من
الخراب إلى التأسيس
منصف
المرزوقي
من
المرمر المسنون صاغوا مثاله
وطافوا به كل ناحية زمر
إن
كان حب الفضل للفضل شأنكم
ولم تخطئوا
في الحس والسمع والبصر
فما
بالكم لم تكرموا الليل والضحى
ولم تنصبوا التمثال للشمس والقمر
إيليا
أبو ماضي
تقـديـم
شرف
كبير ومسؤولية أكبر، تكليفي من الأصدقاء بالإشراف على هذه السلسلة الجديدة المكرسة
لحقوق الإنسان بالتعاون مع اللجنة العربية لحقوق الإنسان.
قال
الأديب الفرنسي أندريه مالرو "سيكون القرن الواحد والعشرين دينيا أو لن يكون". وقد
استعار ملك المغرب محمد السادس هذه الجملة ليقول: سيكون هذا القرن قرن حقوق الإنسان
أو لن يكون. لم يكن أندريه مالرو متدينا، ومن الصعب الحكم مبكرا على مدى احترام ملك
المغرب الشاب لحقوق الإنسان، إلا أنه من السهل القول أنه إذا كانت الاشتراكية
والليبرالية قد وصمتا قرابة قرنين من الوجود البشري بصراعهما، فإن حقوق الإنسان قد
جاءت لتنصب نفسها لكل فرد في كل مجتمع مهما كان جنسه أو لونه أو دينه أو طبقته.
وبهذا المعنى، فقد أعادت صياغة العديد من الأسئلة الفلسفية والسياسية والثقافية وفق
فكرة مركزية هي احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية
والبيئية باعتبار هذا الاحترام مقياس مركزي لاحترام النظام السياسي الاجتماعي
السائد والمنظومة الاقتصادية الاجتماعية المهيمنة على الصعيدين المحلي
والعالمي.
ستقاوم
هذه السلسلة كل المحاولات القصيرة النظر لتحويل حقوق الإنسان إلى إيديولوجية أو
دين، كما ستقاوم النظرة التقديسية لها. وهي تنظر لمشروع الحقوق الإنسانية باعتباره
غير منجز ويحتاج باستمرار لنظرة نقدية تعطيه القوة الدافعة ليتقدم. وترفض التعامل
مع الشرعة الدولية لحقوق الإنسان كنصوص حقوقية جامدة بل وتسعى لاستقراء معالمها في
دراسات حية ذات صلة مباشرة بالمجتمع والثقافة في العالم
العربي.
وهذه
السلسلة ملك لكل عمل إبداعي خلاق يسعى لإغناء ثقافة حقوق الإنسان. وهي تعتمد على
القارئ كسند معنوي ومادي لها. وتحاول تناول قضايا الإصلاح السياسي والحقوقي
والأخلاقي كما تحاول قراءة احترام الحقوق الإنسانية في الخطاب السائد وعلى كل
الأصعدة الرسمية والشعبية.
معرفة
الصديق منصف المرزوقي، توضح حجم الصعوبة التي واجهها في إعداد نص يسترجع عدة مراحل
من النمو الثقافي والفكري والنضالي للكاتب المناضل. فأحسن تعريف لما يكتبه منصف، هو
أن يكون الإنسان بالقيم والمبادئ التي يتبناها ابن الزمن الذي يعيش فيه، باستعارة
مأثورة هيجل. والزمن، ليس فقط بمعنى الحقبة السياسية أو التغيرات الشخصية، وإنما
بتقسيم الفيلسوف الطبيب أبو بكر الرازي للزمن المطلق والنسبي. كل لحظة تحمل جديدا
ومثيرا وفي غناها يمكن أن يتشّبع الأشخاص أفكارا جديدة. ليس بالإمكان توقيف نص
صديقنا إلا بوضعه في المطبعة. لأن النص يختصر تصورا ما للعالم والأفكار والسلوك
يتلخص بالبحث اللانهائي عن الأمثل والأجمل، لهذا الكائن الذي كرمته الفلسفات
والأديان.
لم
يكن انخراط منصف في الشأن العام، بالمعنى المباشر للكلمة، إلا وليد مجموعة من
المشاهد الأليمة في حقبة أليمة، لم يكن فيها للطبيب الباحث والمثقف غير النمطي الحق
في تفجير طاقات ومواهب تصب في خدمة الإنسان في هذه البقعة من العالم دون أن يصطدم
ذلك بالحاكم. كان الالتزام النضالي في عالم حقوق الإنسان هو ابن هذه المعادلة
المؤلمة التي يبصر من خلالها الجامعي كيف تحول السياسي المعارض في العالم العربي
إلى شبه كائن محروم من الصورة والشرعية والبرنامج والتجمع والتكلم .. بكلمة، من
الحد الأدنى الضروري لتعريف السياسي. وذلك لمجرد كونه مشروعا يقع خارج الاسمنت
المسلح الذي يحمي الحاكم من "المارقين والمخالفين والخونة".
عندما
يكون الخروج على القانون هو التمرد على هالة التأليه التي تحول الجنرال العربي إلى
المهدي المخلص بقدرة أجهزة الأمن وبطانتي الفساد وتدنيس الوعي. يصبح الحياد جبنا
والصمت تواطئا.
من
الضروري للقارئ أن يعتاد على تعبيرات جديدة يعرفها جيدا في حياته اليومية مثل
الدشقمية (الدولة الشمولية القطرية المتخلفة) في تشخيص ثوب السلطان وثنائية (عقدة
التفوق القديمة وعقدة النقص الجديدة) في تشخيص العقلية الرد فعلية على الاستبداد
الداخلي والاستعباد الخارجي. كذلك من الضروري التذكير بأن هناك مجموعة أعمال سياسية
متداخلة مع هذا العمل لمنصف يجمعها هاجس تفكيك الاستبداد في العقليات وفي المؤسسات
مثل "الاستقلال الثاني" و "هل نحن أهل للديمقراطية".
لا
بد لهذا العمل من أن يطرح علينا تساؤلات كثيرة: ما هو مثلا مدى صحة الفكرة القائلة
بأن الديمقراطية ليست ضرورة أخلاقية بقدر ما هي ضرورة تقنية لإدارة المجتمع؟ هل
يمكن الحديث عن الديمقراطية كمشروع سياسي في غياب الإصلاح الثقافي والأخلاقي في
صفوف المجتمع وفي صفوف النخب؟ هل تحكم العلاقات الديمقراطية حركة حقوق الإنسان
والتنظيمات السياسية في العالم العربي؟ ألم تنتشر عدوى الاستئصال للآخر في بعض
البلدان العربية في صفوف المعارضة الاجتماعية والسياسية بحيث أصبح التخلص لأسباب
شخصية أو مادية أو سلطوية من الآخر شرطا للمكاسب السريعة السهلة؟ أليس نقد
الممارسات غير الديمقراطية في نويات المجتمع المدني جزءا أساسيا من عملية نقد
الاستبداد وعقابيله. ألم نسمع أحاديث عن تصفية واستبعاد تنظيمات وأشخاص في أوساط
حقوق الإنسان؟ كيف تمكنت كلمات مخيفة مثل "كسر العظم" و"التصفية" و "force
de nuisance " من الدخول لمعسكر الديمقراطية وحقوق
الإنسان؟
هذه
الأسئلة، تقودنا إلى الانتقال من الشعبية المرافقة لوضعنا كضحية إلى اليقظة
العقلانية والنقدية الضرورية لكل انتقال من التسلط إلى الديمقراطية. فالديمقراطية
ليست قرارا فوقيا بل ممارسة يومية وامتحانا دائما للعلاقة بين الذات والآخر.
هناك
جانب آخر لم يأخذ حقه بشكل كاف في كتابات منصف حول الديمقراطية، وأتمنى أن يكون هذا
هو الحال في كتابات مقبلة. هذا الجانب هو العلاقة بين الاستبداد والمجتمع العضوي أو
العصبوي. وعندما أتحدث عن المجتمع العضوي، أتحدث عن واحدة من أهم نتائج اغتيال
التعبيرات والعلاقات المدنية في المجتمع وضرب أشكال الألفة الأهلية التي تسمح
للنسيج المجتمعي بالتماسك وتزرع الأسس السليمة لاقتصاد العنف وكسب طاقات الأشخاص.
لقد أعادنا هذا التحطيم المتعمد للنسيج المجتمعي أولا مع ولوج الرأسمالية الغربية
وثانيا مع نشوء الأشكال الإستبدادية "الحديثة"، أعادنا هذا التحطيم إلى تعزيز
الروابط العضوية العشائرية والجهوية والطائفية على حساب الانتماء المواطني
المشترك.
إن
أي مجتمع عضوي، يقوم بالضرورة على تغليب للبعض على الكل وللطرف على الوسط وللجزء
على الكيان وللخاص على العام وهو يعزز مبدأ تهميش الأغلبية الذي تعتمده السلطة
التسلطية بتذريرها إلى وحدات لها مرجعها الخاص على حساب الوصول إلى تكوين مجتمع
مدني يحكمه قانون عام أساسه الفلسفي والحقوقي، كرامة الإنسان، وليس "التشريع
للظلم والتغطية عليه" باستعارة تعبير منصف.
لن
يجد من ينتظر من هذا التقديم تلخيصا لهذا العمل مبتغاه، فالعديد من أفكار هذا
الكتاب تشكل نويات لمؤلفات ضرورية. ومن الصعب اختزال كلمات معجونة بالألم والمعاناة
اليومية. إن صداقتنا التي كانت وتبقى ابنة شفافية منهجية عالية ونقد متطلب للذات
ومراجعة مستمرة للممارسة تقسو على الكائن الرقيق المختبئ وراء المقاوم الكبير
والمناضل العنيد، وتحصنا جميعا للتفاعل النقدي والخلاق مع هذا الكائن الذي لا يقف
بضعف إلا أمام نقد موضوعي يطالب به أو بسمة طفل. فخارج البعد الذي فرضته السلطة
التعسفية على منصف المرزوقي أثناء كتابة هذه النصوص، لا مكان البتة للتعامل مع
آرائه كضحية، بل كطرف أساسي في مقاومة العسف ووضع عضاضات التغيير الديمقراطي في
تونس والعالم العربي.
في
ظل وضع عربي مأساوي، وهوس أمريكي-صهيوني لم يكن في هذه الدرجة من العنجهية والغطرسة
يوما، يبدو لنا أن محاولة عدم إضاعة الدفة التي تمسك بحبل المقاومة بيد وكرامة
الإنسان باليد الأخرى هي الكفيل بشق الطريق الفكري لعودة إنسانية المضمون عربية
المحتوى، تجمع بين القيم الروحية الكبرى وعقلانية قادرة على إدراك أن الإنسان ليس
مجرد رقم وجسد وموازين قوى، وأن من حقنا اعتبار خروجه من البربرية واجبا مشتركا على
أبناء البشرية اليوم.
هيثم
مناع
مقدمة
الحصاد
المرّ
لا
أشقّ على نفس الكاتب من إعادة قراءة كتاباته خاصة تلك التي مرّ عليها زمن طويل .
وإنها آنذاك المفاجأة المزعجة تتبع
مفاجأة غير سارّة وقلما يخرج المرء بانطباع إيجابي عن مثل هذه ''المغامرة '' إذ
تغمره مشاعر مضطربة من الحنق (كل هذه الأخطاء التي لم انتبه إليها) ومن الاستياء
(هل من الممكن أنني أنا الذي كتبت مثل هذه الرداءات) ومن الحسرة الغبية (آه لو كنت أعرف آنذاك ما أعرفه
اليوم ) .
ومن
منا لم يجرّب مشاعر الخجل والحرج وهو يراجع كتابات المراهقة والشباب وحتى أحيانا
فروض الإنشاء في الثانوي .
وهذا
بالضبط ما عانيت منه وأنا أراجع نصوص
كتبي التي وضعت على موقع الإنترنت إذ لم يكن هناك من مفرّ . فهذه كتب أعيد رقنها
بما يتضمنه الأمر من إضافة أخطاء مطبعية جديدة إلى تلك التي كانت النصوص القديمة
تزخر بها . وهذه بعض نصوص متفرقة كان لا بدّ من جمعها
وتبويبها هكذا غصت طوال الصيف في هذه
الكتابات ازفر من الضيق وأنا تجاه الأخطاء المطبعية كمن يصطاد القمل على جلد كلب قذر الواحدة بعد الأخرى ولا نهاية لأفواج القمل
.
لم أتخلص لحظة واحدة من شعور الإشفاق على هذا المسكين الذي قضى عمره في
كتابة هذه السخافات ومن سخرية
مرّة تطفو على بحر عميق
من نقمة على دهر ظالم لم يتكرّم
بتحقيق ولا واحدة من تنبؤاتي مثل وصول العرب إلى مريخ الديمقراطية أو ولادة الجامعة
العربية للعلوم المستقبلية الخ
ومما
زاد في الطين بلّة أن اغلب هذه الكتب
شهادات على حقبة من تاريخ تونس والأمّة وأن صاحبها جعلها دوما استشرافا للمستقبل بل وإرادة المساهمة في
صنعه ومن ثمة جاءت حافلة بالتحاليل والتكهنات والبرامج والمراهنات
وكنت أسوقها جزافا وها هي الآن
مكتوبة ابيض على اسود تترصدني منذ ذلك الزمان لأواجهها وأواجه نفسي بما اقدر عليه
من الاعتذار والتبرير
.
هكذا
تواجهك نواقص اللغة والأسلوب وجمالية
النص وتواجهك نواقص التفكير فتأتيك حالة من الإحباط تجعلك تفكّر بجدّ في نشر اعتذار
رسمي لكلّ من ضيّعوا وقتهم في قراءتك وإعلان سحب كل كتبك من الأسواق على فرض أن لك
كتب في الأسواق مع إعلام العموم
بإقلاعك التام عن ممارسة الكتابة
والتعبير عن التوبة نهائيا.
كلّ هذا صحيح لأنّك تشعر بحدّة هذه المشاعر
ومع ذلك فإن الأمر أيضا نفاق في نفاق
فهناك جزء من الذات على قناعة بأنك
العبقري الملهم الذي أتى بما لم تستطعه الأوائل وأن الخطأ من اللغة التي لم تتكيف
بالقواعد الجديدة التي سننتها لها ومن الأحداث الظالمة التي أبت إلا معا بثتك
.
يبقى
الرقاص يتأرجح والذات بين إحباط وغرور ولا مخرج لك من هذه الأزمة غير التقرير بأنك
حكم غير
منصف
لا في هذا الاتجاه ولا في نقيضه وأن عليك أن تسلّم هذه النصوص لمن يستطيع الحكم لها
أو عليها أي القارئ الذي من اجله
تكتب الكتب .
ولأن
الكتابة دوما وليدة اللحظة فإنها
شهادة على حالة الذات وحالة العالم
في تلك اللحظة وعبر تتابعها في الزمان تشكل
علامات تمكننا من
رسم تعرجات نهر الزمان بما هو التطور
المستمر لحالتيهما .
و
بالعودة إلى نصوص بدأت نشرها في منتصف السبعينيات يمكنني اليوم أن افهم بأكثر عمق
الماضي وان ازداد وعيا بأسباب الحاضر الذي نعيش .
أبدأ
في محاولة وضع شيء من النظام على الأفكار المضطربة التي ما انفكت تتابع وأنا أعدّ
هذه النصوص للموقع
وأول
فكرة تأتيني هي عبثية الاستشراف المستقبلي فآخر ما كان يخطر ببالي في بداية
الثمانيات ونحن نعايش في تونس موجة من الحرية الفكرية أنني لن أجد ملجأ لكتبي إلا في فضاء افتراضي موجود داخل
وخارج وفوق كل الحدود هو فضاء الإنترنت.
