها ( داخل المهجع رقم 2 قبل تحويله لغرف انفرادية ) عندما جاء المهندسون لتخطيط المنفردات بعد اعتقالنا .. وقد تبنوا اقتراحات رياض الترك الأمين العام للحزب الشيوعي السوري جناح المكتب السياسي منذ انشقاقه قبل أربعين عام ، لأن رأيه كان هاماً لكونه خبير منفردات ، فقد سجن لأكثر من عشرين عام بينها ست عشر سنة في زنزانات انفرادية . لم يقصد هذا المصمم العظيم أن تترك بلاليع المراحيض بدون كوع ريحة ، لكن وبكل تجرد تصميمه جيد وعملي ، خاصة وأن الضوء يتم التحكم به من الداخل ، ووجود مرحاض في الداخل يمكن أن يستخدم لمنافع عامة ( مطبخ حمام مرحاض مشترك ولكل الأغراض ، وأيضاً وجود مأخذ كهرباء لتشغيل السخانة ، فكل تلك الأمور كانت هامة جداً ، وكان بالإمكان بعد وضع التخت أن تبقى فسحة بعرض متر وطول 3 متر للمشي والصلاة والطبخ .. و ؟ وهكذا عادت حاجياتي ، يفترض أنها كلها ، لكن الماء لم يأتي ، قلت للسجان الماء مقطوعة .. عندما فتح باب الحديد وأدخل الحاجيات .. بدأت بترتيب أشيائي حسب المكان الجديد .. كنت مرهقاً من التوتر ، لبست بيجامتي ومددت الشراشف النظيفة واستلقيت .. وتناولت دفتراً وقلماً وبدأت أكتب ، وهكذا استعضت عن الكلام بالكتابة وصرت أكتب كل ما أريد البوح به للجدران المجاورة ، صار الدفتر أذن حبيبتي التي تعودت الكلام معها .. صارت زوجتي دفتراً ولساني صار قلماً .. فحبيبتي معي بيضاء ناصعة مستمعة لا تشرد ولا تمل من السمع ، وأذني تسمع صوتها وتلتقط تعليقاتها .. وقلمي يرد عليها .. أي حبيبتي هذه الغرفة بحاجة للمزيد من النظافة والترتيب .. ولكن نريد الماء ، لو فتحو الباب لصعدت إلى السطح وتدبرت أمر الماء ، لكن ممنوع ، مع أن الماء يشرشر من كل مكان فوق السطح ، إلا من حنفيتي .. شربت من غالون ماء الشرب حتى ارتويت ، كان جسدي يتصبب عرقاً رغم الشفاط .. تفقدت أشيائي بسرعة الحقائب الثلاث الكرتونة ، الطناجر إبريق ماء الشرب الآجري ، مئونة الطعام حتى الطبخة وقد كانت رز بفول ، وتفقدت بسرعة اللوحات .. موجودة .. آه جيد ، رغم صغر الغرفة فوجودي مع حاجياتي أمر جيد .. أستطيع العيش بشكل مقبول .. لم أنتبه بالبداية للدفاتر بسبب كثرتها ، فقد حضر بعضها ، وفرحت بقدومها فالقلم والدفتر هو الشكل الجديد لمخاطبة العالم .. هو ما يكسر وحدتي ..
ارتديت الشورت الجديد الكحلي الذي لم أرتديه من قبل ، وكنت قد أحضرته للصيف ، وعلى ما يبدو أن هذا الصيف حار ، خاصة في هذه الغرفة .. ماء أريد ماء لأستحم كي أتمكن من الأكل .. أقرف من نفسي فكيف آكل ..
صنبور الماء يقطر قطرات ماء صدئة .. صرت أجمعها في الأواني والأكياس ، لدي الكثير من أكياس النايلون ، أستريح قليلاً ثم ارتبت قليلاً ، وأفكر كثيراً .. وتمكنت خلال عدة ساعات من تحقيق أمرين الأول هو ترتيب الغرفة بشكل مقبول ، الثاني السيطرة على أعصابي ، التي هي في الظاهر هادئة ، تصرفت بهدوء ونقلت معظم حاجياتي ، لكنني كنت أركب مرجوحة الأفكار والهواجس والوساوس ، مرة أجد نفسي غير قادر على العمل نهائياً فأسقط فوق السرير ومرة أستجمع بعض قواي وأتابع ، هكذا مضى الوقت وصارت الساعة العاشرة ، الماء لم يأتي دققت الباب مرة مرتين ثلاثة ، عدة مرات ، لا جواب ، في الخارج تسمع أصوات لكن أحداً لا يرد ، حتى الآن لم أفكر في من يوجد في المنفردات الأخرى ، فقد كان لدي من المشاغل الداخلية ما يلهي ، و عندما صار عندي كمية من الماء كافية لحمام دخلت المرحاض وتحممت بالماء الصدئ ، لكن بوجود شامبو أجنبي جيد كان الحمام مفيداً ، فهو الذي يشعرني أنني إنسان ..
بعد الحمام أكلت ما تبقى من طعام .. ولم أفكر بغلي الشاي .. ، لكنني فجأة انشغلت بمن حولي ، كان حبيب وفواز في المهجع رقم 4 ويمكنني من النافذة أن أشاهد نافذتهم ، صعدت فوق حديد التخت ونظرت .. الغرفة بدون أنوار .. إذا حبيب وفواز هنا ، يعني أنني لست وحدي في المنفردات ، يجب أن أعلمهم بوجودي .. فهناك طاقة عالية جداً تفتح على الكوريدور ، يمكنها نقل الصوت .. بدأت بإصدار الأصوات ، لم أكن حتى هذه اللحظة أعلم بوجود حارس بشكل دائم في الكوريدور .. ، في البداية قرقعت بالطنجرة ، ثم سعلت بقوة ولعدة مرات ، ثم لا إله إلا الله عندها فتح الحارس ( ق ) الطاقة قائلاً : ( أرجوك لا تصدر أصواتً ).... قلت: حتى لا إله إلا الله ؟ ، قال : (حتى لا إله إلا الله ).. قلت له : والماء لماذا مقطوعة ألا تخافون الله نحن بشر .. صمت ثم قال ( سأحاول ، لكنني أرجوك ولا صوت التعليمات مشددة جداً والوضع سيء ).
فهمت وتيقنت أننا جميعاً هنا وبعد قليل تدفق الماء ضعيفاً فغسلت ثيابي الداخلية وملأت ما استطعت من الأواني والأكياس ..
وشعرت ببعض الراحة .. نحن هنا جميعاً هذا يعني أن السلطة منزعجة جداً وهذا جيد بحد ذاته .. وموقفنا من مقاطعة المحكمة أحرجهم .. هناك أشياء جيدة دوماً ترافق الأشياء الأكثر سوءاً .. وحتى لا أنسى التاريخ دونت على الجدار 19/5 / 2002 الأحد وقمت بوضع إشارة الشطب عليه كيوم انقضى ، ورتبت سريري للنوم ، وقد كنت بحاجة للنوم لقد تعبت ، ومع ذلك كنت في خفايا نفسي أشعر أنها نهاية من نوع ما .. هكذا يتسرب الأمل مع كل يأس ، إنه أمر عادي أن تقاوم الأسى بالأمل ، فهذه لم تكن نهاية بل كانت بداية ، بداية عادية تماماً ، كيوم اعتقالي .. مساء السبت 8/9 / 2001 :
في الساعة الحادية عشر ليلاً جاء رجل يطلب مني إسعاف زوجته المغمى عليها في منزلها ، وبدافع من واجبي بتلبية حالات الإسعاف ، ذهبت معه على الفور ، حتى أنني لم ارتدي حذائي ، بل ذهبت بالشحاطة ، ولما كانت معه سيارته ، تركت سيارتي ، وأخذت محفظتي وركبت معه في سيارة ( الفان ) الزيتية المغلقة ، التي تحمل لوحة خاصة لريف دمشق والتي سوف أشاهدها بعد ذلك في فرع التحقيق ، وكان يستعملها الملازم أول مالك ( من أهالي الجولان ) ولا أدري إن كانت خاصة له أو يقودها بمهمة، كما ذكر لي فواز أنه كما يراها أمام منتدى رياض سيف ، فالسيارة كانت تحمل لوحة خاصة ريف دمشق .. ومع أنني كنت يومها أنتظر الاعتقال وقد رتبت حاجياتي في كيس وساعدتني ابنتي هند في ذلك ، لكنني لم أكن أتخيل أن أختطف هكذا ، كنت أتصور أن يأتوا ويقولوا هيا معنا بشكل صريح كما فعلوا مع رياض ، ومع أنني شككت في الرجل وكذلك زوجتي ، فبقيت على الباب عندما ركبت معهم .. ولن أنسى نظراتها القلقة تلك وكأنها تعرف أنها نظرة الوداع ... يومها حسمت الأمر بسرعة.. الاعتقال هو الاعتقال ، ومن الباب أفضل من دخولهم للداخل .. هيا ولا تتردد .. وعندما ركبت السيارة كان شخصاً آخر فيها ، أخذ مني الشنتة ووضعها في الخلف وقاد السائق السيارة باتجاه خاطئ .. قلت أين البيت أليس من هذا الاتجاه .. ، ولكنه كان مرتبكاً ويلهث ، بقيت أشك ربما يكون لهاثه بسبب انفعاله على زوجته ، حتى ابتعدنا قليلاً عن المنزل عندما قفز رجل كان مختبئاً في الخلف بينما قيّد الجالس بجانبي يدي بجامعة ( بكلبجة ) ، ووضع الآخر على عيني عصابة من قماش وسخ ، ثم صوب المسدس نحو رأسي وهيأه وهو مصوب وقال دكتور ولا حركة ..

كان الجميع يلهث وعلامات الرعب والهلع بادية عليهم فهم يعرفون تماماً أن ما يفعلوه وحشي وأنني في يوم ما في هذه الدنيا أو في الدار الآخرة ، سوف أحاسبهم على ما فعلوه والله على ما أقول شهيد .. أنا عادة في اللحظات الحرجة تهدأ أعصابي ، ولا أقوم بردات فعل . قلت له لا داعي لكل ذلك فإنا أنتظركم .. قاد السيارة بتوتر ، وكنت أعرف أين نسير فأنا أعرف الطرقات جيداً وعندما دخل باب المفرزة ، لم يستطع إيقافها في اللحظة المناسبة فصدم الجدار . أغلقوا باب المفرزة الذي هو بجانب الخمارة في منطقة المحطة في القسم الغربي من بناء السرايا في الزبداني ، وأنزلوني بعد أن فكوا العصابة عن عيني ، وبقيت الجامعة في يدي ، وصعدوا بي الدرج إلى غرفة رئيس المفرزة وكان يومها من بيت مخلوف ولا أعرفه ولم ألتقيه من قبل ، دخلت وكان معي اثنان ،أحدهم يحمل محفظتي وهو من صوب المسدس لرأسي .. قال لهم فكوا عن يديه لماذا هذا ، قلت له لقد صوبوا المسدس إلى رأسي ، فقام وصفع العنصر ، وقال له : هل قاومك ؟ ، قلت له لا داعي لهذا .. ، طلب مني الجلوس وأمر بالقهوة .. قلت له أريد استعمال الهاتف لأخبر زوجتي أنني معتقل ، قال لا ليس اعتقالاً .. قلت له أنا أعلم أن القيادة القطرية قد قررت اعتقالنا يوم الخميس وقد أبلغنا ذلك أحد الصحفيين وقال يومها الخبر ليس سراً بل للنشر .. وأنا أنتظركم ، وقد جمعت حاجياتي ، فقط أريد أن أكمل ارتداء ملابسي وأحضر حاجياتي وأذهب معكم .. رفض ، فقلت له هذا حقي وفق القانون .. قال لا أستطيع . قلت له إذن أوصل هذه المحفظة لأخي فأنت تعرفه بحكم كونه رئيساً للبلدية ومكتبه مجاور لك . قال سوف أفعل ، لكنه لم يفعل ، ولم تسلم المحفظة لهم إلا بعد السماح بالزيارات بعد ثلاث أشهر ، فقد كانوا يخططون لاختطافنا سراً إلى أماكن مجهولة كعادتهم . وإنكار اعتقالنا ، ولا أخفيكم أنه عندما صوب المسدس إلى رأسي شخص مدني بسيارة مدنية ، لم يعرف عن اسمه ولا عن هويته ولا مهمته ، خطر ببالي أنهم شبيحة ، أرسلوا لتصفيتنا خارج القانون ، لكنني عندما دخلت مفرزة الأمن وشاهدت صور الرئيس الراحل وأولاده ، اطمئنيت لأنني في دائرة رسمية ، وليس تحت رحمة عصابات الشبيحة الشهيرة التي يعرفها الجميع ، والتي تستخدم أيضاً لأغراض إجرامية جنائية سياسية إضافة للاقتصادية ، شربنا القهوة واتصل الضابط بالفرع وأعلمهم بوجودي عنده ، ثم ركبنا سيارته مع أربعة عناصر وتبعتنا الفان نحو دمشق ، وعند خروجنا من المفرزة كانت سيارة البيك آب السكودا الكحلية اللون ، التي كانت تراقب بيتي وعيادتي في ذات اليوم ، والتي أعرفها وأعرف صاحبها وهو من قرية مجاورة ، لكنني لن أحاسبه بشكل شخصي بعد أن عرفت أنه موظف في الأمن وليس مخبراً ، ولو كان مخبراً لكان حسابي معه مختلفاً وعسيراً ، لكنه ولكونه موظف ( عبد مأمور ) كما يقولون لذلك فمشكلته تدخل ضمن إطار مشكلتي مع السلطات ، ولا تدخل تحت إطار الخلاف الشخصي ، ما أزعجني منه أنه كان يبتسم في وجه رئيس المفرزة ، فهو سعيد لأنه شارك في عمل إجرامي ، لكنني لا أتوقع له أن يبتسم كثيراً في مكان آخر وظرف آخر ، يبتسم لأنه أنجز المهمة .. ما شاء الله على رجال الأمن ..فقد حرروا الجولان .. عندما اعتقلوني .. كنت طول النهار مداوماً في عيادتي ، ثم ذهبت إلى منزلي ، ولم أكن متوارياً ولم أرفض أي تبليغ قضائي ، فأي مهارة في اعتقالي ، وأي مرجلة في تصويب المسدسات ، وهذه الحركات البهلوانية ، خاصة بعد أن كبلت يدي وربطت عيني ، لكن الصغار دوماً يعلنون عن مستواهم .. رجال مطلوب منهم أن ينشروا الأمن فيختطفوا البشر ليلاً و يروعوا الآمنين ثم يبتسمون .. نجحنا ، وهم ذاتهم من فر من ساحات المعارك وسلموا الجولان فارغة من الجيش والسكان وفروا من لبنان ومن ومن .. لكنهم بكل تأكيد رجال أشداء في مواجهة المدنيين من أبناء شعبهم .. أتذكر بمرارة هزيمة الـ 67 وقد كنت يومها في العاشرة من عمري .. وهي أول تفتحي على ما يحدث وعلى الشأن العام السياسي ، يومها قالت القيادة البعثية ، إنها نكسة وليست هزيمة ، وأن هدف إسرائيل ليس احتلال الأرض بل إسقاط النظام التقدمي ( سلطة حزب البعث ) في سوريا ، وفشلت إسرائيل ، وبقي النظام ، و بكل أسف ، بقيت زوجتي تنتظر عودتي بلا فائدة ، وسألت كل من تعرف , وأيقظت الجميع في الليل وكان بينهم المحامي حبيب عيسى الذي نصحها بالتوجه لمخفر الشرطة وتقديم بلاغ عن اختفائي .. لكن الشرطة كعادتهم تناولوا الموضوع ببلادة ، وقالوا لها ربما المخابرات أخذوه .. فكل من يختفي في بلادي عادة يكون الأمن قد أخذه ( لاحظوا مفارقة التسمية أمن ) فبعد مدة وأثناء التحقيق مع وليد قالوا له أنت قلت أنك لا تخاف رجال الأمن .. قال نعم ومن يخاف من الأمن أليس لحمايتنا لماذا اسمه أمن أ لنخاف منه .. وفي اليوم التالي أطلق المحامي حبيب عيسى تصريحاً باختطافي ، ثم فعل ذلك أكثم نعيسة وآخرين مما أجبر السلطات ، ووكالة سانا الرسمية على إعلان اعتقالنا ، وبذلك فشلوا في التستر على اختطافنا ، وعندما كنا في فرع الفيحاء وأثناء التحقيق معنا في غرفة رئيس الفرع كان تلفزيون الجزيرة يكرر كل فترة وفترة خبر اعتقالنا وكلمات لعارف بصوته .. شكراً للإعلام .. وتعساً للتعسف .
ما الذي يمنع العناصر من اصطحاب مختار والتعريف عن أنفسهم وتبليغ أمر التوقيف علناً ، وما الذي يمنع السلطة من إحالة الذين تتهمهم بشكل قانوني ورسمي لمحاكم قانونية ورسمية وعلنية وليدافعوا عن أنفسهم ويعاقب المدان بعد أن يعطى حقه في الدفاع .. هو شيء واحد إنه إدراك السلطة مسبقاً أن ضحاياها أبرياء ، وأنها مجرمة بحقهم ، وأنها تريد اعتقالهم تعسفياً واعتباطياً ومزاجياً ، وسلوكها الوحشي هذا ضروري لتكريس هيبتها كسلطة متوحشة ، قادرة على التهام من يعارضها .. بهذه الطريقة فقط يسود الإذعان لسلطة الطغيان . وتبقى فوق الكرسي بأمان لآخر الزمان ، ضاربة عرض الحائط بأبسط مصادر الشرعية لأي سلطة ، وهو قبول الشعب بها . ومتحولة لسلطة احتلال بالعنف والإكراه والإجرام والوحشية . ...عندما ترتكب السلطة خطأ ، فالجميع , أي كل مواطن , سيكون مسئولا عن خطأ السلطة لأنها تحكم باسمه ، لكن وبوجود سلطة احتلال يتنصل المواطن من مسؤوليته وتسود السلبية ، وبوجود سلطة تعسفية غير قانونية ، يتنصل كل موظف من مسؤوليته ويقول التعليمات ، وأنا عبد مأمور ، وينسى أنه موظف مسئول عن تطبيق القانون ، وأنه إنسان له قيم ودين واعتبار وأنه في كل الحالات إنسان حر مسئول عن تصرفاته أمام الله تعالى وأمام الناس وضميره . .
قبل الواحدة ليلاً كنت أبيت في زنزانة في الشعبة بالمزة خلف دار البعث ، الليلة الأولى استضافوني في جماعية مكيفة ( 3 ×3متر ) مظلمة مغلقة تماماً ، في سقفها قسطل بلاستيك ( 5 أنش ) عليه شفاط يدفع الهواء نحو الأسفل فيخرج الهواء من شقوق الأبواب ، وبجانبه ضوء بعيد لا تزيد استطاعته عن عشر شمعات .. بالكاد ترى يديك .. وفي الغرفة كومة بطانيات لا أراك الله ، قذرة متعفنة ، وفي الغرفة بقايا طعام وجرذان وصراصير ووو ، كانت ليلة حارة . استنضفت بطانيتين ،وخلعت ملابسي ، واضطجعت وقلت هذا ما كنت تريده وتسعى إليه يا كمال ، تحمل إذن .. إن القذارة والروائح الفظيعة ذكرتني بدروس التشريح ، فقد كانت رائحة الجثث مع الكلوروفورم ، تكاد تسبب لنا الإغماء ، وكنا نفقد شهيتنا عن الطعام ليومين بعد الدرس ، بالرغم من استمرار غسلنا لأيدينا وللحمامات المتكررة بعده ، لكن الأستاذ أبو الخير رحمه الله كانت المشرحة بالنسبة إليه أمراً عادياً ويومياً ، وكان يؤجل موعد الدروس العملية لما بعد العيادة ، فقد كان يباشر الدرس في التاسعة مساء ، ولما كان قادماً من العيادة ، فقد كان يطلب من أبو سعيد سندويتشة ، وكأس شاي كبيرة ، من مقصف الجامعة الأزروني القريب ، وهكذا يجلس على طاولته يتناول طعامه بشهية ، ولا يمنعه ذلك من مساعدة طلابه في تشريح الجثث أثناءها ، وكان أحياناً يحمل طعامه ويدور بيننا ..
وبالفعل وكأي شيء عادي استطعت النوم لمدة معقولة في هكذا ظرف تلك الليلة ، نسيت هنا أن أذكر ( وهذا للأمانة فقط ) أنني شاهدت في غرفة المساعد الذي تسلم الأمانات في الشعبة، بساط الريح ودواليب وخيزرانات وكرسي بلا قاعدة ، وكلها على ما أعتقد وسائل تعذيب رسمية مستخدمة في وطني المظفر .
في الصباح جاء رئيس فرع الريف العميد ( ر ) وقال لي ما اسمك قلت له ألا تعرفني ، فقد كان في السابق يخدم في بلدتي الزبداني ، ومن المستغرب أن لا يعرف ضابط معتقله ، توقف عن الكلام ، قال البس واتبعني ، كنت في وقتها في الملابس الداخلية ، فارتديت قيمصي وبنطالي وشحاطتي ، وخرجت خلفه ، كانت الشمس مرتفعة ، والعناصر مداومة في الكوريدور ، وكانوا يضربون لنا التحية كلما مررنا بجانبهم ، وكنت أسير بجانبه و بشحاطتي . وركبني سيارته ، وذهب بي لفرع التحقيق ، حيث سلمني هناك ، ولم أره بعدها .. في الفرع أنزلوني للقبو وسلمت الأمانات ، وكان على طاولة المساعد مغلف يحمل اسم عارف دليلة ، وآخر تحته عليه اسم وليد ، فعرفت أن وليد وعارف معي في الاعتقال .. ودخلت في ضحى 9/9 /2001 الزنزانة رقم 21 التي في الجهة التي لا يوجد فيها نوافذ على الإطلاق ، في نفق المنفردات ، وقد كانت متعفنة جداً وترشح الماء وكل تهويتها ثلاث ثقوب في طاقة الباب :
الوقت ظهيرة ..
وثقوب في الباب الأسود
يتسلل منها الضوء
لتظهر فيها شبحاً
أو أحداً
أحداً يقطن في الداخل
والداخل
أشبه بحظيره
في الداخل
مرحاض عربي
وبجانبه مصطبة من اسمنت
صنبور لا يغلق
شريحة صابون
لا تمسكها الأيدي
و في كل مكان
عفن قاتم
وفي الداخل شبح
جاثم
جدران تتصبب عرقاً
وسوائل آسنة
وروائح مهلكة
تتزاحم
وتحاول أن تهرب
نحو الحرية
لكن ...
لا يوجد غير ثلاث ثقوب
لا تدخل منها الإصبع
هي مجمل ما ترك لنا
من أصل فضاء رحب
وسماء كونية
الوقت ظهيرة
والسل القابع في الداخل
يقتل
والصمت يحطم كل الآمال
والظلمة تطحنها كرحى
وتعجنها بصديد القيح
والأوجاع كثيرة
سكان الأرض بمجملهم
لن تدخل نسمة ريح واحدة
لتسعف رئة لاهثة
أو قلباً يتهادى
أو أرواحاً ترتعش
فقيرة
أشباح أخرى
يكشفها الصوت الآتي من خلف الجدران
أنفاس تتهامس
تتعارف بالطرق على أقنية الماء
بالصوت المكبوت ..
كم .. كم أمضيت هنا ؟
سبعة
أيام
لا أشهر
سبعة أشهر
في هذا القبر ؟
نعم
حياً تتنفس ؟
نعم
كيف صبرت ؟
كيف تحملت ؟
لماذا أنت هنا ؟
لماذا هذا ؟
يا الله
يارب الأبدية
أحد ما يعرف
أحد لا يعرف
أن اسمه محمود
ابن ربيع دمشق
وقبر صلاح الدين
فطين ، أهيف
يقطن في القبو
تحت الدرج
في فرع الفيحاء
في الرقم الحادي والعشرين
مازال الوقت ظهيرة
هي هي محمود
ماذا
أتحسس صرصوراً
اسحقه على الفور
لا . لن أزهق أرواحاً آمنة
هذا موطنه الأصلي
نحن الغرباء هنا
لا لا سأعتقه
عسى أن يصفح عنا الباري
بشفاعته
أو بشفاعة أولاده
يقاطعنا صوت السجان
(سكوت ولا
يا سافل
أنت وياه )
فسحة صمت مهلكة
يملؤها الذل
ذل في وطن
يتنفس من ثقب
والأرواح أسيرة
الوقت مساء
والتهم خطيرة
أنتم أعداء السلطة
ودعاة الحرب الأهلية
والتحريض على العنف
وخرق الدستور
وعملاء الامبريالية والصهيونية
لا أبداً
لن أتكلم من غير محام
نكرهك على القول
تكرهني حاذر
سأقاضيك في كل العالم
حتى في محكمة العدل الدولية
يتراجع
هل أنت جبان حتى
تنكر ما قلت علانية
لا .. أبداً
لا أنكر ما صرحت به
لكن لا تجعل مخبرك يقوّلني
نملك تسجيلاً
لا تملك
فمخبركم ( م ) أعرفه
لا يملك إلا شريطين اثنين
فمن أين ستأتي بالتسجيلات الصوتية
طيب سأريك بعينيك
ألو يا فرع الريف
أين التسجيلات
...
لا تتعب نفسك لن تأتي
فعناصركم لا تخدم غير مصالحها الذاتية
حسناً حسناً
قل لي وبلا إكراه
ماذا تقصد
أقصد وطناً للكل
أقصد وطناً لا ينهبه النهابون
وقضاءً يحكم بالقانون
ومواطن ينعم بالأمن
وبالحرية
هكذا أصبحت أخيراً سجيناً سياسياً وهو أمر عادي يحصل لكل السياسيين ، حتى أننا لا نطلق لقب سياسي إلا على من دخل السجن ، إنه شرط الانتساب لعالم السياسة ولعالم المعارضة ، في دول الحزب الواحد ، والنظام التوتاريتاري . في اليوم التالي ، أحالونا لمحكمة أمن الدولة العليا ، ثم لسجن عدرا ومكثنا بغرفة واحدة أنا وعارف عدة أيام ، ثم انضم إلينا وليد ، ثم حبيب ، واستمرينا معاً لمدة ستة أشهر حتى أضربنا عن الطعام ، ففرقونا ، وبقيت أنا مع شخص آخر في غرفة لمدة شهر ، ثم نقلوني للمنفردة يوم 19/5/2002 ، أي هذا اليوم الذي نحن فيه ، والذي لم يكن يوماً عادياً جداً بالنسبة لي ، فقد حدث فيه تغير والتغير في وطني ممنوع ، لأنه يزعزع الاستقرار ، وهذا يؤثر على جلسة الحاكم فوق الكرسي ، فكل اهتزاز وكل حركة وكل تغير وكل تطور ممنوع ومستبعد ، لذلك يراوح وطني في مكانه منذ40 عاماً . بينما سارعت الأمم والشعوب نحو الأمام ، وهذا شيء عادي ومنطقي ، فالتاريخ كما يقول غورباتشوف منهدس البيروسترويكا ( لا يرحم المتأخرين ) ، فكيف بنا نحن المتجمدين ، والله أيضا غاضب علينا .
