أبحاث نقدية في حقوق الإنسان

هيثم مناع

الطبعة الأولى ‏2005‏‏

الناشر

الأهالي للنشر والتوزيع

المؤسسة العربية الأوربية للنشر  (باريس)

اللجنة العربية لحقوق الإنسان

يتكون الكتاب من168 صفحة

القسم الأول أبحاث نقدية تتناول قضايا الهوية والعولمة والطائفية والإرهاب ومعاداة السامية

القسم الثاني يتعرض لمفهوم الحقوق بين التاريخ والمعاصرة في مفهوم الإنسان وحقوق الطفل  وجريمة العدوان

الترقيم الدولي

ISBN : 2-914595-39-5

EAN : 9782914595391

Haytham Manna 

Human Rights: Critical Studies

Buds : Studies of the Arab Commission for Human Rights

مقدمة الكتاب

في حين كانت الحقوق الإنسانية ابنة صراع تاريخي بكل معنى الكلمة، صارت عملية مأسستها في القرن العشرين موضوعا للتفاوض ومحصلة لموازين القوى وأسيرة لاستراتيجيات السلطة ومادة احتواء. وبدأت عمليات فرز وإعادة اكتشاف وتحديد للطبيعة والمهمات والمواقع بشكل حاد تدخل فيه مصالح الدول والكارتلات الاقتصادية الكبيرة وجماعات الضغط وتجمعات المصالح طرفا بشكل أو بآخر، وبوسيلة أو بأخرى. ولم يلبث الوسط الأكثر إنتاجا وإنجابا وإبداعا أن صار مادة استهداف بغرض الأقلمة والتهجين والتلوين، مقابل عروض يومية سخية.. فالرأسمالية المعولمة التي جعلت الجسد والروح والمعبد والمعرفة والديمقراطية سلعة، لن تعجز عن شراء حقوقيين و"حقوق" باعتبار المنطلق مادة سلعية رائجة يمكن توظيفها أيضا.

في جلسة جمعت حقوقيين من كل القارات، تندر أحد زملائنا الأفارقة على ما آلت إليه بعض حوانيت حقوق الإنسان بالقول: "في إفريقيا أصبحت حقوق الإنسان أسهل الطرق للجاه والوزارة والثروة". بعد ابتسامة وضحك من البعض، عاد يخيم على الجو حالة حزن وعزاء.. وكأننا أمام اغتيال منظّم لعملية فكرية ونضالية كان مبرر وجودها الوحيد هو الدفاع عن البشر وهي، من وجهة نظر الكثيرين، بما فيهم كاتب هذه الأسطر، السلاح الأفضل القادر على خلق أغلبية إفريقية قادرة على مواجهة التعسف والإيدز والجوع والمرض والجهل المنظم والحروب المسطحة والموت المجاني وصيرورة حق الحياة مجرد صدفة.

لا يمكن للمأسسة أو الاستهلاك  أن يضعا نهاية لحركة حقوق الإنسان، كحركة فكرية نقدية احتجاجية، كحركة تمرد يومي على انتهاك كرامة البشر، وكرد ضروري على عولمة المظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية. فهذه الحركة التي تشكل أهم مرتكزات الثورة الصامتة للفضاء غير الحكومي على الصعيد العالمي وتتواصل مباشرة مع ضحايا انتهاكات جسيمة لوجود الأشخاص والجماعات، مازالت أحد أهم منتجي التصورات النقدية للعالم، وأحد أبرز قوى الاقتراح والمبادرة.. وبهذا المعنى، لا يمكن استقراء حقوق الإنسان وحسب في قرارات الأمم المتحدة، أو إصدارات المفوضية السامية لحقوق الإنسان، لأنها تكمن أولا وبالأساس في القدرة على الاستقراء اليومي للمشكلات الكبرى لتعريف الإنسان ومسارات وجوده وأشكال انتمائه والمحركات الأساسية لكل ما يمكن أن يكون سببا أو دافعا لخلاصه من عالم قديم يرفض الموت، ويجد عند شبه أحياء من يعطيه مقومات الحياة.

هذه المحاضرات والتأملات، جزء من هذه المغامرة الفكرية التي تسعى لقراءة المشروع في التاريخ والواقع، في الثقافة والمجتمع، في الأزمة والعافية، في لحظات المد والجزر. وتعتبر القدرة على مواجهة الإغراء، إغراء السهولة والإرضاء والمنفعة في صلب قيمها.