ولا
أدري كيف اصف هذه الحالة . أهي نصر
مبين على الدكتاتورية أم هزيمة نكراء أمام فشل كل محاولة لاجتثاثها ورميها في سلة
مهملات التاريخ العزيزة على الماركسيين .
وهي
موضوعيا هزيمة نكراء فقد أحلت سنة 1987 ثلاث مرات على المحاكمة من
أجل ''دع وطني يستيقظ'' وتفضل النظام
الجديد في بدايته بإطلاق سراح الكتاب ووقف التتبعات ضدّي لكنه لم يلبث أن منع كل
كتبي فحجز بعضها في المطبعة مثل
''الرؤيا الجديدة '' وحتى ''المدخل
إلى الطب'' اختفى من دار النشر التي اختفت بدورها ، وتقدم الأمن اللبناني –بتحريض من السلطة
التونسية –إلى الناشر ليسأله
عن ''الاستقلال الثاني ''الذي نشر لي ببيروت سنة 1996بفضل جهود هيثم مناع وفيوليت
داغر صديقي الأيام بدون خبز والأصدقاء في الكنوز الأدبية. كذلك صدر الإنسان الحرام
في المغرب ولم تدخل منه إلا بضع النسخ المهربة ومات لحظة ولادته بالإهمال وسوء
التوزيع
ومع
ذلك فإنه يمكن القول أن الحالة شكلت نصرا كبيرا فرغم كل المحاولات فشلت الدكتاتورية
في إخماد أصوات الحرية ومنهم صوتي بل يمكن القول أننا الآن في مرحلة الهجوم المضادّ
واكتساح كل المواقع الإعلامية التي
احتلها نظام لم يعد له خطاب أو فكر وفقد بالضربة القاضية معركة العقول .كل هذا بفضل
التقنيات الحديثة التي فقد الاستبداد نظرا لمحليته كل سيطرة عليها نظرا لعالميتها
ولا
أستطيع أن اخفي زهوا طفلانيا لأنني كنت من الأوائل الذين نبهوا في ''دع وطني
يستيقظ'‘ إلى الترتبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للثورة المعلوماتية التي
كانت على أوج قلب العالم رأسا على عقب ويومها تقبل القراء والنقاد بالأمم الأكثر
قراءة نظرية الحضارة الرابعة وفحواها أن الإنسانية لم تعرف إلى الآن إلا أربع
حضارات بالمعنى الواسع للمصطلح وهي الحضارة الأولى التي دامت آلاف القرون (الصيد
والالتقاط) والحضارة الثانية التي دامت عشرات القرون (الزراعة ) والحضارة الثالثة
التي دامت ثلاثة قرون فقط (الصناعة) والرابعة التي انطلقت لتوها (الاتصالات و
المعلومات).وكان الكتاب محاولة لفهم الارتباط الوثيق بين التكنولوجيا والأيديولوجيا
ومحاولة لاستنباط ملامح العالم الجديد الذي فرضته علينا الثورة التكنولوجية الجديدة
وكنت أرى آذاك ولا أزال في هذه الثورة الجديدة فرصتنا الذهبية للحاق بركب الأمم
الأكثر تطورا لأننا لن نكون بحاجة للمرور بكل مراحل الحضارة الصناعية. وكانت الفكرة
المحورية للكتاب أن الديمقراطية هي افرازة طبيعية وضرورية للحضارة الجديدة وبالتالي
فإن حظوظ الاستبداد العربي بما هو السبب الرئيسي في تخلف الوطن و الأمة شبه
منعدمة.
وبالمقارنة
لما توقعت وما حصل يمكن القول بأنني كنت مغاليا في التفاؤل. حقا اكتسحت الثورة
التكنولوجية العالم ووضعت الأنظمة الاستبدادية بكسر المونوبول (الاحتكار)
الإيديولوجي في مأزق تاريخي وانحسرت الدكتاتوريات من أوروبا الشرقية وروسيا وأمريكا
اللاتينية وآسيا وأجزاء كبيرة من إفريقيا ولم تجد لها موقع قدم صلب إلا في بلاد
العرب والمسلمين.
تطرح
هنا القضية المركزية حول وضع المشروع الديمقراطي الذي تجنّدت له النصوص منذ بداية
الثمانينات. هل كانت الكتابة مجرد صرخة في واد أم زرع في أرض خصبة ؟
وثمة
النظرة المتشائمة التي تلاحظ أن الأقدام العربية لم تطأ إلى الآن ارض المريخ، أنّ الاستبداد متواصل ومستفحل ولا أدلّ
على ذلك من ضرورة اللجوء إلى فضاء الإنترنت التي لجأت إليه
النصوص.
وثمة
النظرة المتفائلة التي تلاحظ أننا لم نصل ولكننا في الطريق وكم من إشارات تدلّ على
أننا قطعنا شوطا هاما فها هي الدكتاتورية العربية في مأزق واهتراء وتعفّن في كلّ
مكان ولا بدّ لها من بديل.
ولا
شكّ أن تعثر المشروع الديمقراطي في الوطن العربي عموما وفي تونس بالخصوص ثم توقفه
ثم عودته إلى واقع الستينات هو هاجس جلّ النصوص الفكرية والسياسية فهي في بداية
الثمانيات دعوة ونضال وشهادة على تطور المعركة من اجل حقوق الإنسان بما فيها
الديمقراطية ثم هي ردّ فعل متصاعد العنف على عملية النصب والتزييف التي صادر
بموجبها النظام البوليسي أفكارنا وشعاراتنا وأحلامنا لضرب المشروع الديمقراطي وفي
الأخير هي محاولة لاسترداد المواقع المخسورة وتنظيم الهجوم المضادّ ضدّ أنظمة من
مخلفات ماض ليس فيه نخب كثيرة متعلمة متعطشة للمشاركة في اخذ القرار تتعامل مع
الهوائيات وإنترنت وتربطها شبكات تحالف مع اكبر فاعل في الساحة السياسية الجديدة:
المجتمعات المدنية في العالم أسره. وهكذا جاءت نصوص '' لماذا ستطأ الأقدام العربية
ارض المريخ '' و''دع وطني يستيقظ'' و ''الاستقلال الثاني من اجل الدولة الديمقراطية
العربية الحديثة '' و ''هل نحن أهل للديمقراطية '' و''المقالات السياسية '' كمراحل
في تطور المعركة ضدّ الاستبداد. بشتى
أصنافه.
وبالعودة
إلى النصوص يكتشف المرء بغبطة أن هناك معركة على الأقل ربحت بالضربة القاضية وهي
المعركة ضدّ الأيدلوجيا.
ففي
السبعينيات قل من كان يجرؤ على التعرّض لهذه البعابع الفكرية التي اسمها الماركسية
أو الفرويدية أو الإسلام السياسي أو العلمانية (بمفهومها غير الديني ) فقد كانت
قلاعا محكمة الإغلاق يتقوقع داخلها أناس يؤمنون أن لهم منظومة فكرية سياسية شاملة
جامعة قادرة على تحليل كل مشاكل الإنسانية شعارهم ''كلامنا صواب قد يحتمل بعض الخطأ
وكلام الآخرين خطأ قد يصاحبه أحيانا بعض الصواب ''. وكانت هذه الأدمغة تتصف بوقاحة
منقطعة النظير في التعامل مع الخصم (المتهم دوما بالخيانة أو الإلحاد أو الغباء
)وبوقاحة اعمق مع تعقيد العالم المطالب بالتقولب في البوتقة التي صهرتها مقولات
الأيديولوجيا. وكان وجود الاتحاد السوفيتي ولم يكن ممكنا في تلك الفترة أن تبدو
ذكيا مثقفا عن لم تكن ماركسيا فرويديا علمانيا ملحدا وأنت تتحرك في رحاب الثقافة
الغربية أو قوميا (على طراز ذلك الزمن ) ثم إسلاميا وأنت تتحرك في رحاب الثقافة
العربية الإسلامية.
وأذكر
أن نشر كتاب ''في سجن العقل ، من حلم التحرّر إلى كابوس الاستبداد'' في نهاية
الثمانيات أثار حفيظة كل الأطراف المعنية بهجوم واسع النطاق على آليات التفكير
الأيدلوجي من توهم امتلاك الحقيقة وتوهم قدرة الأيدلوجيا على تغيير واقع لا تعطي
عنه سوى صورة مخيلة بل ومهووسة أحيانا . ودافعت في
هذا الكتاب عن فكرة اشتراك كل الأيديولوجيين في نسق فكري واحد بمسلمات مشابهة
ونهايات مشابهة أهمها الاستبداد فمن يملك الحقيقة لا يملك مناقشتها ولا يسمح لأحد
بذلك ومن ثمة انتهاء كل برامج التحرّر إلى كابوس الاستبداد ودافعت عن فكر مفتوح له
آليات التغيير من الداخل يقبل بان الواقع غير قابل للاحتواء في أي منظومة قارة و
أننا كلنا كعميان الأسطورة الذين طلب منهم وصف الفيل فبدءوا يتحسسونه وقال أحدهم
أنه خرطوم طويل والآخر أنه دعامة عالية والثالث أنه دائرة سميكة الجلد وقلت أن
علينا أن نبني تصورنا معا على تخوم قناعاتنا فتكون الحقيقة ما نصنعه سويا وقد قبلنا
موقع الرؤية الذي يتخذه كل واحد منا.
وآنذاك
ثارت ثائرة العقائديين ضدي ووضعت في منطقة فكرية عازلة تضطرب فيها مشاعر الألم
والعزلة لكن تتوهج فيها مشاعر الكبرياء حيث تزيد العزلة من توهمي بالتفوق الفكري
لأنني تعلمت مثلكم جميعا أن كل نفيس غريب.
كم
يثلج الصدر اليوم أن أرى الماركسيين والفرويديين وقدامى القوميين –الذين
ما زالوا على اعتقاداتهم القديمة –يحدثونك
بكثير من الحرج وتواضع يثير ابتسامة الشماتة المؤدبة. ولا يختلف الأمر كثيرا
بالنسبة لمن اعرف من الإسلاميين وربما تشكل حالة ابن أخت لي احسن دلالة على التغير
الجذري الذي حصل في سيكولوجية العقائديين وقد ارتطموا مثل الجميع بتعقيد العالم
وثورة التكنولوجيا وتسارع التغييرات وعمقها وضرورة التأقلم السريع.فقد بدأ بإهدار
دمي في الثمانينات منبها إياي أن علاقة القربى لن تمنعه من الحسم في عدو من أعداء
الله مثلي – وهذه خاصية سيكولوجية من أهم خصائص العقائديين تلعب عليها كل
الأنظمة الاستبدادية وبموجبها يصبح العقائدي جاسوسا على أمه وأبيه ويقدمهما للمقصلة
حبا وخدمة للحقيقة – وها هو الآن من الطف خلق الله لا يبحث عن شيء قدر بحثه عن نقط
الالتقاء مع الخصم العقائدي. وما من شكّ أن هذه التحولات الجذرية ليست نتيجة تعقل
نبع من داخل الفكر وإنما نتيجة الصفع والركل والدش البارد وسائر أصناف "البهذلة"
التي يقدر عليها عالم يشبه يوما بعد يوما بركانا لا قبل لأحد بفهم نزواته فما بالك
بالتحكّم فيه كما يدّعي هؤلاء المساكين.
وفي
تلك السنوات انخرطت بحماس في التنظير لحقوق الإنسان فصدر في القاهرة سنة 1995 ''
حقوق الإنسان الرؤيا الجديدة '' وهو الكتاب الذي سرق البوليس أفلامه من المطبعة في
تونس سنة 1993 ثم أرفقته بعد سنة بكتاب ''الإنسان الحرام قراءة في الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان'' و صدر في المغرب سنة 1998 بتمويل من الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي
مشكورا و كنت زميله في مكتب المنظمة العربية لحقوق الإنسان.
وبالمراجعة
فإنني لا أجد'' لكتاب حقوق الإنسان الرؤيا الجديدة '' عيبا جديا واكتشف بسرور أنني
في هذا الميدان على الأقل لا زلت متفقا مع نفسي ففي هذا النص حاولت أن أرد على بعض
المتحذلقين الذين يجعلون حقوق الإنسان في واد المقدّس والسياسة في واد المدنّس ولقد
كان رأيي ولا يزال أن حقوق الإنسان سياسة من الألف إلى الياء إنما هي سياسة لها
مرجعية خاصة (الإعلان) ووسائل خاصة (النضال السلمي ) واهداف معينة (الحريات الفردية
والعامة ) وأنه يمكن أن تمارس من ساحة السلطة المضادة مثلما تمارس من ساحة السلطة
بل وأن على مناضلي حقوق الإنسان أن يتوزعوا داخل السلطة وخارجها لتحقيق أهدافهم
والفيصل الحقيقي بين من يواصل النضال داخل السلطة من أجل المبادئ ومن يتنكر لها إذا
وصل إليها وليس بين المناضل السياسي أي الحزبي والمناضل
الحقوقي.
وبقدر
ما اثلج صدري عدم ظهور اعتراضات جدية على ما كتبت منذ عشر سنوات خلت في هذا
الكتاب، بقدر ما تسببت لي مراجعة
''الإنسان الحرام في حالة نفسية بالغة الإزعاج. أتراني أنفقت كل هذا الوقت والجهد
لمحاربة الفكر العقائدي لأعيد صنعه فهذا نص ينضج بشبه إيمان ديني بحقوق الإنسان
كوصفة خلاص وبالمشرع العالمي كنوع من ''السوبرمان ''إن لم يكن نوعا من النبي الجديد
لبشرية هي الإله الذي ''يجب'' على الإنسان الجديد أن يؤمن به. وكم في هذا النص من
حماس وإطلاقية وثقة بالنفس وبالمستقبل السعيد الذي سيرى ''حتما '' ولادة الإنسانية
الجديدة وقد تقدّس فيها الفرد فأصبح إنسانا حراما لأنه الممثل الشرعي والوحيد للجنس
برمته إذ تتبلور في كلّ لحظة كل قداسة الحياة والبشرية.
وما
من شكّ أن هذا التصوّر لا يخلو من أرستقراطية فكرية وربما من بعض الصواب ولكنه يبدو
لي على بعد اقل من خمس سنوات من كتابته مشبعا بهذه الروح العقائدية التي جددت بدون
وعي كل طرق تفكيرها. وهنا راودتني الفكرة بتشذيب الكتاب من بعض المصطلحات والتشابيه
وإدخال بعض النسبية على الأفكار الاطلاقية فهذه العمليات السريعة كافية لجعله
متماشيا مع ما اعتقده اليوم ثم رفضت الفكرة فمن يضمن لي أنني ساكون متفقا مع هذه
الإصلاحات بعد خمس سنوات أخرى ثم لا بدّ للنص أن يكون شاهدا على تطور الذات
وأفكارها وان يبقى وفيا لنفسه لا يغالط القارئ.
لا
غرابة أن اكتب كتابا عقائديا وأنا أحارب الفكر العقائدي منذ ربع قرن وقد تفطن فرويد
للظاهرة بقوله '' لا يمكنك أن تحارب أحدا فترة طويلة دون أن تشبهه ''.وهذه قاعدة
ذهبية وضعتها دوما نصب عينيّ حتى لا أنسى أنني أنا أيضا متشبّع بهذا الذي أحاربه
بكل تصميم : النرجسية
والشخصانية والتعصب والدغمائية والاستبداد .
ولا مجال للسيطرة على كل هذه الضباع ( ولا
أقول التخلص منها ) أي لا مجال للخروج من الهذيان والهوس والضعف والأخطاء التي
تولدها إن لم ننتبه دوما أننا نحمل كل هذا داخلنا وانه ما نتنفس وما نزدرد وان
السيطرة عليها تبدأ بوضعها دوما تحت أضواء الوعي وفصل التصرفات عن المواقف التي
تتحكم فيها.