وقبل أن يغلبني النوم تذكرت الدفاتر ، الدفاتر ربما لم تكن كلها موجودة ، بسرعة نهضت وبحثت ، الدفاتر غير موجودة .. ماذا أخذوها ؟ فيها أشعاري ومذكراتي وأشياء وأشياء ، اللعنة .. هاجس جديد ، عندها أخرجت اللوحات وقمت بطمس بعض الرموز التي تفسر بشكل ما واضح منها ، لكن مشكلة الدفاتر ما تزال تؤرقني ، ولكنني لم ألح في طلبها حتى لا يظنوا أنها هامة بالنسبة لي ، وفي الصباح وعند توزيع الطعام طلبتها من السجان ، وفي اليوم الثاني كنت أستمع لأصوات الزنزانات وفهمت أن ستة منها مليئة .. بقي علي أن أحدد من يوجد ، وفي أي زنزانة .. الماء ما تزال مقطوعة طلبت الماء لا فائدة ..
كانت التعليمات مشددة لا صوت ولا همس ، حتى السجانون يتكلمون همساً .. ماذا يحدث لماذا كل هذا ؟ .. سأنتظر لأعرف .. التوقيت متناسب مع جلسة رياض الترك الثانية حيث كان يخطط لتفجير قنبلة برفضه للمحاكمة السرية .. وكنت أعرف ذلك من عارف الذي كان معه في الغرفة المجاورة لي قبل انتقالي إلى هنا .. كانت الغرفتان متجاورتان وقد تمكنت بمساعدة فواز من الغرفة الأخرى من مد بربيش ( خرطوم ماء ) بين الغرفتين عبر الشفاط ، وقد كان على خطين صادر ووارد ، وكنا نتبادل الحديث عبره حتى صادروه .
قبل إعلان إضرابنا عن الطعام أنا ووليد وعارف وحبيب في غرفتنا وفواز من الغرفة الأخرى التي فيها فواز وحسن ورياض وحبيب صالح .
لم تكن أيام الإضراب عن الطعام صعبة كما كنت أتوقع .. هناك جوع ودوخة وإرهاق لكن كل شيء محمول ، تمضي الأيام ونحن نشرب الماء وبعض قطرات الليمون .. ، ولا أدري من أين جاءتني تلك القوة على تحمل الجوع والإقلاع عن التدخين معاً ، مع أنني كنت في مرحلة اكتئاب بدأت مع بداية ربيع 2002
سابقاً كنت أمر بفترات اكتئاب تدوم فترة محدودة وبشدة عادية ، تعبر عن نفسها بتشاؤم وسوداوية وعزوف ، لكن وبسبب ظروف السجن كانت النوبة أشد ، فقد كان النصف الأول من كل نهار مقرفاً ، تسود فيه مشاعر الضجر والغضب ، ولم أكن اشعر بالراحة حتى أعود من الباحة وأتحمم وآكل ، ومع الاضراب توقف كل شيء ، وانزعجت كثيراً بعد تفريقنا ثالث يوم للإضراب ، لقد كان لغياب وليد وحبيب وعارف أثراً هائلاً ، فقد بقيت بذات الغرفة التي احتفظت بآثارهم ، آه أي بؤس .. علينا أن نصبر وصبرت ودخل عارف المشفى ، وعاد ، ومضت الـ 18 يوم قبل أن نفك الاضراب بشكل جماعي ، على وعد بتحسين ظروفنا .. لكن بالعكس ، ومع بداية المحاكمات فعلوا العكس .. كنا بانتظار عودة رياض عندما نقلوني للمنفردة ، فالمسألة متعلقة بموقفنا الجماعي من المحكمة على الأغلب .
قد يتساءل من لم يجرب الاضراب عن الطعام عن هذه التجربة ، أقول له أنه يستطيع الاضراب وحتى الموت لو توفرت عنده الإرادة ، الأمر ليس شديد الصعوبة .. في رمضان نفكر بالمغرب فنجوع ، عندما لا نفكر ، يصبح الموضوع مختلفاً ، يأتي المغرب والفجر وكأن شيئاً لم يكن ، المهم أن نحذف الطعام من تفكيرنا ، لكن في الأيام الأخيرة صارت كل أحلامي طعامية ، تصور أنني أحلم بتناول كأس شاي ، والحلم ليس رغبة بل منام حقيقي واقعي ، أو بيضة مسلوقة .. عادت الرغبة في الطعام وتذوق الطعام إلى فترات الطفولة ، كيف الطفل يحب ويشتهي ويتلذذ يصبح المضرب مثل الطفل ، وعندما أشم رائحة الشاي كانت تخترق عظامي .
وفي الفترة الأخيرة صرت أعجز عن التفكير المركز ، وأصبت طول فترة الإضراب بإمساك مطلق ، ثم صار البول يتلون بالأحمر بالرغم من تناول كمية كافية من الماء ، هناك آلام في المعدة ، لكن اللسان وبالرغم من تنظيفي الدائم له وبالفرشاة غطته طبقة فظيعة من التوسف ( الطلاوة البيضاء ) وأصبح مبطناً ، تحول اللسان إلى جسم قماشي غريب أجنبي في الفم ، وإذا تيسر لي واستعدت اللوحات فقد رسمت ثلاث لوحات في فترة الإضراب ، وما أقوله أن العشرين يوم الأولى ممكنة ، لكن بعدها لا أعرف وما اعتقده أنها ستكون سيئة لأنني بالقرب منها بدأت أشعر بإضطرابات صحية جسدية ونفسية عقلية خطيرة .
فمسألة الصيام مسألة إرادة وتفكير ، وطالما حافظت على قدرتك على رفض فكرة الطعام سوف تستمر وجسدك يطيع ، وعندما عدنا للطعام بعد عشرين يوم من الانقطاع كان طعمه مختلفاً يشبه ذكريات الطفولة عن ذلك الطعام اللذيذ جداً .. كأس شاي .... الله .. مع كل شفة شاي .. أنتقل إلى عالم آخر .. بيضة مسلوقة .. يا ستار ... تبارك الله ... شيء كبير جداً وهام جداً ... فرح غامر خبز زيتون ، كل طعام لذيذ جداً .. مع أنه عادي .
لكن هذه المتعة لم تدم ، فقد قرع عارف الجدار في النهار على غير عادته ( لقد اخذوا رياض ) وعندما عاد عرفنا أنه ذهب للمحكمة ، وهكذا سرعان ما بدأت المحاكمات وجاءت التهم الخطيرة ، وكما هي العادة في الشرق الوسط ، يحدث الأسوأ دوماً وعادة ، ولكي تعرف ماذا سيحصل ،ما عليك إلا تعداد كل الاحتمالات النظرية ، ثم اختيار الأسوأ منها بالنسبة للشعب ، عندها سيكون توقعك مؤكداً ، وذلك بغض النظر عن حساب الاحتمالات المنطقية ، فالذي يختار ويحسم الاختيار ليس المنطق ، بل الحقد والكره المسلط ضد الإنسان في منطقتنا ، والذي أصبح شيئاً عادياً . وبالتالي كان عادياً تماماً أن نواجه تهماً ملفقة وغريبة ومحكمة سرية وغير مستقلة وظروف سجن تعسفية .. و و و من ثم الشعور في مواجهة كل ذلك بالاكتئاب . فالاكتئاب والتعاسة جزء من الهوية القومية ، كما هو العنف والقمع والتسلط والتعسف والإرهاب والكذب والنفاق والسلب والنهب والرشوة والفساد وقلة الذوق وقلة الضمير وإساءة الأمانة و و و . كلها أشياء عادية في سلوك السلطة في منطقتنا .
هكذا تسلل إلينا التشاؤم ، ومع تأثيرات فصل الربيع والسجن والإضراب عن الطعام والإقلاع عن التدخين ومن ثم العزلة والحرمان من الخروج للباحة ، وبعدها المحاكمات والتحقيقات ، كل ذلك كانت عناصر متراكمة استهلكت على ما يبدوا كل خزانات التحمل أو التكيف ، ولم يعد أي وارد يصب في خزانات التعويض ، وهكذا فرغت مراكز الفرح وامتلأت مراكز الحزن ، وبدأت مرحلة اكتئاب جديدة وجدية وعميقة ..
وأول مظاهرها هو التأثر بأبسط الأشياء وتلون المشاعر وتقلبها ، وكأنها أصبحت خارج الضبط وتخضع للمؤثرات الخارجية فقط ، حالة توجس وترقب وسرعة استثارة ، فبداية كل مرض نفسي تبدأ بعدم القدرة على التحكم بالمشاعر ( أي ضعف السيطرة الذاتية والقدرة على التكيف ، ضعف الشخصية ) فتصبح عرضة للتأثيرات الخارجية ، وبشكل مفرط ومبالغ فيه ، فتصبح عرضة للأمواج وتحت رحمتها ، بعد أن افلت المجداف والدفة من التحكم .
لا أحد يقدم لنا المساعدة ، حتى أهلنا الذين كانوا يزورونا ، كانوا هم أيضاً في حيرة ، فأغلب الأقرباء والأصدقاء كانوا يلومونا لأننا نريد التغيير ، وأي أحمق يطالب بالتغيير ، السلطة الحالية في ذهن المجتمع هي عبارة عن قدر لا يتغير ، ولا شيء في عالم السياسة قابل للتغيير وكل واجبات الفرد ، أن يبتعد عن الشأن العام ، وينجو بنفسه ، ويحاول الابتعاد قدر الإمكان . الأحمق من يرمي نفسه في فم الوحش ، وبدا واضحاً أننا سوف نقضي سنوات في هذا المكان ، وعلينا أن نستأصل الآمال والأحلام ، أي علينا أن نتخلى عن الأمل ، ونتحول إلى اليأس والإحباط ، وربما للحقد والكراهية .
كان طبيعياً أن ينكصوا عن وعودهم السابقة بالإصلاح ، وينقلبوا على الناس الذين صدقوهم ، بعد أن استتب لهم الأمر ، وأن تعود السلطة إلى طبيعتها الأساسية ، وهي الاستبداد ، ويعود سلوكها إلى عادته وهو الوحشية .. وهكذا بدأت المحاكمات التي يبدو أنها ستكون شكلية وسرية ، لتبرر أحكاماً جاهزة .
خلال الشهر السابق كان الصباح فترة ضجر ويأس وحزن ، أما المساء فكان أفضل حالاً قليلاً ، وكل الأفكار السيئة كانت تتجمع وتباشر مندبتها .. الدماغ يتآمر على صاحبه .. ويجمع كل احتمالات السوء ويدفعها للوعي ، الساعات الدقائق تمر طويلة ثقيلة ، شيء لم اشعر به من قبل إلا عندما ساءت حالة والدي الصحية ، أنا لم أعش الفشل وخيبة الأمل إلا نادراً وجزئياً ، والآن وقبل هذه الفترة كنت على قناعة أن وجودنا في السجن هو ضرورة لا بد منها للتقدم في طريق الإصلاح ، أما أن يكون وجودنا مجاناً وأن تتوقف عملية الإصلاح وتدخل البلاد في الطريق الأسوأ ونحن في السجن ، فذلك كان مفاجئاً .
كان علينا أن نقاوم ، وكانت هذه المقاومة تمر عبر عنصر وحيد هو الاحتفاظ بالأمل .. وهذا الأمل الذي يحكمنا ( كما قال سعد الله ونوس ) سوف أكتشف فيما بعد ، أنه هو العنصر الأول من عناصر الإيمان الميتافيزيقي الذي يحكم تديننا ، فالتدين هو التعبير عن الأمل ، وهو التفاؤل بأن هناك قوى عاقلة رحيمة تتخذ الحق والخير والجمال هدفاً لها ، وتتحكم بمصائرنا ، وليست هذه المصائر تحت تحكم قوى عمياء غاشمة ، أو تحت سلطة القوة الهمجية العشوائية ، ففي الوقت الذي كانت فيه الظروف تزداد سوءاً بقي الأمل صامداً ، ولما كنا عاجزين عن فعل أي شيء ونحن في تلك الغرف الصغيرة ، أصبحت أنفسنا مسرحاً وساحة لصراع نفسي رهيب ، نحن متلقين فقط ، وتحت رحمة وتعسف الآخرين الذين لا يحترمون شريعة ولا قانوناً ولا أخلاقاً ، هم يرددون علينا دوماً ، نحن هنا القانون ، وما نريده نحن فقط سيتحقق .. وهكذا ..
كانت الأحكام المجحفة التي صدرت بحق مأمون الحمصي ورياض سيف قبلنا مفهومة على أنها محاولة غبية لإظهار القوة في مواجهة الضغوط ومواجهة الفضيحة ، فضيحة أن يسجن أعضاء مجلس شعب لأنهم قاموا بواجبهم واعترضوا على صفقات تفوح منها رائحة الفساد .. إننا نشبه الطبيب الذي تلقى صفعة من مريضه بعد أن أخبره بحقيقة مرضه ، فالمشكلة التي لم يدركها المريض أن المشكلة فيه وليس في الطبيب الذي حدد له المرض .. المشكلة في جسد السلطة التي هرمت وأصابها البلاء . وصارت تنازع وتقف في مواجهة الجميع حتى أقرب حلفائها .. هكذا هي سنة الكون الشيخوخة والمرض والموت .. ستموت هذه السلطة كما مات من قبلها .. واعتقالنا لن يغير حقيقة أساسية هي ضرورة التغيير .
وتمر الأيام على نفس الديباجة وتزداد معاناتي يوماً بعد يوم ، وأصبح تحت تأثير هواجس قد تبدو تافهة ، لماذا تأخر بدون الماء ، أصوات تسمع .. النفس تفرط في الخيال والتوقع .. كل شيء يترجم حسب حالة النفس وحسب انشغالاتها ..
أشد ما كنت أعاني منه هو العزلة ، فمجرد الكلام مع الآخرين قد يريحني .. وعبثاً حاولت التواصل ..
وكأن كل ما نعاني منه لا يكفينا حتى نوضع في هذه القبور ، ونحرم من كل شيء، حتى الجرائد والكتب محرومين منها ... كل شيء .. الماء .. الماء أيضاً مقطوعة ، يا ناس يا عالم يا بقر ، نحن بشر نريد الماء لنغسل أيدينا وثيابنا .. في اليوم الأول جاءت الماء ربع ساعة ،ولم تأتي إطلاقا في اليوم الثاني ولا الثالث ، وكنت مضطراً لاستخدام ما جمعته بحرص شديد: أجلي وأحتفظ بماء الجلي لاستخدامها في المسح ، ثم في التواليت ، وبعد أيام من الانقطاع تبدأ الحنفية في التنقيط ، أتسلى بجمع الماء بواسطة العلبة ساعة بعد ساعة وبمساعدة ما يفيض عن مياه الشرب والتي كانت محددة بعشر لترات ، كنت أتابع تدبر أمور النظافة بشكل مضحك .. تصوروا أنني تحممت وغسلت ثيابي الداخلية بعشرة لتر فقط .. في البداية غسلت الثياب ثم سكبت الماء والصابون على جسدي وغسلت جسدي به ثم فضضت الثياب بالماء التي أستعملها على جسدي ، ثم طهرت جسدي بالماء النظيف ، في النتيجة مجموع الاستهلاك عشرة لتر ، ويستمر إرهاب الماء ، وفي كل مرة أشتكي ولا مجيب ، هناك عطل .. العطل ! العطل ألا يمكن إصلاحه ، المسألة كان من الممكن حلها بوصلة بربيش بطول 30سم بين حنفيتين . واحدة من الخزان العلوي الذين يدعون عدم وصول المياه إليه ، وأخرى من الخزان السفلي المليء دوماً والحنفيتان متجاورتان ، وعبثاً حاولت إفهام السجانين تباعاً ، لكن أحداً لم يستطع أن يفهم ، لأنه لديه أوامر وتعليمات بتعذيبنا بكل الوسائل .. تفتقت العبقرية البعثية وذهنية الأمن عن وسائل تعذيب لا تترك آثاراً يتبعها فضيحة ، وتمكن الضباط الجبناء ولصوص علب الفول من تعذيبنا وإنكار ذلك ، عطل استمر لمدة شهر ، وعندما قرر النقيب دخول غرفنا والطلب منا عزل المحامين .. وخاصة هيثم المالح وأنور البني ، كانت الماء يتدفق بغزارة ولعدة ساعات ، وعندما رفضنا عزل المحامين تجدد العطل ، فالعطل يا أخوتي في دماغ من لا يفهم طبيعة وحقيقة سلوك السلطة ونمط تفكير ضباط الأمن وعبقريتهم في اختراع فنون التعذيب ، وبعدها اختراع فنون النصب والاحتيال والسلبطة على كل مواطن يقع تحت رحمتهم .. بكل أسف أتذكر تلك الأيام وأتذكر ذلك الكم الهائل من الأكاذيب التي يتحجج بها السجانون .. يا رجل اتق الله ، فيحلف بأولاده ، ألا تخاف عليهم .. هم يا أخوتي لا يعرفوا الله ولا يراعوا حق أو دين أو شريعة فقط يناضلوا في خدمة أهداف الأمة التي تحملها التعليمات ، ونحن ضد مسيرة الأمة ، وهكذا سيبرر لنفسه كل فعل شائن يقوم به تجاهنا ، لأنه مناضل .. مناضل يسرق طعام المساجين ، ومخصصات وأشياء السجن .. وكل ما يقع تحت يديه ..
أنت تتقاضى راتباً لكي تكذب ، فإذا حلفت أعطوك إضافة .. موظف بمهمة كذاب وحرامي ومجرم .. ما شاء الله على هذه الدولة ، وهذه الوظيفة .. جلاد .. افتخر فأنت تستطيع ضرب أي سجين عندك وشتمه وإجباره على التوسل إليك .. إنك تشارك الله في ملكه وحكمه .. فالعالم ترجو رحمتك .. ونحن عبيدك الطائعين
طائعون ..
يا صاحب الباب العالي
بمحض إرادتنا والله
طائعون
مجنون
من يرفض أن يحيى
في وطن
أو في زمن
أنتم فيه حاكمون
أنت كبير .. كبير جداً
قوي استثنائي
من بين يديك الماء تفجر
بغيابك لا تجتمع العربان
والماعز يضجر
بغيابك نتلبك
لا نرجو إلا وجهك
منك الغيث ومنك الخير
وبمكرمة منك زيادات السكان
طائعون
صادقون
بمحض إرادتنا
الفضل لك
الحمد لك
سبحانك
من أجلك وحدك
خلق الكون
وسخرنا الإنسان
افعل ما شئت بنا
لا تخجل منا
وجهنا
أنت الراعي
نحن الخرفان .
الأربعاء 22/5/2002 الساعة الثانية والنصف ظهراً
يدخل النقيب ( س) مدير السجن ، ويجلس بجانبي ، سألته ماذا يحدث ؟ قال تشدد فظيع ، أنصحك أن تعزل المحامين ، فعندما يكون لكم هيئة دفاع واحدة فهذا يعني أنكم تنظيم . وذلك سيزيد الحكم عليكم ، ولماذا هذه المعاملة ؟ .. التعليمات تقول أنه لو صدر أي صوت من الزنزانات سنجعل الدماء تنتثر على الجدران ، أنا لا أريد أن أسبب ضرراً لأي منكم .. لذلك أرجوك تقيد بالتعليمات . وأنا نصحتك وسوف تترحم على والدي ، كانت عينا النقيب تتجه كل واحدة نحو جهة مختلفة ، وكان الكذب والخجل بادياً على ملامحه ، مسكين كان مقروءاً تماماً وقد أشفقت عليه ، وعلى الوضع المحرج الذي وضعوه فيه ، كان خائفاً مذعوراً وحزيناً وخجلاً مما يفعل ، لكن .. كما قال وليد ( ولو ... أتبيع ضميرك واسمك ووطنيتك وكرامتك من أجل سيارة ونظارات ) نعم هكذا كان حاله وأنا ما أزال أشفق عليه من هذا الموقف ، وبعد ذلك لم ينل ثواباً فقد أعيد للشرطة ووضع في مكان مهمل لا قيمة له وبدون أي امتيازات .. فالسيارة والنظارة السوداء لم تدم طويلاً ، لأن ملامحه كانت دوماً توحي أن قلبه معنا وعلينا ، ولكنه في ظرف صعب وتحت ضغوط كبيرة ، ولم يكن في تلك اللحظة له خيار ، ولكن هذا لا يعفيه من المقدمات التي ساقته ليكون سجاناً ومن ثم جلاداً ، إن أرض الله واسعة وهو يرزق الجميع . ولا ينقصه الذكاء ولا الرجولة ليكون مواطناً شريفاً مخلصاً وغنياً بثناء الناس ونعمة الله .. لكن الظروف ! ! ! .. مرة أخرى هي التي تجعل هكذا إنسان يتحول إلى جلاد .. وهذا أمر شائع وعادي في بلدنا ، فالكثيرين ممن لديهم الإمكانات ليكونوا رجلاً وطنيين وبناة لهذا الوطن تحولوا للصوص ومنافقين وكذابين ومخربين ومجرمين ، واستخدموا ذكاءهم وطاقتهم في خدمة أهداف أنانية قذرة ، وعندما نسأل من المسؤول عن ذلك يقولون : الظروف ، وما هي تلك الظروف ، إنها ببساطة النظام السياسي الذي يجعل قانون الصعود في هرم الثروة والسلطة ، مرتبطاً بمقدار التخلي عن الأخلاق والقيم الإنسانية ، وتعطيل الضمير ، وهذا النظام هو بالتأكيد حصيلة قناعاتنا وعاداتنا وبرامج مؤسساتنا ، فهو صنيعة بشر لهم ثقافة ومبادئ وعادات سلوك ، ثم أطر نفسه في نظام مؤسساتي يسمى حزباً أو جماعة ثم سلطة وهيكل إداري وتنفيذي .. فالفرد الذي يتحجج بالظروف الضاغطة هو وبشكل كامل عنصر مكون لها ، وبيده وحده أن يرفض الانضمام لها ، ويتوجب عليه ذلك ، ليبرئ ساحته مما يرتكب من مظالم بل جرائم . كائناً ما كان موقعه ودوره كبر أم صغر ، فالمسؤولية مشتركة ومتقاربة ، رغم تفاوت المكاسب ، بل بالعكس ربما تبرر المكاسب الكبيرة طمع الكبار ، لكن قبول الفتات التافه ، لا يعني سوى دناءة الصغار وتفاهتهم وحقارة تركيبهم .
وهذا يشمل أيضاً السلبية التي يبديها المواطن العادي تجاه المظالم التي ترتكبها السلطة باسمه ، فمحكمة أمن الدولة العليا أصدرت عشرات الآلاف من القرارات الظالمة باسم الشعب العربي السوري وتم تنفيذ آلاف قرارات الإعدام على علم الشعب ودائرة الفتوى ولم يتحرك أحد لإيقافها ، أو تأمين فرص عادلة للدفاع أمام المتهمين . القاضي محكوم وخائف وينفذ التعليمات والمتهم كذلك حتى المحامي يتآمر مع الأمن ضد موكله .. فماذا تبقى من العدالة ، وكيف يقبل رجل أن يكون قاضياً ظالماً ، أو حتى سجاناً يسرق علبة الفول وحبة التفاح من طعام السجناء ليطعمها لأولاده .. فأولاده أيضا جائعين وهم لن يذوقوا التفاح إذا لم يسرقه لهم ، لكن السجين أيضاً تنهار صحته ويعاني الأمراض نتيجة سوء التغذية ، من المسؤول ، الكل مجبر ومحكوم ومأمور ومظلوم ، فمن هو الظالم ، وها نحن نقول للظالم تحول إلى إنسان وديع وعاقل وعادل ، أيها المستبد لماذا لا تتخلى عن السلطة والامتيازات والنعمة والمتعة وتقدمها لغيرك ولخصومك .. المسألة يا أعزائي تبدو لي وكأنها بلاهة ، وغباء ..
من يريد الإصلاح عليه أن يبدأ بنفسه ، ( كما تكونوا يولى عليكم ) ( لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ، الآلهة وحدها تخلق بالكلمة ، لكن الإنسان يخلق بالعمل والجهد ، ولا بد من ثمن لكل شيء ، أقل ما يقال لا تساعد لا تشارك الظالم في ظلمه ، ولا يقبل من أحد أقل من ذلك ، هل يفهم هذا كل من السجانين وغيرهم وغير هم ، أنا عبد مأمور ، لا والله أنت حر ابن حر ، وهبك الله الحرية والعقل والقدرة لكنك أنت من قرر أن يبيع نفسه وحريته ويستمر في ذلك مقابل عظيمات يرميها له من توحش والتهم كل شيء .. هل جربت طريقاً شريفا للرزق وخذلك الله ولم يرزقك ولم يكفيك ويرضيك ، وما ذنب الآخرين ( الضحايا ) لتكون معيشتك وطعام أولادك من دمائهم وعذابهم وشقائهم . تخيل أن يكون العكس ، وتكون أنت تحت رحمة من هم أمثالك .. يقولون هؤلاء المساجين مجرمون لولا ذلك ما كانوا هنا ، سوف نقبل ادعاءهم .. جيد للمجرم عقوبة هي السجن ، وليس التعذيب و الإهانة ، أو سرقة طعامه ومخصصاته ، لنبتعد عن السجن السياسي ، لننتقل للمدني ، من الذي هرّب أكثر من المسؤولين ، ومن الذي تهرب أكثر منهم ومن الذي قتل ، ومن الذي سرق وارتشى واختلس ومن و من .. إذا أردت العدالة عليك أولاً أن تسأل نفسك ماذا يعني أن تملأ كيساً كل يوم وتحمله معك لمنزلك ، هم مجرمين لكن أنت بريء مسكين ، مجرد لص للبيض وعلب الفول و و و .. اسمع يا هذا كل من اختلف مع هكذا نظام ( لا يرعى شرعة ولا حق ولا يلتزم حتى بوعوده وقانونه هو ) ، كل من اختلف مع نظام الأنانية ، هو إنسان مظلوم ، بغض النظر عن أي شيء ، فعندما تحتكر أنت السلطة وتحرم الآخرين من حقهم فيها ، فأنت تعتدي على كل فرد في المجتمع ، وبالتالي كل فرد يختلف معك هو على حق ويطالب بحقه . فالخلاف سببه أنت ، الذي سرق ما ليس له ، واستعبد الناس وبدأ يوزع الشرعية والثروة والحقوق والعدالة على مزاجه وهواه .. أخيراً ما الذي يمنع أن يقدم المتهمون لمحاكم علنية ونزيهة وعادلة ولينالوا جزاءهم ، ثم لماذا إهانة الكرامة الإنسانية وما الفائدة من التعذيب ، أليس المطلوب هو إرهاب الآخرين ودفعهم إلى دائرة الإذعان ..
هكذا عرفت أن المطلوب هو عزل المحامين ، أي أنهم محروجون في محاكمتنا ، وهذا الطلب لن ينالوه ، قلت للنقيب سوف أفكر بالأمر لكنني لن أتخذ قراري قبل رؤية زوجتي أو أخي ، وطالما أن الزيارات متوقفة فلن أتخذ أي قرار قد أندم عليه ، إذا سمحتم بالزيارة سوف أتخذ القرار المناسب بمشاورة أهلي ، فأنا معزول وغير قادر على اتخاذ القرار ، قال لكن الظروف صعبة ، وأنتم في حالة سيئة كما ترى ، وقد يطول منع الزيارات .. قلت له أنا أتحمل ، افعل ما تؤمر ستجدني إنشاء الله من الصابرين ، أنا لا أخاف ولا جدوى من محاولة إخافتي . ( قبلني بحرارة ! ! ) وخرج .. كان عندما يسمح له بالدخول إلينا لمحادثتنا يفتح الهاتف الخليوي في جيبه ليستمعوا لما يجري بيننا من أحاديث ، فقد كانت ثقتهم ببعضهم ضعيفة بل معدومة ، وكل إنسان يراقب الآخر ، ويكتب به التقارير إلى جهات مختلفة ، فرغم أن البعض موظف في الأمن السياسي فهو يكتب تقاريره مباشرة للأمن العسكري أو الجوي أو الداخلي ، وهكذا تتوارد المعلومات عن طرق مختلفة ويتم مقارنتها في القمة وإجراء التقاطع فيما بينها ، وهذا أسلوب هتلر في بناء أجهزة الاستخبارات وهذا الأسلوب جرى تعميمه والاستفادة منه من قبل الأنظمة الشيوعية والشمولية ومن لف لفها ، وهذا ما يعقد سلوكهم وعلاقاتهم ويحول حياتهم لجحيم ، لا رفعه الله عنهم . وكل المجرمين أجمعين ، بما كسبت أيدهم ، وسحقاً للكافرين الظالمين ، والعاقبة للمتقين.. آمين .