وأيا
كانت قيمة الكتابات السياسية التي تشكل الجزء الكبر من النصوص فإنها شهادة صادقة
على ما أطنّ على الحالة الفكرية للنخبة التونسية والعربية وموازين القوى أحيانا على
أحداث بالغة الدقة أرجو أن يجد فيها مؤرخو هذه الحقبة من تاريخنا الوطني والقومي
بعض الإرشادات الضرورية لتكوين صورة واضحة عن أخصب وأدقّ مراحل تاريخنا
المعاصر.
فخاصية هذه النصوص أنها لم تكن لمنظّر
يتابع الأحداث عن بعد ولكن لفاعل سياسي عاش كل لحظات المعركة من اجل الاستقلال
الثاني على امتداد هذين العقدين الأخيرين،
عربيا كعضو مجلس أمناء المنظمة العربية لحقوق الإنسان( 1989-1995 )وكرئيس
اللجنة العربية لحقوق الإنسان (1998- 2000 )وتونسيا كرئيس رابطة حقوق الإنسان (1989
- 1994 ) وبصفتي الناطق الرسمي باسم المجلس الوطني للحريات(
1998-2000).
لقد
كانت محاولة تنظير لفاعل سياسي و أداة فعل سياسي لمنظر ومن ثمة جاءت صبغتها الخاصة
ككتابة تحاول تربيع الدائرة أي الجمع
بين العمق النظري وبين تحفيز الخطاب المشحون عاطفة ليكون العمل وتكون
التضحية
وما
من شكّ أن هاته المنهجية مطبوعة بالطابع المهني الذي نشأت عليه فالطب لا يفصل بين
البحث النظري وبين العمل والطبيب الناجح من لا يقضي العمر بين تحسين عمله بالبحث
النظري وتحسين بحثه النظري بالانغماس في الواقع.
وكانت
تلك القاعدة الذهبية التي اتبعتها داخل الطب نفسه طيلة عقدين وأنا اشرف على تجربة
الطب الجماعي في الضواحي الفقيرة لمدينة سوسة.
ومن
بحث نظري مكثف تدعمه وتصلحه التجربة الميدانية ولد بعد عشر سنوات ''المدخل إلى الطب
المندمج '' أردته مشبعا بأحدث النظريات والمعلومات ومكتوبا في نفس الوقت بلغة
الضادّ وجاءت جائزة المؤتمر الطبي العربي سنة 1989 لتدفع بي إلى تصور مشروع طموح
أسميته المكتبة الرازية في الطب وهدفه إثراء المكتبة الطبية بعشرة كتب تثبت جدارة
العربية في التعامل مع كل ميادين الطب الاجتماعي وفي جلسة مهيبة في القسم سنة 1991
وزّعت على مساعدي عناوين وموضوعات الكتب مع تحديد مهلة زمنية لا تتجاوز الخمس سنوات
وبدأ العمل في المشروع الجماعي الضخم..
لكن
النظام البوليسي الذي لا يرضى بغير التصحر العلمي والثقافي كان له برنامج آخر.
فقد اختفت الألف نسخة من المدخل وحل
وزير الصحة الهادي مهنّي القسم نفس
السنة وفرق مساعدي ثم تمّ طردي نهائيا من الكلية سنة 2000.
وثمة شيء لا يمكن أن اغفره للنظام البوليسي
بصفة عامة و لهذا الوزير بصفة خاصّة. ففي سنة 1995 استطعت أن احصل للكلية بوسائلي
الخاصّة على ما يقارب المائتي ألف دينار من السوق الأوروبية لبحث ميداني بالغ
الأهمية عن عوامل تسبب الإصابة بالأمراض الشريانية وكنت من الأوائل الذين نبهوا في
بداية الثمانينات إلى خطورة هذه الأمراض في البلدان الناشئة بينما كان الاعتقاد
سائدا أنها من مميزات البلدان الغنية. وتقدّم العمل شوطا بعيدا بالتعاون مع زملائي
في جامعة'' انفرز'' ببلجيكا لكن الوزير فضّل إلغاء المشروع برمّته حتى لا يقال أنني
المسؤول عنه. فكتبت للرجل رسالة سأنشرها يوما لأقول له أنني انسحب من البرنامج ولا
اطلب شيئا لكنني أترجاه أن لا يلغي المشروع ففيه منفعة كبيرة لتونس لأنه سيمكننا من
إرساء سياسة وقائية على قواعد علمية
متينة فنوفر على البلاد آلاف حالات الذبحة الصدرية والشلل النصفي وعلى
العباد والعائلات ما لا يحصى من الكوارث . لكن الرجل تجاهل رسالتي وألغي المشروع
ويقال أن البلجيكيين اخذوا الفكرة والمشروع ونفذوه بنفس الاعتمادات في بلد آخر. فهل
من وصف لعمل كهذا وكيف لا يأتيني الإحباط وأنا أرى الوزارة تطردني بعد سنوات
متواصلة من اضطهاد بالغ الخساسة فلا يحرك زميل أو تلميذ
ساكنا.
وان
يقيم تلميذ بلجيكي الدنيا ويقعدها تعريفا بما أتعرض إليه من اضطهاد وأن يجمع زملاء
فرنسيين كتاباتي الطبية
الصادرة بالفرنسية ليدرسوها في أقسامهم وينشرونها قريبا في كتاب وأخيرا أن
تستضيفني كلية الطب بباريس للتدريس بانتظار يوم تعود فيه الحرية لتونس وأعود فيها
لجامعتي.
وقد
تكون قصتي عينة عمّا يعانيه المثقفون والعلماء العرب وهم بين استقالة وهجرة في ظلّ
أنظمة تسلطية ثمن بقائها القمع والرقابة أي التصحّر الفكري والعلمي
والفني.
وربما
يجد فيها البعض نموذجا كاريكاتوريا يفسر عقم الأمة وهي تكفل بمصيرها إلى أناس لا هم
لهم سوى لجم طاقاتها وتبذير ثراواتها وتهجير أدمغتها لأن كل هذا ثمن بقائهم في سدة
السلطة.
ونحن
في عصر التخصص ولا يمكن لأطباء أن يحملوك على محمل الجد وأنت تكتب الأدب والفلسفة.
ولا يمكن لرجال سياسة أن يحملوك على محمل الجدّ وأنت تفكر في مواضيع فلسفية وتبحث
في الطب.
ولا
زال خوف أصدقائي أن يحملني الجميع على أنني إنسان مذبذب غير مستقرّ على حال لا يعرف
ما يريد ويخبط خبط عشواء في كل ميدان
وثمة خيط رفيع يعطي لمساري الفكري وحدة
صماء وهو أنني لم اكتب يوما حرفا حتى في الطب إلا وكان تفاعلا مع إشكاليات ملحة و
بحثا لها عن حلول. وكانت المشاكل بحكم مهنتي وظروفي من مستويات مختلفة ولم يكن
بإمكان تفكير منطقي يرى الترابط في مختلف المستويات أن يكتفي بالتفكير أو التعامل
مع الظواهر المعزولة أو مع جزء من معادلة.
ولا شكّ أنني حاولت أن أكون نقيض التقني
المتخصّص ونقيض مثقف البرج العاجي.فقد أدرت الظهر باكرا للنموذجين السائدين محاولا بلورة نموذج
آخر لمثقف مختص في ميدان وملتزم بقضايا محيطه ومتفتح على كل ميادين الثقافة من فكر
وأدب وموسيقى لا كترف وإنما كجزء لا يتجزّأ من تفعيل مهارته كمختص و كملتزم
.
وكم يكلف هذا النموذج من كفاح مرير وأنا
اليوم كسباح يجاهد حتى لا يغرق في خضم بحر متلاطم الأمواج من الإشكاليات والمنهجيات
ومعارف تتطور كخلايا السرطان.
*
وفي
آخر المطاف يطرح السؤال عن قيمة كل هذا الجهد وهل هو عبث في عبث وهل كان من الأجدى
تمضية أجمل سنوات الحياة في ما هو أنفع للفتى. وبالطبع فإن فحوى هذا الشدّ والجذب
داخل الذات هو سؤال يتعلق بقرار بالغ الخطورة: أواصل أو لا
أواصل.
وربما أكون قد تجاوزت كل الخطوط الحمر التي
تجعل من عدم المواصلة عملية انتحارية واخطر بكثير من
المواصلة.
ومن ثمة يجب إعادة التساؤل كالتالي: ترى هل
كنت أقدم على الكتابة لو علمت أنها ستبقى بعد ربع قرن لاجئة، مشردة، أن السوق العربية للكتاب ستكون
مجزّأة، مغلقة ومحاصرة، أن القراءة ستصبح ظاهرة
فولكلورية، أن الدكتاتورية ستبقى
مهيمنة، أن البوليس السري سيواصل تتبعي حتى وأنا أتمشى على الشاطئ لاستنشق نسيم
البحر، أنني سأحرم حق العمل وحق السفر وحق الاتصال ناهيك عن
كل حقوقي السياسية وأخيرا أنني سأضطر إلى ما حاولت جاهدا تفاديه على امتداد ربع قرن
: المنفى.
وثمة
طريقة ملتوية لطرح نفس السؤال:هل تنصح شابا يتوهج حماسا بأن يقبل بربع قرن من
التضحيات قربانا للكتابة ؟
وهنا
اشعر بقوّة خارقة تدفعني للصراخ في هذا الشاب الذي كنته وهذا الشاب الذي أتصور له
آلاف الوجوه في وطننا المنكوب: نعم نعم إن الكتابة تستأهل كل
التضحيات.
ولم
هذا ؟ وثمة بالطبع الأسباب المبتذلة التي تتحدث عن الشهرة وعن المال وعن الخلود لكن
الكتابة ضرورية لسبب أعمق وأخطر .
أنظر إلى تونس. وقد لا يوجد بلد يتطلب منا
الكتابة قدر هذا البلد ففيه جعل
نظام الحكم من تزييف
المصطلحات واللغة والمفاهيم وقلبها رأسا على عقب خطّا سياسيا
ثابتا.
هكذا اصبح كل مواطن يفهم كلمة
الديمقراطية على أنها تعني
الدكتاتورية ودولة القانون دولة الأشخاص
واستقلال القضاء استغلاله الخ . ومعنى هذا أن الدكتاتورية بما هي تغطية على
الواقع ومسخ له قد خطت خطوة جديدة في تدنيس الوعي بتنظيم البلبلة وبث الفوضى
الفكرية والأخلاقية من ثمة تصبح الكتابة ضرورة وطنية لفضح التزييف وإعادة الاعتبار
للكلمات والمفاهيم واللغة لتنضيب معالم الطريق أمام الناس.
وهنا تبرز الوظيفة الأساسية للكتابة بما هي
حرب متواصلة لبناء ما تدمره قوى الهدم.
إن
هذه المقالات التي كتبت على امتداد العشرية الأخيرة للقرن الراحل وفي بداية القرن
الجديد شهادات على واقع الصراع المرير ضدّ الاستبداد العربي المتواصل منذ بداية
تاريخنا وهي محاولة لفهمه وإصرار عنيد على محاربته واستشراف
البدائل.
هي
ككل الكتابات التي تصدر على امتداد الوطن العربي، جزء من وعي أمة وصلت إلى مفترق
طريق من أهم ما اعترضها طوال مسيرتها من تقاطعات الطرق. هي وليدة الأزمة والمعاناة
التي أصبحت شعوبها ونخبها
تضج
بها. هي أيضا محاولة من بين المحاولات لإضاءة الطريق.
وقد لا أجانب الصواب كثيرا إن قلت أنها
تكتبني أكثر مما أكتبها لشدة شعوري بأنني لا أعبر عن آراء شخصية وأحلام ذاتية بقدر
ما أنا صدى لصراخ أمة تريد نهاية الاستبداد وتخطط لاحتلال مكانها الطبيعي بين الأمم
الحرة التي نجحت ما أخفقت إلى حدّ الآن في تحقيقه.
وأيّا
كان الفضاء الذي تتحرّك فيه الكتابة فإنها تبقى في آخر المطاف واحدة في
مضمونها.
إنها
الشكل الأسمى للمقاومة سواء قاومت الاستبداد السياسي أو المرض أو شبح الموت. إن لها
وظيفة أعمق من هذا كله فهي التي تقاوم ما يسميه الغربيون ''الكاووس ''
وهو
مصطلح لا نملك له إلا مرادفا ضعيفا بالعربية هو الفوضى لكننا هنا أمام فوضى ما قبل
الفوضى أو الفوضى الأصلية التي تنطلق منها كل عمليات إضفاء الشكل والنظام
والمعنى.
وليس لنا نحن الآدميين من سلاح أمضى
لمحاربة'' الكاووس '' في شتى مستوياته غير المعنى ولا نعتصره إلا من الكتابة
الصادقة نخطئ بها ونصيب نقلل
من الفوضى ونضيف إليها أحيانا.
والثابت
أنّ هناك اليوم غليان داخل الوجدان و العقل العربي أمام ''الكاووس'' الذي تعيشه كل
شعوب الأمة والدمار الذي ألحقته أنظمة سياسية فاقدة الهيبة فاقدة الشرعية بكرامتها
وحقوقها ومصالحها.
إنه غليان يبحث في أسباب معاناتنا كأمة
وكشعوب وكبشر ويبحث بالخصوص عن إستراتيجيات التجاوز وتبقى حدّته وتوسعه الضامن
الكبير لتواصل الحياة في عروقنا وقديما قال المؤرخ الكبير توينبي أن التحدّي هو أول
محرّك لنهضة الأمم والحضارات ونحن اليوم على أتم الوعي بخطورة ما نواجه من
تحدّيات.
ولم
يعد هناك اليوم منقذ ونظرية معصومة تنقذنا. نحن مطالبون بأن ننقذ بعضنا من بعض، أن
ننقذ أنفسنا من أنفسنا، أن ننقذ الوطن من المنقذين، أن ننقذ الوطن
سويا.
وليس
هناك من مشروع جدي لإنقاذ الوطن والأمة دون محاسبة عسيرة مع النفس لنفهم أين أخطأنا
الطريق، لنقيم نتائج هذه الإيديولوجيات الجميلة التي تعلقنا بها في شبابنا وقاتلنا
من أجلها وكم منا من أضاع في الدفاع عنها عمر قصيرا، كل هذا حتى نستطيع أن نبني فوق
الخراب الحالي صرحا جديدا يستظل به الأبناء والأحفاد لأنه لا خيار لنا غير أن نحقق
التواصل والتجدد حتى لا نبقى الأمة التي ضحكت من جهلها الأمم وبكت من عجزها
الهمم.
المنفى 16/6/2002
الجزء
الأول
شعوب
بدون سيادة، دول بدون شرعية ، مواطنون بدون كرامة
جنين
أو آخر مراحل تفسّخ الأمة
لا
أجزم بالغيب ولا أقرأ البخت في اليد ولا أعرف ما الذي سيحدث غدا فما بالك بما سيجري
طيلة القرن ولكن ثمة إشارات متعدّدة تصبّ في نفس الاتجاه تجعلني أقول أنه إذا كان
القرن الثامن عشر قرن الثورة الأمريكية والفرنسية والقرن التاسع عشر قرن الثورة
اليابانية والقرن العشرين قرن الثورة الروسية والصينية فإن القرن الواحد والعشرين
سيكون قرن الثورة العربية.
فلو تأملنا في الأسباب التي ولدت كل
الثورات في الماضي لاكتشفنا وراءها قاسما مشتركا هو أن أمة كبيرة وجدت نفسها أسفل
درك ولا خيار أمامها سوى أن تنهض أو أن تنقرض.
وأمتنا
اليوم في مثل هذه المفترق.
هي
اليوم أمة لا حول لها ولا قوّة أبناؤها ''مواطنين'' بلا كرامة و شعوبها فاقدة
السيادة في الداخل والاستقلال في الخارج
فشلت
طوال القرن الماضي كل مشاريعها الكبرى للتحرّر والتقدّم.
هي أمة تدرك أنها تعاني مما تعاني ليس
نتيجة ما تمارسه عليها القوى الكبرى من ضغوطات وإنما لعجزها عن مواجهات هده
التحدّيات بفعل قصور هيكلي دائم لا علاج له إلا البتر لنظامها السياسي.
والقانون
في كل هذه الثورات أنها بدأت بتغيير جذري في النظام السياسي بعد أن أتضح أن البلاء
منه وأن الخيار أصبح بين موت الأمة أو موت نظامها السياسي البالي
والمتعفّن.
إنّ
جنين اليوم هي النقطة القصوى في مسار تعمّق أزمتها الاقتصادية والعلمية والسياسية
والنفسية والأخلاقية.
فلو كانت الأمة ذات شأن في كلّ هذه
الميادين لما وقعت المذبحة وكل ما سبقها من تقتيل الشعب الفلسطيني وهي مكتوفة
الأيدي لا تستطيع إلا إظهار عمق عجزها المخزي
وثمة فكرة سطحية عاش جيلي عليها وهي أن
العرب سيحررون فلسطين والحال أن العكس هو الذي سيحصل أي أن فلسطين هي التي ستحرّر
العرب.
وقد يؤرّخ المؤرخون بداية الثورة العربية
بالانتفاضتين الأولى وخاصة الثانية فلأوّل مرّة يتحرّك المارد الذي خلناه قد مات
وانتهى أي الشارع العربي.
ولأوّل
مرّة منذ معارك الاستقلال الأول يخرج الشارع بمثل هذه الكثافة لا للاحتجاج على
المستبدّ الأجنبي لكن للاحتجاج على المستبدّ المحلي وما فعله بكرامة ومصالح الشعوب
والأمة وقد أتضح عمق العجز والتواطؤ مع من يذبحون اخوتنا في
فلسطين.
ومن
الشعارات المعبرة التي رفعت ''أسد عليّ وفي الحروب نعامة '' ويا لها من مقولة بليغة
تلخص في جملة الصراع الدائر بين أنظمة استأسدت على شعوبها ونكست أعلامها أمام غطرسة
العدوّ.
وقد
سارعت الأنظمة كما هو معتاد بجيوشها البوليسية لقمع الشارع وأحيانا لامتصاص غضبه
بقيادة مظاهراته فلم تفلح في الحالتين لإخفاء ما أصبح جليا حتى للأعمى ألا وهي أن
الشعوب العربية ربطت لأول مرّة بين عجزها ولا شرعيتها
الانهيار
والحق يقال أن هذه الإشكالية الكبرى كانت
دوما حاضرة في الوعي الجماعي لكنها بقيت محصورة داخل النخب، وها هي أحداث شهري مارس
وأبريل تلعب دور الكاشف لموقف بالغ العمق والقوة داخل الضمير الجماعي يتلخص في كون
الأنظمة الحالية غير جديرة بالتحدث باسمنا وليس لها الحق في قيادة
الأمة.
وكيف
تكون الأمور مختلفة والحال عما هو عليه.
لنتصور
الرئيس العربي بصدد التفاوض مع رئيس الإدارة الأمريكية للضغط عليه حتى يجبر إسرائيل
على الانسحاب من الأراضي المحتلة.
لنلاحظ مبدئيا أن هذا أقصى ما يقدر عليه
زعيمنا الهمام فهو ضيع كل فرص التمكن من أسباب القوّة التي كانت تسمح بفرض شروطه هو
على إسرائيل وليس التذلل إلى الرئيس الأمريكي ليتدخل وإنقاذ وضع بالغ
التدهور.
السؤال الآن هو: ما وزن هذا الزعيم العربي
وهو بحضرة ''نظيره الأمريكي''؟
إن القضية لا تتلخص فقط في الفارق الهائل
بين دولة هذا ودولة ذاك وإنما تذهب إلى أبعد وأعمق.
فالرئيس الأمريكي يعرف أصدق المعرفة أن هذا
الذي يحدثه عن مصالح شعبه هو في أحسن الأحوال زعيم عصبة وفي أسوأها زعيم عصابة. وهو
يعلم أن الصك الذي يخوله الحديث باسم شعبه مزيف من الألف إلى الياء فهو قد افتكّ
بالضغط والإرهاب والتزييف وهو يعلم كم سرق هذا الزعيم من أموال شعبه لأن المخابرات
تركّز أبحاثها على هذه النقطة التي تسمح لها بالتحكّم فيمن يدّعي
الاستقلالية.
والأخطر من هذا كلّه أن الرئيس الأوروبي أو
الأمريكي الذي يتحدّث من موقع الشرعية- حتى وأن كان التفويض لا يتجاوز 51% من أصوات
الناخبين - يعلم أصدق العلم أن هذا الموجود أمامه مدين بمنصبه له هو لا غير وللدعم
السياسي والعسكري والمالي والمخابراتي الذي يغدقه عليه. فمن أين للرئيس العربي إذن
أن يؤثُر أو أن يضغط؟
وما من شكّ اليوم أن غياب الشرعية لا يضعف
المجتمع العربي داخليا فحسب- بما يستنزف من جهد وطاقات لتثبيت الوضع أو لقلبه-
وإنما هو السبب الأكبر في عجزنا على الساحة الدولية.
وما
من شكّ أن قضية شرعية الأنظمة التي تحكمنا هي قضية مركزية في تاريخنا منذ سقيفة بني
ساعدة وأننا لا زلنا إلى اليوم نبحث لها عن حلّ وأننا لم نحده رغم ما كلفنا الأمر
من نزيف هائل للدم والطاقات ووقفها على صراع استهلك جل قوانا ولم يترك لنا إلا
النزر القليل للخلق والإبداع
لنعرف
الشرعية في البداية على أنها علاقة بين الحاكم والمحكوم يقبل من خلالها الثاني بحق
الأول في التحدث باسمه والسهر على الشأن العام وذلك في إطار وفاق سلمي يحترم الحقوق
المشروعة للطرفين.
وثمة قانون يربط عكسيا بين الشرعية والعنف
السياسي داخل المجتمع فكلما تعاظمت الشرعية قلّ العنف وكلما تزايد هذا الأخير كلما
كان دليلا على تناقص الشرعية أو انهيارها،
ومن نافل القول أن العنف ليس فقط الانفجار
في الشارع والركون إلى أشكال التمرّد الأخرى وإنما هو جملة مؤشراته الأخرى التي
يمكننا وصفها بالباردة مثل عدد أفراد الشرطة السياسية وعدد المساجين السياسيين وعدد
المحاكمات الجائرة وعدد الموت تحت التعذيب وعدد اللاجئين
السياسيين.
ولو نظرنا للأمر من هذه الزاوية لاكتشفنا
عمق اللاشرعية التي تعاني منها الأنظمة العربية ولا غرابة في هذا فهي اليوم كهرم
موضوع على رأسه أو كشجرة دون جذور.
وثمة
نقاش قديم في الفلسفة والعلوم السياسية حول طبيعة الشرعية التي تحكم الأنظمة
بموجبها. وفي هذا الصدد نجد موقفا كموقف الفيلسوف ''سبينوزا'' الذي يدعي أن الأنظمة
تستقي شرعيتها من مجودها أي من القوّة وليست بحاجة إلى شيء آخر. ولو كان هذا الموقف
صحيحا لما رأينا كل الأنظمة تبحث عبر التاريخ عن غطاء ايدولوجي يسمح لها بالتواصل
في الحكم ذلك أنها تعرف مقولة الفيلسوف الصيني لاوتسو''تستطيع أن تغزو مملكة من على
صهوة الحصان لكنك لا تستطيع أن تدير شؤونها من على هذه الصهوة. فالقول بأن القوّة
تكفي وحدها لإضفاء الشرعية تعني أن السلطة تقرّ مسبقا بحق العنف في اجتثاثها وتقرّ
مسبقا بأنها موجودة بالرغم من الناس وتقبل مسبقا بالعيش في حالة تأهب دائم واستعداد
للحرب.
وإنه
لوضع صعب الاحتمال حتى بالنسبة لأعتى الطغاة لذلك يصبح اكتساب رضا الأغلبية المشروع
الأول لأي نظام سياسي يسعى للدوام.
والإشكالية الكبرى أمام أنظمتنا اليوم أنها
لا تستطيع الاعتماد على أي من مصادر الشرعية المعروفة أو بالأحرى أنها فشلت فشلا
ذريعا في التجذّر في أي منها.
إن
أول هده المصادر هي الشرعية التاريخية وترتكز على الماضي المجيد الذي اكتسبته
السلطة طوال فترة هامة من التاريخ شهدت انتصاب الدولة.
وتستند
بعض الأنظمة الملكية القديمة مثل النظام الأردني أو المغربي على مثل هذه الشرعية غير واعية أنها لم
تعد تكفي وفي نفس السياق يمكن القول أن أنظمة ''جمهورية '' تدعي أيضا هذا النوع من الشرعية مثلما هو الحال
في تونس أو الجزائر وذلك استنادا لما قدّمه حزب الدولة الجديدة من تضحيات إبان
معركة الاستقلال الأول.
إن
العيب في مثل هذا الادعاء هو أن الأجيال التي قدمت مثل هذه التضحيات قد انقرضت أما
من خلفها فهو لم يفي هذا متعة السلطة دون تقديم أي مقابل.
أما
المصدر الثاني للشرعية فهو التفويض الديمقراطي كما تعرفه بلدان عديدة مثل الهند
والسنغال ومالي وجزيرة مويشيوس وأغلب بلدان أمريكا
اللاتينية.
ومن
نافل القول أن مثل هذا التفويض يمرّ إجباريا بانتخابات حرة ونزيهة تسبقها حياة
ديمقراطية تتمثل في حرية الرأي والتعبير وحرية التنظم واستقلال
القضاء.
إن تاريخ أنظمتنا هو تاريخ التصدي للشرعية
الديمقراطية أو التحايل عليها وتزييفها وأحسن نموذج على هذه الاستراتيجية وفشلها هو
النظام التونسي الذي اعتقد أن بإمكانه إفراغ الديمقراطية من محتواها الحقيقي بتزييف
مظاهرها الخارجية وتقليدها.
والثابت
اليوم أن كل الأنظمة عاجزة عن استصدار تفويض ديمقراطي وبناء شرعيتها عليه لأنها
تدرك أصدق الإدراك أن الشعب سيلفظها في أول انتخاب حرّ لما ارتكبته من مظالم وأظهرت
من عجز ومن فساد.
وثمة
أخيرا ما يمكن تسميته بالشرعية عبر المشروع.
وفي
إطار هذا السيناريو يستولي الحاكم العربي على السلطة من صهوة الدبابة ثم يبدأ
بالبحث عن الشرعية عبر محاولة ترجمة أهداف الأمة ومطامحها آملا في توسع القبول
والرضا بنجاحه المطّرد في تحقيق المشروع.
إن
ما تعيشه الأمة من تمزّق وعجز وإذلال وصل ذروته في جنين أن المشاريع الأربعة التي
حاولت أنظمتنا بناء شرعيتها عليها قد انهارت جملة وتفصيلا.
وفي جنين انهار نهائيا مشروع الشرعية
بالوحدة العربية الإسمية الذي حاولت أنظمة مثل النظام السوري أو العراقي أو الليبي
تبرير وجودها به.
والحق أن هذا المشروع انهار برمته منذ عقود
لكن عمق تفسخه لم يبن للأعين للشارع العربي و إلا هو يرى الأنظمة ومن جملتها
الوحدوية تفضح عجزها وتشتتها وتفاهتها.
أليس
من المعبر أن الجهاز الجماعي الوحيد الذي يعمل بنجاعة هو مجلس وزراء الداخلية العرب
أي أجهزة القمع الموجهة ضدّ الشعوب في حين بقي الدفاع المشترك والقرار السياسي
المشترك والتنمية المشتركة أضغاث أحلام؟
وفي
جنين تبين عمق تفسخ وانهيار مشروع تحرير الأمة من الإمبريالية والصهيونية ومؤتمر
الحضيض المنعقد في بيروت لا يقدم سوى آخر مبادرات الاستسلام بعد أن عجزت الأنظمة
طوال نصف قرن عن فرض السلام العادل.
وفي
جنين تبين عمق تفسخ وانهيار مشروع الديمقراطية والكرامة وحرية الشعب وقد أطلقت
الأنظمة جيوشها البوليسية على المواطنين في الشوارع بعد أن تملكها الرعب من هذا
المارد النائم بعين واحدة التي لا تخشى شيئا قدر خشية صحوته.
وفي
جنين أيضا أتضح فشل مشروع التحديث والتصنيع ورفع مستوى الشعوب والفلسطينيون يبيتون
على الطوى شأنهم في هذا شأن أمة معدل
نموها اليوم صفر في المائة ونسبة البطالة %35 ومعدل المديونية من أكبر معدلات العالم ومئات الملايير من
الدولارات من الأسلحة الصدئة تشهد بعمق التبذير واللامسؤولية وقلة الخبرة
والكفاءة اللهم إلا في ميدان البوليس
والتجسس على المواطنين وقمعهم.
العدوّ
الحقيقي
لو
عدنا للقاسم المشترك بين كل الأنظمة لاكتشفنا أنها لا تتفق إلا على شيء واحد وهو
أنها ترمز للوطن وتمثله دون حاجة لتكليف المغيب الكبير أي المواطن
العربي.
وما من شكّ أن هذا التغييب هو العنصر
الأساسي في الفشل حتى بالنسبة لنظام كالذي جاء به جمال عبد الناصر في الخمسينيات
فقد مثلت الناصرية النموذج الأمثل للشرعية عبر المشروع واستطاع خالد الذكر أن يفوز
برضا الشعوب العربية وتعاطفها معه إلى أن أخفق هو الآخر بدوره إذ تلاشت أحلام
الوحدة وذهبت حرب الاستقلال من الإمبريالية والصهيونية أدراج الرياح وتبخر حلم
التصنيع والتقدم الاقتصادي ولم يعد لأي مصري أو عربي أدنى وهم حول خواء شعارات
الحرية والكرامة.
كل هذا لأن عبد الناصر هو الآخر لم يقبل
بأخطار الحرية وفضل عليها انضباط المجتمع ولو تطلب الأمر أن تحكمه المخابرات، كل
هذا لأن مواطنيته كانت أقلّ بكثير من وطنيته، كلّ هذا لأنه لم يفهم أن الوطن لا
يكون كبيرا بمواطنين صغار، صغرّهم الخوف من المخبر وصغرهم تزييف إرادتهم عبر
انتخابات الزور والبهتان.
يبقى
أن عبد الناصر كان صادق النية وهو ما يجعل الضمير الجماعي للأمة يغفر له أخطاؤه
لكننا لا نستطيع أن نقول نفس الشيء عن الأنظمة التي تعاقبت منذ نصف قرن فهي لم تفعل
شيئا ولم تقدم أدنى تضحية ولم تتكلف حتى عناء إعطاء أدنى صبغة جدية لمشاريعها وإنما
بقيت تجاهد من البداية على النهاية للتشبث بالسلطة وقد أصبح هذا الأمر هاجسها
الأوحد والمبرر الحقيقي لوجودها والمحكّ الرئيسي لسياستها في الداخل
والخارج.
ها نحن اليوم نعاني من انهيار المشاريع
التي تكلفت بها. لم تتحقق الوحدة بل تفككت البلدان التي تحكمها الأنظمة الوحدوية
سواء على سطح الأرض أو في العقول والقلوب وكذلك لم يتحقق الاستقلال الثاني وتعمقت
تبعيتنا لا للإمبريالية فقط وإنما للصهيونية ذاتها ولم يتحقق الإقلاع الاقتصادي بل
تعمق الفقر واستشرى بعد أن بذرت مواردنا في سلاح لم يوجه غلا لصدورنا ولم تتحقق
أحلام الكرامة إذ أصبحت أثقل ملفات انتهاك حقوق الإنسان في العالم عند المنظمات
الإنسانية الكبرى مثل منظمة العفو الدولية هي ملفات العرب.