الماء انقطع في المساء بعد أن تدفق قبل زيارة النقيب ، وكان الماء ينقطع ثلاثة أيام ثم يتدفق لدقائق ، واستمر الحال هكذا لمدة شهر .. مرة ومن كثرة ما اشتكيت ، ذهب أحدهم وأحضر لي غالون ماء وقال احتفظ به وأملأه ، ومرة صعد أحدهم للسطح فتدفق الماء ، وكان يوم جمعة وقال أملأ ما لديك واستحم واغسل ، فقد تدبرت لك الأمر بشكل مؤقت ، وعندما كنت أتشاجر معهم واصرخ بأعلى صوتي محتجاً وأقول لهم أنتم تقطعون الماء قصداً ، كانت أحياناً تتدفق المياه لعدة دقائق ، وهكذا استمرت اللعبة ، وهكذا أعانني الله على قضاء شهر حزيران من دون ماء تقريباً ، ولا زيارات ولا خروج للباحة ولا حاجيات ولا شيء .. رغم أن جمع قطرات الماء الصدئة تحول إلى هاجس عندي ، يبدو أن صنبور الماء الذي أغلقوا به الماء عني ، لا يغلق تماماً فهو قديم ويستمر في تسريب قطرات .. وهي رحمة من الله أعانتني على الاستمرار ومتابعة نظافتي . وبسبب حرماننا من شراء وسائل التنظيف ، كان من الواجب الاقتصاد قدر الإمكان ، وبسبب حرماننا من شراء الخضار ولأن الطعام ، مطهي كلية ويخلوا من المواد الطازجة ، وحتى لا نعاني نقص أنواع من الفيتامينات كنت أتناول البيض النيئ دون طهي .
وبعد عودة الدفاتر التي طلبتها من النقيب ساد الصمت ، وعندما قلبت الدفاتر وجدت علامات بقلم رصاص كتبها من قرأ الدفاتر صفحة صفحة ، لا بأس ليقرأ قد يقتنع وقد يتحرك فيه شيء .. فليس لدي أسرار ولا أملك السلاح النووي وليس لدي أتباع أو جيش ، أنا مواطن يبدي رأيه ولا أملك سوى الكلمة وسيلة لذلك ، وهذه الكلمة بقدر ما تصل لعدد أكبر من الناس بقدر ما تنتصر قضيتي ، و أمانع في أن يقرأها أو ينشرها أحد حتى ملاحظاتي الشخصية .. ولم لا وهاأنذا أعود لنشر هواجسي التي دونتها داخل السجن ، والتي اطلع عليه السجانون وظنوا أنهم سوف يجدون فيها ما يضيفوه لي من تهم وإثباتات ، فخاب أملهم ، فردوا الدفاتر كاملة غير منقوصة . ولذلك عدت لمتابعة قراءتي في كتاب للغة كان معي وقاموس انكليزي ، وكنت أتمشى في الغرفة ثلاث خطوات والتف في الرابعة ، وأكلم نفسي تماماً كما كنت أفعل مع حمزة ( صديقي قبل السجن ) وكأنني أسير على طريق السلطاني ( طريق أمام بيتي ) ولحسن حظي وجدت عندي بعض الموالح صرت أتناولها وأنا أسير ، وتسير معي ذكريات أحبائي من بشر وأرض و شجر ..
هنا
حيث ينتهي المشوار بخطوتين
عند باب من الحديد
أدمن الإغلاق
من زمان
وأمد بعيد
هنا
حيث يتعفن الزمن
وينام الصدأ هانئاً
دون أن يوقظه أحد
هنا
في هذه الغرفة الصغيرة
التي يسمونها جماعية
والتي تكاد تطبق
جدرانها القريبة على روحي
والتي لا تتسع لواحدة فقط
من أحقادي الكثيرة
هنا
أراك فقط

عندما أغمض عيني
كانت شهيتي للطعام متدنية جداً وكان وزني يتناقص ، ومع ذلك كنت أتسلح بالأمل . كان موعد استئناف مفاوضات الشراكة مع أوربا يقترب 6/6/2002 تلك المفاوضات التي تأجلت كثيراً لأن سوريا تريد التفاوض فقط ولا تريد التوقيع ، وإذا وقعت لا تريد التنفيذ .. ولأن الأوربيين كما أعلنوا مهتمين أساساً بأوضاع حقوق الإنسان والتحول الديمقراطي ، لجعل المتوسط بحيرة سلام . فهدف الشراكة بالأساس كما أعلنوا هو حضاري وأخلاقي وليس مصالح اقتصادية فقط ، إذا ستكون قضيتنا مطروحة ..، وبالفعل طرحت واحتج البرلمان الأوربي على اعتقالنا ومحاكمتنا أمام محاكم سرية، وأوصى بعدم التوقيع أو حتى متابعة التفاوض قبل إطلاق سراحنا ( سجناء الرأي والضمير لربيع دمشق ) ، وصرح مسئولون في الاتحاد أن على سوريا أن تحقق تقدما في ملف حقوق الإنسان قبل استئناف المفاوضات .. ، ولكن ومع كل ذلك استمرت المباحثات والمماطلات ، وتم توقيع الاتفاق بعد أكثر من سنتين وبقينا في السجن الانفرادي ، ببساطة لأن أوربا شعرت أن الضغط على النظام السوري سوف يجبر النظام على تقديم تنازلات لأمريكا ، ويضعفه أمام الضغوط الأمريكية ، وهكذا ضحت الشعوب الأوربية المتحضرة بحقوق الإنسان على جبهة المكاسب ، وظهرت الانتهازية عارية مفضوحة مرة أخرى ، ودفعنا الثمن ، النظام يتخلى عن كل شيء فيما عدا القمع ، والغرب مستعد دوماً لمقايضة ملف حقوق الإنسان مقابل ملفات أخرى أمنية واقتصادية ، وهذا ما سيؤكده سلوك الرئيس شيراك في مؤتمر الفرنكوفونية في بيروت وفي زيارته دمشق ، باختصار كانت قضيتنا رابحة بالنسبة لهم وقبضوا الثمن وباعونا ، وهذا أمر عادي ، وأفلت النظام من الضغوط واستمرينا في المنفردات وقدمنا لمحاكمات صورية .. . وقد استفاد النظام من مناسبة مباريات كأس العالم وانشغال الإعلام ليمرر تلك المحاكمات . تصوروا ..
كانت تجربة صعبة أن تعيش وحيداً صامتاً مهدداً تجهل ما يجري وتجهل مصيرك ، تحت رحمة سلطة تصر على إبراز وحشيتها وتعسفها .. ولولا تلك الأصوات الصادرة من باحات السجن المدني لشعرت أنني في قبر ، فأصواتهم كانت على الأقل توحي بأنني في قبر جماعي ..
الله أكبر ما زال صوت الآذان يعلوا من أجنحة السجن ، حتى لو صمت كل شيء ، فصوت الله أكبر لم يستطيعوا أن يصمتوه ، بقي مدوياً ويذكرني أنني ما أزال في وطني حيث يرتفع هذا الصوت متحدياً كل تجبر وتكبر وتعسف وغطرسة .. الله أكبر على الظالم .. شيء رائع أن تسمع صوت الله أكبر في هذا المكان القذر حيث تمارس أحط الجرائم ، ما يزال هناك من يذكر اسم الله ويكبره ، ومن يصلي ويتعبد صورة الحق .. الحق الذي داست عليه سلطة متعسفة ، وصلاحيات استثنائية لرجال أمن ، أول ما يفتقدون إليه هو القيم .
الأحد 2/6 /2002
اليوم في الصباح خرج جاري .. شاهدته من ثقب استطعت توسيعه في الباب الحديدي ومنه أتمكن من رؤية باب الزنزانة التي مقابلي والتي تليها بجانبها ( زنزانة وليد ) وأتمكن أيضا من رؤية باب زنزانة فواز التي بعدها ( الثالث على اليمين ) ، وأتمكن من معرفة من يمر في الكوريدور الذي يفصل بين صفي الزنزانات ، كانت التي تليني على صفي فارغة والتي بعدها أي مقابل فواز كان أبو عصمت .. أنا الأول على اليسار وبجانب الباب الذي يفتح على الكوريدور وتعلمت من سماع أصوات مشي السجانين ومقارنة صورهم من معرفة كل واحد منه من مشيته وبحساب مواعيد الطعام ، أدركت أن فتح باب جاري يحدث لأمر ما ففتح باب الحديد يعطي أصوات ، قفزت للثقب وشاهدته يخرج مرتدياً طقمه البيج .. ماذا يحدث ذهب وعاد بعد ساعة وملامحه سيئة .. ذهب مرة أخرى .. ثم ذهب وليد .. وفي الواحدة والنصف طلبت أنا ، ماذا ، المعلم يريد رؤيتك .. كان السجانون يناموا ليلاً نهاراً على باب غرفتي .. لبست بسرعة وذهبت ..
في غرفة مدير السجن طلب مني الوقوف في وسطها بينما جلس خلف الطاولة العقيد ( ع) رئيس الفرع ومساعده العقيد ( أ ) وفي الطرف الآخر ( المساعد الذي يجري التحقيقات بالفرع ، ومعه مهندس كهرباء يحمل ماكينة تسجيل وسماعات إصغاء ، بينما وقف خلفي النقيب ( س ) مدير السجن وضابط أمن سجن عدرا كله ..
بدأ العقيد بتلاوة 18 صفحة من الأقوال التي يدعي أنها سجلت لي أثناء وجودي في الغرفة مع أصدقائي ، هذه هي المرة الأولى التي يواجهونا بالتسجيلات والتي كانت على ما يبدوا مستمرة طيلة 24 ساعة ولمدة ستة أشهر متواصلة .. كان يقرأ ويطلب من المهندس إسماعي التسجيل ، بينما كنت أحاول جاهداً الاحتفاظ بهدوئي وإظهار عدم الاهتمام أو التأثر وبشكل خاص القلق والخوف ، كنت استمع ولا أجيب فيتابع ، يقول السكوت له معنى فأسكت أيضاً .. أنا لا أتذكر ما قلناه خلال ستة أشهر ولا أعرف ما التقطوه من أحاديث ويجب أن يصل بالقراءة لآخرها كي أحدد موقفي فلا يفاجئني بشيء جديد ، وقد كنت سلبياً تماماً وأبديت عدم الاهتمام وعدم الانفعال والصمت مشجعاً له على المتابعة .. وهذا ما حصل ، الكلام المسجل كان رائعاً وصادقاً وما تزال نسخة منه في إضبارتي في محكمة أمن الدولة العليا ( شاهدت شريطين في الإضبارة عندما ذهبت لاسترجاع هويتي النقابية بعد خروجي من السجن ) وكان الجميع مستمتعاً بما يسمع على ما يبدو .. إلا أنا فقد جف ريقي تماماً وكان علي التركيز الشديد والاستعداد للآتي ، وأهم شيء تحدي عيون الوحش الذي ينتظر إشارة ضعف لينقض علي ، كنت ما أزال الدكتور الذي يقف متماسكاً غير آبه بشخصيات ورتب الضباط بل الند لهم .. ولم أنجر لمحاولات الدخول في نقاش أو التعليق ..
ثلاثة مرات توقف العقيد عند كلمات قاسية وشتائم مباشرة .. ونهض من خلف الطاولة وتقدم مني بينما استعد ( س ) لامساك يدي من خلفي ، وكل شيء يوحي بأنه سيتابع ويصفعني ، لكنه وعندما تتلاقى عينانا يتابع دورانه حول المكتب ويجلس وينظر بالعقيد( أ ) ثم يقول لدي تعليمات بفعسك مثل الصرصور على هذا الكلام .. ويتابع عندما لا يرى أي استجابة مني .. وفي الواقع كنت أوطن نفسي على الدخول في معركة وقد قررت أن أهبط بيدي النقيب التي تمسكني للأرض ثم توجيه ضربة مباشرة إلى أسفل بطنه والاندفاع نحو العقيد لرميه فوق مكتبه والهجوم على الآخرين بأي طريقة تؤدي لترك علامات على وجوههم يحملوها معهم إلى أسيادهم الذين أرسلوهم .. وأسرهم . تكرر المشهد ثلاثة مرات وكنت ما أزال صامتاً متماسكاً وربما اقرب للابتسام وكأن الأمر لعبة أو نكتة .. فقد كان مجرد كلام في سجن وفي غرفة مغلقة ولا يعني قانونياً أي شيء ، تنفيس مشاعر الغضب والإحباط وتهكم ونكات وشتائم .. شتمنا كل شيء ، ورغم أننا كنا نشك بوجود تسجيلات ، لكننا كنا نقول جيد ليسمعوا لا بأس هم أرادوا ذلك .. إن أقسى كلمة لا تساوي لحظة حرمان واحدة من الحرية ( إن الله لا يحب الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) .. إن دمعة أمي التي زارتني تساوي عندي العالم بما فيه .. ثم أين جرى هذا الكلام ، إنه حديث خاص في ظرف خاص في غرفة معزولة في سجن . وما أهميته .. وهو بالرغم من قسوته أحياناً ، لكن يعبر عن إحساس صادق ومشاعر المرارة ويروي أحداث ومواقف وتقييمات صحيحة ، وطالما بقي الكلام خاصاً بيننا لا يهم ، لكن نشره للعلن هو الجريمة وهو من الوقاحة وقلة العقل .. ، لكن حراجة موقفهم جعلهم يستخدمون هذا السلاح وينشرون شتائمهم بأيديهم .. مع ما يسببه ذلك لنا من إحراج ، لكن أن تضبط لسانك طيلة أشهر في تلك الظرف كان شيئاً أكبر من الإمكان . انتهت تلاوة 18 صفحة .. ثم انتقل للشعر واللوحات وطلب مني إحضار كل الدفاتر وكل اللوحات ، وذهب معي للغرفة المساعد ( م ح ) وكان أمام الغرفة المساعد ( م ع ) وأحضرت الدفاتر واللوحات وكانت 25 لوحة زيتية مختلفة .. وعندما طالع اللوحات وصل إلى لوحة محكمة أمن الدولة العليا ، وكان فيها أربعة سجناء يمثلونا وقد عرينا وربطنا مثل الفراريج ، وقطعت رؤوسنا ووضعت على بنك مطبخ كبير يتشكل من فم وأسنان كائن متوحش ضخم له عينان جاحظتان ، وعلى جبينه يعلق ميزان العدالة وإلى جانبه شحاطتي التي اعتقلوني بها ، ومن خلفنا تقف القضبان وكلاب حراسة صفراء تمد ألسنتها ،
العقيد : ما هذه
أنا : محكمة أمن الدولة العليا
ومن هذا ؟
القاضي
وما هذه ؟
شحاطتي
إلى ماذا ترمز ؟
شاهد _ إنها ميزان العدالة
وهؤلاء ( وأشار إلى الكلاب ) ؟
صمت أنا فأجاب النقيب : هؤلاء نحن سيدي ، وضحك الجميع من دوني طبعاً
تأمل في العقيد طويلاً ثم قال وبعد ذلك ماذا تقول :
قلت إنه السجن وظروف السجن . وما كان حري بكم أن تسجلوا مثل هذا الكلام
فطلب من المساعد المكلف بالتحقيق اصطحابي للغرفة الأخرى وإجراء اللازم ، في حين بدأ تحضير الغداء حيث اقترب الوقت من العصر ، ولا أدري كم هي الساعة ، لكن الشمس في الخارج كانت ضعيفة .. ، في الغرفة الأخرى قام المساعد بصياغة الأسئلة فكان جوابي واحداً إنه السجن ، وراح يكتب من عنده ما يريد ، وبينما هو يدبلج الأسئلة والأجوبة ، كنت أتحاور مع العقيد ( أ ) الذي كان يتردد على الغرفة ، حول بعض القضايا الثقافية فقد كان مهتماً بهكذا موضوع وربما كان هو من قرأ دفاتري مسبقاً ، وأذكر أننا تكلمنا عن الأسطورة تعريفها ودورها .. فقد كنت شرعت بكتابة كتاب عن ضرورة السحر .. ، وكان يطلب مني الإصغاء للسؤال ، فأقول له لا يهم ، وعندما وصل للسؤال الأخير عن الإساءات التي يسببها هذا الكلام ، قلت له أنني قلت ذلك بيني وبين صديقي في زنزانة ، وأنتم من سجل ونقل ونشر ، ومع ذلك أعتذر من كل من يسمع ذلك وفقط . وقد كنت قد وطدت العزم على إنكار كل ما كتبه المساعد لو قدم للمحكمة فالتسجيلات ليست دليلاً ولا تتوفر العلانية في أي تهمة قدح أو ذم . وبالتالي هي ساقطة سلفاً .. المهم أن أتجنب التعرض للضرب وما قد يستتبع ذلك من أمور لا أعرف أين تنتهي ، فأنا سأرد بيدي وبكل الوسائل وقد أتمرد على إدارة السجن ، ولا أعرف ماذا ستكون عليه الحال ، فالمعركة عندها ستتخذ طابعاً آخر جسدياً ووحشياً ، أما كتابات وأوراق فلا بأس ليكتبوا ما يكتبوا وليشربوا ماءها ، لم أتعرض للضرب في حياتي ، وهذا الوجه قد كرمه الله ، ولم يصفع وسوف أحاول أن أحافظ على كرامته ما استطعت ، وفي حال تطاولت أي يد عليه سوف اقطعها ، وأنا جاد وحازم في هذا الأمر وأعلن ذلك وأكرره في كل مكان وسمعوه في التسجيلات .. أنا لا أريد أن أصبح قاتل أو إرهابي ، فأنا طبيب رقيق ، لكنني لن أمانع لو اضطرتني الظروف ففي داخلي أيضاً وحش هائل آمل ألا يطلقه الآخرون .. كل شيء ما عدا الكرامة . في الكرامة سأشن الحرب وسأتحول لأداة قتل وإرهاب وتعذيب ووحشية ، ولدي الاستعداد الأخلاقي والمعنوي والجسدي لارتكاب أفعال وحشية فظيعة ، وقد فكرت طويلاً في ذلك ورسمت الكثير من خطط الإجرام .. وفي السجن كنت أجاهد مراراً وتكراراً لإبعاد هكذا أفكار متوحشة عن ذهني ، وكان سلوكهم وتعسفهم يعيدها ، وفي مرات عديدة حضرت نفسي للإضراب حتى الموت ، او للعصيان ، أو للقتال ومرة كسرت قنينة زجاج ووضعتها بجانب التخت وبواسطتها كنت سأسحب رأس احد السجانين من الطاقة ثم سأقوم بذبحه ، بعد لف شريط الكهرباء العاري على عنقه ، لو تعرضت للضرب أو أهلي للإهانة ، أنا لا أستغرب ذلك ، فكل الفكر الإسلامي الإرهابي والحركات العنيفة خرجت من ظلام السجون ومن التعذيب والتعسف و الإهانة .. سيد قطب سعيد حوى .. . في السجن يحولك الظلم والتعسف إلى وحش ، ما يجب علي التذكير فيه أنه يوجد في داخل كل إنسان وحش نائم ، لا تحاولوا إيقاظه ، فالقدرة على الوحشية ليس لها حدود ( إنا خلقناه في أحسن تقويم ، ثم رددناه أسفل سافلين ) ( ونفس وما سواها ألهمها فجورها وتقواها .. ) وقد كنت دوما أتذكر مقولة فلاسفة الإغريق بأن الفارق بين العبد والحر أن العبد يفضل الحياة على الحرية ، وأنا أقول الفارق بين الكريم وبين الذليل أن الثاني لا يشن الحرب من أجل كرامته .
أنا مدافع عن حقوق الإنسان وأعارض التعذيب وأنا طبيب ذو مهنة إنسانية ، ورسام رقيق المشاعر .. ومع ذلك لا أشعر بأي تناقض عندما أفكر بهذه الطريقة وبهذا العنف ، هناك حد فاصل بين كل ذلك ، فطالما أن الأمور عادية يستمر العقل وتستمر الشخصية الوديعة ذاتها ، لكن في ظرف معين يبدو لي من الخطأ تماماً التمسك بها ، لأن ذلك سيجعل الآخر قادراً على الإمعان في جريمته والإفلات من العقاب .. فالرجولة ليست العقل وحده ، بل العقل ممزوجاً بالقليل من العنف و الوحشية عندما يحتاج الأمر ، وعندما يفرض الآخرون ذلك عليك ولا يتركوا لك أي فرصة للاختيار عليك أن تقاتل فتكون رجلاً . ومن يفقد القدرة على القتال سرعان ما سيفقد حريته وكرامته ويتحول إلى عبد وحيوان داجن في مزرعة الآخرين ، فالدعوة للسلم وعدم العنف لا تعني أبداً قبول الإهانة ، ورفض فكرة الحرب بالمطلق غير صحيح ، وهذا ما أختلف به مع المرحوم غاندي .. رغم أنه في كثير من الأحيان تكون نتائج العمل السلمي أفضل ، لكن هناك شيء معين في الشخصية يفقده الإنسان إذا فقد القدرة على القتال وخوض المعارك ، وهو ما يتظاهر برفض تناول اللحوم ، وحتى رفض التملك ورفض المتعة الجنسية والإنجاب ، وما يشكله ذلك من تأثيرات على منطق الحياة واستمرارها ، وعلى توازن الرغبات داخل النفس . . فهناك حد أيضاً للدعوة للسلم .
صحيح أنني تماسكت وحافظت على هدوئي وأفلت من الضرب الذي تعرض له زملائي وخسرت اللوحات .. لكنني عندما عدت للغرفة ارتميت على السرير وقد استنفذت آخر ما تبقى لي من قوة . ولم أدري كم هي الساعات ولا الأيام التي ذهب بها عقلي يستعرض كل شيء ويحسب ويقيم ويعيد ويراجع .. لم أتناول الطعام ، لكنني أذكر أنني نمت في وقت متأخر من الليل ولفترة محدودة وكان هذا مؤشراً ايجابياً .
أسوأ ما كنا نخشاه قد وقع ، وعلينا إعادة التأقلم مع واقع جديد ، فالذي ستظهره لنا السلطة منذ الآن هو الحقد والانتقام ، والرغبة في التحطيم . . ولا ندري كم سيكون حجم حقدها أو نوع انتقامها وهل سيفلت أهلنا وأولادنا منه .. وهكذا نسينا الذات وراح تفكيرنا يذهب فيما يتعلق بأهلنا ، خاصة وأن أكثر من سؤال ومن تلميح تطرق لهم حتى أنهم هددونا باعتقالهم ، أتذكر هنا كيف تتوجه الدبابات الإسرائيلية لتدمير منازل المقاومين وتشريد آسرهم ، وأتذكر الرهائن الذين اعتقلتهم السلطة للضغط على ذويهم .. وأتذكر صنوف العقاب الجماعي وأتذكر و أتذكر .. بالنسبة لي أنا لا أهتم مستعد للموت ، لكن أن أكون سبباً في تعذيب أهلي .. هذا لن أقبل به ، يكفيهم فقداني .. يجب أن أفكر جدياً في التخفيف عنهم حتى لو كان ذلك يعني إنهاء حياتي بيدي ..
هدأ صفير الصمت
كواكب برجي
جاءت
تطلب روحي
هيا
جهز نفسك
كي ترحل
من غير حذاء
من غير حداد
لا توقظ أحداً
لا توقظ ثمة إنسان
هيا تبخر
كن مثل دخان
يتسرب
يتسلل
يذهب في الآتي
يتشتت مثل الريح
يضيع ويسبح
في الفضاء الفسيح
وينعم بالحرية
البداية لم يكن لنا خيار فيها
فلنتمسك
بحق اختيار النهاية
سأركب كوكبتي
السابحة في بحر الخلاء
أحمل برجي العاثر
أرحل ليلاً
فلا حارس يراني ولا سجان
لا يسمعني أحد أسعل
أرحل
وسرعان ما تمتلئ الأماكن الفارغة
بأناس آخرين
أهرب من نحسكم ومن قرفكم
ولعنة الحياة معكم
وأسافر في زوبعة دخان
أرحل إلى حيث لا رجعة
عاد صوت الصفير
جاء وقت الرحيل
على صفير القطار ضجيجه قطع الصمت
وصفيره أنهى الانتظار
ألوح لكم بكلتا يدي
ألوح أورفوار
وداعاً
يتوقف القطار
تهتز الأرصفة
يترجل منه التردد
هل أركب
أرحل لآ ارحل
لماذا الآن
لماذا أتعجل
أنصحك ففكر
أفي هذا الوقت تخاف
لا بل أخجل
من دمع أمي أخجل
لولا عتب زوجتي
كنت سأفعل
كنت سأكتب سطري الأخير
لولا ولدي الصغير
الظلام يسود
والأصوات تهدأ
ودبيب القطار يعلو من جديد
و ببطئ يرحل
ويذهب للبعيد
ولا يبقى
سوى صدى
يتردد
عبر المدى
صدى باب من حديد
أغلق من زمان
منذ أمد بعيد
منذ دهر
منذ ابتدأ العمر
وساد القهر
وتعفن الجليد
صوت يهمس في داخلي
تذرع بالصبر
أنت قادر
غداً سيكون
يوماً آخر
أنت على هذا اليوم شهيد
وغداً ستبدأ من جديد
لا لا ترحل
بل قاتل
قاتل حتى تنجح
أو تقتل
اسمع مني سايرني
لا تقسو على نفسك
اترك شيئاً لله
صدقني
هذا أفضل
كانت تلك المشاعر الكئيبة تعطي لأي سلوك انتحاري معنى الخلاص ، فالموت عندها لا يعني سوى توقف الألم والمعاناة ، وكانت حالة الاكتئاب قد وصلت إلى ذروتها وتحولت إلى سوداء حقيقية ، ومشاعر القلق والخوف وتبكيت الضمير والحزن لا تطاق .. قطعاً لا تطاق ولا تبارح .. ولم تكن تدخل من النافذة أي نسمة هواء .. ، ومع ذلك كانت الذروة في يوم 2/ 6 / 2004 لأنه الذروة كان يوماً استثنائياً بالنسبة لنا ، بينما كان عادياً تماماً بالنسبة لضباط الفرع الذين أدمنوا التحقيقات وأدمنوا تحطيم البشر .
دماغي أعاد مراراً ومراراً شريط الأحداث ، وأذكر أنني كنت مستلقياً على السرير ولا أنهض إلا لأشرب الماء فقد شربت كثيراً في ذلك المساء ، وفي آخر السهرة استجمعت بعض القوة وتحممت في التواليت وأنا شارد الذهن ، وربما كان ذلك سبب تمكني من النوم فقد كنت بحاجة شديدة للنوم ، وهذا شيء عادي في تلك الحالة .. ونمت وعندما استيقظت كان دماغي ما يزال يعرض ذات البرامج ويكرر ذلك الشريط ، الضوء لم أطفئه ، و الهواجس تزداد الدفاتر اللوحات ، أهلي أولادي أمي ، سيقتلوني ، وقد ينتقمون من أسرتي ، على الأقل لن أخرج من هنا ثانية إلا بمعجزة .
بعد سنة من هذا الحدث كان بجانبي في الزنزانة المجاورة رجل من عمري عائد من العراق وكان يقول لي ( سيقتلوني يا كمال .. أنا متأكد .. ) كان يمر بذات المرحلة .. وقصته أنه كان فاراً خارج البلد طيلة 30 سنة وعندما سقط العراق عاد ، فاعتقلوه وضربوه ووضعوه في سجن انفرادي دون أن يعلم به أحد ، وقد كان عمه قد أعدم فعلاً في السبعينيات .. ثم تمكنا من تسريب اسمه للخارج إلى جمعية حقوق الإنسان لتطالب به السلطات علناً وتجبرها على الاعتراف بوجوده و تسمح بزيارته ، وبعد ذلك نقل إلى مهجع جماعي وكان كلما خرج للباحة مع رفاقه يمر من جانب زنزانتي ويقول ( إيوا ) واستمرت هذه (الإيوا ) تخبرني ببقائه حياً .
إيوا
طيلة ثلاثة أيام عصيبة لم أتوازن خلالها ولم أتناول الطعام كانت عواصف الهواجس تجتاح نفسي ، واليوم عندما يتهمون النظام برعاية الإرهاب اضحك ، ماذا ؟ رعاية ماذا ؟ إنه الإرهاب بعينيه ، هو الإرهاب بذاته ، بالفعل تماما كما يقول : أبشع أشكال الإرهاب هو إرهاب الدولة ، إرهاب السلطة التي تمارس البطش والتعسف بحق مواطنيها .. وأي إرهاب أكثر من هذا ، لكن هذا الإرهاب لا يلامس مشاعر الغرب ، فقط ذلك الرجل المسلم الملتحي الانتحاري هو الإرهاب ، أما رجل الأمن السفاح الذي يمارس ما يمارس بدم بارد وهو خلف مكتبه فهو ليس إرهابيا .. نعم إنها ماكينة القمع الرهيبة التي صنعها النظام الشمولي ورسخ حكمه بواسطتها ، فعندما تدوس عجلات هذه الماكينة البشر لا تدري ما تفعله بهم .

بين صليبين ..
معلقة مرجوحه
تحمل أجساداً ..
تتمزق أشلاء
مذبوحة
بين وبين
جبلين بعيدين
نارين تحت صليبين
والأرجوحة مشبوحة
والروح ترفرف كالشوحه
تسعى نحو الأعلى
تصعد نحو السماء
كلمات رجاء
لا تدري أين ستهبط
فوق الرمل فوق النار
فوق البحر
لا تدري أين ستهبط روحه
يوم آخر مشئوم
تهزأ مني الجدران
والمسيح لا يقوم
عصفور آخر يصمت
والأحلام تهوم
أم تبكي ،
أطفال تغدوا أو تأتي
والزوجة في المنزل
تزداد هموم
و تصوم
لم يأتي شهر الصوم
لكن في هذا اليوم
يشح الضوء
فالظلمة دامسة
والأشباح تحوم
كنت قد احتفظت عند تسليم الدفاتر بدفتر وكتاب اللغة فقد كانت في مكان مختلف ، والمساعد الذي رافقني لم ينتبه لوجودهما .. لذلك كان باستطاعتي أن أكتب بعض الملاحظات ، ولم يكن باستطاعتي العودة للدراسة إلا بعد فترة طويلة نسبيا ، لكن بعض المدونات بخط صغير وترتيب مموه وعبارات مرمزة ما أزال أحتفظ فيها بوحشيتها .. فقد كنت أراعي أنها قد تقع بيدهم ، ويجب أن لا يفهومها ، كما كنت غير واثق من حصولي على دفتر آخر ، لذلك يجب الاقتصاد ، وحاولت تذكر أشياء هامة كانت في الدفاتر المصادرة .. ما تزال تلك الصفحات تقدم صورة صادقة عن تلك الأيام .. وأحيانا كنت أنسى نفسي تماماً فأتوهم أنني خارج المنفردة هذا وأنا يقظ ، أما وأنا نائم فحدث ولا حرج .. مرة أهم بأداء أحد الأعمال المعتادة .. أرد على تلفون ، افتح باب البيت .. ، اخرج للحديقة .. أذهب للعيادة ، أتفقد المفاتيح .. أركب السيارة .. لقد ازدادت تلك الاندفاعات هنا في المنفردة ، وهنا أتذكر المرضى الذين يحتضرون فيعيشون الماضي ويؤدون حركات وكلمات كانوا قد اعتادوا عليها .. فعبد الله مثلاً صار يسرح مع البقرات وهو على فراش الموت .. وينادي على أخوه .. وهذا أيضاً حالي ، أن أعيش بحالة من الموت ، وبشكل مستمر مع هواجسي وأحلامي وذكرياتي ، غرفة صغيرة ومرحاض وصنبور ماء يقطر أحياناً وأيام متشابهة .. في العادة نشعر بالملل إذا انتظرنا دقائق .. هنا الوقت ليس شيئاً ، الوقت يمتد كما المكان . الوقت كجدار مرتفع لا يتحرك ، والأشياء لا تتغير بمفعول الزمن ، بل بفعل تقلب الجسد على السرير ، أو تقلب المشاعر داخل النفس ، كل ما له علاقة بالوقت هنا ، هو تلك الأرقام التي أكتبها على الجدار ، وكلمة انتظر أيضاً لم يعد لها معنى .. انتظر هي كل شيء كل الحياة ، أنت دائماً منتظر ، ولا شيء آخر ، وكلمة انتظر تقال لمن يستطيع أن يتحرك ولا ينتظر ، فنطلب منه أن ينتظر . طالما أن الأشياء تعرف بنقيضها ، وعندما تكون الحياة هي الانتظار وفقط الانتظار .. يكون عدم الانتظار هو الموت ..
الجدران هي كل العالم أنظر للجدران فتتحول إلى شاشات ، إذا أردت رؤية شيء عليك أن تنظر للجدار يتغير ويعرض لك ما تريد ، ولا يهم في هذه الحالة إن كنت مفتح أو مغمض العينين .. رحمك الله يا معري ويا طه حسين .. فقد كنتم ترون أكثر منا وبشكل أكثر حرية .. ترون كل ما تريدون .. وليس ما تجبرون على رؤيته .
هنا ترتبك نظرية أينشتاين فقد أقام معادلاته على أساس سرعة الضوء ، وليس على توقف الزمان ، فهو يفترض هذه الحالة عندما نسير بسرعة الضوء ، حيث ينعدم الزمان ، أما أن يتوقف الزمان ونحن ثابتون ، فهذا مخالف لنظريته النسبية .. رجال الفضاء جربوا انعدام الوزن .. هنا نحن نجرب انعدام الزمن ، هنا لا شيء يتغير إلا إذا غيرته أنت .. تصبح أنت ملك كل شيء .. ملك متوج على عالم فسيح هو خيالك فقط ، وأنت ملك بمقدار ما أنت سجين ومحروم ، ملك متوج على عالم من خيال .. حتى أينشتاين يرتبك في منفردات البعث .. هكذا يحقق البعث نظريته ببعث الأمة ، فيقوم أولاً بدفن أبنائها في المنفردات و المقابر ، ثم يخرجهم منها كمن يبعث من القبور ..
من أجل دموزي اغتسلت
جدلت مع الغار شعري
صبغت بالكحل عيني
زينت بالقلادة عنقي
وبالعنبر طيبت ثغري
دموزي ضم خاصرتي براحتيه الواسعتين
وراح يداعبني
قبلته فوق شفتيه
وقدراً حلواً تمنيت من أجله
انشقت الأرض و ظهرت العفاريت
فقد وجل قلبه
أوجس خيفة
فر للبعيد
اختبأ بين الأخاديد
كان فؤاده مفعماً بالدمع
صفق العفاريت بأيديهم ، وراحوا يبحثون عنه
عفريت لحق بعفريت
فتلوا حبلاً من أجله
نجروا له عصاً
أحاطوا به من كل جانب
ثبتوا بالمسامير كفيه
واقتادوه
إن مشى أمامهم
ضربوه
وإن سار خلفهم
اقتلعوه
غيلان متوحشون
ينتزعون الزوجة من فراش زوجها
والطفل الرضيع عن صدر أمه
كانوا خلقاً لا يعرفون طعاماً ولا شراباً
لا يأكلون الخبز
ولا يشربون خمر العنب
سريعاً
وصلوا به إلى المذبح
راحوا يدورون حوله
رقصوا رقصة الدماء
نطقوا بكلمات الغضب
صاحوا صيحة التأثيم
حدقوا بعيونهم ..
عيون الموت
ترنح دموزي وتهاوى
خر على الأرض صريعاً
جثة هامدة
الأخت تأملت في جثة أخيها
تفجر الدمع من عينيها
خدشت وجنتيها
شقت ثوبها
مزقت فمها
صدر عنها نواح ..
مر فوق السيد المسجى
أواه ..
أواه يا أخي
ويلاه ويلاه
أواه يا أخي
الذي لم تكن أيامه طويلة
أواه يا أخي الذي جلب الحزن لأمه
أن تنام نومة قلقة ..
ولا تنهض
أن تنام نومة أخيرة
السماء ..
السماء مزقيها أيتها العاصفة
أقيمي مأتماً أيتها الصحراء
أيتها الصحراء القاحلة
أيتها الرمال
أقيمي مأتماً
أقيموا مأتماً
كلكم جميعاً أقيموا مأتماُ
مأتماً دائماً
ولتنطلق من أمي
التي ليس عندها عشرة أرغفة
صرخة عويل
عويل ثم عويل
حتى تتبدد الأمهات بصراخها
وتنبت وردة
يراعة !
على مثواه الطاهر
لا ينسكب الماء
عند قبره
ما من لبن يسكب للفقراء
لم يبق ثمة لبن ..
فاللبن كله قد شربوه
شفطوه
أغنام الحظيرة
ماع ..
أغنام .. ماع ماع
أغنام الحظيرة
( أنا عبد مأمور )
( الإيد اللي مافيك تكسرها بوسها )
أغنام الحظيرة الجرباء
تدب على الأرض بأقدام ملتوية
غيلان
حيتان
سفاحون
ينقضون على كل شيء
سرعان ما يبددون جثث ضحاياهم المذبوحة
جماعات الغيلان تعيش فوق المقابر الجماعية
تقتات على الجثث المتعفنة
العفاريت تطرب لألحان التعذيب
تسمن على صوت الآلام
العفاريت تتكاثر
العفاريت الكبيرة
تفرخ عفاريتاً صغيرة (5)

ماذا يحدث في الخارج .. وبالرغم من كل ذلك فأنا أومن أشد الإيمان أن شيئاً ما سيحدث .. شيء ينهي هذه المرارة التي أعيش ، ليس فقط لإيماني بأنني مظلوم .. بل أيضا لا يماني بأن الحق أقوى .. ( قال لصاحبه لا تحزن إن الله معنا .. وليد هل تسمعني .. إن الله معنا .. قل جاء الحق وزهق الباطل .. إن الباطل كان زهوقاً .. )
يجب أن لا أنسى ولن أنسى تلك الأيام .. رغم أنني أعرف أنها ستمضي تلك الأيام وتصبح للذكرى .
بشكل دائم كان يلح علي تساؤل وجداني هل للحق قوة مادية ، أم هو فقط محصلة جهد المؤمنين المخلصين له ، أي هل الحق قوة موضوعية خارج الإنسان والعمل الإنساني . أم هو شيء إنساني ذاتي فقط محصور بهؤلاء الذين يدافعون عنه ، فإذا هزموا اندثر الحق ، هل هو فقط ذلك الضعيف الذي لا يمتلك القوة يتمسك بالحق لينصره الآخرون ، وعندها هنيئاً لكل ظالم وفاسد ، امتلك القوة وسحق الحق .. فالمسألة عندها تكون مسألة قوة والبقاء للأقوى والأكثر وحشية ودموية وإجراماً ، وعندما تكون ضعيفاً مهزوماً في مواجهة سلطة غاشمة تحرك ملايين المأجورين والمرتزقة الذين تتحكم بلقمة عيشهم وتتحكم بثروات بلادهم .. وعندما يكون الحراك الشعبي على ذلك القدر من الهزالة .. عندها سوف يتعرض إيمانك بقضيتك ، أي بانتصارها إلى امتحان عسير .. هل خسرنا لأننا الأضعف ، ومن قال أن قوتنا مادية ، نحن الأقوى لأننا الأصدق والأقرب للحق والعدل ، وليس لأننا الأقوى في العدد والعدة .. وإذا خضنا معركة قوة متوحشة فهم الأقوى .. وهكذا كانت حماقة أن نخوضها ، وإذا لم نخوضها من سيفعل ومتى .. وهل نقضي عمرنا بالذل والهوان والتخاذل ..مسائل كثيرة تطرح نفسها على عقل لا يقبل المرور السريع أو القفز ولا البلع .. عقل يعرف كيف ينتقد نفسه ويحدد أدواته .. نعم لا بد من جواب ، وهو هنا ليس عبر شيء آخر إلا عبر الأحداث القادمة .. إذا كان الحق قوة موضوعية وهو قد تجلى للأنبياء وأعلن لهم أنه لا يرضى عن الظلم .. فذلك يعني أن شيئاً ما سيحدث .. وهذا ما كان يكرره عارف .. سيحدث أمر ما .. . وحتى الآن ما يحدث هو السير نحو الأسوأ .
يكفي الإنسان غلطة صغيرة ليفقد الكثير وربما حياته .. فهو على درجة من التفاهة .. والحياة ليست كلها عقيدة وجهاد كما كنا نقول ، بل هي أيضاً حظوظ ، وهذا ما كنا نسخر منه (حظ ، قسمة ونصيب ، قدر .. ) كنا نظن أن كل شيء مرهون بالعمل وعلى الإنسان أن يكافح ، وكافح وكافحنا وصرنا هنا .. أهكذا يحدث لمن يسير وراءك يا عارف .. يضحك عارف .. كنت أنا من يسير وراءكم .. .. الثورة الجماهير الشعب ، أين منا كل هذا .. هل ابتعدنا عن الناس هل كنا متطرفين ، هل طرحنا مسائل ترفية لا تخص معاناتهم .. أم أننا كنا ضمائرهم لكنهم خائفون مرعوبون مشلولون .. ولماذا لم يتحركوا وإلى متى ..
في كل يوم يجب أن تمر ثماني ساعات على الأقل يسود فيها القنوط الفظيع والأفكار السوداء ، لكنني بالأمس نمت جيداً وحلمت أحلاماً سعيدة .. كنت بينكم جميعاً .. هذا يعني أن عواطفكم تصلني .. وشيء ما يوقظني عند الصبح .. هل هو دعاء عمتي وأمي ..
ومنذ ساعات وأنا أراقب نملة .. تجر شيئاً ثقيلاً جداً وتحاول وتدور وتدور تتركه وتذهب بعيداً ثم تعود ، لقد مسحت المكان عدة مرات ، فهي في حركتها لا تعتمد على الرؤية بل على نقاط من رائحة معينة تضعها ، وعندما ساعدتها بدفعها مع حملها مسافة جيدة باتجاه عشها . تترك الحمل وتبدأ البحث من جديد وتعود المسافة التي دفعتها فيها . فهي لا تترك فراغات وراءها ، النمل يرفض مساعدتي الحمقاء .. فتركتها وشأنها .. سوف أحكي هذه القصة لأطفالي في ليلة مثلجة تنقطع فيها الكهرباء و نتجمع حول مدفأة المازوت وزوجتي تقشر الفاكهة وتوزعها علينا وهم يسألون وأنا أتكلم .. رائع أن يكون للمرء أطفالاً يستمرون بعده ينشئون معه ويتبعون رحلة سارت بها الأجيال .. إن مجرد التفكير بالأطفال والأهل ومجرد تصور أن مكروهاً ما سيحدث لهم بسببي .. شيء مدمر ، وأنا لا أعرف ردة الفعل التي سوف أبديها لو حدث هذا .. ففي داخل كل إنسان وحش وفي السجون المنعزلة وفي ظروف القهر تتعزز وحشيته وإذا خرج و وجد ما تركه قد حطم .. لا يستغرب منه أي سلوك عنيف .. فالإرهاب ينشأ هنا في هذه الزنازين .. هل يسمع من يريد مكافحة الإرهاب .. اليوم خاطبني سجان لطيف بلقب دكتور وسألني همساً عن مرض ابنه الصغير .. اشتقت أن أكون طبيباً اشتقت لمرضاي للناس للتعامل مع بشر ..
المشكل في هذه الأيام أنه إذا ذهبت مشاعر القلق والهواجس حل محلها الشوق والملل .. يستحيل عليك في هذا السجن اللعين أن لا تقضي نصف الوقت بتعاسة تامة مهما كانت حالتك .. والشيء الوحيد القادر على جعلك تنسى قليلاً هو الانغماس في عمل تحبه ، ولكنهم حرمونا من كل شيء حرمهم الله من رحمته .
الثلاثاء 11/6/2002
من المفروض أن يكون عندنا اليوم زيارة لكن أين الزيارة .. تصوروا أنه حتى بعد 9 أشهر من الاعتقال ما نزال نجهل مصيرنا كلية ، ماذا يسمى هذا أليس إرهابا . أليس جهل المصير أشد أنواع العذاب خاصة في ظروفنا .. أخوتي ورفاقي إلى جانبي وأكاد اسمع سعالهم وهمساتهم ، ولا استطيع الوصول إليهم أو التواصل معهم .
اليوم يفترض أن تكون بنتي هند قد أنهت امتحان الدراسة الإعدادية ستعود من الامتحان وتتنفس طعم الراحة ، مبروك يا هند ولا يهم كثيراً كم سيكون المعدل ، المهم أن نجاحك جيد ، .. ولا تحزني لو كانت النتيجة أقل من توقعك فشيء عادي أن يبالغ المرء في تقدير الأمور لصالحه ..
هذه بعض هذيانات المنفردات .. أجلس مع الناس أخاطبهم ، أخرج من قبري إليهم ، فالغالبية العظمى من الوقت أقضيها معكم ، في كل مكان ألفتكم فيه .. الحديقة السيارة البيت طاولة الطعام .. آه كم أنا مشتاق ، لو تعلمون ما أهمية الأهل والأسرة والأصدقاء والناس ، لا شيء أجمل من المحبة بين عباد الله ، وليس جيداً أن ينغمس الإنسان كثيراً في تيارات الحياة الاستهلاكية ويتخلى عن جذوره وروابطه ، حتى لو بدت مقيدة .. فلا تدرون كم في هذا العالم من بؤس ، ولا يلطف شقاءنا فيه سوى قطرات الرحمة التي نسكبها على بعضنا وتلك الدموع من الحزن التي تغسل وجوهنا .. أعتقد أن كلمات مثل النصر القوة السيادة هي الوجه الآخر للشقاء والتعاسة والألم ، القوة الحقيقية في التواضع في الرحمة في رهافة الحس والمشاركة الوجدانية ، القوة في الرقة ، وأرق الأشياء في الطبيعة أقواها .. ما نحتاجه في هذا العالم الذي ينزع بشدة نحو القوة والسلطة والاستهلاك ، هو الرحمة والحب والتسامح ، مساعدة الضعيف ونصرة المظلوم ومواساة الحزين ، هو أن نتذكر بعضنا ، الحياة رحمة وأدب وإنسانية وإخاء وجمال ورقة ، وليست أرقام وجيوش وفضلات ، العنف السادية الوحشية هي مظاهر القوة وحسب مبدأ البقاء للأقوى نكون قد تخلينا عن إنسانيتنا .. كم هو سهل على شخص ما يجلس خلف مكتبه ويأمر بتعذيب البشر .. ببساطة يعتقد أنه يملك الحق في فعل هذا ، ومن أدخل في ذهنه هذه القناعة ومن سمح له بذلك الفعل ، كل ذلك مسؤولية كل إنسان ، فالمؤسسة التي اسمها الدولة هي شيء يصنعه المجتمع فيقوم كل فرد بدور مختلف في بنائه ، ومهما كان الفرد فهو مسئول بشكل أو آخر عن الدولة ، حتى الثقافة السائدة نحن مسؤولين عن استمرارها ونقلها وتسويدها .. وهي محشوة بالعنف والتسلط والاستحواذ والتخريب ..
وحدي مضطجعاً اسهر
جيراني في الزنزانة ناموا
وفي النوم السجن كما القصر
تلكم هي أحوال الدهر
تصيب من تعفف
ولا تنس من مارس العهر
سكن الليل
والبندول توقف
عداد الوقت تخوف
ها قد حانت ساعة صفر
حتى جاري
وصوت شخيره العالي
فجأة قد توقف
وتحركت
أشباح الصمت والظلمة
شيطان الشعر حضر
هدأ صفير الصمت
ولم يهدأ قلبي
ليس بيده الأمر
ولم يصله الخبر
معذور لا يعرف
ماذا يجري
أدخل تحت غطائي
أبكي
أتنفس
جسدي يتجمد
لا أشعر في أطرافي
هل أستسلم للنوم
أم اسهر وحدي
كل العالم
قد أصبح في صحني
ملعقتي
تأكل من عمري
وأشباح الليل
ترقص لي فرحاً
على نور السخانة
والشاي الثقيل
يبلل حلقي
يا صبح تعال
ارتجف
فأجمع نفسي
أتثاءب
أتقلب
أكتب أتخيل
أمشي في أحلامي
وأسرح
على أعشاب الحقل
أحياناً
أسقي حوض بنفسج
وأرقب زوجتي
وهي تمسح
رائحة النعنع تزكم أنفي
والقلي تفوح من المطبخ
في ذاكرتي طعم التين
وصورة أطفالي
في بيتي
تفرح
في الليل الساكن أسهر
وفي الممشى الطويل
لا يسمع غير العويل
وهمسات الريح
تتلوى كالأفعى
وفيه تسيل
كشيء لزج وثقيل
لا يسمع غير صدى
صدى باب الحديد
قد أغلق منذ زمان
منذ أمد بعيد
ولم يبق غير الصدى
صدى يذهب للمدى
ويتجدد في أذني
لا يتبدد
عندما يتوقف الوقت
ينقبض المكان
من كل اتجاه
يزحف
ماذا أفعل مع هذه الجدران
فهي قريبة جداً مني
وقضبان الحماية
كلاهما يتعسف
آه العالم قد توقف
لعمري هي النهاية تأزف
في يوم من بين الأيام
أو في ظرف
لا يعود لحن الحياة جديراً بأن يعزف
ظرف يكون فيه العيش
تحت التراب
أفضل وأشرف
نتحاور نتعرف
نقرف من سكن
في شبه القبر
أو نهرب منه إلى القبر
نضجر من تلك الحياة
ونأنف
ملاحظة هامشية : قد أصبح جسدي حساس جداً ، خاصة بعد أن أقلعت عن التدخين ، صرت إذا شربت فنجان قهوة أصاب بالأرق طوال الليل .. يبدو أن القهوة والتدخين وانشغال الفكر يبلدون الإحساس ، فالقهوة والتدخين عنوانا الرجولة مع الشوارب طبعاً ، والعنف محرك التاريخ كما قال ماركس ، كل ذلك لا أريده .. ولا أعتقد أن العنف بما في ذلك العنف الثوري قد حرك شيئاً نحو الأمام .. والبشرية لم ترتقي بفضل عنف الأقوياء بل بسبب جهود الضعفاء في محاولتهم لجم وحشية القوة وأسنتها وإخضاعها لسلطان الحق ، الحضارة هي حنان الأم وخوفها على ولدها ، وليس قتال الرجل .. إلا دفاعاً عن هذا الحنان ، فالحضارة هي المرأة وقيمها ، وليس الرجولة وقيمها ، إلا إذا كانت تدور في فلك المرأة .. وبمقدار مكانة المرأة كامرأة وكقيم نسائية ، في المجتمع بمقدار تحضره .. لكن كما يقول أبو عصمت ( يا نيال من لديه فأره )
في فترات الانقشاع ( وزوال غيم الحزن ) كنت أستغل الوقت في أمور كثيرة ، فقد طبخت بالأمس وعندما كنت أتناول الطعام وجدت شعرة طويلة وبعد تحريات معقدة تأكدت أن مصدر الشعرة هو رب البندوره الذي نصنعه بيتياً ونوع الشعرة يتناسب مع شعر هيفاء .. فقد خرجت للسطح لتحريك الصواني وسقطت شعرتها فيه .. ها هي هيفاء تزورني أشعارها .. سوف أحتفظ بهذه الشعرة غسلتها ولففتها بمحرمة وحملتها في مكان آمن بين أشيائي وهي ما تزال معي في محفظتي .. وتتفجر مشاعر الشوق ممزوجة بالغضب ، أن تحرم من كل شيء بقرار تعسفي من دون وجهة حق يتحكم في مصيرك المجرمون والعابثون ، أن تكون تحت رحمة الجهلاء والحمقى والمجانين .. شيء مدمر .. أيها الكلاب ، من سيحاكمنا أتحداكم أن يعلن شخص واحد منكم عن ثروته ليس التي خبأها أو هربها ، بل تلك المسجلة رسمياً في دوائر الدولة ، وأن يعلن عن مصدرها .. أيها اللصوص من أعطاكم السلطة والحق في التحكم بنا ، علبة الفول تسرقونها .. ثم تتهموننا .. سيكون بيننا يوم .. ما المانع أن يطبق علينا قانون ونظام السجون أسوة بغيرنا .. لا شيء سوى الحقد والرغبة في الانتقام .. حسنناً سنرى ..
أنا
أنا ... ولتصمت الأقدار
أنا وأنا
وجدار
وجدار وجدار وجدار
وباب الحديد أنا
يتسلل الهواء
نخبو الأنوار
الظلال تتلاشى
ليل داخل ليل
بلا ملامح .. وجوه تنتظر
يا الله يا ستار
جسد بلا فراغ من حوله
روح هائمة في خلاء
لا ماء .. لا هواء
لا أسماء لا أشياء
صحراء قفراء
بلا أشجار
بلا ظلال
بلا طرقات
بلا أهل بلا أطفال بلا أخبار
أنا
لا صوت لي
لا رفيق لي
لا حبيب
لا حقوق لي ... لا اعتبار
أنا
أنا وهم .. وعدم
أنا
من لحم ودم
أنا .. روح أنا
لا مكان لي أنا
مكاني هو أنا
وأنا زماني
لا زمان لي
لا ليل لا نهار
أنا .. شيء تافه
شيء كلاشيء
روح .. شبح ..خيال .. ذكرى
أنا غبار
أنا لا شيء
لا شيء
لا شيء يقول لا.. أنا
لا شيء بانتظار لا.. أنا
أنا.. لا
لا ..لا ...ولا
وليشربوا البحار
أنا الميت الحي
أنا الربيع المقتول
أنا الموت القادم .. أنا
سترى
سترى ... يا
الأيام بيننا
سترى من أنا
ولمن الانتصار
سترى من أنا
فقد كتبت الأقدار
اليوم الأربعاء 12/6 /2002
محاكمة وليد وحبيب ، لقد ذهبوا الساعة العاشرة وعادوا في الساعة الواحدة والنصف لم أرهم من ثقب الباب لأنهم قصيري القامة نسبياً وساروا من جهة الباب وليس من الجهة المقابلة حيث تتسع زاوية الرؤية .. لكن باب وليد وصوت مشية وليد ، وعندما عادوا صاح سجان لرفيقه عادوا من المحكمة لينبهه ، فعندما يعبر مدير الجناح ضابط الأمن الباب الرئيسي يتصل الحرس على الباب بالداخل لينبههم ويستعدوا لاستقباله فهم يصطفون لتحية جلالة السجان ( الجلاد ) .. وبالأمس ذهب وليد وغاب فترة طويلة أكثر من وقت زيارة ، وبالرغم من كونه موعد زيارة لكنني أتوقع أن يكون قد قابل المحامين ..