تأتي جنين لتتوج كل هذا الفشل بتلّ من
الأجساد التي تصرخ كلها صامتة بإدانة النظام العربي الفاسد الذي تسبب في المجزرة:
نظام الاستبداد، الاستبداد بالرأي والقرار، الاستبداد بالمواطن، الاستبداد
بالوطن.
وثمة قاعدة في التاريخ تجعل الرقاص ينطلق
في اتجاه إلى أن يبلغ أقصاه ثم هو يتوقف لحظة ليعاود الانطلاق في الاتجاه المعاكس
والتاريخ بحر فيه مدّ وجزر والدول تولد في العقول والقلوب سنينا وأحيانا عقودا قبل
أن تولد في الهياكل وفي السلطات.بنفس الكيفية تموت الدول والأنظمة في العقول وفي
القلوب قبل أن تنهار كمؤسسات وكهياكل سلطة وتسلّط.وفي شوارعنا العربية يضرب البوليس
بهراوات ثقيلة شبابنا لتجرح وتقتل لكنها هراوات وبنادق ترفعها'' روبوات '' وتحركها
أشباح ماتت وهي لا تعرف أنها ماتت.
وطيلة هذا الشهر سارت في شوارع المدن
العربية مواكب تشييع جنازة الأشباح بعد أن فقدوا كل شيء وخاصة الشرف وفي نفس الوقت
الذي كانت الأمة تشيع في فلسطين جنازة شهداء تحرر فلسطين من الاحتلال الخارجي وتحرر
العرب من الاحتلال الداخلي.
وفي هذه الأيام التاريخية التي نعيشها
يتزايد نضج البدائل التي ولدت من آلامنا تصنع ملامح مستقبل سيعود فيها للأمة مجدها
وللشعوب سيادتها وللأنظمة شرعيتها وللمواطنين كرامتهم.
رحم
الله شهداء جنين وكل فلسطين وشكرا لهم لأنهم أعطوا لكل حاكم عربي حجمه الحقيقي
ووضعوا كل محكوم عربي أمام مسؤولياته.
***
الجملكية
أو آخر مراحل تفسّخ النظام السياسي العربي
مما
أذكره
أنني مازحت صديقا لي بعد أولى الانتخابات التاسعة والتسعينية لبن علي عام 1989
بقولي أنني أصبحت من أنصار الملكية فهذا نظام يوفر علينا على الأقلّ هذه المهازل
التي تصرف فيها أموال الشعب لإهانة ذكائه وتزييف إرادته ومصادرة
حقوقه.
ضحك
الرجل وقال لي لو عرضت الفكرة لأصبحت من أقرب المقربين لبن علي فاستعذت بالله وقلت
له أنني أقصد رجوع حكم ''الباي'' محمد الأمين باشا الذي خلعه بورقيبة سنة 1957
واقترحت عليه أن نقصد مطعما شعبيا تديره حفيدة الملك المخلوع وهي آخر ما تبقي من
السلالة الملكية فنخطبها لعرش تونس ونشكل أول حزب ملكي في
البلاد.
وبعد يومين عجت المدينة بشائعات كثيفة حول
نية المعارضة بالمطالبة بعودة النظام الملكي فصدق البعض وآثر آخرون أن ينسبوا
لأنفسهم هذه الدعابة المريرة التي تظهر ما آلت إليه أحلام آباؤنا حول نظام يعبر عن
آمال الجماهير ويخدم مصالحها ويستقي وجوده وشرعيته من تجدد الثقة بينه
وبينها.
وكانت
هذه الانتخابات مجرد مرحلة في مسار الانحدار المتواصل للأحلام والقيم والمؤسسات
التي بني عليها مشروع الجمهورية في تونس وفي أكثر من قطر عربي وكان الرهان يومها
أننا سنحرر الإنسان العربي يوم نحرره من الملوك الطغاة وأنظمة مهترئة عفا عليها
الزمن فوضعنا أنظمة جعلتنا نتحسر على الملكيات رغم ما فيها من موبقات ونشاهد
استتباب نظام لا علاقة له لا بالجمهورية ولا بالملكية وإنما هو نظام مسخ سماه البعض
الجملكية.
ويوم
26 ماي 2002 عرفت تونس المقموعة انتصاب النظام الجملكي وهو نظام يزحف من الشرق
العربي نحو بلدان المغرب كما تزحف الثعابين والأنواء وسحب الإشعاعات وكما تتوسع
الأزمات السياسية والاقتصادية.
وربما حدّد المؤرخون بداية ا لظاهرة ومكان
انطلاقها الحقيقي أحسن مما أفعل. لكن الفرضية التي أتقدم بها إليهم لينطلقوا منها
نقدا ومراجعة أن الجملكية انتصبت أول مرّة في عراق سبعينيات القرن العشرين مع صدام
حسين ونقلها عنه حافظ الأسد في نفس الفترة في سوريا ثم انتشر الوباء جنوبا حيث
أعلنت في اليمن ثم انتقلت غربا لتنتصب في مصر و ليبيا في الثمانينات وأخيرا ها هي
تعلن في تونس وتتهيأ للانقضاض على موريتانيا بانتظار سقوط الجزائر ولم لا المغرب
يوم تصيبه الأقدار بمنقذ ينقذه من الملكية'' الرجعية'' ليحمله نحو ضفاف الجملكية
التقدمية الثورية الاجتماعية المعادية للصهيونية والإمبريالية والفساد الخ
وحيث
أن يوم انتصاب الجملكية في تونس ما زال قريبا منا وأننا عايشنا لحظة هامة في تاريخ
تفسّخ النظام السياسي العربي القديم، فلا بأس من التوقف عند ما جرى في بلد الياسمين
لاستنباط بعض القوانين العامة التي تحكم ظاهرة عجيبة نستفرد بها من دون كل أمم
الأرض التي ترسّخ، حتى في أفقر بلدان أفريقيا مثل مالي والنيجر والسنغال، أنظمة
ديمقراطية.
إذن
صوّت الشعب لقائده المفدّى بنسبة 99،5% وأعطاه محض رغبته الحصانة مدى الحياة
والرئاسة مدى الحياة وكل السلطات التي لم يكن يتمتع بها ولم تكن هناك سلطات من هذا
القبيل، كما وافق له الشعب على إحدى رغباته أي الحق في تتبع الخونة بوسائل لم
يضبطها بعد القانون ولكن يعتقد أن فيها من سيحرم ''الخونة '' من جنسيتهم
التونسية.
وفي
مثل هذه الأمور صدق علي بن أبي طالب عندما قال:
''ما
ظفر من ظفر الإثم به والغالب بالشرّ مغلوب''
ولو
دققنا في الاستفتاء المزعوم الذي أقام الجملكية لرأينا كل الآليات التي تسند قيام
مثل هذا النظام العربي الجديد.
ثمة
الكذب المفضوح والمضحك بخصوص النتائج وثمة استخفاف بذكاء ناس يطلب منهم تصديق
أكاذيب يخجل من التفوّه بها الأطفال، وثمة التزييف كسياسة وخاصية للإدارة وثمة
القمع الشرس المترصّد بالجميع متمثلا في الإكراه والتهديد المبطن وتتبع المخالف في
الرأي.
والمهم في الظاهرة أنّ النظام الجملكي آخر
مراحل تفسخ مشروع انطلق في ظل الثقة وانتهى في غيابها، بدأ بالآمال العريضة ليصاب
الجميع بخيبة أمل واسعة النطاق، لهج في مرحلة الانطلاق بكرامة الشعب وانتهى إلى
درجة من احتقاره لا تصدّق.
*
يبقى
أن نتساءل عن ماهية النظام الجملكي وهو ما يتطلب مقارنته مع النظامين المعروفين في
بقية العالم أي الجمهورية والملكية.
إن
النظام الجمهوري في الشكل الذي يستأهل هذا الوصف أي في بلدان مختلفة مثل فرنسا
والهند والسنغال قائم على ثوابت ثلاثة هي مبادئه أي السيادة الشعبية ودولة القانون
والمواطنية.
ولا
معنى في مثل هذا النظام للمصطلحات إلا عبر آليات تتماشى والأهداف التي تخدمها.فلا
بد أن تترجم السيادة الشعبية إلى حرية رأي وحرية تنظم وحرية اختيار من يمثل الشعب
وفق انتخابات حرة نزيهة و.هذا ما يجعل الاحتكام الدوري للشعب بخصوص من يحكمه وكيف
يمارس سلطاته ركنا أساسيا من هذه السيادة. ومن طبيعة آلية كهذه أن تجعل التداول
المنظم والسريع على السلطة الخاصية الإجرائية الأولى في النظام
الجمهوري.
ويأتي
القانون لتنظيم هذا التداول وبقية ميادين الحياة الاجتماعية والسياسية وهو قانون لا
يخضع للتشخيص مطلقا حيث يسنه ممثلو الشعب ويسهر على تطبيقه قضاء مستقل عن أهواء
الشخص ويطبق على الجميع سواسية.
أما
المواطنية فهي مبنية من احترام الدولة للحقوق السياسية والفردية والاجتماعية لكل
مواطن بما هو مصدر السيادة والمنتفع الأول والأخير بالنظام السياسي الذي ناضل من
أجله.
وبمرور
الزمن نستطيع نحن العرب أن نقول أننا فشلنا فشلا ذريعا في إرساء مثل هذا النظام
السياسي. ولا شكّ أن هذا من اكبر عوامل تخلفنا وتمزقنا وضعفنا وكل ما نجحنا فيه هو
إقامة نظام جمهوري مزيف أين استطعنا تقويض صرح الملكية وأضفنا إليه ديمقراطية مزيفة
أين أراد الاستبداد لبس قناع العصرنة والتمدّن.
وإن
ننتبه في تونس مثلا أننا نعيش في ديمقراطية مزيفة فإنه قل من ينتبه أننا نعيش في
نظام جمهوري مزيف. فلا تسمع شخصا أو حزبا واحدا ينادي بإرساء النظام الجمهوري وكأنه
موجود فعلا، والحال أن المطالبة بالديمقراطية الشغل الشاغل للأشخاص والمنظمات
الحقوقية والأحزاب المعترف بها وغير المعترف.
وهكذا
ترى النظام يحتفل بكل جدية بعيد ''الحمهورية ''كل 25 جويلية مثلما يحتفل بكل وقاحة
بيوم 10 ديسمبر هو الذي وضعته منظمات الدفاع عن حرية الصحافة في العالم من بين
العشرة نظم الأشدّ عداءا لحرية الرأي والتعبير في العالم، والذي فاض سجله بجرائم
التعذيب وأصبحت سجونه يضرب بها المثل في الفظاعة.
وإن
كان من السهل التدليل على زيف ديمقراطية الأنظمة العربية التي تتشدّق باللفظة فكيف
نبيّن للناس زيف النظام الجمهوري أين يفترض وجوده ؟
أذكر
أن أحدهم احتج علي بأنني أبالغ عندما أطالب بإقامة النظام الجمهوري في تونس لأنه
موجود ولو بعيوب فرددت عليه أنه إذا كان مثل هذا النظام لا يوجد إلا بسيادة الشعب
وسطوة القانون المنبثق من مؤسساته الحقيقية والتداول على السلطة فهو كمن يطلب مني
بأن أكون متسامحا في فنجان قهوة ليس فيها ماء وسكر وذلك المسحوق الأسود الذي
نستورده من بلدان معينة. وسبحان من يشرب هذا الفراغ ويجد له طعما قابلا
للتحسين.
أما
في النظام الملكي فهو من صنفين أولهما الملكية الدستورية وهي لا تختلف عن النظام
الجمهوري إلا في ثبات رئيس الدولة وتوريثه حكما رمزيا أما ما عدا هذا فإننا نجد
باقي خصائص النظام الجمهوري من سيادة الشعب ودولة القانون
والمواطنية.
أما الصنف الثاني أي الملكيات الاستبدادية
فمصدر الشرعية الوحيد فيه هو الشخص إذ لا سيادة إلا لأرادته وهو يورّث شعبه كما
يورّث قصوره وماشيته ولا كرامة للمواطن إلا بقدر ما يمنح النظام
ويمنع.
لنتأمل الآن جملكيتنا العربية الجديدة
وسنكتشف أنها جمهورية مزيفة في السطح وملكية متخلفة في العمق.
فلو
قّلبنا أي نظام جملكي لاكتشفنا فيه الحرص الدائم على المظاهر والطقوس الجمهورية
وفراغ هذه الأخيرة من كل معنى.
ففي كل قطر لا يكف النظام عن التشدق بسيادة
الشعب ودولة القانون وكرامة المواطن لكن حق التنظم مقيد وحق الرأي مهدد بألف قانون
زجري والتداول على السلطة هو تداول صاحب الكرسي على كرسيه.
أما الانتخابات فمهزلة يندى لها الجبين
لأنها عرس التزييف والكذب والمغالطة وترويع البسطاء وابتزازهم، وكم من مواطن تحول
لصناديق الاستفتاء خوفا من أن تصادر له السلطة رخصة السباقة إذا كان سائق حافلة أو
رخصة المتجر إن كان تاجا.
ولو
نظرنا الآن في العمق لاكتشفنا النواة الملكية للنظام فلا سيادة إلا للملك السوقي
ولا سلطان إلا له وهو صاحب السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية وهو الذي يعدل
الدستور وفق مصالحه وأهوائه إلى درجة أن الدستور أصبح الخرق التي يمسح فيها يديه
بعد كل اعتداء على سيادة الشعب وكرامة المواطن.
ونتذكر
كلنا كيف تغير دستور سوريا في خمس دقائق ليتحقق التوريث ولا بد لنا أن نتوقع شيئا
من هذا القبيل في كل الجملكيات العربية علما وأن التوريث لا يكون بالضرورة للابن
ولا حتى للقريب بل لمن يمكنه مواصلة النظام الجملكي والمحافظة على مصالح العصابات
التي تسنده. ذلك لأنّ نواة النواة في مثل هذا النظام هو الفساد الذي يمكن الجملكيين
من الاستيلاء على ثروات الشعب بأبخس الشعارات.
والحق
يقال أننا نظلم الملكية كثيرا عندما نقارنها في هذا المستوى بالجملكية إذ توجد
فروقات هامة في مستوى التعامل مع السلطة. إن ملك المغرب أو الأردن أو أي أمير من
أمراء الخليج لا يملك عشر السلطة التي يملكها رئيس الجملكية التونسية أو السورية
ولا أعتقد أن ملك السعودية يستطيع التصرف في الناس بالحرية المطلقة التي يتصرف بها
حاكم بغداد الحالي ففي السعودية أو دول الخليج الأخرى، توجد قوى عائلية وقبلية
ودينية من داخل النظام ومن خارجه تفرض على الماسك بالسلطة التعامل بحذر وفي إطار
العرف والعادة والتقاليد.
لا يوجد شيء من هذا القبيل في الجملكية حيث
يمكن القول أن السلطة توحشت وتغولت لغياب أي حاجز وأي عائق ضدّ الجنون السلطوي الذي
لم يعد يحدّه حدّ.
وما
من شكّ أن الأمر ناجم عن كون الملكية نظام سياسي ترسّخ بفعل الزمن واكتسب التجربة
السياسية الدنيا، وما من شكّ كذلك أن طول التمرس بالسلطة يعلم شيئا فشيئا حسن
التصرف، وثمة داخل الملكية أيضا تقاليد وطقوس تهدف كلها للحجّ من شراسة السلطة أيا
كانت، ولو عدنا حتى لقضية الفساد لاكتشفنا أن النهب الملكي يبقى في حدود معقولة
ومخفية تحترم مشاعر الناس.