اليوم مسحت الأرض كلها ( على كبرها ) فالمسألة ليست في كبر الأرض لكن في توفر الماء ، ويبدو لأن اليوم موعد محاكمة فقد تحننوا علينا وأداروا الماء لذلك تحممت مرتين وغسلت كل شيء وملأت كل ما يمكن ملؤه حتى أكياس النايلون .. . وها أنا ذا أجلس لأكتب في الساعة الرابعة بعد الظهر ، الحرارة مقبولة هذا اليوم بعكس الأمس فقد كانت أبواب جهنم مفتوحة ، بالأمس نمت جيداً رغم الحر واليوم تحممت ، وغداً الخميس نهاية الأسبوع ، وهي نهاية على كل حال لأي شيء يريد أن ينتهي ، فمرحباً بكل نهاية على الإطلاق ..
رفاقي يذهبون للمحاكم وأنا لم أتلق حتى الآن قرار الاتهام ، ولماذا تأجلت محاكمتنا نحن الثلاثة أنا مع فواز وحسن ، هنا أشعر بفقدان التوازن ، فأنا اصطدم بمجرد الحركة نحو التفاؤل وحتى التشاؤم وقد تعرضت للكثير جداً من الصدمات بل صارت معيشتنا هي تلقي الصدمات لكن ما العمل طالما أننا عاجزون عن التحكم في معظم الأشياء حتى بأنفسنا .. ماذا سيفعلون باللوحات والدفاتر ، سوف تضم لقرار الاتهام ، هذا هو الظاهر .. لا يهم شيء واحد يقلقني هو أسرتي وأصدقائي ، أنا لا يهم ، المهم أن لا ينعكس شيء على الآخرين ، مصيري أتقبله ، لكنني لا أتقبل أن أسيء لغيري فأنا اخترت بحرية وأتحمل ، لكن ما ذنب غيري ..
وحدي
قلبي يحدثني
أتحدث مع نفسي
نفسي تساكنني دوماً
بئس جليس
أفكار سوداء تخامرني
تعصف بي
يحركها إبليس
ماذا يحدث في الخارج
ما حالة مرتي وبناتي
ما حالة أمي
ما حال المنتديات
من يحمل خبراً
من يأتيني بأنيس
أنام وأصحو
أتمشى أركض
أغسل رأسي في الماء البارد
ماذا أفعل
وأنا بين الجدران حبيس
نهار يلونه الشؤم
وفي الليل كوابيس
ممن ألتمس السلوى
من يجعلني أنسى
من يأخذ عني نفسي
من يبعد أهلاسي عني
من يجعلني غير تعيس
بين الجدران حبيس
أساكن نفسي
نفسي ترافقني دوماً
تأتيني بالأفكار السوداء
تزعجني وتؤنبني
بئس جليس
تمر ثماني ساعات تعيسة ، وثمان مقبولة ، وثمان بالنوم والآكل وأشياء أخرى ، وهكذا أستطيع التوازن .. وعندما أتخيل 16 عشر عاماً قضاها رياض أصاب بالهلع نحن مضينا حتى الآن في المنفردات 23 يوم ونراها كثيرة .. وبوجود زملائي وأصدقائي بالقرب مني يخفف كثيراً من الشعور بالعزلة ، فحتى الألم عندما تتشارك به مع غيرك يخف ، كل شيء جماعي أسهل ، جاري الأقرب يطلب الطبيب باستمرار ، مريض على ما يبدو ، يخشى كثيراً على أسرته وأولاده ويؤرقه أن يسبب لهم أي قدر من العذاب أو الإساءة .. أنا أكتب هذه التفاصيل وكأني بكم حولي تقرؤون .. نعم أنا أخترق السجن عندما أكتب ، وغداً لو شاء القدر ونشرت ما كتبت سيكون كل ما حصل بين أيديكم تعيشونه لحظة بلحظة .. وفي هذا الحر وكلما شربت الماء من إبريق الآجر الذي جلبته لي زوجتي ، أترحم على أبوها ياسين .. ولولا وجودكم السحري معي لا أدري ماذا كانت عليه النتيجة .. أتخيلكم دوماً معي ، وهذا النوع من المعاناة أليس تعذيباً ، ولماذا نتعمد التعذيب ، هل الهدف من السجن هو تعذيب السجين ، أعتقد أن فلسفة العقوبة قد تغيرت كثيراً من الانتقام وترجيع العنف ، إلى حماية المجتمع وإصلاح الجاني ، فلم يعد للتعذيب أي دور فهو سوف يشوه السجين ويولد عنده المزيد من الانحرافات .. لكن أنظمة القمع تصر على ممارسة التعذيب لتعزيز سلطان الخوف كحارس للإذعان ومولد للطاعة ، وهي تصر على نشر قصص التعذيب وصور الوحشية لتغذية الذهن الاجتماعي بعناصر الخوف والرعب من كل محاولة للتمرد والعصيان .. فهي أنظمة تحكم بالخوف .. والتعذيب هو عنصر الخوف ، ومنع التعذيب يعني إفقاد السلطة سلاحها الأساسي .. وعنصر بقاءها وبقاء الناس في حالة سكون وهدوء وصمت وسلبية .. وزد على ذلك انعدام الأساس القانوني لأي تصرف واستخدام التعسف بشكل واسع ، وفقدان أي استقلال للقضاء ، ووجود جيش من المرتزقة مستعد دوماً لتنفيذ ما تريده السلطة ..
المعركة في هذا الإطار معركة عض أصابع ، هم يردون إعادتنا إلى دائرة الخوف ونحن نريد تمزيقها لكي يخرج الناس من حالة الإذعان إلى حالة الفعل .. لكن المشكلة في هذه المعركة أنه طرف واحد أصابعه تتعرض للعض ، هو نحن ، بينما اللاعب الآخر في أحسن حال ، ينعم بالدفء والثروات والسلطة .
الخميس 13/6/2002 الساعة الواحدة إلا ثلث .. ذهب حبيب من غرفته وغاب ساعة كاملة ، عندما أسمع باب الحديد يفتح اقفز للنافذة وأنظر من الثقب ، لقد مر حبيب أميزه من شعره فأنا رسمت لوحة له وأحفظ جيداً ملامحه .. وبعد أن عاد ذهب وليد لمدة ساعة أيضا ذهب في الساعة 1,35 وعاد في 2,40 ولم يذهب غيرهم .. على الأغلب زيارة محامين ..
أفكر أنه على كل إنسان أن يعرف مكامن قوته وضعفه ، عندها يختار المعركة التي يستطيع خوضها ، ومع ذلك أرى أن هذا الكلام نظري ، لأن البشر متشابهون إلى حد كبير ، والموضوع لا يعتمد على القدرات المسبقة بقدر ما يعتمد على الظروف المرافقة ، فالشجاعة والتحمل كلها أمور نسبية ومتغيرة أيضا ، وأن نقول أن هذا رجل مناضل وذاك لا ، فهذا غير صحيح ، هذا يتحمل سجون ومعتقلات وزنزانات وتعذيب ، وغيره لا ، فهذا غير دقيق ، لأن أشد الناس قوة وصموداً ( بنتيجة التجربة ) لم يكن صموده لقدرات ذاتية فقط ، بل لظروف محيطة به جعلت صموده ممكناً ، ولا يجب أن ننسى آليات التكيف التي يطورها الفرد في مواجهة الظرف الطارئ الفظيع الذي يفوق التصور ، ومنها آليات سحرية وغير معقولة . الأصح أن نقول أن الكل يمر بمراحل قوة وضعف وهذا ليس فعلاً إراديا ، وليس من الخيانة أن يضعف إنسان ، ولا بد من التضحية ، ولا بد من الخسائر ، ومن سقوط البعض وصمود البعض ..
فالحرية لا توجد إلا بمقدار التضحية ، وهي المكافئ الكمي للدماء والآلام ، التي تبذل في سبيلها . نعم لكل شيء ثمن والشعوب لم تصل إلى ما تنعم به اليوم بدون تضحيات ، وأن نكون سجناء الحرية والضمير فهذا فخر لنا ، لكن أن نكون وحدنا من قرر التضحية ، ووحدنا من يدفع الثمن فذلك مرهق .. فنحن نتعذب وعلى من بقي في الخارج أن يدرك ذلك ويحاول على الأقل توظيف واستثمار تضحياتنا ، واكبر خيبة نشعر بها عندما نسمع أن زملاءنا قد تجاهلوا أمرنا ، ولا يملكون سوى البكاء ، ثم يدفعهم خوفهم للصمت ، خاصة وأن استثمار قضيتنا يشكل مادة عمل سياسي هامة .. لكن على ما يبدوا هناك القلة ، والآخرين كانوا أو أصبحوا غير معنيين بأهداف الحركة الديمقراطية بل بما تحقق لهم من مكاسب ، وهم غير مستعدين للتضحية بأي شيء و يخضعون كثيراً لتهديدات السلطة .
المفروض أن تحترم حقوق الإنسان ، فبدونها لا معنى للوطن أصلاً ، فالحظيرة وغرف التعذيب وساحات الإهانة والإذلال ليست أوطاناً .. فالوطن هو الخيار الحر الذي يختاره الإنسان للانضمام إلى مجموعة والمشاركة معها في حياة مشتركة ، المقدمة الأولى لأي عقد وأي التزام وأي واجب هو احترام حقوق الفرد وكرامته وإنسانيته ، فبدون هذه المقدمة لا يمكن بناء أي منظومة واجبات .. وطنية أو جماعية أو قومية ، فالقانون يبنى أساساً على القبول وشرط القبول هو الوجود واحترام هذا الوجود ، وكل الفكر القومي الفاشي يبدأ من وجود الجماعة ويقفز فوق وجود الفرد المنتمي ، ويجعل من الفرد مكون عضوي من مكونات الجماعة ليس له الحق بالوجود قبلها ، وبالتالي وجوده مرهون بوجودها ، فإذا لم توجد الأمة لا وجود للفرد ، ومن أجل مصلحة الأمة يمكن التضحية بمن تريد من أفرادها ، ومن غير موافقتهم ، وهكذا تتعمم كذبة كبيرة لتغطية الاستبداد فسرعان ما نكتشف أن ما يسمى بالأمة هي شخص واحد ، وأن ما يدعى من إرادة الأمة هي إرادته وحده ، وما يتوهم من خدمة أهداف الأمة هي خدمة طموحاته المجنونة أو الأنانية ..
وهكذا .. و من دون المرور بمرحلة الفرد الحر الكريم ، لا يمكن تأسيس وجود اجتماعي حقيقي ، وهذا يتطلب أول ما يتطلب منظومة حقوق أساسية لا يجوز انتهاكها ، تشكل الأساس لوجود عقد اجتماعي يصوغه وينظمه الدستور ومن ثم القانون ..
اليوم أيضاً حار . وأمارس هواية تجفيف الثياب على الجسد ، أبلل القميص الداخلي و أرتديه فيجف ، وهكذا ، الحرارة تتجاوز الأربعين .. ووسط هذه الحمى وهذا الصمت ، تصاب بهذيان أهلاسي سمعي .. تسمع أصواتً مألوفة لديك خاصة وأنت بين النوم واليقظة ، وكيف لك أن تتحقق من مصدرها وأنت سجين الجدران وباب الحديد المصمت .. عادة عندما تتشكك في ما رأيت تعيد النظر ، لكن كيف يمكنك تكرار السمع .. هنا الخطورة .. كنت أسمع صوت حسان يا كمال أو عدنان ، يا حكيم أو علي يا دكتور .. ولا أدري لماذا ، يبدو أن أي صوت مشابه يتحول في الدماغ لأصواتهم ، أو هو تشابه الزمن والتوقيت أو ربما مجرد أحلام سطحية .. هنا أي شيء قادر على تفجير ذكرياتي معكم ، أما أنتم فبجوار الكثير من الأشياء التي تذكركم بي .. المنزل الحديقة السيارة الأشياء الكلمات .. منذ ساعة كنت شديد الحزن .. شربت قليلاً جداً من القهوة .. الآن تحسنت حالي كثيراً ، هذا يعني أن كل خزاناتي فارغة ، فكل شيء له اثر كبير فقدت كل مدخراتي النفسية .. أنظروا كم هي السيكارة ضرورية في هذا الظرف .. ومع ذلك لن أدخن ، كيف ترى ذلك أبو ياسين ( آه كيف ؟ ) .
أما مشاعر القلق على أولادي والهواجس فتتكاثر وبشكل مفرط .. السيارة الكهرباء المرض ،.. كل ما يخطر في البال ، والحال الأخطر أمي .. أخشى أن لا يتسع الوقت لأعوضها عذابها .. أتذكركم كلكم وموجة جديدة من الحزن تمنعني من الكتابة آه ....
ذكراكم تعذبني ، هل إذا حاولت نسيانكم أكون قد خنتكم ، وهل محاولة أصدقاءنا نسياننا هو أيضاً مسعى نحو الخروج من الحزن واليأس والعذاب .. تختلط الأمور
سماء الليل السوداء
تغطيها سحب غبار داكنة
تحجب ما فيها من أضواء
والقمر تأخر عن موعدنا اليوم
غاب القمر ولم يطلع
هاهي المئذنة تنادي
ترتل آيات القرآن الهادي
والريح تروح تروح
ولا ترجع
الله أكبر
لا إله إلا الله
لبيك نداء
في فجر يطل علينا حزيناً
مسجون مهموم وحدي في المهجع
أتأمل جدارنا صامتةً
أتخيل أمي تبكي الآن
أتخيلها ... أتوقع
دمعات تجري على خديها
تتتابع
وعيون مخضوضبة حمراء
سقطت عنها الأهداب
من كثر بكاء
شفتاها تتقلص
تتوجع
تتأوه , لا تصدر أصواتاً
تبكي صامتة
تتفجع
تحاول بغطاء
أن تستر دمع الأحزان
أن تستر وجهاً تعبان
أرهقه العمر
وليالي ليلاء
وهموم على ولد أخذوه
زوار الفجر
خطفوه ولم يرجع
ولدي
على صدري نامت خداه
في كبدي تسكن صورته
ويسكن ذكراه
ولدي
آه
لو تسمع
عظامي تتآكل تتفتت
أضلاعي
تتصدع
أناديك بفضلك يا الله
يا رب سماء
بصوت يتحشرج
أتضرع
ولدي هل تسمعني
الوقت قصير
الأمراض تداهمني وتلاحقني
الموت قريباً جداً مني
ولدي أسرع
تعال إلى صدري
أضمك أقبل وأودع
عيني تدمع
تدمع
تدمع .
اليوم الجمعة 14/6/2002
سمحوا لنا بشراء بعض الحاجيات ، مواد تنظيف ، خضار . هكذا بعد مرور قرابة الشهر ، طبعاً سجلت وطلبت دفترين ، وبالفعل جاءت الفاتورة كاملة ، صار عندي الآن دفترين ، وجاءت الخضار ، الله إنها باردة ولذيذة ، اليوم خف إرهاب المنفردات ، صار عندي دفترين ، سأكتب وأكتب ، وأعيش بينكم بواسطة دفاتري وقلمي .
العشاء اليوم بابا غنوج سأشوي الباذنجان وأضع معه البصل والليمون والزيت وبعض الجوز ، هيا تعشوا معي ، أحد ما يشاركني ... لا تريدون ، أم لا تستطيعون ؟ و أنا أغسل الخضار في السطل بما تيسر من ماء تذكرت البستان حيث كنت أزرع كل حاجياتي من الخضار واذهب كل صباح لقطافها .. ، هل تستعاد ، يا اعز الناس هل زرعت كعادتك هذا العام ، ومن سيساعدك .. بعد بكرة الأحد لا تنسي طلب الزيارة ، لا اعرف أحوالك ، لكن بالتأكيد أنت ضجرة وقلقة ، لكن المهم أن تهتمي بنفسك وأولادك وأمي .. اليوم جاء الماء قليلاً وحاراً وسوف استغل هذا ، فحتى الآن لم ننتهي بعد من إرهاب الماء .. سوف استحم عدة مرات ، فالماء ساخن جداً .
ماشي الحال .. نعيماً يا كمال .. هل لو كنت تعرف أن ذلك سوف يجري لك وتدرك حجمه ومعاناته كنت ستفعل ما فعلت .. يبدو أن الحياة قادرة على توريط البشر .. ففيها سر غريب هو تلك القدرة على النسيان والتناسي ، وتلك القدرة على إغماض العينين ، فالإنسان يسير أحياناً وراء وعد وكلمة قالها .. مجنون ربما بمقاييس الكم ، لكن بمقاييس النوع لا ، الإنسان وعد وأمانة وكلمة صدق ووفاء ..
السبت 15/6/2002
تحدث أشياء مميزة ، أبو ( م ) جاء وعرض علي شراء كيلو مشمش تصوري أخذته بثلاثين ليرة .. خير السنة ورزق جديد .. مشمش ، كان المشمش يتساقط في كل مكان في الحديقة ولا يجد من يجمعه .. لكن بقاء المشمش حياً في الخارج وتمكنه من دخول السجن شيء غير عادي في هذا الظرف . قلت سأكسر البذرة فربما كانت حلوة لكن بماذا لم يكن هناك سوى باب الحديد ، باب التواليت الداخلية ، وضعت البذرة حيث يمكن كسرها ، وشددت الباب فطقطقت وطقطق هو وطقطقت الطينة التي ثبت بها بشكل هش .. البذرة مرة وهذا سيحافظ على تماسك الباب مع الجدار ..
أنا لا أفهم لماذا المنفردات ولماذا منع الزيارات وقطع الماء ومصادرة الأشياء ووو والمحاكم السرية والاعتقال التعسفي و.. هل كل ذلك كي يعلن النظام عن نفسه ، فيستحق تسمية نظام قمعي إرهابي .. المنطق يقول أنه يجب أن يستحق اسمه الذي اختاره ، بواسطة التعبير عنه بسلوكه . فكل الأشياء تعلن عن نفسها وتقدم نفسها ، وهو أراد أن يقدم نفسه كسفاح وقاتل :
أردوك قتيلاً
نثروا دمك القاني
فوق حقولك
بأوامر يصدرها الجاني
دفنوك و ظنوا أنك تفنى
فرجعت جميلاً
على شكل شقائق وحواري
تتمايل راقصةً تتغنى
خافوا وجهك أن يصبح قنديلاً
سحلوه
فوق براري
منعوا عن بذرتك الماء
منعوا عنها المطر
وعبق الصبح
أن يهطل
أن يتندى
فسقاك الدمع الجاري
وبقيت روحك
مخصبة تحيى
فصلوا عن عظمك لحما
بأنياب تفترس
تقطع إربا
التهموا الحاضر والماضي
سرقوا
نهبوا
شوهوا ما تبقى
سافرت بعيداً وطويلاً
لكنك ... عدت
عدت إلينا
بمنظرك الزاهي
شوقاً عشقاً
عدت إلينا كصوت الناي
يتمايل
أحلى
أطهر أنقى
يا روح ربيع تشقى
يا دمه المسفوح القاني
بالماء
وبالدمع
وبالعرق الجاري
ستحيى
وسترجع
للغوطة والفردوس
والفيحاء
وتلقى
أصحابك أحبابك
سترجع
يا ربيع
مهاما طال الزمن وأبقى
سترجع
يا ربيع
إلى مدينتك
دمشق
أبها
أقوى
أرقى .
صباح الأحد 16/6/2002
في كل مرة ننتظر فيها حدوث تحسن ما ، لكن وكما هي العادة في الشرق الأوسط ، يحدث دوماً الأسوأ .... فتح المساعد الطاقة وقال حضر حالك محكمة .. وبقدرة قادر تدفق الماء .. غسلت وجهي وارتديت ثيابي .. هاهم فعلوها محكمة بدون قرار اتهام ، وبعد قليل جاء أبو سعيد وأبو اشرف ومعه اللوحات وبدأ يكتب ويسألني عن كل لوحة ماذا تعني وماذا اقصد فيها ، وكانت إجاباتي غامضة ومختزلة كانت 25 لوحة ، وكانت حجتي أن اللوحة تعبر عن نفسها فهي لغة بصرية ، وليست بحاجة لكلمات لشرحها .. وهكذا غادرت اللوحات ولم تعد مرة أخرى وذهبوا بي للمحكمة ..
في سيارة الفرع قبلت فواز ، فقد كنت ألتقية لأول مرة منذ اعتقالنا قبل تسعة أشهر وكان معنا حسن .. ومنعونا من الكلام مع بعضنا ، وأثناء النزول من السيارة على باب المحكمة شاهدت علي في البعيد .. رفعت له يدي ورفع يده ، إذا هم هنا .. في غرفة في المحكمة جلسنا نحن الثلاثة وكان معنا حراساً وجاء المحامي ( خ ) بدأ يشرح عن التسجيلات ومحاولات الإساءة إلى سمعتنا ، وطلب منا أن ننكر ما جاء فيها وذهب حسن ثم فواز ثم أنا وأنكرت وقلت لا أذكر ما قلته خلال أشهر وكل هذا الكلام غير دقيق ومنزوع من سياقه .. ولا قيمة قانونية له لأنه قيل في زنزانة وفي ظرف خاص ..
وعدنا للغرفة وجاء من يقول أن لحسن زيارة ، ثم لنا جميعاً وخرجنا للبهو وقابلت زوجتي وعلي في البهو قبلتهم ، وكأنني أراهم لأول أو لآخر مرة .. كنت فعلاً أظن أنني قد لا أراهم بعد الآن : أنتم بخير الأولاد أمي ، هل فعلوا لكم شيئاً .. لا سوف نزورك بعد غد أخذنا ورقة زيارة اليوم .. وبسرعة ودعتهم أوصيك يا علي ، قال لا عليك اتكل على الله ، وفي الخارج وأنا أسير من مدخل المحكمة نحو السيارة
، كان علي وزوجتي قريبين مني كثيراً ، خطوة واحدة كنت سأغادر معهم .. في ذلك المكان كان بيت أقرباء لي وكنت تعودت المسير فيه مع زوجتي .. كل شيء كان هادئاً ولكن خطوة واحدة تفصلني عن المسير في الشارع والتجول مع البشر لكن هذه الخطوة كانت نحو السيارة التي تنتظرنا لتعود بنا نحو القبر .. تابعت زوجتي وعلي ، وركبت أنا وسارت السيارة .. أي حزن ..
أحاسيس فظيعة سوائل جسدي كلها اختلطت و اختلطت الأنسجة : الدماغ بالكبد بالعظام .. السيارة تسير والجسد يتخبط في ذهول ، وما زاد في الشجن أغنية نجوى كرم التي عادة ما اسمعها أثناء ركوبي سيارتي .. ودخلت الغرفة القبر ، ولم أتمكن مرة أخرى من استعادة توازني إلا بعد فترة ، جلست لا أدري كم جلست ، ثم خلعت ثيابي المبللة بالعرق ، ثم ارتميت فوق السرير .. ورويداً رويداً بدأت أستعيد شريط اللحظات التي مرت ، شاهدت زوجتي وهي بخير وقالت عن الأولاد كذلك ، شاهدت علي .. كان يوم اعتقالي يودعني .. كنت أجمع حاجياتي وكانت هند تساعدني ، فقد كنت متيقناً من الاعتقال في ذلك اليوم .. وكنت أضحك ، وكأن الاعتقال شيء عادي .. يومها أخذوني وبقي علي عند زوجتي ، واليوم أوصيه بها أيضاً ، يومها قال حمزة وكان في السهرة أيضاً ، هذه ليست سياسة ، قلت نعم إنها نوع من العمليات الانتحارية .. بدون حسابات ، صرخة في وجه الاستبداد تحدي للديكتاتورية ، رسالة إلى شعب مستباح ومهزوم .. سمها ما شئت ولكنها بعلم السياسة هي عمل غير مدروس ولا يمكن تعميمه . ولا أطلب من الآخرين تقليده .. ومع ذلك فهو الشكل السياسي الوحيد المتاح في دولة القمع .
أتفاءل في رؤية وجهك
لست وسيماً
لست طويلاً
لكنك طيب
عجنتك الأيام
وخبزت منك الشيء العملي
جعلت منك صديق الشدة
في صمت تعمل
وحيث تزيد الأحمال
من غير سؤال
علي موجود دوماً
مثل جبال
تأتيني فأرى وجهك
أتفاءل
هذا يكفي
لقد تغير الحال
وكالعادة كان يوماً عصيباً فلم أتمكن من فعل أي شيء حتى من تناول الطعام ، وفي المساء وبنعمة من الله سقط نائماً :
سيسرقني النوم
وبي .. يهرب
يا حراس المشرق والمغرب
هذا النوم سيسرقني
ويرحل من يثرب
من صحراء بلا ماء
من دار فناء
من صيف وشتاء
وبفضل النوم
سأعقد هذا اليوم
لقاءً مع فرسان من طيء
أو من كعب أو تغلب
وسيبطل سحر الجب
ونشرب
من ريق شفاه
من عبق الحب سنشرب
من أفواه
تنطق بالآه
وا أسفاه
على إدلب
تنكسر الأفنان
مئذنة الحب تميل
تهوي نحوي
والقنديل
نعساناً يغفو فوق المكتب
فالضوء ضئيل
والجسد ثقيل
لم يقدر أن يحمله
يسمع صوت السجان
يتركني النوم ويهرب
أصحوا على صوت رنان
يلهو في كرة المضرب
أحد يهزم أحداً يغلب
أحد يصرخ
تحت الفلقة
آه
لأنه مذنب
أما أنت فقد أوجعك
أوجعك
النوم على ظهرك
وارتفع شخيرك
هيا ..
هيا اقلب
اقلب أو لا تقلب
امسك دفترك
سنقرؤك
فتكتب .
الاثنين 17/6/20002
صباح الخير لقد نمت جيداً واستيقظت كالعادة في كل صباح في حالة نفسية سيئة ، انزعاج ضجر حزن قلق كل ذلك وأكثر .. خاصة وأن أحلامي كانت مع أسرتي وأهلي فقد عادوا بقوة إلى ذاكرتي .. وأشعر عندما أتذكرهم أنني ضعيف و خائف .. شربت قهوة ، لا شهية للطعام إطلاقا ولا حتى لفعل أي شيء ، مجرد حركات السجانين في الخارج صارت تخيفني ، قلق متوجس يبدو أنني تأثرت كثيراً برؤية زوجتي وابن عمي علي ، كانوا حزينين رغم تظاهرهم بالهدوء . وكان عليهم علامات الإرهاق ، كذلك المحامي كان متشائماً ، كل شيء يبدو سيئاً وعديم اللون وفاقد الأمل ، هذا الانطباع أثر علي كثيراً ، إضافة لموات الصيف , ففي الصيف تموت الأشياء ، يقتلها الحر والجفاف ، لقد مات الأمل وانتصرت التعاسة ، لقد حذرنا الكثيرون وقالوا لا أمل، السلطة لن تغير شيئاً , طرح الإصلاح هو مجرد كمين تنصبه لكم ، وهي سرعان ما ستعود لممارساتها الوحشية بعد أن يستتب لها الأمر وتتم عمليات انتقال السلطة بسلاسة .
سمعت بالأمس من المحامي خبر انهيار سد زيزون ، نتيجة الفساد والإهمال المستشري وفي كل مكان ، هكذا تتحول الأموال التي تصرف على البنية التحتية لوبال وكارثة تتسبب بأفدح الخسائر .. إنه التخلف .. يجب إعادة النظر في كل ما تم بناءه في مرحلة الفساد ، فلا ندري أين هي القنابل الموقوتة بيننا وتحتنا وفوقنا .. شيء فظيع كم هائل من المياه تتدفق فجأة على البشر والبيوت والحقول والحيوانات ، أتذكر بعض مشاهد الأفلام .. الغرق شيء فظيع حتى أنه هناك منعكس خاص اسمه منعكس الغرق ، فالغريق يتحمل نقص الأوكسجين أكثر بكثير من المختنق العادي ، ونحن نستخدم منعكس الغرق لتخفيف تسرعات القلب ، عندما نغطس وجه المريض في الماء ، فيتسبب بمنعكس عصبي ناهي للتسرع الجيبي ..هكذا الإنسان يتذكر ذكريات حياته البحرية . وهكذا تتحول الأخبار البعيدة إلى معاناة شخصية ، حزنت وتأثرت وغضبت .. أي إهمال ؟ أن ينتبه إمام المسجد لاحتمال انهيار السد ولا يتنبه إليه المهندسون .. فيحذر الأهالي ويساهم في إنقاذ عدد كبير من البشر .. أيضاً لقد سحقت الانتفاضة الفلسطينية ، وصار على الشعب الفلسطيني قبول الهزيمة وتجرع كأس الفشل ..
هذا العام رهيب ومشابه لعام 1970 فقد هددت الانتفاضة وجود إسرائيل ، وسوف يشهد العام القادم إعادة ترتيب المنطقة كما حدث عام 70 ، ومرة أخرى نخسر الإمساك بزمام أمورنا وسيدخل الآخرون بقوة لتنفيذ إرادتهم ، وخسرنا إمكانية حدوث الإصلاح بقوى داخلية وبشكل تدريجي ، بسبب عنجهية رجالات النظام .. فالكل يتكلم عن الإصلاح ويريده لكن بشرط أن لا يتقرب منه ولا يشمله ، بل فقط إصلاح الغير ، وبالنتيجة ما يتفق عليه الجميع هو عدم تغيير أي شيء ، لأن كل واحد يريد أن يغير غيره وليس هو ، لذلك كان أهم مبدأ من مبادئ الإصلاح هو أن تبدأ من نفسك .. وعلى ذلك نقول أنه لا يوجد إصلاح بل كلام وكلام وكلام .. ولا بد في هذه الحال من محرك خارج السلطة ، وفي سبات الشعب لا يبقى سوى المحرك الخارجي ، وهو قادم ، وهذا قدرنا .. والسبب الثاني في فشل عملية الإصلاح هو أن الذين يناط بهم الإصلاح ، لديهم تاريخ فظيع ، ولا يمكنهم كشفه لأن النتيجة ستكون سيئة بالنسبة إليهم .. صديق عمري عثمان يعتقد أنه أعدم في الثمانينات ولا يعرف أحد من أهله عنه شيئاً ولم يقدم لمحاكمة .. وهكذا اختفى إنسان كامل بلحم ودم وما تزال روحه تزورني في المنام .. ( هل نسيتني يا كمال .. )
في المرآة المكسورة أنظر
يتمزق وجهي
تتصبب مرآتي عرقاً
ودمي منها يقطر
عيني حمراء تدمع
رئتي تتقيح
ألهث أسعل أتقشع
أتندر ابصق
هل هذا يعجبها أكثر
أكثر قرفاً أو أبشع
أكثر نتناً أو أقذر
يا وجهي المتكسر
ماذا اصنع كي أصلحك
هذي هي مرآتي
و مرآتي تعكس أحوالي
ترسم حاله
في قامتها طول
تمددت وتجددت وتعقدت
حتى وقعت في استحالة
ماذا أفعل يا مرآتي
في ذهن بعض الأفكار
هل أتعذر
مثل الماغوط
أو مثل نزار
أأخون نفسي وبناتي
هل هذا قليل المقدار
أم أقرف أنزف أتقيأ
كل الأمراض أصابتني
وعادتني كل الأوجاع
أتعذب اسهر
أتجول في كل الأصقاع
أخرج من بين الأضلاع
الوحشة لفتني
في نتن وضعتني
صرصار طيار
تحملني زوبعة غبار
في المرآة المكسورة أتخير
مرآتي لا تعكس غير شعار
أعرج ممجوج أجرب
يأكل جمجمة وعظاماً
يأكل لحم الناس
ومن دمهم يشرب
حمار
يركب لا يركب
يعبث يركل ويخرب

أبصق يا مرآتي فيك
تتغير صورة وجهي
أبصق أكثر
تتغير أكثر
أبصق أبصق
حتى لو جف لعابي
ابصق أبداً
لن اتعب
فالصورة تزداد وضوحاً
تفتتني اللعنات
وتتحد المرآة
وشعاراً آخر يظهر
شعار يفصح عن نفسه
يعكس صورة وجهه
صورة شيطان لا يتغير
قرد ملفوف
سرق البيدر
يعكس في شكل مألوف
صورة وطن مخطوف
وطن مرتهن
في الماضي وفي الزمن الحاضر
وطنن مشغول باله
يعكس صورة حالة
عذراً
هي في الواقع
مجرد جورة تفتيش
أو حاوية زباله
الإنسانية ... لا علاقة لهم بها ، هذا ما يصرون دوماً على تأكيده ، لديهم فكرة واحدة نحن الأقوى ، ونفعل ما نشاء وليس لأحد أن يفرض علينا شيئاً طالما أننا الأقوى والأقدر على ممارسة العنف ، نحن القانون وضعناه لخدمتنا وليس لنقيد به أنفسنا ، وضعنا القانون لكي نطبقه على الضعفاء ولكي نرعبهم ، أما نحن فالقانون لنا وليس علينا . هو ذاته منطق الاستعباد القديم ما يزال يعمل مستخدماً هذه المرة ماكينة الدولة الحديثة بقدراتها الجبارة ومقدرتها على التحكم بالشعوب . فليس خافياً أن الحداثة في بنية ووسائل الدولة الحديثة ، تجعل أي سلطة تعسفية قادرة على الإمساك برقاب شعبها فترات طويلة ، وقادرة على سحق كل تمرد وعصيان .. فعندما تحتكر الدولة الثروة وتسيطر على أجهزة القمع الرهيبة ، وعندما تستخدم كل وسائل الحداثة ، لن يكون بإمكان الشعب إزاحتها . وهذا الخطر الذي كرسته عملية تحديث الدولة وأجهزتها ، هو الذي جعل من مسألة الديمقراطية مسألة جوهرية في مواجهة احتمال طغيان السلطة .. وجعل من هذه المسألة ( أي الديمقراطية ) قضية عالمية ، فقد يقع أي شعب تحت رحمة سلطة تعسفية ، ولا يمكنه الخلاص منها بدون مساعدة خارجية ، لذلك يتوجب على الأمم المتحدة أن تضع معاييراً لأنظمة الحكم لا تنال الشرعية بدونها ، وإذا كانت الأمم المتحدة تقوم على أساس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، وعلى مناهضة العنصرية وكل أشكال العبودية ، فإن أنظمة الحكم الشمولية التعسفية هي أكبر انتهاك لهذه المبادئ فالديكتاتورية آخر شكل من أشكال العبودية وهي التي تمنع الشعوب من ممارسة حق تقرير المصير ، وهي التي تنتهك حقوق الإنسان ، .. ومن واجب الأمم المتحدة تطبيق مبادئها ، وهذا ليس تدخلاً في الشؤون الداخلية . بل احتراماً للذات وتحمل للمسؤوليات .. وعليها أن تجد طرق تنفيذية ملزمة ، بما فيها القوة ، لإلزام السلطات الفاسدة وغير الشرعية على الرحيل عن رقاب شعوبها .. كما فعلت مع الاستعمار . فمسألة الشرعية ليست مطروحة على جدول أعمال من يغتصب السلطة بالعنف ويحتفظ بها بالقمع والإكراه ، ولن يتطوع لتقديم تنازلات بإرادته طالما أنه مغتصب أساساً ولو كان كذلك لما اغتصب السلطة بالقوة أصلاً .
السجين في مفهوم السلطة المستبدة ، هو موضوع للتعسف بامتياز ، وهو نموذج يجب أن يكون واضحاً أمام كل من تسول له نفسه أن يتمرد ، لذلك يجب أن تمارس عليه كل صنوف التعذيب والامتهان ليكون عبرة لمن يعتبر ، فالتعذيب جزء ومكون أساسي من مكونات سلطة الاحتلال الفاقدة لكل شرعية غير شرعية العنف والبطش والخوف .. والمسألة في صعيد أشخاص السلطة ، أن البعض يتوهم أن لهم حقوقاً أكثر أو فوق حقوق الآخرين ، فبمجرد وقوع السلطة بيديه بشكل أو آخر يجعله ذلك يتوهم أن الآخرين صاروا موضوعات لتنفيذ نزواته بهم ، يفقدون وجودهم الآدمي ، ويفقد هو إحساسه بآدميتهم ، ويحولهم لأشياء عليه التحكم بها ، من يملك السلطة يملك البشر والعباد والثروة ، وكل خروج عن الطاعة جريمة حتى لو كانت هذه السلطة الأبوية الربوبية في منتهى القذارة والتخريب والفساد .. فضباط الأمن هم في الغالب خريجو مواخير الدعارة ، ويستمدون كلماتهم وقيمهم من ( قحباتها ) الهوانم المعلمات .. وهم لا يجدون مكاناً يلجؤون إليه إلا تلك المواخير ، ولا يجدون صداقاتهم إلا فيها ، فإذا عادوا إلى عملهم يصبون كل حقدهم وعقدهم النفسية وساديتهم وفراغهم الروحي والأخلاقي على المساكين الذين يقعون تحت رحمتهم ..
نحن نعاني من تدني ثقافي وقيمي يبرر التعسف والاستبداد ويعطي للحاكم ما ليس له ، نعاني من تراث ثقافي خالي من الشرعية السياسية ومن تداول السلطة .. وكل ما فيه هو الخضوع الأعمى لرغبات أولي الأمر الذين هم عادة يأتون للسلطة بالوراثة والتآمر والانقلاب .. هؤلاء الذين تنطلق وحشيتهم بمجرد أن يمتلكوا سلطة ما ، هم في الواقع تخلوا عن كل ارتباط لهم بعالم الإنسانية ، فالإنسان يتميز بأنه يضبط وحشيته ويتمسك بمنظومة قيمية ، ويلزم نفسه بها .. كيف لا وهم يتغاضون عن صور للتعذيب يندى لها الجبين ، عار على كل من يسمع بها ولا يحمل سيفه ، فكيف إذا كانوا يوجهون بارتكابها بشكل منهجي .
ما يميز الإنسان عن الوحش ليس خضوعه للقوانين الخارجية ، فالوحش يخضع لها ، لكن ما يميزه هو خضوعه الذاتي لمنظومة قيم داخلية في ضميره ( دين ) يلتزم به طوعاً وبمحض إرادته .. شيء مقدس محترم داخلي يؤمن به الفرد ويحترمه .. فمن ناحية أخلاقية هناك فارق بين الإنسان والوحش هو : الدين هو : القيم ، وهذا مختلف عن مستوى الذكاء .. حيث لا يكفي أن الإنسان أكثر ذكاء من الحيوان بل أيضا هنا فارق أخلاقي .. هناك مستوى آخر من السلوك يتناسب مع مستوى آخر من الذكاء .. وبدون الدين بدون القيم يتحول الإنسان إلى (وحش ذكي ) .. وليس إنسانا .. وحشاً أكثر شراسة وضرراً من بقية الوحوش , وهو حال سلطات التعسف والبربرية والوحشية الذين يسلكون سلوك الوحوش ويفرضون قيمهم المتوحشة على الحياة الاجتماعية والسياسية .. والتاريخ مليء بأمثالهم من المجرمين والقتلة والسفاحين ..
الإنسان الفرد عندنا جيد وفق الكثير من المقاييس ، فالمجتمع الأهلي ناضج وقوي وقادر على تهذيب أفراده ، لكن المجتمع السياسي المنفلت من رقابة المجتمع الأهلي والمدني ، يخلو من كل قيم ، ويقدم مناخاً مولداً للتوحش عند أفراده ، يحررهم من إنسانيتهم ، فالحداثة السياسية المشوهة عندنا لا تعني إبعاد رجال الدين عن السلطة السياسة ، بل تعني حرمان السياسة من القيم وإنكارها للأخلاق الإنسانية ، ونزع صفة الإنسانية والأخلاق والدين عن كل سياسي ، وتحول السياسة لنمط من السلوك الوحشي القائم على العنف والعسف والقوة والتسلط ، هنا المشكلة ، ليست في المجتمع الأهلي ولا في قيمه ولا في الأفراد الملتزمين به ، بل في المجتمع الحديث ( العسكري ) الذي حل محل المجتمع المدني وعمم قيمه العسكرية الوحشية ، حتى قيم الشرف العسكري والانضباط تخلى عنها لصالح العنف الأعمى والصراع الوحشي .. المشكلة في سلوك من ينتمي إلى هذا المجتمع العسكري المتوحش الذي يبرر لأفراده القتل والتعذيب والاستيلاء والعنف والتسلط ، ويؤكد ضرورة طاعة الأضعف والأدنى طاعة مطلقة عمياء ، كل ذلك باستخدام أيديولوجيات قومية ودينية وماركسية تبرر لهذا المجتمع المتعسكر طغيانه .. أيديولوجيات تلغي وجود الفرد ، وتؤمن بالدولة الشمولية التي تسيطر على المجتمع و ( تقوده ) نحو غايات كبرى ..
وعندما نخوض صراعنا ضد التوحش ندرك تماماً أن أدواتنا هي حقوق الإنسان ، فهناك تلازم مطلق بين النضال من أجل حقوق الإنسان والنضال ضد التعسف والوحشية ، فالديمقراطية هي الطريقة الوحيدة لممارسة السياسة ، و التي يمكنها أن تحترم قيم الإنسانية والقيم الروحية والأخلاقية ، وكل تسلط حتى لو كان باسم الدين سوف ينكر أول ما ينكر قيم الدين الروحية ذاتها ..
كم نحن بحاجة للقيم والأخلاق ، ليس في صعيد الخطاب الكاذب الذي تضج به مكبرات الصوت ، بل في صعيد السلوك السياسي والاجتماعي الرسمي وخاصة في صعيد مؤسسات الدولة ، وفي سلوكها ..
من قال أن الأساس في التقدم هو العنف وأن الاستبداد هو الطريق نحو الازدهار ، ومن قال أن خضوع الإنسان للآخر هو الطريق نحو الفضيلة ، حتى لو كان هذا الآخر يدعي الإمامة والقيادة والفقه والعلم .. ومن قال أن الرجولة هي البلادة وقلة الإحساس ، فالرجل لا يشعر ولا يتأثر ولا يحزن ولا يبكي ..
القيم شيء أساسي من مكونات الإنسان ، القيم يجب أن تضبط السلوك السياسي ، أما المصالح المادية المباشرة فهي ليست وحدها محرك السياسة ، فالثقافة لها دور تحتي وخفي في كل سياسة ، والسياسة لا يجب أن تكون نفياً للثقافة وللقيم ، لأن القيم والأخلاق هي قانون وجود المجتمع والجماعة ، ولا يمكن تصور مجتمع إنساني بدون قيم مشتركة محترمة تلقائياً وتطوعياً .. لذلك يجب أن تبقى مسألة الأخلاق قائمة في كل ظرف ، وفي الغاية والوسيلة أيضا ، فالوسائل غير الأخلاقية لا تخدم قضية الأخلاق .. طالما أن الأخلاق هي غاية الغايات , وهي التعبير الحقيقي عن المصلحة الاجتماعية والإنسانية بأعم وأنبل صورها .. وكل أيديولوجيا تتجرأ على انتهاك الأخلاق ، ستكون عنصراً مخرباً ومتوحشاً في التكوين الاجتماعي ، فالدين بما أنه نظام للمعرفة والقيم ، هو شيء متضمن سلفاً وضمناً في كل برنامج سياسي ، وكل سياسة يجب أن تحترم القيم الأخلاقية . وهذا لا علاقة له بسلطة رجال الدين المطلقة التي تنتهك حرية الأفراد وتصادر إرادتهم باسم الدين .
ولا أدري إن كان من حقي التطرق لمسألة الانتفاضة الفلسطينية ، وآمل ألا ينتقص ذلك من نبالة القضية الفلسطينية ، أو من حجم التضحيات الهائلة التي قدمت ، أو يبرر وحشية القمع الإسرائيلي ، فكل تلك الأمور بديهيات ، لكنني أتناول الموضوع من وجهة نظر وجدانية مختلفة ، ما أقوله أنه مع الاحتفاظ بحق مقاومة الظلم بكل الوسائل ، يمكن دراسة الجدوى من استخدام وسائل معينة أكثر من غيرها ، فالعدو هو الأقدر على استخدام العنف ، وهو يحتاج لتبرير استخدامه لقوته العسكرية الهائلة ، أعمال معادية عنيفة ، ونحن نقدم له المبرر ، فهو الذي يريد استدراجنا لمعركة مسلحة ، تجري بين من هم عزل تحت الحصار وبين آلة عسكرية جبارة ، وهو الذي يستغل عمليات قتل المدنيين لاستهداف المجتمع الفلسطيني كله بالقصف الوحشي ، وعندما تطرح شعارات مثل عسكرة الانتفاضة وتوازن الردع ، يجب أن نكون أكثر حرصاً ودراية بميزان القوى والتسلح وعناصر الدعم ، وعندما نعتمد أساساً على الدعم الدولي يجب أن نتبنى أساليب عمل تتناسب مع أدواتنا وغاياتنا .. وهكذا ننجر وراء العواطف وتنفيس الغضب والنصر المعنوي لنخسر المزيد من الأراضي ومن الأرواح ، وكذلك وبشكل مشابه أضرب مثلاً عن استخدام الوسائل وأثرها على الغايات فالحركات الثورية استخدمت الانقلاب والعنف ومن ثم الديكتاتورية لتحقيق ( أهداف الثورة ) ، ولكن تلك الأداة ، اقصد العنف والاستبداد ، شكلت هي بذاتها مشكلة ، والنتيجة كانت أسوأ من المقدمة ..
أنا اليوم في مرحلة ضعف ، أنا مستنفذ ولا أملك وسائل القوة بالكاد أحافظ على وجودي وتماسك جسدي وعقلي ، وكل الأسس التي ارتكزت عليها في السابق ، تترنح وتتهاوى ( أفكار قيم معتقدات وسائل مقدمات . غايات .. ) كل شيء يعود لساحة الشك وإعادة التفكير ، لقد تفككت تماماً .. وعلي أن أعيد تجميع نفسي من نقطة الصفر في هذا القبر .. وهذا يحتاج لتفكير معمق وفترة من العمل لإعادة ترميم وبناء شاملة ، وهل كان من المفروض بي دخول السجن ، والانفرادي تحديداً للقيام بمثل هذا العمل ، وهل تهيئ صعوبة وصخب الحياة فرصة لمثل تلك المراجعة الشاملة .. بالتأكيد لا ، فنحن لا نجيد أبدا عملية التوقف أو التأمل ، نحث الخطى لكننا لا نعرف كيف ومتى نتوقف .. وعندما كنت مع رفاقي كنت ملزماً بصورة رسمتها عن نفسي ورسموها لي .. هنا أنا أتعرى من كل شيء .. وأنا أدرك أنني أكرر ارتكاب ثلاثة أخطاء جسيمة : أولها هو التأثر كثيراً بمن حولي وهذا نوع من الاندماج الاجتماعي والتأثر العاطفي والمشاركة الوجدانية ، وثانيها هو المزج بين الخيال والواقع ومقارعة الواقع بالخيال فأنا إنسان حالم رؤيوي فنان أحب رسم الأشياء الجميلة وهذا نوع من التفاؤل .. والثالث هو التسرع ( وهو نوع من الرغبة ومن الحماس ) وهي خصال متعبة ولا تخدم شخصية السياسي ، فالآخر بالنسبة لي مهم ومؤثر جداً ، وصورة الرغبة تخترق عالم الواقع وتمتزج به ، والزمن عنصر رهيب ، دائماً أخشى الزمن .. أنا عاطفي سريع وعميق التأثر وحساس بشكل كبير لكل شيء ، وهي عناصر ضعف في نموذج الحياة السياسية المقترح ، والذي عنوانه التخشب ، وإذا كانت السياسة تعني تدني سوية الإحساس والتأثر ، أو التغاضي ولو مؤقتاً عن الحقيقة ، أو حتى التكتم والسرية ، أو التضحية بنزاهة الوسيلة من أجل الغاية .. فكل ذلك لا يمكنني فعله ، وربما أريد نمطاً آخر من السياسة ، قد يكون له مكان في عالم الديمقراطية .. أي أن تكون طبيعياً وتمارس السياسة ، لست بطلاً ولا جباراً ولا استشهادياً ولا مناضلاً .. أنا أرى السياسة سلوك عادي يقوم به الإنسان العادي في ظل حياته العادية ، وليست عمل نخبوي استثنائي .. وبدون نزول السياسة لمستوى النشاط العادي لن تكون هناك ديمقراطية ومشاركة فعالة من العامة في الحياة السياسية . فالسياسة لا تعني البطش والتآمر والتخفي والانقلاب ، السياسة بشكليها الحاكم والمعارض تنتمي لمفهوم قديم مكروه يجمع بين السياسة والتوحش ( ففي المثل الشعبي يجتمع الحكام والظلام وأولاد الحرام في صعيد واحد ) والسياسي إما أن يكون ابن حرام أو في طريقه لذلك .. وأول ما يتنكر للقيم والمبادئ والأخلاق . ورجل السياسة هو رجل التسلط والقمع والتحكم والحزم والشدة ، وحيث حافظت المجتمعات على الثقافات الإقطاعية ومارستها في السياسة ، كان تحديث الدولة كارثة على الشعب ، فذلك يعني خسران كل حرية وكل روح مبادرة وكل حق في المشاركة والسقوط تحت رحمة إقطاعي متوحش يملك كل وسائل المراقبة والمحاسبة ، ومتجرد من كل قيم وكل مسؤولية ويجاهر بمعاداته للدين . ..
فالحداثة والتحول نحو الرأسمالية لم تتم بطرق متشابهة في كل الحالات ، كما لم تؤد دوماً على أنظمة حكم ديمقراطية ، فالديمقراطية ليست نتاجاً أوتوماتيكياً، للرأسمالية أو حداثة أجهزة الحكم ، بل هي نتيجة تلاقح حضاري وعمل نضالي تخوضه الشعوب في طريقها نحو التقدم ، وليس هناك مسار حتمي للتاريخ ، وماضي الآخرين ليس مستقبلاً لغيرهم دوماً ، والحديث عن حامل اجتماعي للديمقراطية صحيح لكنه ليس مشروطاً بطبقة برجوازية متقدمة ومتحكمة بالمجتمع ، المهم هو وجود أغلبية ذات مصلحة حقيقية بالديمقراطية وتشكل الديمقراطية ثقافتها السياسية ، حتى لو كانت من الطبقات أو الشرائح الأخرى ، وهي هنا ما نسميه المجتمع المدني ، بعد أن صارت عملية تدجين الدولة الحديثة عملية تكتسب أهمية قصوى بسبب قدرة السلطة في الدولة الحديثة على الاستبداد والاستمرار في الاستبداد فترات طويلة .. فتجارب الشعوب مع أنظمة الاستبداد هي التي عممت ثقافة الديمقراطية وعممت انتشارها ، وليس التطور الاقتصادي البنيوي للتشكيلة الاجتماعية في مستواها التحتي الاقتصادي فقط .
كل ما تشرق عليه الشمس وتغيب يتغير ويتبدل .. ولا شيء يدوم ، وإذا سارت الرياح حتى الآن بعكس ما نريد ، فهذا لا يعني نهاية الأمور ، وطالما أنه قد حدث الأسوأ فلا داعي للخوف فلم يعد لدينا الكثير لنخسره ، لكن القلق يستمر طالما بقي الأمل .. ولا أدري كيف انزل من هذه المرجوحة اللعينة ، مرجوحة الأمل والقلق والتوجس والشوق والخوف ، إلى مصطبة اليأس والإحباط والشلل والقبول بالهزيمة والهمود .. ولا أدري أيهما اشد وطأة ، لقد استهلكت أعصابي كلية .. غدا زيارة ويجب أن أقدم صورة عن نفسي تريح أهلي .. لا أريدهم أن يتعذبوا من أجلي ، غداً يجب أن أمثل عدم الاهتمام والقدرة على التحمل وعلى إظهار بعض التفاؤل .. وسوف أرتب أشيائي وأستعد لزيارة الغد .
18/6
اليوم جاءت زوجتي وأولادي وجاء أخي ، كانوا رائعين وأخبارهم جيدة ، اشكر الله كثيراً على هذا ، تحسنت حالتي ، غداً محكمة وليد وعارف وحبيب .
قبل يومين عندما كنا خارجين من المحكمة ، كانت زوجتي عند الباب أيضاً وسرنا معاً عدة أمتار ولم يكن بيني وبينها سوى خطوة واحدة ، هي ذهبت للحرية وأنا نحو سيارة السجن المغطاة بالشبك ، كم كان صعباً ذلك الافتراق ، خطوة واحدة ، خطوة واحدة فأصبح حراً ( آه لو تأتي معي يا كمال .. ) أكاد أسمع صوتها ، ( آه لو نعود لنسير معاً في ذلك الشارع .. ) علي كان معها سيأخذها للسيارة وستبكي هناك ، ستبكي كثيراً بمجرد ركوب السيارة ، لا بأس يا عزيزتي فبكاؤنا وعذابنا هو هدفهم الأهم ، هو هدف وغاية يرونها ويسعون إليها ، فالبعض غايتهم أن يعذبونا ، ليس عندهم في الحياة ما هو أهم من تعذيبنا .
عينان دامعتان
من ألم الحريق
في دجى ليل طويل
أوهام سارت في طريق
وشعرت انك عدت لي
فاجتاحني فرح عميق
ليس قبلك ليس بعدك
من صديق
عشق غامر
حب عتيق
وقوافل الذكرى
ورؤية أغمضها البريق
لا تلمسي الشاطئ
لا توقظي النائم
لا تنقذيني
بإرادتي .. أنا غريق
لا تفسدي حلمي
وتعيدي تكبيل العتيق
عتيق أوهامي وأحلامي
بباقات زهر
أو نسمات بحر
مع أنني
بحراسة الجرذان
أنام
في بئر سحيق
المهم أن تبقى أموالهم وثرواتهم المسروقة من دماء وعرق الشعب لهم ، وكذلك أن لا ينازعهم أحد على سلطانهم ، ولا يهدد كراسيهم أي ضغط .. ومقابل ذلك سيحرقون البشر والحجر والشجر ، لماذا لأننا ببساطة وحسب اعتقادهم حيوانات في مزرعة أورثهم إياها الأجداد .. لم نصل لمستوى البشر في نظرهم ، وهيهات أن نصبح كذلك ، ولا ندري كم من الوقت علينا أن ننتظر لكي تتغير نظرتهم إلينا ، .. ولا ندري إن كان علينا أن نقبل هذه النظرة وهذا التعامل من الأساس .. مزرعة حيوانات ، رعية ، ذلك ما ينطبق على صورتنا عند الحكام .. علينا الطاعة وقبول أوامرهم وكل رفض ، سوف يعني خرق للدستور وزعزعة الأمن والإساءة للأمة .. وكأن هذه الأمة هي فقط بعض أولاد المسؤولين الذين أدمنوا المخدرات والدعارة والمجون وأحاطوا أنفسهم بحلقات من السفلة والمجرمين والمنحرفين . . أو ما يطلق عليهم اسم الشبيحة .. وصار لهم سطوة على كل المجتمع ولم يجدوا من يضع لهم حداً .