لاشيء
من هذا القبيل في الجملكية بحكم قلة الخبرة ونفاذ الصبر وكثرة الأفواه الجائعة التي
تتبع الملك السوقي وهو ما يجعل هذا النظام ''الجماهيري'' لعنة كبرى على الجماهير
سواء تعلق الأمر بالقسوة والوحشية التي يسوس بها الملك السوقي عبيده أو جشع وضراوة
أهله في تكديس الثروة طالما بقي الظرف سانحا.
وهكذا
يمكن القول أن الجملكية هي كاريكاتور الجمهورية وكاريكاتور الملكية وبالتالي هي
مصيبة كبرى من أي زاوية نظرنا للموضوع.
فهذه أنظمة بالغة الوحشية موغلة في
الفساد ما زالت قادرة على
إلحاق مزيد من الأذى قبل اندثارها. وهنا يجب أن لا ننسى أن الخاصية الأساسية
للجملكيات إهدار طاقات الشعب في الحرب الأهلية غير المعلنة التي تصاحب سيطرتها على
المجتمع. وهي أيضا أنظمة تخريبية، تخرب القانون والقيم واللغة والمؤسسات والآلة
الاقتصادية والقضاء وتخرب فوق كل شيء كرامة الإنسان وروح الشعب تقتل فيه الأمل
والطموح لتحيله لرعية لا وظيفة لها سوى التعبد للملك السوقي وملء جيوب
عصابته.
لكننا
في نفس الوقت أمام أنظمة أفلست سياسيا ومعنويا وفشلت في كل المشاريع التي حاولت أن
تبني عليها شرعيتها مثل الوحدة والاشتراكية والحرية والتقدم وفرحة الحياة ناهيك عن
الديمقراطية وحقوق الإنسان على طريقة بن علي.
والسؤال
الآن ماذا نستطيع أن نفعل تجاه ضباع مخيفة لكنها أيضا في طور متقدم من الانحلال
والتفسخ ؟
وربما
كان للقارئ الكريم وجهة نظره في الموضوع تتلخص في أن الجملكية حالة انتقالية من
الجمهورية إلى الملكية أو صيغة وسط ابتكرها الحكام العرب لأنهم لا يجرؤون على إعلان
النظام الملكي وهو مطمحهم الحقيقي الذي ما كانوا يترددون في تحقيقه لو عاشوا في
القرن الماضي.
فهل
يكون حل أزمة الأنظمة والشعوب بإعلان الملكية في سوريا والعراق وليبيا واليمن
وتتويج بن علي ملكا على تونس في إطار مقايضة من نوع:نمنحكم الملكية بما فيها من
وراثة ومال لكم وللحاشية مقابل تخليصنا من الجملكية باحترام الحدّ الأدنى من حقوقنا
وحرياتنا ومشاعرنا وذكائنا.
الإشكالية
أن الجملكية بما هي خليط من تزييف النظام الجمهوري وتغويل النظام الملكي، مأزق مؤسساتي مثل أن البغل مأزق بيولوجي،
فالبغل لا يستطيع أن يتوالد لأنه غلطة من غلطات الطبيعة والجملكية لا تستطيع أن
تتطور لا في اتجاه الحمار ولا في اتجاه الفرس لأنها غلطة من غلطات
التاريخ.
يقول
حكيم صيني لم يقرأه الملوك السوقيون: تستطيع أن تغزو مملكة من صهوة الجواد، لكنك لا
تستطيع أن تحكمها من على صهوة الجواد. أما الملك السوقي فهو مقتنع بالعكس. ويقول
حكيم آخر: إن حاصرت جندا فلا تحاصرهم من الجهات الأربعة وإن حوصرت فاترك لنفسك
منفذا. أما الملك السوقي عندنا فهو لا يترك منفذا لا لنفسه ولا لغيره ومن ثمة صعوبة
الإصلاح حتى لو ملكناهم على رقابنا.
هم
سيأخذون التاج ليمعنوا في غيهم خاصة وأنهم عادة مجرد تغطية على عصابات جائعة لا
يشبع نهمها شيئا ولا يهمها من شكل الحكم ومضمونه إلا ما يمكنها من مواصلة النهب
والسلب.
وفي نفس السياق فإن طريق الإصلاح عبر
العودة إلى النظام الجمهوري خط مغلق أيضا.
إن
أي إصلاح جدي من هذا الطريق لا يعني سوى العودة إلى ما قبل تزييف الأهداف والقيم
الجمهورية وهذا يعني عودة السيادة إلى الشعب وإطلاق الحريات الفردية والعامة والكل
يعرف أن مثل هذا الأمر يعني كنس أنظمة ليست سوى سلطة معزولة تعتمد لبقائها على
أجهزة القمع وأبواق مأجورة بح صوتها ولم يعد يسمعها أحد أو يكترث بشعاراتها
البلهاء.
وثمة
منهم مثل النظام التونسي الذي لم يعد له من سند سياسي حقيقي غير الخارج وعلى وجه
التحديد الغرب الذي يرى فيه بيدقا ما يسميه الحرب ضدّ
الإرهاب.
إن
كاتب هذه السطور جمهوري في الأعماق ويمثل حزبا جعل من انتصاب الجمهورية في تونس
الهدف الأسمى للكفاح السياسي إلا أنني على تمام الثقة أن العرب الذين يتوفرون على
أنظمة ملكية مطالبون بالحفاظ عليها لأن حظوظ الانتقال من الملكية إلى الجمهورية لا
تكاد تذكر بالمقارنة مع حظوظ الانتقال إلى الجملكية.
وحتى
لا يضيع المغاربة أو أهل الخليج نصف قرن تحت نير الجملكية التي اكتوينا بنارها فإنه
من الأجدى والأسهل النضال لنقل ملكياتهم إلى طور الملكية الدستورية لأن المهمّ في
أي نظام سياسي هو سيادة الشعب وكرامة المواطن وسيادة القانون وهذه أمور يمكن أن
تتحقق في ظل نظام ملكي دستوري. بل يمكن لملك حكيم مثل الذي عرفه الإنسان بعد انتهاء
حكم فرانكو أن يكون الضامن الأول للدستور وحقوق الناس فتؤدي الملكية للشعب خدمة لا
تقدر بثمن.
ومعنى هذا أن المعركة في مثل هذه الأنظمة
بسيطة نسبيا حيث تتعلق بتحقيق الديمقراطية لا غير.
ولا شكّ أن أمام الملوك العرب فرصة تاريخية
قد لا تعود للالتصاق بمطامح شعوبهم والحدّ من الفساد وتوسيع رقعة الحريات وإلا فإنه
لا خيار للشعوب المسكينة خارج الثورة وربما فترة طويلة من الجملكية أي عشريات أخرى
من الظلم والتعسف والمعاناة.
أما بخصوص الوضع داخل الجملكيات فإن معركة
الاستقلال الثاني ستكون أصعب، فنحن أمام أنظمة شرسة وفي وضع صعب لأنها أغلقت على
نفسها وعلى خصومها كل المنافذ والتحدي بالنسبة لقوى الشعب تأصيل مبادئ الجمهورية
والديمقراطية في آن واحد.
وحتى لا تعاد تجربة الجملكية في إخراج جديد
فإن على الجمهوريين الحذر، لا أن يستقرؤا الخير في أول خطيب مفوه يعلمهم أنهم نضجوا
للديمقراطية وأنه لا ظلم بعد اليوم. فلا مساومة منذ بداية أي تغيير سياسي، سيفرضه
عاجلا أو آجلا إفلاس الجملكية، حول قضايا التداول على السلطة وتوزيعها وتأسيسها
والضمانات المدققة للحريات الفردية والجماعية.
إن
أزمة الجملكية هي أيضا أزمة تاريخ أمة لم تفلح إلى اليوم ومنذ سقيفة بن ساعدة في
إيجاد صيغة للحكم تحقن الدماء وتكون فيها السلطة وظيفة لا غنيمة حرب، وإنما بقينا ندور في حلقة مفرغة أنهكت
قوانا وعطلت مسيرتنا وشعارنا قول إيليا أبو ماضي
نرجو الخلاص بغاشم من غاشم لا ينقذ النخاس من
نخاس.
السؤال
الآن كيف وصلنا إلى هذه الحالة ؟ لماذا أخفقنا كل هذا الاخفاق؟ ما الذي يمكن أن
نتعلمه من الأمم والشعوب، حتى الأكثر
فقرا وتخلفا، في مجال بناء دول عصرية
تكون جزءا من الحل وليس كما هو الحال عندنا: المشكل الأساسي.
***
أين
أخطأنا الطريق فانعطف المسار نحو المستنقعات والرمال المتحركة
؟
من
البديهي أنه لم تكن لنا يوما دولة عصرية جديرة بهذا الاسم، ولم تكن لنا ديمقراطية ولم تذق مجتمعاتنا
طعم العدل والمساواة ولم نعرف الوحدة أبدا. لكننا كنا أجيال متلاحقة مسكونة بكل هذه
الهواجس والأحلام.
وكم
من تضحيات قدمها لها جيل الآباء والأجداد. وكم من تضحيات قدمها
جيلنا....عبثا.
لقد
ضيعنا الطريق لكل الأهداف التي تجندنا من أجلها. أدرنا الظهر لها وتباعدنا عنها
يوما بعد يوم، تصورنا أننا أرسينا الجمهورية فبنينا الملكية السوقية، بحثنا عن العدالة فبنينا دولة الفساد.
حلمنا بالقانون فيصلا فأصبح السيف الذي تغتال به كل الحريات. أردنا الوحدة فإذا
بكثير من دويلاتنا التي رسم الاستعمار حدودها مؤهلة للانفجار عزمنا على تحرير
فلسطين وهاهي تغرق أمامنا في الدمار والدم وجيوشنا على قدم وساق لقمع أي مظاهرة في
الشارع للتنديد بالمذبحة اليومية للأطفال والنساء.
ولا
بدّ أن نسأل أنفسنا عن الأسباب التي جعلتنا نصل عكس الهدف الذي حدّدته الأمة
لنفسها.
ومن
الضروري أن لا يكون السؤال فرصة أخرى لممارسة هواية الجلد الذاتي فنحن أمة عظيمة ما
زال أمامها زمن أطول بكثير من الخمسة عشر قرنا التي مرت على دخولها التاريخ من أوسع
أبوابه.
والمهم
في الأمر أن نقيّم بأقصى الدقة أخطاء الطريق وكيف ولماذا أخذنا الوجهة التي ما كان
علينا أن نأخذها فلا زال أمامنا طريق طويل وممن المهم أن نأخذ التقاطع المقبل الذي
يستطيع أن يضعنا أخيرا على السكّة وهي القرارات الصائبة التي يمكن أن تعيد لنا
التوازن المفقود وتفتح أمامنا الآفاق الرحبة.
إن
السبب الرئيسي للرخاء النسبي الذي تنعم به تونس بالمقارنة للجزائر والمتمثل في عدم
وجود أزمة سكن خانقة أو نسبة بطالة الأقل ارتفاعا، ليس مرتبطا بالسياسة المتبعة
لنظام بن علي وإنما هو النتيجة البعيدة المدى لقرارين حكيمين اتخذهما نظام برقيبة
في الستينيات أي التعليم للجميع و التحكم في النسل عبر تعليم المرأة وفتح مجال
العمل خارج البيت وتوفير وسائل التنظيم العائلي. وقد أتت سياسة الستينيات بأكلها في
الثمانيان والتسعينات أي انخفاض الضغط على سوق الشغل والسكن خلافا للجزائر التي لم
تسمح كل إمكانياتها وهي أكبر بكثير من إمكانيات تونس، بمواجهة المشاكل الاجتماعية
الناجمة عن الانفجار الديموغرافي.
وبالمقابل
فإن السياسة التعليمية الحالية المتميزة بنسب كبيرة في النجاح لأسباب سياسية
واعتبار المدرسة خزانا يقلل من الضغط على سوق الشغل، ستكون له انعكاسات بالغة
الخطورة في العقدين الأخيرين.
وثمة
بالطبع المثال العراقي وترتبات قرار صدام حسين بغزو الكويت وما انجرّ عن الأمر من
مصائب على الشعب العراقي والأمة العربية ككل سنبقى نعاني منه لزمن
طويل.
ومعنى
هذا أنه هناك قرارات استراتيجية تؤخذ على صعيد الشعوب والأمم فتكون نعمة أو وبالا
على الأجيال القادمة أي على التطور التاريخي للشعب والأمة.
وكأن
هناك في حياة الأمم والشعوب تقاطعات طريق مثلما هو الحال في حياة الأشخاص والويل
لمن يذهب يمنة والحال أنه كان عليه أن يذهب يسرة. وعندما يخطئ الفرد أو المجموعة
الطريق فإن أقل خطر يتهدده هو إضاعة الكثير من الوقت في استكشاف الطريق الخاطئ
والعودة إلى التقاطع اللعين وانتهاج الطريق الصحيح على فرض أن هذا الخيار لا زال
متوفرا. لكن الاحتمال الرهيب هو أن يكون الخيار بلا رجعة وأن لا ينتهي المشي في هذا
الطريق إلا إلى الهاوية.
وثمة
سؤال قلما يطرح لاستحالة الرد عليه: أين أخطأنا التقاطع كأمة لنصل إلى الحالة
المزرية التي نتخبط فيها بالمقارنة مع ما يتطلبه حجمنا الحقيقي وبالمقارنة مع ماض
ليس كله أسطورة نتسلى بها ونعوض بها سحريا عقمنا الحالي.
ويصدق
نفس السؤال على مستوى
الشعب:
أين أخطأت تونس أو الجزائر أو مصر أو العراق الطريق في الخمسينيات بالمقارنة مع بلد
متخلف زراعي فقير مثل ماليزيا و هو اليوم قوة صناعية وتجارية يحسب لها ألف حساب في
آسيا بينما تضيع كل أقطارنا العربية يوما بعد يوم كل فرص التقدم وتتأهب لدفع ثمن
الإنماء الهش وأحيانا الكاذب ؟
ويمكن
بالطبع رفض نظرية الطريق الخاطئ والقول بأننا نسير في الطريق الوحيد الممكن لكن
بنسق وسرعة لا ترضي.
ويجوز
رفض طرح مثل هذه الإشكالية من الأساس لأن تاريخ الأمم ليس تاريخ قرارات صائبة واعية
وإنما حصيلة مزيج بالغ التعقيد من الظروف المفروضة وضربات الحظ وسوء البخت والمشي
المترنح غير الواعي عبر ألف تقاطع طريق.
وفي
مثل هذه النظرة يمكن تفسير تخلفنا بسوء الأحوال التاريخية وبانعدام الحظ وببعض
المسؤولية التي يتحملها البعض دون البعض الآخر.
أرفض
أن تكون الأمور بمثل هذه البساطة. إنه من الصحيح أننا تعرضنا للغزو الأجنبي وأنه
مزّق أوصال أمة كانت ممزقة. ولا جدال أن تمكن الغرب في القرن الخامس عشر من السيطرة
على البحار واكتشاف القارة الأمريكية قد أعطاه تفوقا ستراتيجيا لا زالت عواقبه
تتابعنا إلى اليوم.
وثمة
أكثر من عامل خارج عن إرادتنا يمكن أن نفسر به ونبرر سوء الحظ الذي أدّ ى بنا
لحالتنا الراهنة.
لكن
مثل هذا التفكير لا يجدي نفعا، فقيمة المرء والشعب بقدرته على مواجهة ضربات القدر
واعتصار الخير من هذا الذي نكرهه.