كان يجب علي أن أتعلم طريقة جديدة في التعامل مع الأمور ، أولا أن أضرب أي شيء نحسبه برقم اثنين ، لأن الواقع أشد تكلفة من الورق ، ثانياً أن نؤجل كل قرار نتخذه مدة كافية ، بعد تحديد موعده النهائي ، لأننا غالباً ما نكتشف نواقص كثيرة عندها ..
أحياناً تحرك أشياء صغيرة سلوك الإنسان : عيون طفل ، نظرات أنثى ، بكاء أم ، ملاحظات أستاذ ، بيت من الشعر مقطع من أغنية ، فالإنسان ساحر ومسحور ، ومجنون بهواجسه ...وأي شيء يمكنه التحول إلى هاجس ، وهذا شيء ممكن بل ضروري للحيوان والإنسان ، فهاجس الخوف والفرار عند الطيور أو الفئران هو الذي يحافظ على حياتها ، وهاجس السقوط عند السعادين يجعلها تحافظ على قوة قبضتها وهي في أشد مراحل النوم عمقاً .. وهكذا للدماغ استعداد لتشكيل الهواجس والتحول لقوة دائمة التأثير .. ومنها هاجس المال الطاغي على الجميع ..
وفي ظروف معينة يحذف الدماغ كل شيء ويتذكر قضية واحدة بشكل زوري وهذياني ، فهناك من ينتظر دوره على لائحة الاستشهاد كمن يشارك في مباريات تتابع ، وكذلك الاعتقال وكذلك الإعدام .. وهكذا الكثير من الأمور تبدو من منظار تأملي خارجي متحرر منها صعبة وغريبة ، لكن ضمن حالة الهذيان تصبح كأي شيء عادي ، حيث يتساقط القتلى في ساحات المعارك .. أو في أماكن القصف الجوي المتكرر ، للدماغ القدرة على الحذف والاقتصار ، وجعل الجزء مكان الكل ، فهو يكبر ويصغر ، ويتلاعب في تقدير الحجوم والأهميات .. فالإنسان ليس كائن رياضي موضوعي متجرد ، بل هو أيضاً كائن سحري هذياني حالم وخرافي أيضاً . وفي أحيان كثيرة لا يستطيع الإنسان التحرر من هذياناته أو منظوماته الزورية . وهناك انحرافات كبرى قد تحدث أحياناً في تقييمات الفرد .
والقاعدة الذهبية في السياسة أن لا تقف بعيداً عن القطيع . لكن في شروط القمع والموات الاجتماعي عليك أن تعيش ، ويكون لديك رغبات ، وهي كلها محبطة ، لذلك يجب أن تختار الموت بجوار القطيع ، أو التمرد والعيش بعيداً عنه ، فلكي تتخلص من الألم تتوجه للرغبة وتقتلها ، وهكذا تنعتق من دوامة الألم التي يسببها اليأس ، وما يعنيه ذلك من إلغاء للذات .. لكن هذا لا يحدث ، بل يجري استبدال رغبات شرعية ومحقة برغبات أنانية مشوهة للإنسان ، يتم التعويض بتلبيتها عن تلك ، وهكذا بانهيار الحريات وظل الكبت تنهار القيم والمعايير وينهار سلوك الفرد لسوية التخريب و العطالة والبطالة ، فالمسألة ليست عزوفاً عن السياسة بل عزوفاً عن الأخلاق والقيم وانهياراً نحو سوية البربرية والوحشية .. لا تنتهي المسألة بالابتعاد عن السياسية ، بل سوف تتابع لتشجيع الفساد والتخريب وتعميم روح الاستكانة والأنانية والفردية والشهوانية ، ومن ثم روح الجريمة ، والنتيجة انهيار أداء الجماعة وتكوينها وانحطاط عام وشامل وفقر وجهل وتخلف ( وكل ذلك يشكل البيئة المناسبة للعنف ومن ثم الإرهاب ) ، فالرغبات لا تموت بل تكبت ، ومن ثم تنفس مكبوتاتها بطرق ملتفة وغالباً ما تشوه الشخصية . فنحن لا نستطيع تجاوز أنفسنا كثيراً ، كما أنه لا يجب أن نفرط في إطلاق وتأجيج الرغبات .. فدرجة معقولة من التحكم بالذات هو الشكل الأنسب والأكثر توازناً .. وبدل الانسحاب السلبي من الحياة ، قامت الديانات السماوية بالطلب من أتباعها بمساعدة بعضهم ، وذلك كنوع من الخلاص الدنيوي والأخروي ، فشكلت مجموعات أخوية حقيقية ، يتم فيها الهروب من البؤس نحو حضن الجماعة .. وجمعت كل وسائل التكيف ودمجتها في منظومة معرفية إيمانية قيمية واحدة متماسكة ، فشكلت الأساس الذي قامت عليه حضارات عريقة .. والآن تتزايد الحاجة ليس فقط لقوى مراقبة ومعاقبة وضبط خارجية ، بل قبلها داخلية تزرع في النفس وتلجمها ، قبل القانون وفي غيابه ، وهي المقدسات الكونية الجديدة التي سيتشكل البناء السياسي القانوني لعالم موحد عليها. والسعي نحو إعادة توظيف المقدس في الحياة بعد الإفراط في التحرر منه ومن سلطته ، فالحديث عن عالم جديد يعني الحديث عن مقدس كوني جديد .
اليوم 20/6/2002
الصباح سيء .. تأجلت محاكمة وليد وعارف وحبيب قرابة الشهر لما بعد العطلة القضائية ، يعني أن الإقامة هنا ستطول ، في البداية قلنا أسبوع ، ثم شهر ، ثم حتى نهاية المحاكمات .. ولا ندري ، أمس سمحوا بالجرائد والكتب من مكتبة السجن ، أيضاً جاء الماء ، كيف تمكنوا فجأة من إصلاحها .. الماء لم تنقطع منذ أمس ، شهر كامل ونحن نعاني من إرهاب الماء ، الآن تغيرت التعليمات فسمحوا بالكتب والماء ، ولا استطيع أن أتصور ذلك المسؤول الذي يجلس خلف طاولته ويصدر أمراً قيادياً بقطع الماء بشكل جبان عن سجين .. أي بطولة وأي فخر .. أبطال استثنائيون ، وملهمون فعلاً ..
زهور بنتي هيفاء بجانبي والتي جمعتها من أجمل زهور الحديقة التي اعتنيت بترتيبها ، هيفاء وردتي الجميلة ، تتجول في الحديقة وتحمل إلي في كل زيارة باقتها الشهيرة ، والحديقة الرائعة صارت الآن باقة في غرفة تشبه القبر ، والحياة الغنية اختزلت إلى بقايا تافهة ، الأهل والأسرة صاروا زيارة نصف ساعة كل 15 يوم .. قالت هيفاء أريد كتاباً على قدر عقلي .. هل تعرفين كم هو عقلك وقلبك .. إنه أكبر من كل الكتب ومن كل الزهور ..
لقد أصبحت مثل القطط أنتظر الجوع لكي آكل ، فهو الشعور الوحيد المتبقي لدينا ، حتى النعس لا يحدث ولا التعب ، فمن أين ستأتي القدرات النفسية ومن أين ستمتلئ النفس بالطاقة ، كل شيء بانتظار تعسف الآخر
يرهبونك لأنهم يخافوك
يضربونك لأنهم يتألمون
يعذبونك لأنهم فقدوا الصبر
يجلدونك لكي لا يستمعوا
إلى صوت صراخهم
يضربونك أكثر
فهذا يعني أنهم يتألمون أكثر
لا تأبه للضرب
ولا للتعذيب ولا
لا تبك .. بل اضحك ..
اضحك كي تزعجهم
أرهم بسمتك
أرهم أن لا أمل لديهم
في هذا العصر
أرهم بسمتك كوجه الفجر
اضحك هلل
مهما طالت أيام العسر
وبأعلى صوتك كي
تقتلهم غيظاً
كبر
ولكي تقضي عليهم
آية ربك رتل
إذا جاء النصر
الجمعة 21/6
الصباح أيضاً سيء . الماء مقطوعة ، عدنا لإرهاب الماء ، شيء لا يحتمل منفردات وحر بلا ماء ، لكن بجانبي زهور هيفاء ومشمشات هند وتفاحات عمر ، كم أحبكم وأشتاق إليكم كم أنا مشتاق للجلوس معكم في الحديقة وشرب القهوة بجانبكم وأمكم بثوبها السماوي تجلس بجانبنا على رصيف الحجارة ..
ومع ذلك سأعود ... اقسم أنني سأعود ، سأعود كما يحدث كل شيء عادي .
لقد أدى طغيان العلاقة الرأسمالية والطابع الرأسمالي بدون تطور ملحوظ في مستوى الإنتاج ومستوى وظائف الدولة ومؤسسات المجتمع المدني ، إلى حدوث خلل في التوازن الاجتماعي ، فالمواطن الذي اكتشف عريه وضعفه في مواجهة دولة استبدادية شمولية ، وبقي بدون حضن اجتماعي مدني يحميه من تعسفها ، سرعان ما لجأ إلى بقايا المجتمع الأهلي وأعاد إحياءها ، فالتمسك بالشكل القديم هو الحل الوحيد المتاح في مواجهة دولة استقالت من معظم مهامها ، وراحت تخدم مصالح إقطاعية وقبلية وأسرية وفئوية محددة ، وتوحشت وتطفلت على المجتمع ، ونمت وطورت قوى اقتصادية متوحشة هي الأخرى تفتك بكل ما يقع تحت أيديها ..
لا يمكن تفسير الظاهرة الاجتماعية إلا بوظيفتها ، لذلك كان تعايش المجتمع الأهلي مع الحداثة في الريف ، ومن ثم الظاهرة الأصولية في مدن العشوائيات تعبيراً عن عجز وغياب مؤسسات المجتمع المدني ، بسبب طابع الدولة الشمولي والقمعي .. في الريف وببساطة عاد المجتمع الأهلي للظهور ، فتم إحياؤه بسهولة ، أما في مدن الخليط والتخطيط العشوائي ، فليس ثمة إمكانية لعمل المجتمع الأهلي ، ولا بد من شكل آخر أهلي ( لكن من نوع جديد ) يقوم بالدور الاجتماعي المنوط به .. لإعادة توطين القيم والمعايير القديمة في بيئة جديدة مشوهة في كل شيء ، وفاقدة للترابط الأسري التقليدي .. فلم يكن غير الدين بشكله الأكثر حرفية قادراً على توحيد شكلاني للمجتمع، ليقوم الدين بدور العشيرة والقبيلة ، والخضوع للشيخ مكان الخضوع للأب ألبطريركي . والشعائر مكان الأزياء والهوية .. وكل ذلك يحدث في ظل تنافر وتناقض هائل وفي كل مستوى ، وهكذا صار الانتماء للجماعة يعني الالتزام بشعائر شكلية رمزية مترافقة مع التبعية لإمام .. وهكذا صارت الأصولية هي الوسيلة الوحيدة القادرة على تنظيم مجتمعات الفوضى التي أنشأها التطور الفوضوي والسلوك المتوحش للدولة .. واليوم من لا يفهم ذلك ويشن هجومه على الأصولية هو في الواقع يريد تجريد المجتمع من أي شكل من أشكال التواجد الاجتماعي . لصالح دولة شمولية عسكرت المجتمع وحولت المواطن إلى رعية ، أي كائن هزيل مسلوب لا حول ولا قوة له يسير بأمر ويتوقف بأمر ويرقص بأمر و يتنفس بأمر ويأكل بأمر يبتسم بأمر ويصفق بأمر ويبكي بأمر .
تلاقت الحاجة إلى نوع من التضامن الاجتماعي في مجتمعات صنعية وفقيرة ومهملة وعشوائية إلى حد بعيد ، مع الحاجة إلى توطين نوع من القيم والأخلاق ، وهي في هذه الحالة ما جرى التوافق التاريخي عليه وتقديسه ولا يقبل بالنقاش ، وهو هنا الدين بشكله الأكثر مدرسية .. في مواجهة احتمال التوحش والصراع البربري ، وتلاقت أيضاً مع نزعة عارمة لمعارضة كل ما هو سائد ومنتصر يبدها المهزومون والمحرومون ، فالفوضى التنظيمية , واستقالة الدولة من مسؤولياتها , والاستبداد والقمع السياسي , ودمار كل مؤسسات المجتمع المدني , وطغيان الدولة الشمولية واقتصاد نهب متوحش . كل ذلك عوامل ساهمت في تشكيل الظاهرة الأصولية ، وتلاقى كل ذلك مع جهل وتخلف عقلي عن عقل الحداثة والتنوير والعلم والإنسانيات .. والنتيجة نوعان من الأصولية ، الأولى سلفية سلمية متزمتة تعيش في الماضي توجه عنفها نحو الذات عبر تقاليد صارمة . والثانية هجومية جهادية توجه عنفها نحو الآخر ( مطلق آخر رمزي ) يتم ترميزه كرأس للشر والعدوان ، وهكذا جرى إزاحة البعبع الشيطان الامبريالي في الدوغمائية الماركسية . ، ليصبح هو ذاته العدو المسيحي المتصهين ، والذي رمزه أمريكا وإسرائيل في الدوغمائية الدينية .
يهيئ الدين أرضية جاهزة للتوافق في مناخ يستحيل فيه النقاش والحوار ، فالكلمات الأولى يتبعها لكمات ، وكل حوار سرعان ما يتحول إلى شجار ، في جو مشحون مأزوم ، مبني على التسلط والعنف ورفض الآخر والرغبة في إعدامه . ويؤمن الدين أيضاً تربة تعويضية سحرية رمزية أخروية ، تولد درجة من القبول في واقع مرير . ، وكذلك يمكن من تشكيل بعض المؤسسات الخيرية ، ونوع من تضامن الحد الأدنى ، تقوم بتلطيف صور الانهيار الفظيع لشروط حياة بعض الأسر والأشخاص .. كما يستمر منبعاً للقيم ومولداً للحافز الديني والضمير المحاسب .. حتى ولو كان في صعيد الشكل والظاهر ، وفي ظل غيابه في السر والضمير .. فالملحوظ بالرغم من تزايد مظاهر التدين ، حدوث تراجع لدور الوازع الديني في صعيد الضمير والسر .
فالمسائل الاجتماعية ليست مباريات في الرياضيات والمنطق ، بل هي أولاً وأخيراً وظائف وحاجات ، والناس في البداية والنهاية يريدون العيش ، ولهم رغبات ومصالح وعليهم مواجهة ظروف ، لذلك كانت المدرسة الوظيفية هي أقرب المدارس الاجتماعية في ملامسة حقيقة الواقعة الاجتماعية . ( الفيزيولوجيا الاجتماعية ) وعليه تكون الأزمة في مستوى الاقتصاد والسياسة وليست في مستوى التنظير والمفكر ، ولن يفيد في حلها ملايين البحوث والدراسات و ورشات العمل والمؤتمرات ، بل هي تحتاج لتحريك عمليات اقتصادية جديدة وتغير مستوى دخل ونمط استهلاك وحياة البشر أولاً . وثانياً آليات التعامل بين الفرد والدولة , ودوره فيها ومكانته وحصته من الحياة الجماعية والسلطة التشريعية و السياسية . وهذا ما لا تلحظه جل برامج التنمية التي تكتفي بعقد المؤتمرات وتكرارها .
ومن الخطأ تماماً معاداة أي ظاهرة اجتماعية من الخارج , قبل فهم تكوينها ووظائفها وتأمين بدائل أرقى عنها ، لأن محاولة تدميرها سوف تعني تدمير مصالح من يستفيدون منها ، وخوض صراع ضد البشر , وليس لتطوير حياتهم ، وهذا هام للذين يستنكرون الظواهر ويتمردون عليها، وهم يعيشون خارج الحياة العملية ، أو عالة على الآخرين .. فالانتهازيين الطفيليين (ومن بينهم بعض المثقفين ) هم من يشنون الهجمات على هذه المظاهر المتخلفة ، ولا يستطيعون تحمل تكاليف البحث عن دوافع الناس للتمسك بها ، ولا البحث عن الوسائل العملية الكفيلة بجعل الناس تتركها وتتحول إلى غيرها ، لذلك تظهر دعواتهم وبالرغم من صدقها الظاهري ، وكأنها شتائم من فوق لمجتمع مقرف ، وتتحول بوعي الناس إلى عدوانية وتسلط على المجتمع .. وهذا الافتراق بين النخبة المثقفة والمسيسة ، وبين الشارع السلفي المتدين هو مشكلة التحديث والتنوير في مجتمعاتنا .. أي قصور عقل النخبة عن فهم آليات ووظائف الظواهر الاجتماعية والتعامل معها على أرضية احترام الإنسان ومصالحه وحاجاته ، وليس الدوس فوق كل ما يستند إليه ويحتمي تحته في صحراء موحشة .. وهذه العلاقة العدائية بين النخب والمجتمع ، وعسرة التفاهم القائمة بينهما ولدت أنماطاً رهيبةً من الديكتاتوريات . ووضعت البلدان على شفير حروب أهلية داخلية لا تبقي ولا تذر ..
من غير المعقول كم هذا التعسف والعنفوان الفارغ الذي كنا نواجه به الأمور .. يبدو أنه يجب على المرء أن يمر بفترات ضعف لكي يتمكن من التوازن .. ولا ينضج الإنسان بدون التعرض للشدائد , أو قبل أن يتعلم معنى القوة ومعنى الضعف أيضاً ، كنا نقفز بتجبر فوق الضعف وفوق الأمور الصغيرة .. سوف تسألون ما هي هذه الأمور الصغيرة ، أقول: الخرافة السحر المعنى القيمة الجمال اللحن الكلمة ..
قطعوا الماء منذ أمس الخميس إذاً هناك تحضير لشيء ما ، ولم تأتي حتى الآن الجمعة الساعة 30 , 8 مساء ، كل الأحداث تقع يوم الأحد غداة اجتماع الوحوش ، حيث يستخدمون كل عقلهم وذكائهم في ابتداع طرق الإجرام والتوحش والتعذيب والتفنن بها .. لن أصدق لو أكلوا أوراق المصحف ، أن الماء لا يقطع قصداً وعمداً ، إنها لعبة يتسلون بها ، فنحن كما يقول وليد أشبه بحيوانات تجربة ، في حديقة يتفرجون عليها .. وفي كل مرة أتهمهم بقطع الماء قصداً تأتي الماء ، أصبحت هذه اللعبة سخيفة .. الماء يشر من كل الخزانات وفي كل مكان حولنا وعندنا مقطوعة .. سجن فيه 6000 سجين بكل خدماتهم ، فقط منفرداتنا وحدها تعاني ، من سيصدق أناس يكذبون طالما هم يتنفسون .. ويحلفون أيضاً ، فالإضافي الذي يتقاضونه ، هو على قدر الكذب ، و عدد الأيمان الكاذبة التي يرددونها ، قلت لهم إنها لعبة سخيفة كونوا رجال واقطعوها علناً ، تخافون من سجين عندكم أية سلطة أنتم .. جاءت الماء .
في الصباح عادة يكون الإنسان أكثر موضوعية وواقعية .. لذلك يشعر بالضيق في السجن ، لكن في المساء يتغلب الخيال على الواقع فتتغير الأحوال ..
اليوم السبت 22/6
حلقت ذقني وأكلت المشمش ودعيت لكم بالخير ، منقبض ليس لدي أمل ، خائف قليلاً من مفاجآت جديدة قد تتسبب في انهيار نفسي ، لأنني أشعر بالضعف وعدم القدرة على التحكم بمشاعري ، بدأت أكيف نفسي مع قضاء فترة في هذه الزنزانة قد تطول ، هذه طريقة أفضل من التفكير السخيف باحتمالات الخروج ، على السجين أن لا يفكر بالخروج ، أن يحصر تفكيره فقط بما حوله ، لأنه في كل الأحوال فالأمور تسير بغير إرادتنا فلماذا الانفعال ، فأنا الوحيد الغير قادر على فعل أي شيء ، لذلك أنا الوحيد الذي عليه أن يستسلم ويلتفت إلى أمور أخرى تخفف من معاناته .. وهي صغيرة ولكنها هامة بسبب حجمها النسبي ، مثلاً هذه الهذيانات التي أكتبها ، تعوضني عن الحديث إليكم .. فأنتم في هذه الحال معي ولكن بمسافة بعيدة تلغيها الكتابة .. حيث يمكنني تصوركم تقرؤون .. نعوض عن بعد المسافة بفاصلة الزمن ، سوف أخرج يوماً وستقرؤون وتكتمل المحادثة ، كم هو جميل أن يتحدث الإنسان إلى من يحب ، كم هو رائع أن يوجد من يحبهم ويتعاطف معهم .. ها أنا ذا أكتب لكي أشارك الناس كما أنا بحاجة لتلك الشراكة ..
وماذا تعني تلك الشراكة .. محاولة لتمضية وقت في زنزانة كبيرة اسمها الحياة ، بالأمس كانت أمي تقول لي تجاوزت السبعين .. العمر غفلة يا ولدي ، وتبكي ، تبكي الحياة ، الحياة التي حتى لو كانت بأحسن صورها ، ليست سوى شيء صغير نحن مجبرون على إعطائه أهمية ، لأنه الوحيد المتوفر ..
خلناك كبيرة
لأننا صغار
خلناك مهمة لأنك الوحيدة
ظننا أنك عظيمة
لأننا نعيش التفاهة
وفي الحقيقة
ما أنت إلا شيء صغير
صغير .. يقترب من اللاشيء
مؤقت يساوي الزوال
تأتين كفكرة
وترحلين كسحابة
ندخلك باكين
ثم نخرج منك فيبكون
نباشرك فرحين
وتنعمين بحماقتنا
وتتعسفين كما تشائين
لأنك الوحيدة
الوحيدة التي أجبرنا على القدوم إليها
كما سنجبر على الخروج منها
باطل هو خلاص الإنسان من هذا العذاب
باطلة أنت أيتها السعادة
حزن أسود يرحل في نعش أسود
ودخان آهات
آهات تتلوى فوق الأحزان
ورماد
آه كم أنا تعيس
أدركوني ..

لكي تعيش وتشعر بالقليل من الرضا والسعادة ، أو لنقل السلوان ، عليك أن تحذف قطاعات كبيرة من مساحات الوعي ، عليك أن تستأصل قسماً من ذاتك . والنظرة الكلية الشمولية العقلانية الفيزيائية للحياة ، سوف توصل لنتيجة واحدة هي العدمية ، وهي مدمرة للسعادة بشدة ، يجب أن تحذف لكي تتلذذ ، يجب أن تحذف أشياء هامة وغالباً بشكل مسيء للعقلانية لكي تستمر . وبعد هذا الحذف تركز على أمور صغيرة ، وربما تافهة ، وتضخمها لتملأ مكان المحذوفات ، وهذا العمل اللاعقلاني هو في الواقع ضرب من أنواع السحر ( أو ربما التخريف ) أو لنقول جنون إرادي مدفوع بأهداف واضحة ، شكل من التكيف وسيلته الجنون الإرادي الواعي .. فقدر من الجنون واللاعقلانية ليس فقط شرطاً للسعادة فقط بل لاستمرار الحياة ذاتها ، بدونها يصطدم الإنسان مباشرة باليأس ، وإذا أمعن السير وراء العقلانية المتحجرة كانت النتيجة قاتلة .
اليوم جاءت الجرائد .. ( طبعاً جرائد السلطة فقط بعث ثورة تشرين ، وهي تكاد تكون نسخة واحدة ولا تختلف عبر الأيام ) سمحوا بها مجدداً .. ومع ذلك لها دور في الخروج من العزلة القاتلة .. لتخرج من خيالاتك وأوهامك وتنتسب للعالم ولو جزئياً ، فالإنسان بواسطة الإعلام يعيش زمناً عالمياً ومكاناً كبيراً , ليس فقط ما تميزه الحواس المباشرة بل ما تنقله له الوسائل .. فهو بسبب وسائل الإعلام أكبر كثيراً من حجمه ، ولذلك يجب أن يكون له دور يتناسب مع مشاركته ، وهذا جانب مهم من العولمة ، حيث لم تعد المصالح المادية المباشرة فقط هي التي تربط بل أيضا المسائل الفكرية والمعرفية المشتركة .. فالعولمة لم تحدث فقط لتشابك المصالح عبر العالم ، بل لتشابك البشر ذاتهم عبر العالم .. بوعيهم واهتماماتهم ومعارفهم .. وتكفي اليوم عقوبة الحرمان من وسائل الاتصال لتقليص حياة المرء إلى درجة فظيعة ولا حاجة للسجن .. فمجرد تحديد الإقامة أو تقليص وسائل الإعلام أو أدوات الحياة ( سيارة انترنت .. ) هي عقوبات كافية وقاسية ورادعة ، ولا ضرورة للسجن الذي يحطم الإنسان ويضيع وقته ويدمر ظروفه الحياتية .. ويحوله إلى عالة على الآخرين ..
الساعة الآن 12 ليلاً غداً الأحد هل هناك هجوم جديد سوف أنام متوجساً
الأحد 23/6
باشرت يومي بالكتابة ، الوضع أفضل قليلاً حنين للأهل للمنزل للحديقة والمرجوحة تحت المشمشة ، لرش الماء فوق الزهور ... متى ينتهي هذا الكابوس ، لا بد سيأتي ظرف ما لصالحنا ، حتى الآن كل شيء ضدنا .. نحن نحتاج إلى مساعدة فعلاً . نبحث في كل مكان وكل ظرف وكل إنسان .. فلا نرى شيئاً قادراً على إدخال نسمة واحدة .. الله وحده القادر .. وهو الذي يجب الطلب منه .. فمجرد التفكير بالاحتمالات السيئة التي قد تتعرضون لها هو شيء فظيع ، لا بد من وجود رعاية ما في وسط كم هائل من المخاطر تحيط بالإنسان ... الساعة الآن 9 صباحاً سوف أعود إليكم في المساء لأكلمكم عما يجري .
اليوم مر بسلام وغداً حكم حبيب .. تحممت وتعطرت وأكلت المشمش وما تبقى من تفاح وشربت الماء من إبريق الآجر ودعيت لسمر وترحمت على والدها ، ووضعت الطبخة على النار ( كوسا + ثوم + قورما + نعنع ) وسوف آكلها مع اللبن ، وأخرجت الدفتر الكبير وتذكرت أولادي عندما سألتهم قالوا جئنا لك بدفتر 140 صفحة ، وجلست على السرير وباشرت بالكتابة في الموضوع الذي كنت في السابق أهتم به ( الفيزيولوجيا الاجتماعية )
الساعة 11,30 مساء سمعت من الباحة أصوات هياج من السجن المدني .. وتصفيق .. خبر عن عفو .. أصوات التلفاز عالية لكنها غير مفهومة ، لكن يتم تلاوة مواد ..
ماذا .. هل يفعلوها .. هل يشملنا ، قلق وترقب وتفكير .. بدأت الاحتمالات تتصارع .. وبدأت أفكر جدياً بالاحتمال .. الأشياء الناس .. شيء مدمر ذلك الانتظار .. كل الأمور تقتحم الذهن دفعة واحدة .. هيا يا كمال نم واحلم ويا ويلك لو تبخر الحلم ، ستكون صدمة جديدة قد لا تتحملها .. الله ما أحلى الفرح .. هل نفرح هل تذهب هذي البومة ، لا أدري فأنا كنت دائماً أقول أن العفو من شيم الكرام ، وهؤلاء وبحسب تصرفهم معنا يبدون غير ذلك تماماً ..
الاثنين 24/6 الساعة 8 صباحاً
لم أنم طول الليل ، وأنا متعب وحائر ، هل كان ما جرى مجرد حلم هلوسة .. امتزجت بالأمنيات ، أنا فعلاً خائف ، خائف أن يكون ما جرى مجرد أوهام وأكون قد دخلت مرحلة الجنون .. فعلاً قد أثرت علي حياة المنفردات ، أنا طبيب وأعرف أن الكثير من الأهلاس يدركها المرضى كحقائق .. تصوروا أن أكون قد جننت ، أو تصوروا أن اخرج للحرية بعد قليل .. كلاهما وارد . وفي كلا الأحوال هو يوم عصيب آخر وعذاب بطريقة أخرى وكل ذلك شيء عادي في عالم السجون المغلقة وعالم التعسف .. والسؤال هل أنا قادر على تحمل صدمات جديدة .. ، نعم قادر ولكن بصعوبة ، والله حتماً سيعينني ، ولن يخونني عقلي ، لا لن يفعل .. ما أشعر به أنني لم أعد قادراً على التفكير أو الكتابة .. سوف أنام في حضنك يا أمي هيا المسي رأسي .. أرجوك هيا ..
الساعة العاشرة أخذوا حبيب عيسى شاهدته يمر بسرعة من أمام الثقب ، بسرعة كما نمر عادة من العالم المعاش إلى عالم الخيال بقيادة الرغبة ، أو من الواقع إلى الصورة التي نرسم .. يجب أن ينقلونا من هذه المنفردات اللعينة و إلا سوف نجن ، يا رب ساعدنا .. كم هو الدعاء مهم في هذه الأحوال .
الساعة 12 رجع حبيب .. المحكمة تعقد الساعة 12 ماذا حدث .. قلق وترقب ، وصمت ، أي خبر ينهي حالة الترقب هذه أي خبر مهما كان .. هم ليس لديهم مشاعر ولا علاقة لهم بالإنسانية .. هذا أكيد وأي نتيجة أخرى سوف لن أوافق عليها لو أجمع سكان البشرية جمعاء ضدي .. نعم إنهم وحوش وليسوا بشراً .. عملية قتل بطيئة وتلذذ بهذا القتل .. أن أموت أفضل كثيراً من أن افقد عقلي .. مكان ضيق وزمان متوقف داخله وعزلة قاتلة ، لا أستطيع التوازن بدون الكتابة .. اعذروني فأنا أكتب لأتوازن ، ويجب أن اكتب كل شيء أعانية لأتخلص منه وأرميه عليكم لتقذفوه بعيداً بعيداً نحو الجحيم ..
أنا لست مجنوناً وما سمعته بالأمس صحيحاً ، وها أنا ذا أشم رائحة الشيح الذي زرعته يوماً في الحديقة ، والذي أحضرت لي هيفاء بعضاً منه ، واستمع إلى سعلة وليد المميزة .. كيف حالك يا وليد بما ذا تفكر يا وليد .. اللعنة على هذا النظام البائس . كم فرض على وطننا من مآس وكم جر على شعبنا من آلام ..
كم يمكننا أن نصبر ونتحمل ، الإنسان لم يصنع من حجارة وحديد ، بل زهور ونسمات وخيالات ، الإنسان حلم وخيال ومعنى وكلمة .. الإنسان هو السحر وهو الساحر وهو المسحور .. السحر ضرورة ، والجزء المادي من الإنسان هو الجزء الحيواني ، أما الجزء المتميز به فهو الجزء السحري المثالي المتعالي ...
اليوم خمر وأمر معاً ، هل سيسود الصمت وننام على هذا الصمت لا ندري إلى متى .. أم ينفتح الباب وتتدفق منه أنهار الحياة .. ماذا سيحدث لا أدري الطقس حار وجسدي يتصبب عرقاً ووليد يسعل .. الظهر يؤذن ، وما يزال هناك من يكبر اسم الله أي أننا لسنا في عالم الشياطين وحدهم .
سوف أوجه لنفسي إنذارا أخيراً : أي انجرار وراء الأهلاس والخيالات ، ممنوع ، وممنوع أيضا التفكير بأي شيء خارج هذه الغرفة .. وإلا .
أخيراً جاءت الجرائد ، ولم أكن أهلوس ( عفو عام عن جرائم الأحداث فقط ) يبدو بمناسبة يوم الطفولة
الساعة 5 مساء استرجعت قسماً من قواي بدأت قراءة الجرائد ، ثم أكلت البطيخ عليها ( اليوم وزعوا بطيخاً على غير العادة ) ، ثم قمت بالمشي حسب أوامر زوجتي غسلت ثيابي الداخلية وتحممت جيداً وخرجت عارياً ممارساً حريتي الانفرادية ، وها أنا ذا ألبس الشورت وانتظر جفاف ثيابي جزئياً لأرتديهم رطبين فأشعر بالبرودة لمدة نصف ساعة ، أي لقد تحملت الصدمة وخرجت معافى جسدياً وعقلياً منها .. والجرائد أكدت لي أنني لست مجنوناً بل عاشق وحالم ، الفرد لا يعيش حياة إنسانية لوحده ، الفرد يتقمص الآخرين ويعيش بهم ومعهم وبذلك يعيش حياة إنسانية ، وعندما يتقلص الآخر إلى بعض أفراد الأسرة ولفترة محدودة ، يشعر الإنسان بالوحشة ومن ثم يخاف أن يفقد ما تبقى ، وبعد ذلك ومع الزمن يتوحش ، نعم يتوحش أشعر رويداً ، رويداً أنني يجب أن أتحول إلى أداة قتل وانتقام .. لا شيء يبرر لي قبول التعسف ، يجب أن نحارب وننتقم ، والجروح قصاص .. من الصعب التغلب على هذه الوحشية المتنامية بتنامي التعسف والظلم ..
الساعة 6 مساء نمت قليلاً نصف ساعة تقريباً ، وبعد النوم يعود الحزن لأنني كلما أنام ، أنام خارج هذا القبر .. القبور للأجساد فقط .. الأرواح لا يمكن دفنها ... لون جسدي أصبح كثير البياض ، هذا المساء سوف أطبخ كشكاً
الثلاثاء 25/6
بالأمس نمت جيداً جداً النوم دليل صحة نفسية ، وفي الصباح غسلت وجهي وأكلت بعض حبات المشمش وشممت وردات هيفاء ، في أيام البرد كانوا يستمروا أسابيع اليوم في هذا الحر بسرعة يتلفون .. يجب أن لا أفكر فيكم كثيراً كي لا أتعذب كثيراً ، الله يوفقكم ويحميكم .. لا أملك سوى ذلك .. لدي اليوم خيار واحد هو الانتظار وهذا شيء رهيب :
ملل يتلوه الممل
والانتظار الانتظار
أحزان وهموم تكبر
ليل ونهار
ماذا يحدث في الخارج
لا تأتي أخبار
معزول وحدي
وجدار
ينتصب أمامي
كالطود
تفشل معه كل الحيل
وتخرس كل الأشياء
ويبقى الصمت ستار
ملل يتبع الملل
لا أمل
سئمت الانتظار
من أين أبدأ ما العمل
يا قلبي ألا تهدأ
لماذا تتعجل
إنه الفشل
استرخ قليلاً
نم
نم كي تحلم
ففي الحلم ... تلين القضبان
في الحلم تسافر كالطائر
تلعب كالصبيان
تزور الحارة والمنزل
تمسح دمع الوالدة
تأخذ زوجتك في الأحضان
بالحلم تلاعب أطفالك
وتسمع أخبار الجيران
خطط للنوم
نم كي تحلم
فالحلم حمامة
والحلم براق
اطلب من قلبك أن يهدأ
حاول أن تنسى
يا ابن الإنسان
الحلم حصان
الحلم حمامة
وفي الحلم فقط
تلين القضبان
التفكير في الفعل مدمر ، لذلك يجب شل هذا النوع من التفكير ، ولكن كيف ، نستبدل الفعل بمخطط الفعل ، فنفعل ما نريد تصوراً ، تراكمت في أذهاننا كمية هائلة من الأفعال متى ننفذها .. شيء محير .. الأمل ضروري جداً ولو كان كاذباً ، و غيابة قاتل ومدمر ، ولكنه مع ذلك يحرك التفكير والرغبة وبالتالي يعذب .. كل شيء يعذب .. وفي كل الحالات تتعذب .. وعبثاً تبحث عن راحة .. لو أعطونا حقوقنا كسجناء ، كان بإمكان الإنسان أن يعيد تشكيل عالم خاص به مصغر ويستقر ضمنه ، لكن الحرمان من البشر هو حرمان من الإنسانية ، ويقولون أنهم ليسوا متعسفين وإرهابيين ، وأي إرهاب أكبر من التعذيب الجماعي ..
يالله كلمة يكررها ولدي عمر كلما يهم بفعل أي شيء .. معه حق لم يبق سوى الله .. ولكن لا يجب علي تذكر ولدي أنا آسف يا عمر علي أن لا أفكر فيك . أعتذر لك وسوف تفهم ظروفي ..
الساعة 4 مساء المشكلة أنه حتى عندما يذهب الخوف والقلق والهواجس .. يحل مكانه الحزن ، وكأن حصة الإنسان من الألم محفوظة ومصونة ( نظرية مصونية الحزن والألم في السجون ) ، وكل ما يستطيع الجسد إنتاجه من الحزن والألم والخوف سوف تتجرعه وعندما يعجز عن توليد المزيد تفقد الوعي ..
سوف أعمل بنصيحة سمر العزيزة علي جداً هنا في هذه الزنزانة .. لو كانت مشاعري تجاهها في الخارج كما هي الآن ، لكان سلوكي مضحكاً . سوف أقوم بالكثير من التمارين ، ثم أستحم .. الجيد حتى الآن هو خلاصنا من إرهاب الماء البعثي . لذلك أستطيع تحمل إرهاب الحر بوجود الماء أما الإرهابان معاً فهذا قاتل ..
عندما كنت صغيراً كنت اسمع أصوات جدي أو عمتي تقول ( ولك هالحمار مزروب بالبايكة كل النهار حرام خدوا والعب فيه شوي عالبيادر ).. وهكذا كانوا يشفقون على الحمير من العزلة ، أما نحن فلا نتمتع حتى بحقوق الرفق بالحيوان ، كان الحمار عندما يخرج يبدأ بالركض ثم يمرغ جسده في التراب ويشنهق .. ونحن محرومين حتى من حق الصراخ ..
يجب أن نضغط على الجراح ونقاوم .. والدتي تبكي دوماً ، ومع أن كل دمعة تساوي العالم .. أرى أنها ليست في حال سيئة ، فقد كانت تبكي نفسها وهرمها ، كانت أمها أي جدتي .. تبكي ثم تضحك عندما ترى علامات الحزن على وجهي ، كانت تقول لي لا تزعل فجدتك مجنونة ، تبكي وتضحك معاً ، كانت تقول الشعر وتروي القصص .. واليوم أمي بلغت من العمر وهي تبكي نفسها ، وعندما دخلت السجن نسيت نفسها تماماً وصارت تبكيني ، وأن تبكيني أنا أسهل من أن تقع في اليأس وتبكي نفسها ، فقضيتي يمكن أن تحل في فترة ليست بعيدة .. أولادي قد يولد غياب عنهم ردة فعل تجعلهم يعتمدون أكثر على أنفسهم .. وهكذا وفي المساء تذكرت والدي ( رحمه الله ) قرأت له الفاتحة ، وبكيت .. آه كم عانى من الألم في مرضه وكم صبر وكم احترق قلبنا عليه ، ثم مات بين يدي ، وقبل أن ينعم بأي من خيرات ما بنى وأنتج .. فعندما شارفنا على إنهاء تعليمنا ، وعندما باشر البستان في الإنتاج ، وعندما تزوجنا وصار قريباً أن ننجب له أحفاداً ، ترك كل شيء وغادر في سن مبكرة لا تتجاوز الثالثة والخمسين بعد سنوات من الألم .. لقد كان علينا أن نختار وأي خيار : بين طريقتين للعلاج .. أن يتكسر عظمه وينام في السرير وهو متألم ، وبين إعطاء جرعات كبيرة من الأشعة تنتهي بتثبيط نقي وفقر دم ونزف و . سألنا كل العالم .. يومها كان الفاكس قد نزل حديثاً في التداول .. اخترنا الأشعة .. وصرت أخذه للعلاج الشعاعي ، لكل منطقة يصبح فيها مهدداً بالكسر ، كان مرضه هو الورم النقوي المتعدد ، ولم يكن الطب قد تطور لمرحلة تبديل الدم الكامل في بداية الثمانينات .. وصمد وبقي قادراً على الوقوف والسير حتى آخر يوم من حياته ، ومات بنزف هضمي .. أتذكر نفسه الأخير .. أبي .. وأبكي بغزاره ، لا أتمالك نفسي .. اليوم لا أملك إلا أن أبكي وأترحم ، ولكن إذا خرجت سوف أزور قبرك وأفعل كل ما يمكنه أن يدخل السلام على روحك التي أنا جزء منها ..
كم أنا بحاجة إليك .. كنت في مثل سني عندما بدأ بك ذلك المرض اللعين ، ولم نكن ندري ، عندما بدأت أضلاعك تؤلمك حتى ظهرت تلك البقعة على جبينك، ثم جاء ذلك الخبر الفظيع ، ثم تحملت العلاج والألم ولم تلح علينا بالسؤال ، وهكذا بقي مرضك سراً لم تعرف به لا أنت ولا جدتي ولا أمي .. ولم ترفض تناول المسكن ولا مرة ، كانت كل مسكنات العالم لا تكفيك .. كم كان فظيعاً ، وكم خسرتك ، وكم أنا بحاجة لأن أعود طفلاً تسحبه بيدك الرطبة ..
هل تعلم يا والدي أنهم سجنوني ، هل تعرف أننا صرنا عائلة كبيرة . ما الذي جعل روحك تزورني في السجن بعد 16 عشر عاماً على فراقك . وأن تطلق ما احتقن في عيني من دموع . أشكرك يا والدي أشكر روحك التي تشارك روحي .. كم أنا حزين ..
26/6 الساعة 11 صباحاً
كل شيء هادئ تماماً , الإفطار حمص وبندورة وطحينة ونصف ليمونة وشاي ، الحر شديد ، الحالة النفسية حزن وخواطر متنوعة ، ننتظر حكم رياض الترك عمره 71 وسبعون عاماً قضى منها أكثر من عشرين في السجن منها 16 سنة انفرادية تحت الأرض ، والآن لا ندري علينا أن ننتظر ..
الساعة 4 جاء الخبر .. أحد السجانين أخذ كيسين وقال نصف .. إذن سنتين ونصف
الساعة 5 رياضة وحمام أشكرك يا زوجتي على هذه التعليمات .. الحمام شيء ضروري يعيدنا لإنسانيتنا ، فالحمار لا يستحم ... أما أنا .. فأنا أستحم ، أنا أستحم إذن أنا إنسان ، إنه كوجيتو المنفردات ، سوف أشرب القهوة ، احتفالاً فبالرغم من وضعي السيئ ، لكن برجي في الجرائد رائع وذلك طول هذه الفترة ، اليوم مثلاً يقول أنت قوي وتحقق ما تريد وأخبار سعيدة قادمة إليك ، وقد شربت القهوة رغم أنها ليست من صنع يديك ، ولم تغلى في ركوة بل في علبة حمص فارغة ، شربت نصف كأس فقط خوفاً من القلق فالنوم ضروري أيضاً
عفواً يا أبتي
يا منقذ
يا ابن الإنسان
أنكرك ثلاثاً
قبل صياح الديك
أنكرك مرور الأزمان
لو تكرز ضد النوم
أو تستنكره
لأني من أعماقي أومن
أن النوم أمان
راحة تعبان
وأن النوم حصان
أسري فيه .. أمتطيه
ويحملني برات القضبان
توجد في قصر النوم
راحة شخص مهموم
أرجو ألا تحرمني منه
أو تعزله عني
أبواب السجان
دعني يا منقذ
دعني فوق سريري
أستغرق في الأحلام
أقتل مأساتي في نومي
أهرب من لدغ الثعبان
قد أنكرك طويلاً جداً
لو مني أو حتى
من غيري
أو في يوم من بين الأيام
لو قلت لنا أن نسهر
أن نصحو
من سحر منام
سافر وحدك في عليائك
سافر في اطمئنان
واتركني استسلم
للهم وللغم وللأحزان
للنوم وللحلم وللأوهام وللأشجان
سافر وحدك في عليائك
في موكبك السامي
واتركني وحدي
انتظر الآتي من أمر السجان
لا تحرم عيني الحمراء
من إغماض الأجفان
سافر أنت بعيداً لو شئت ،
أو فلتأت معي في سجني
تعال معي يا منقذ
يا منقذ خلصني
يا ابن الإنسان
إذا بقي الحر على هذا المنوال فهو محمول ، طبعاً الحر يزداد بعد تناول الطعام ، لذلك أؤجل وجبتي لليل ، ما أزال أشتاق للتدخين آه على شحطة سيكارة .. لا لن أعود بالرغم من الحاجة الماسة للتدخين في هكذا ظرف ، الآن صحتي أفضل ، كان التدخين صفحة سوداء من حياتي وطويتها .
الساعة 8,5 مساء هجوم مكثف من النمل الطيار .. مئات .. قتلت مئات بمساعدة قتالة الذباب والبف باف .. يبدو أنه موسم تكاثر ودخلت ملكتهم ، ثم تبعوها وكانت النتيجة هلاك الجميع بأسلحة الدمار ..
في الساعة العاشرة انتهت المعركة بإبادة كل الحشرات في الغرفة وكنست الغرفة .. اشعر بانتعاش ربما بسبب القهوة ، لا أفكار سوداء لا هموم ، سوف أطبخ كوسا مع البيض وأتعشى وأنام .. أنام بجانبك طبعاً ، فأنت دوماً شريكتي حتى لو سجنوني في المريخ .. تفضلي العشاء جاهز .. أخشى أنني بدأت آلف المكان وأخشى ذات يوم أن أحن إليه واصنع لنفسي زنزانة أذهب إليها ، هل تأتين معي لننفرد فيها لوحدنا .. الآن تصبحين على خير الساعة قاربت 12ليلاً الحر ذهب ، لكن الحشرات لعنها الله تلدغني .. عشرات اللدغات كل يوم ..
ألفت مكاني
ألفت الزمن الآتي
وزنزانتي
حتى ظننت
أن الإنسان قد يألف القبر
مضى شهر
وأتبعه شهر
شهور تتوالى
حتى
صار المكان لي
وصرت أنا له
فيه صورتي
ورائحتي
وذاكرتي
وفيه أيضاً
لا أدري
كم من الزمن
سيأتي
على جدرانه سيرت رحلاتي
وفوق هذا السرير
قضيت أوقاتي
ومشيت
في الفسحات
بين حاجياتي
هذا مكاني
وهذه مسافاتي
أتقلب فيه
وأقلب صفحاتي ،
ابحث عن مفتاح
عن سر يحملني
تتكسر أقلامي
وتضيع براياتي
أرسم نهراً جف
وأصارع حشراتي
تلدغني أصفعها
اقتل منها
بالمئات
وتطاردني أحلامي
تسمعني آهاتي
أكتب نفسي أرقاماً
على جدران زنزانتي
فيها كل أوقاتي
فيها كل حياتي
ولا أدري إن فيها
أيضاً
سيكون مماتي .
27/6
صباح الخير ، لم انم أمس بشكل جيد بسبب القهوة وبسبب تلك الأفعى اللعينة التي جاءت بالحلم .. سقطت فوق رأسي ، في البداية بدأت أراها كمطاط ملفوف فوقي ، ثم تحول إلى أفعى ، وبجانبي رفش وعندما هممت في التقاط الرفش لضربها ، سقطت فوقي ، هناك احد يمنعني من الوصول للرفش .. رفستها للبعيد واستيقظت بعد أن تحركت قدمي فعلاً ، وأصابني الأرق ، لن أشرب قهوة بعد الظهر بعد الآن .. جاءت الجرائد اليوم وهي تحمل خبر الحكم على رياض بسنتين ونصف .. وتقول بأنه أقر أن كلامه كان قاسياً ، وأنه لا يريد صب النار على الزيت أو أن يكون رأس فتنة ، وأن البلاد تحت الحصار الإسرائيلي الأمريكي .. طبعا كلام الجرائد هذا ملفق وغير دقيق والمقصود منه تشويه الرجل ومواقفه الصلبة طوال عمره .. فرياض الترك لم يقدم تنازلاً واحداً طوال عمره .
الحدث الآخر : جاء المحامون ولم يقابلوني ، فقط تسلمت هديتهم عسل وكرز .
هناك إصلاحات في زنزانة أبو عصمت فنقلوه بشكل مؤقت للزنزانة التي بجانبي .. ها هو يدق لي على الجدار محيياً وأجيبه طرقاً فالكلام في زنزانات البعث ممنوع .. تحية إلى حبيب عيسى اليوم 27 / 6 / 2005 الساعة 5 عصراً .
الساعة 8 مساء .. ليس من العيب الثرثرة كثيراً فأنا وحدي .. ووسيلتي الوحيدة في مخاطبتكم هي الكتابة ، أتذكر كيف أقاموا مكانا آمناً في البوسنة ثم ذبح فيه الناس .. هكذا عندما تكون تحت رحمة عدوك يتعسف بك كما يشاء .. والمشكلة في قضيتنا أن السلطة عدونا ، وهي تسيطر على كل شيء .. وفي هذه الحال هم ، ليسوا قضاءً أو جهة محايدة ، بل عصابة متعسفة ، ونحن مختطفون ولسنا سجناء .. وذلك بموجب اتفاقية جنيف الرابعة والتي تختص بسلطات الاحتلال ، وأعتقد أن أي سلطة تعسفية واستبدادية تنطبق عليها الشروط القانونية للسلطة المحتلة ،من حيث فرض إرادتها على الشعب بالقوة , ولا يهم من يكون الذي اغتصب السلطة ، أهو أجنبي أم داخلي ، لا فرق ، ففعل الاغتصاب واحد والنتائج واحدة .. وهكذا نحن بموجب اتفاقية جنيف الرابعة وملحقاتها ، نعتبر رهائن مختطفين من قبل سلطة غاصبة ومتعسفة ، لا شرعية ، تحرك قضاءً شكلياً ، مرتبط بها ، مستقل عن الشعب ، وينطق باسم أجهزة الأمن ، أي اليد العسكرية للسلطة الغاصبة .
اليوم بين الساعة 8- 9 مساء ، هجوم من نوع جديد من الحشرات لا يقف إلا على السقف : حشرة سوداء صغيرة جداً طيارة وقافزة وقادرة على اللدغ .. مئات منها دخلت غرفتي ، ولا يفيد فيها إلا البف باف فالوصول للسقف المرتفع مستحيل ، والعلبة قاربت على النفاذ .. وتمكنت بعد عدة بخات من إنقاص العدد إلى 40 ، و علي أن أتحمل الليلة أربعين لدغة ، فهي تتحرك فوقي لتحدد موضعي ثم ترمي نفسها علي وتلدغني وتطير ، ومشكلة هذه الحشرات أنها لا تعرف أنها تعتدي على سجين ومعارض سياسي يستحق التضامن وليس اللدغ ، بل ترى أن جسدي مجرد وجبة دسمة .
الجمعة 28/6
صباح الخير اليوم عطلة ، عنوان اليوم هو الملل ، ونهار بدون أحداث أي أقل قلقاً لكنه ممل ، وقد قلنا أن الكم واحد ( الكمية ذاتها من الألم ) .. فعندما تحرق إصبعك فقط ، تشعر بكم من الألم مساوي تقريباً لحرق كبير ، وعندما تحترق حرقاً كبيراً لا تشعر بألم الحروق الصغيرة .. وهكذا ولكن عندما يتراكم الألم ويختزن في الذاكرة يصبح أي ألم ولو صغير ، ميالاً للتضخم ، بواسطة تراكم ذكريات الألم السابقة .. فيصرخ المحروق بشدة لمجرد الاقتراب من الضماد ..
لماذا حديث الحروق في هذا الصباح ، لم أر أبشع من الحروق خلال ممارستي كطبيب ، يليه السرطان ، سأغير هذا الحديث البائس ، هل أنتم بخير ؟ أنت والأولاد في عطلة وسوف تتذكروني ، واشعر بعدم الرغبة في فعل أي شيء ، لكن لدي شره للطعام .
الساعة 12.30 آذان الظهر حزين جداً لو أستطيع الذهاب للصلاة جماعة مع الناس .. هل تعرفون ما قيمة أن يتكلم الإنسان ، أو أن يمارس طقساً دينياً جماعياً ..
الساعة 11 مساء .. آسف لإيقاظك اعتقد أنك نائمة الآن لا بأس تحمليني ، أريد أن أتحدث معك ، بعد أن أكلت بطن كشك مرتب وبعده شربت الشاي البارد الذي صنع في الصباح ، لأنني أعتمد سياسة عدم تشغيل السخانة نهاراً ن فالحر غير مقبول ، يبدو أنه لا فائدة من إيقاظك ، ها قد غلبك النعاس مجدداً ، هيا نامي ..
السبت 29/6/2002
الساعة الآن السابعة صباحاً ، هيا إلى عملك وانتبهي عند قيادة السيارة ، أما أنا ، فلا بد أن تشرب قهوتها معي مشاعر الملل والحزن والانزعاج و القرف والحر..
اليوم محاكمة وليد للدفاع .. مر بجانبي الساعة 10 سمعت مشيته رأيت صلعته .. الله الله يا وليد قلبي معك يا وليد ، اللهم انصر وليد ، و حبيب وفواز ..
كتبت ما سأطلبه منكم في الزيارة ، أنا أنتظرها وأنا خائف وأودعها وأنا حزين .. لا تتخيلي كم أشعر بالحزن عندما أعود إلى غرفتي أقصد الحظيرة .. أنتم تذهبون بحزنكم للهواء الطلق وأنا أعود به إلى غرفتي ، وما يزيد من عذابي هو تلك الأشياء التي تأتون بها ، كم أتحسس فيها من مشاعر ، فأنا لا آكل الطعام ، بل أهتم أكثر بكل الأحاسيس الممزوجة في هذا الطعام ، عادة الصانع يضع شيئاً منه في منتجاته .. لذلك أحرص على أن لا أتلف شيئاً .
عاد وليد في الساعة 12,45 أتمنى ألا يكون في حالة سيئة .. اللهم اعن وليد .
كل يوم ومع آذان المغرب ، ومع أول خيط للظلام من عادتي أن اشعر بالتعاسة ، وها أنا ذا أشعر بضيق النفس .. تذكرت على الفور هجمات الهستريا التي كنت أعالجها . آه يا إلهي هستريا لا ، ولولا معرفتي بها لتطورت الأعراض ، فتبدل مشاعر القلق والتوجس بمشاعر الهمود سوف يحمل معه أعراضاً مختلفة .. وكأن علينا أن نجرب كل أنواع المشاعر البائسة ، ولا ينقصني سوى الهستريا ، فعلاً شعرت أن الهواء لا يكفي .. أين ذهب الهواء ، أخذت نفساً عميقاً ، لم اشعر بالهواء ، كأن شيئاً لم يدخل إلى صدري ، الغرفة فارغة من الهواء ، أين الأوكسجين .. سرقوه أيضا ؟ لم يكتفوا بثروات البلاد كلها فسرقوا الهواء أيضا ، صرت بحاجة للهواء أكثر وأكثر ، الحل كما أعرف بالتجربة هو تجاهل الشعور بنقص الهواء والتلهي بأمور أخرى ، غسلت وجهي وتمشيت ، وتغلبت على مشاعري بصعوبة .. الآن يوجد هواء بقدر ما ، كاف حسب ما أشعر ، مشاعر