ومعنى
هذا أن لنا قسط كبير من المسؤولية وأن الجزء الأكبر من هذه المسؤولية ناجم عن
قرارات خاطئة اتخذتها الأمة بدون وعي فأدت إلى ما نعاني من تشتّت وتخلف تقني وضعف
سياسي رغم توفر كل مقومات النقيض
وثمة
صعوبات منهجية كبيرة في أي محاولة للرد على سؤال كهذا سيبقى إلى الأمد بدون رد
نهائي.
فنحن
لا نعرف إلا بصفة رجعية ما هي القرارات الصائبة التي كان على الأمة اتخاذها والأمر
كمعرفة الأرقام الرابحة في اليانصيب بعد السحب والحال أن عجلة الحظ كان بإمكانها أن
تتوقف عند ما لا يحصى من الأرقام.
كذلك
نحن لا نعرف الظروف التي اتخذت فيها قرارات تبدو اليوم خاطئة وربما لم يكن أمام من
اتخذوها خيار آخر. يضاف إلى هذا وهم وجود كائن هلامي اسمه الأمة اتخذ القرار الخاطئ
والحال أن الأمة مفهوم معاصر لا ينطبق على شتات الشعوب والقبائل والدويلات التي
اتخذت القرارات المشؤومة.
لا
مخرج من هذا المأزق النظري إلا بالتقدم بأفكارنا لا كحقائق تاريخية ثابتة وإنما
كفرضيات يمكن التأكد من صحتها بالمقارنة مع تطور أمم أخرى كان لها نفس الوضعية في
مقطع محدّد من الزمن كالقرن التاسع عشر.
وبعد
كل هذه التحفظات أريد أن أقدم بعض الفرضيات حول تقاطعين أساسيين أقول أننا ضللنا
فيهما الطريق علما وإن المرجو من النقاش الذي قد تثيره فرضياتي ليس التحسر على ما
فات وإنما الانتباه لتقاطعات الطريق الكثيرة التي لا زالت تنتظرنا بأخطارها لكن
أيضا بوعودها.
تقاطع
الطرق الثقافي
تبقى
اليابان مثالنا العكسي في كل شيء. فهذا بلد كان لا يختلف كثيرا عنا في نهاية القرن
التاسع عشر وهو الآن في واد ونحن في واد آخر. ولو تمعنا في بعض الخيارات
الإستراتيجية التي اتخذها اليابانيون بالمقارنة مع اتخذنا في الميدان الثقافي
لرأينا أوجه شبه كثيرة واختلاف جذري هام.
لقد
قبلنا مثل اليابانيين على مضض الاعتراف بأولوية الغرب الثقافية وقبلنا أن نتعلم منه
ولو أن اليابانيين فعلوا ذلك بتواضع مفتعل وتعليق عقدة التفوق في حين بقينا نتأرجح
بين الرفض والقبول بين الضغينة والحسد بين عقدة التفوق القديمة وعقدة النقص
الجديدة. لكن الاختلاف الستراتيجي حصل عندما فعل اليابانيون ما فعله أجدادنا أي
التعلم من الآخرين لكن مع الاحتفاظ باللغة الأم وشتان بين أن تدخل في عملية ترجمة
واسعة النطاق وبين أن تغرق في لغة الآخر لتعلم أسرار تفوقه.
إن
الترجمة هي عملية مبنية على الاختيار والانتقاء والبحث والدمج أي أنها تعطي للمترجم
الحضاري زمام المبادرة وتبقي عملية التلاقح بين يديه فتنمي فيه الاعتزاز بالنفس
والاتكال عليها وتجعله في موقع الندّ للندّ مع هذا الذي يترجم له يحاوره وينقده
ويضيف إليه.
وفي
اليابان يسمون المثقف باللغات الأجنبية " موزة: الجلد أصفر والداخل أبيض ". وهو لا
يحظى بأي احترام أو مكانة خاصة خلافا للأمر عندنا حيث يعتبر أقصى النجاح أن تتكلم
اللغة الأجنبية أحسن من أهلها.
وفي
اعتقادي أن أكبر خطأ حضاري كان تعلمنا العلوم باللغات الأجنبية وبقاؤنا نتأرجح بين
شيء من الترجمة والضياع في اللغتين الكبيرتين الفرنسية والإنجليزية. وتصوروا
الكارثة الحضارية لو قال أجدادنا بعقم اللغة العربية في عصر المأمون وعجزها عن
استيعاب طب جالينوس وفلسفة أرسطو وتعلموا الإغريقية واللاتينية جاعلين منهما لغتي
العلوم والثقافة وتاركين اللغة العظمى لقصائد الهجاء
والمديح.
أنه
من المروع اكتشاف مدى البلبلة الثقافية الذي أدى إليه خيار تعلم العلوم
والتكنولوجيا باللغات الأجنبية فمن جهة هناك فئات واسعة من الناس لم ترتق إلى مصاف
هذه الصعوبة فبقيت تتعيش على ثقافة عربية خالصة لكن بالية ومن جهة أخرى نجد مجموعات
متعلمة لكن منبتة ومعقدة وسلبية في تعاملها مع ثقافة الآخر وقلما تبدي الكثير من
القدرة الخلق والإبداع لأن المتلقي والمقلد ليس كالآخذ المنتقي
الحرّ.
ومن
غرائب الدهر أن خيار تعلم العلوم والتكنولوجيا بلغة الآخر كان دافعه ربح الوقت
والجهد فأضعنا الكثير من الوقت والجهد ففي كل سنة ألاحظ كأستاذ جامعي انهيار مستوى
الطلبة في اللغة الفرنسية دون أن يعني هذا امتلاكهم للعربية. ولا زال هناك من يتردد
أمام الكارثة الثقافية الكبرى بالاعتراف أنه لا يمكن لأمة كبيرة مثل أمتنا أن تتعلم
بلغة أمة أخرى تناصبها العداء أو هي وإياها في تنافس فالتكلفة غالية والاغتراب
مضمون
والخسارة
على الجبهتين فادحة.
إن
آخر ما يطالب به كاتب هذه السطور إدارة الظهر للغات الأخرى ومنا غير وارد ولا ممكن
وإنما يجب استخلاص العبرة من فشلنا ونجاح اليابانيين بخصوص الخيار اللغوي.فمن جهة
يجب أن نعود للترجمة والتعريب والتعلم بلغة الأمة خاصة ومن جهة أخرى يجب تعلم
اللغات الأجنبية لكن كأداة تواصل مع الآخر فقط وليس كأداة تطوير ثقافتنا
القومية.
إن
التقاطع المقبل سيكون علاقتنا مع الشرق صاحب السيطرة في القرون المقبلة: و لا يجب
أن نكرر الغلطة الكبرى فنسارع لتعلم الصينية واليابانية وإنما يجب أن تكون لنا
المراصد الكافية لترجمة خير ما يكتب وينشر بهما وإدماج ما نختار في ثقافتنا
لإثرائها وتطويرها.
تقاطع
الطريق السياسي.
لنحدّد في البداية إشكالياتنا بأنّها تتمثّل موضوعيّا في الأداء العربي الضعيف في تحقيق أهداف الأمّة من الدفاع عن الأرض والثروة والأمن واللّغة والمكانة بين الأمم التاريخية و ذاتيا
باستياء العرب الشديد من صورتهم ووضعيتهم
داخل أوطانهم وفي العالم
وذلك بالمقارنة الدائمة
لمشروعية الأهداف وتوفّر الإمكانيات
الفعلية لتحقيقها.
ومن ثمّة ضرورة العودة دوما للسؤال المركزي : ما وراء ضعف القوّة العربية؟
يواجه
المتأمّل للكتابات الغزيرة التي
تعاملت مع المفارقة بالقحط الفكري
لأدوات التحليل وخاصّة بتراجعها وخروجها عن الطريق الملكي الذي شقّه الكواكبي
، فالأسباب دوما إمّا مؤامرة الآخر ( الغربي ، الصهيوني ، الرجعي الخ
...) وإمّا عقاب خطيئة يتيمة
ومركزية (كالتي ارتكبها آدم عندما أكل التفاحة) أي " تركنا الإسلام"
ولا أتحدّث عمن يسرّون بأن الأمر ناجم عن خلل بيولوجي ، أو ثقافي ، يجعلنا مؤهلون
"بطبيعتنا"للتشرذم والاتفاق على أن لا نتّفق.
إنّ
خطورة المفارقة تفرض علينا اليوم أكثر من أي وقت مضى بلورة أدوات تحليل تتعامل موضوعيا مع إشكالية مصيرية إذ لا علاج، في السياسة كما في الطبّ،لمرض لم يشخّص أو
شخّص بصفة خاطئة.
ولا
بدّ أن نقبل أن ظاهرة معقّدة كهذه لا يمكن بأيّ صفة من الصفات أن تخضع لسبب يتيم ، وإنّما هي بالضرورة نتيجة شبكة
سببية معقّدة فيها عشرات الأسباب تتفاعل بينها وتؤثّر على بعضها البعض في مفاعلات
قد لا نستطيع أبدا إعادة كتابتها بالتدقيق ، لما فيها من تداخل وتعقيد
وغموض.
لنعتمد
مثال البحث عن أصل سرطان الرئة
لفهم قواعد منهجية دسمة علمية وبراجماتية في آن واحد تخرجنا
من المبتذلات الأيدلوجية التي زادت نظريا وعمليا في تعقيد فهم المفارقة وتأخير حلّها.
لقد
تعرّف الطبّ في منتصف هذا
القرن على علاقة التدخين بسرطان الرئة فاستشرت الفكرة الخاطئة أنّه ''سبب'' المرض
ولم يكن لنا في إطار هذه الرؤيا تفسيرا لحالتين قصوتين أي ظاهرة موت مدّخنين كبار في أرذل العمل دون
سرطان وانقضاضه على من لم يدخن أبدا . ونعرف اليوم أنّ من دخّن طول عمره دون أن يصاب كان
محمّيا بمتانة تركيبته الوراثية
التي تمكّنه من إصلاح العطب الذي
يلحقه التدخين بالخلايا بينما
ترى حامل عوامل وراثية هشّة يسقط فريسة المرض دون توفّر الخطر الكبير أي السيجارة وإنّما بمجرّد وجود بعض العوامل المسّهلة كالتلوث مثلا
إنّ
ظاهرة السرطان بدون أدنى تدخين
والتدخين المكثّف بدون سرطان من صنف
الشواذ التي تحصى أمّا القاعدة التي يقاس عليها فهي تزايد خطر الإصابة بتظافر العوامل
الثلاث.
ومن ثمّة فهمنا اليوم للسرطان أو لأيّ مرض
آخر ولا بدّ لظهوره من تواجد ثلاث أنواع من عوامل الخطورة:
Risk factors)
) الهيكلية (في
مثالنا الوراثة) و المسهّلة (مثلا التلوّث) و الرئيسية (هنا
السيجارة)
والفرضية التي أقدّمها للنقاش أن ضعف القوة العربية كسرطان الرئة محكوم
بتظافر عوامل هيكلية ( منها القبلية
ـ وضعية المرأة ـ الأحادية الفكرية الموروثة عن الدّين وانتشار الأميّة ) وعوامل
مسهّلة (منها فعل القوى الخارجية المناوئة). وهناك العامل الرئيسي (بما هو أكبر
عامل خطورة لتسهيل الإصابة بالمرض واكبر عامل للوقاية منه إذا غاب والعامل الذي يبلور العوامل الهيكلية السلبية الكامنة في مجتمعنا والعامل الذي
يسمح للعوامل المسهلة بالقيام
بوظيفتها التخريبية ) وهذا العامل
دون أدنى شكّ أو منازع التنظيم السياسي الذي يحكمنا أي الدولة الشمولية القطرية المتخلّفة ( د.ش. ق.م
.).
إنّ
المقارنة المجحفة التي نعقدها دوما بين أداء الشعوب الغربية وأدائنا ينسى أنّنا
نتسابق ''الماراثون '' مع شعوب تجري نحو أهدافها بمنتهى الحرّية بينما نجري نحن وراءها والقيد الحديدي يطبق على
اليدين والرجلين فالطاقات مهدرة في الداخل بالقمع والرداءة ومبعثرة في الخارج
بانعدام أيّ شكل فعلي من أشكال التضامن والاتحاد.
إنّ
ألفين طوفلر عالم الاجتماع الأمريكي على حقّ عندما يقول أنّ الديمقراطية ليست ضرورة
أخلاقية بقدر ما هي ضرورة تقنية لإدارة أيّ مجتمع عصري، فمحاربة الفساد هذا المرض
المستشري في كلّ المجتمعات، غير ممكن دون حرّية الصحافة واستقلال القضاء ، وتحسين
أداء الدولة غير ممكن دون انتخابات حرّة نزيهة تمكّن من تقييم الأخطاء والحدّ منها
، والسلم الاجتماعية غير ممكنة دون حرّية التنظم لكلّ القوى الاجتماعية التي ستعهد
إلى الإرهاب أو الاستقالة الجماعية في غياب الحرّيات الفردية
والعامّة.
هذا
لا يعني أنّ الدولة العربيّة لم تلعب
في الخمسينيات والستينيات دورا مركزيا في النهوض بالمجتمع بالتعليم والصحة
الخ وانّما أنّ الأداة بليت و لم تعد في مستوى المرحلة
والمهمّة بل وأنّها أصبحت اليوم
العائق الأكبر في وجه التطوّر الذي أعطته إشارة الانطلاق وقادته فترة من الزمن ذلك
لأنّ خصائصها المكونّة أصبحت اليوم
تتعارض مع روح العصر ومتطلبات التنافس الشديد بين الأمم ويمكن اختصارها في كلمة واحدة :
النجاعة.
إن خصائص الدش.ق.م. هي التي تحكم علينا
بضعف النجاعة ووهن الفعالية وتردّي
الأداء في كلّ الميادين ويتّضح الأمر
عندما نتأمل في الفعل التخريبي لها.
إنّ
الدولة العربية شمولية الطابع مطلقة السلطان أيّا كان النظام ، ملكيا أم ''جملكيا''
، أيّ أنّها تتهيكل حول عمود فقري هو المؤسسة العسكرية - البوليسية ،-المخابراتية
أو القبيلة، والتي تستأثر عبره أقلية بالسلطة أطول وقت ممكن مع تنظيم المراسم المضحكة لعبادة الشخصية و أحكام القبضة على كلّ مؤسسات المجتمع
المدني.
ويولّد هذا التنظيم جملة الآفات المعروفة
التي تنخر في جسم الأمّة. فالاستئثار بالسلطة من قبل أقليّة أيديولوجية يمرّ برفض وقمع مكوّنات مجتمعات أصبحت
تعدّدية سياسيا وفكريا
واقتصاديا بصفة لا رجعة فيها
وهو ما يؤدي دوما إلى صراع الدولة ضدّ المجتمع وصراع المجتمع ضدّ الدولة دون توفر الآليات السلمية لحلّ النزاعات.
وهذا ما يفسر أن لنا اليوم أثنين وأربعين ألف سجين سياسي ( أعلى نسبة مئوية في العالم ) وأن التعذيب آفة منتشرة
من المحيط إلى الخليج وأن شبح البوليس السياسي هو هاجس كلّ رعايا الد.ش.ق.م.لا
غرابة أن يضيع كثير من الوقت والجهد
في الصراع الداخلي العقيم وأن يفضّل
جزء هامّ من المجتمع الاستقالة أمام وحشية القمع وفي تعميق اللاّفعالية الجماعية
.
وهناك
ترتبات أخرى تزيد من وهن الأدّاء
وتنتج عن ارتكاز الدش.ق.م على مبدأ'' الولاء قبل الكفاءة وهو مما يشجّع أسوأ ما في
الطبيعة البشرية على البروز ومما يحمل إلى
أعلى مستويات القرار من تتوفّر فيه الكفاءة ومن لا تتوفّر ، ناهيك عن الدور المخرّب
للمبدأ الثاني '' الأقربون أولى بالمعروف ''الذي ينمّي في غياب حرّية الرأي سرطان
الفساد بصفة مهولة .
والدولة
العربية متخلّفة بالمعنى الأصيل للكلمة أيّ إنّها تجد نفسها اليوم بحكم خاصية
الشمولية وراء نسق تطوّر الأحداث التي ساهمت في دفع مجراها.
إنّ
أهمّ مؤشر على تخلّفها الإعلام الرسمي الذي بقي يتجاهل بعناد من لا يملك أو يعرف حلاّ آخر
التغييرات الديمغرافية والتكنولوجية والنفسانية مردّدا بسكيزوفرينيا (حالة فصام)
متصاعدة خطاب الخمسينيات عن التوجيهات السديدة وبرقيات
التأييد الخ ... والدولة الشمولية
اليوم أولى ضحاياه حيث أفقدها هذا
الخطاب كلّ مصداقية وكلّ هيبة بانقلاب السحر على الساحر.
هكذا
تحدث القطيعة في كلّ الميادين وتجد
الدولة نفسها خلف مسار متطلّبات المجتمع من عدل وحرية ومشاركة وشفافية وتقييم
متواصل لكل من يتحمّل المسئولية
وخلف روح العصر المبنية على
البحث عن أقصى قدر من الجدوى والفعالية وخلف
طموحات وأحلام النخب التي
تقود دوما المجتمعات نحو الأفضل.
تبقى
الخاصية الثالثة أيّ القطرية وهي بالطبع إرث تاريخي ولكنّها أيضا من الترتبات
الآلية لخصائص دولة تعتبر نفسها تملك الأرض والشعب ومن ذا الذي يفرّط في
ملكه.
قد
يكون من قبيل المبالغة القول أن سبب تخلفنا الأوحد وحتى الرئيسي هو النظام السياسي
الذي يحكمنا أي النظام الاستبدادي. فمن نافلة القول أن هذا النظام هو مرآة لوضع
ثقافي واجتماعي وان مقولة كيفما تكونوا يولى عليكم تبقى
صالحة.
إلا
أنه من الظلم أن لا نعكس الجملة فنصف الحقيقة أيضا أنه كيفما يولى عليكم تكونوا وأن
هناك صلة دائرية بين التخلف والنظام الاستبدادي أي أن الاستبداد نتيجة التخلف
الثقافي والاقتصادي والاجتماعي وأنه أيضا سبب من أهم أسباب
تواصله.
ولم
تخرج الأمم المتقدمة من الحلقة المفرغة إلا عندما استطاعت أن تكسرها في موقع ارتباط
السياسي بالاجتماعي الثقافي أي عندما أرست النظام الديمقراطي الذي شكل منطلق تجددها
وعصرنتها.
ومن
نافلة القول أيضا أن إشكالية النظام الاستبدادي لا تكمن في عدم أخلاقيته بقدر ما
تكمن في انه نظام غير قادر بطبيعته على تسيير مجتمعات معقدة كالمجتمعات
المعاصرة.
إن
جزءا كبيرا من جلد الذات العربي مبني على خطأ كبير فالعرب قادرون على التوحد وعلى
الخلق العلمي والثقافي والتطور الاقتصادي وإنما الخلل الأساسي في أنظمة لا تتمتع
بالحد الأدنى من الكفاءة.
ونحن
نحكم على أي نظام بالكفاءة أو عدمها عندما يكون قادرا على الاستجابة لمتطلبات الوضع
والمرحلة.
وهاهي
مطالب الشعوب والأمة من ديمقراطية وعدالة وتضامن فعال وحقيقي مع الشعب الفلسطيني
الأعزل أمام آلة القمع الإسرائيلية تبقى بدون استجابة، ناهيك عن الحد الأدنى من
التنسيق في الوقت الذي تبني فيه أوروبا وحدتها لبنة لبنة. فأنظمتنا لا تسمع طلبات
شعوبها وأعجز منن أن تلبيتها لأن خاصيتها الأولى هي
اللافعالية.
إن
هذا النقص الفادح في الكفاءة القيادية ناجم عن أمراض متعددة كلها مرتبطة بالتنظيم
الاستبدادي وليس بطبيعة الأشخاص فهذا نظام يستهلك البشر ويهلكهم ويحكم على المجتمع
الذي ابتلي به أن يكون كجسم يتوفر على كل مقومات الصحة ولكنه مأمور بعقل
مريض.
و
بما كان العامل الرئيسي الذي وضع الغرب أين هو الآن أنه أخذ في كل مراحل تطوره منذ
خمسة قرون
التقاطعات
التي أدت به إلى وضع أنظمة سياسية فعالة أي ديمقراطية.
إننا
ننسى أن الديمقراطية على عيوبها هي النظام الوحيد الذي يمكن بحرية الصحافة من تشخيص
المشاكل قبل استفحالها وهو النظام الذي يضع رجال السياسة في تنافس حول من يسمع أكثر
طلبات الناس ومن هو المؤهل لتلبيتها وهو النظام الوحيد الذي يجدد الحياة السياسية
والاجتماعية دوريا بالتداول السلمي على المسؤولية.
وليس
من الصحيح أننا كنا مسيرين لا مخيرين فثمة في تاريخنا أكثر من تجربة تدل على أن
الفعالية تماشت مع حد النظام الاستبدادي ففي القرن الرابع قبل الميلاد كانت قرطاج
محكومة بنظم انتخابية والحال أنها اليوم محكومة بمزاج شخص.
ونحن
تخلينا عن الفعالية عندما واصلنا الحلم بالمستبدّ العادل وعندما تجندنا في
الستينيات لهذه الإيديولوجيا أو تلك غافلين على أن السم الزعاف هو النظام
الاستبدادي الذي يشكل عمودها الفقري أيا كان اللون والغلاف
الإيديولوجي.
وهاهي
آثامه اليوم واضحة للعيان في كل ما نعيشه من فشل وإحباط وعجز وفساد وخوف
وإذلال
ولحسن
الحظ فإن القضية اليوم لم تعد إثبات فشل النظام الاستبدادي أيا كان تغليفه
الإيديولوجي وتبريره النظري وإنما في التثبّت مرة أخرى في تقاطع الطرقات التي
أجبرنا على اتخاذها لنواصل المشي نحو المستنقعات والرمال
المتحركة.
والمطلوب
اليوم أن لا نظلّ الطريق مرّة أخرى من الطريق وأن نعرف ما الذي ينتظرنا إذا
استسلمنا لوصفات الخلاص الجاهزة في شكل فكر إيديولوجي جذّاب لكنه قائم على استبداد
الرجل الواحد والحزب الواحد في خدمة "الحقيقة" الواحدة.
وهذا
ما حصل مع التجارب القديمة وهذا ما سيحصل مع التجارب الجديدة إن سمحنا للخادعين
والمخدوعين بتجريبها علينا مرّة أخرى كما يجرّب السمّ الزعاف على مريض
يحتضر.
فلنتأمل
مليا في مستقبلنا ''الواعد'' على ضوء ماضينا المظلم نصف المستقبل وليس الماضي لأننا
لن نخرج من لعنة التاريخ ولن نحتل مكاننا كأمة خلاقة إن لم نفهم أنه لا خلاص لنا في
ظل نظام استبدادي مهما كان القناع الإيديولوجي جذابا ومغريا ومهما كان شخص ''المنقذ
الجديد'' باعثا تجدد الوهم والأمل.
***
خراب
مشروع التضامن العربي
لا
انشغال ولا حديث منذ شهر في كل الشارع العربي بالطبع إلا عن الانتفاضة
والأقصى.
وثمة
مواضيع ملحقة تشغل بال هذا الشارع المحلي أو ذاك حسب ظروفه الخاصة. ففي تونس يتمحور
الحديث عن قمع كل مظاهر التأييد الشعبي العفوية والمستقلة التي انطلقت في كل مدن
وقرى القطر والتعتيم الإعلامي المكثف عليها ومنع الأئمة في الجوامع من الخطبة حول
موضوع القدس وتنظيم مسيرة رسمية أشرف عليها البوليس رفعت فيها دون حياء ولاستغلال
الفرصة، الشعارات الموالية للنظام
اكثر مما ترفع فيها الشعارات المناهضة للصهيونية وأخيرا وليس آخرا دهشة المواطنين
أمام خبر نبأ غلق مكتب تونس في تل أبيب -الذي تبجّحت به وسائل الإعلام الرسمية كانت
دوما تغطي على الخبر - لأن الأغلبية الساحقة للناس كانت تجهل أن لنا مكتبا في
إسرائيل وأن لإسرائيل مكتبا في تونس. وتسمع الكثير في الشارع التونسي عن قناة
فضائية جديدة تستأثر بلب الجماهير وتشكل تهديدا جديا لسطوة "الجزيرة " وهي قناة
«المنار".
وعلى هذه القناة مثلما على القناة الفلسطينية
يتابع العرب مشدوهين لحظة بلحظة الصور –اللكمات بما توحي به من معان وتثيره من مشاعر
ومشاريع .
وتحت
هذا الغليان السطحي هناك تحولات جذرية عميقة شكلت الانتفاضة منعرجا حاسما لها تعيد
تشكيل الوعي الجماعي فالرأي العام العربي وهو ما يعني تبلور بطيء لخيارات
مبهمة لا زالت تعتمل داخل
اللاوعي الشعبي قد يكون لها يوما بالغ التأثير.
إنّ الوعي اللاوعي العربي ساحة معركة ضروس منذ
النهضة والقاعدة كانت وستبقي أن من
يستحوذ عليه بصوره ورموزه وقيمه ومفاهيمه يستحوذ على مقاليد السياسة والمجتمع في ظرف وجيز
فكل المعارك النظرية كما يقول الفيلسوف الفرنسي " التوسر" هي معارك سياسية داخل
النظرية وكل المعارك السياسية هي معارك صور وأفكار ورموز حتى قبل أن تكون معارك
مصالح
وفي
هذا الصدد يمكن القول أن أهمية الانتفاضة الثانية لا تكمن في ما قد تحققه من مكاسب
سياسية في فلسطين بقدر ما تكمن في تغليب خيارات على أخرى داخل ساحة المعركة الفكرية
الرمزية على امتداد الوطن العربي ودار الإسلام برمتها
وثمة
صور لا تنسى وكلها تنضح بالمعاني وبالرموز ولها شحنة عاطفية ومعنوية بالغة القوة
والتأثير تصيغ عقل المشاهد خاصة إذا كان طفلا أو شابا.
و
في البداية هناك صورة رؤساء القبائل والبيروقراطيات البوليسية والعسكرية الذين
اجتمعوا في فندق فاخر ليتصدقوا بشيء من المال على الثكلى واليتيم ورجع كل واحد منهم
إلى بيته فرحا مسرورا بما قدم من تضحيات جسيمة ليواصل التحكم في شعبه وقهره.وكلهم
استغلوا الفرصة لمحاولة استرداد شيئا من احترام الشعوب فلم يزيدوا إلا في الطين
بلة.
وليست
هذه أول مرّة تصاب فيها الصور والرموز الرسمية بالعار والخزي لكنها قد تكون
الأخيرة.
ويالها
من مأساة ما آل إليه المشروع الوطني الذي مثله في يوم ما هؤلاء
القوم.
لقد
كان هناك، لله والتاريخ، مشروع وخطاب الحداثة والتنوير والدولة الوطنية العصرية
واللحاق بركب الأمم الغالبة والتقدم والاشتراكية والاقلاع والامتياز و الوحدة بل
وحتى ….فرحة الحياة.
لقد
كان في مطلع القرن العشرين خطاب نخب حالمة صادقة وطنية مخلصة ثم اصبح خطاب الدولة
الشمولية القطرية ببيروقراطيتها الرديئة لينتهي كغطاء نظري لا يخدع أحدا لاستبداد
لدولة بوليسية او عسكرية ترتهن شعبها وتذله وترهبه وتنكّل بنخبه وتصادر خيراته
وسيادته. ولا يوجد عربي اليوم ليس واعيا باستشراء الفساد و التعذيب والمحاكمات
الجائرة وتكميم الأفواه وخنق كل الحريات الفردية والجماعية والسخرية من الشعب
بانتخابات مفضوحة التزييف وأخيرا وليس آخرا إضاعة فلسطين والعجز المفضوح عن
نصرتها.
ولم
يبق من هذا الخطاب اليوم إلا شيء يشبه جعجعة الطواحين تسمعه الجماهير العربية
بتقزّز هذا عندما تعيره قدرا من الانتباه. وإن في هجر هذه الجماهير لوسائل الإعلام
الرسمية وتلهفها على سماع
قناتي" المنار" أو "الجزيرة " أقوى دليل على أن مشروع الدولة القطرية الشمولية
المتخلفة قد انتهى وإننا نعايش مرحلة تصفية التركة وهي مرحلة قد تطول وقد تقصر
لكنها خطت خطوات بعيدة. والقاعدة في مثل هذه الحالات القانون الذي سنه فكاهي ًأن كل
شيء على ما يرام في النظام الدكتاتوري إلى حدّ الربع الساعة الأخيرة ً. ويكون
الانهيار مفاجئا وسريعا وكأن القلعة الحديدية التي كانت ترعب كل من ينظر إليها من
الخارج مبنية من الورق المقوى. ولا
زلنا نتذكر كيف انهار بين عشية وضحاها النظام السوفياتي الذي كنا نظنه عابرا
للقرون. وما من شك أن أنظمتنا الاستبدادية حتى وإن لا تعلم ذلك فهي في ربع ساعتها
الأخيرة لأنّ الانتفاضة الثانية للشعب الفلسطيني قد أسرعت بعقارب
الساعة.
والسؤال
الآن ما هي الصور والرموز والقيم التي تغلغلت في العقل وفي الوجدان العربي حاملة في
طيها البدائل ذات الأمد المتوسط والطويل.
ويكفي
للردّ على هذا السؤال أن نحلّل بعض الصور التي عاش عليها الشارع العربي بما تحمله
من دلالات ومن..أوامر صامتة.
ومنها
كل ما يدور حول ذلك ''الباليه '' القاتل الذي يتقدم فيه الطفل أو الشاب إلى الموت
رافعا حجره إلى الأعلى قافزا نحو السماء، شامخا كالطود مصوبا سلاحه البدائي نحو
الدبابة والعربات المجنزرة في أجمل رمز للتحدي والشجاعة والكبرياء. وهذه رسالة
مضمونة فواضحة:للوعي اللاوعي العربي: جردوني من كل سلاح وخبئوه للاستعراضات وقمع
الشعوب فأعطتني ارضي السلاح ….أما بقية الرسالة فواضحة: لا خيار أمام الاستكبار والعنجهية غير
الحجارة.
وثمة
صورة المرأة الفلسطينية تتسلل بين صفوف الشباب الثائر وقد تجاوزت الأربعين من العمر... امرأة
ممتلئة بل وحتى بدينة لم تتعود على حروب الرجال … أمّ ترفض أن تبقى في الخطوط الخلفية وفلذة كبدها يواجه
الرشاشات.
وها
هي تنحني على الأرض تلتقط السلاح وترفع ببطء وصعوبة ذراعها بالحجر وإنها رسالة
مضمونة الوصول للوعي واللاوعي العربي يفهمها كل من بقيت فيه ذرّة من
الرجولة.
وثمة
صورة الجندي الإسرائيلي مدججا بسلاحه يجري وراء الطفل الفلسطيني. فجأة يقف الطفل
ويواجه البندقية رافعا ذراعه بسلاح الأرض . تتوقف الكاميرا مطولا تضيف التشويق إلى
التشويق. ثم تحصل المفاجأة يولّي الجندي الإسرائيلي البطل الذي لا يقهر في
الميثولوجيا العسكرية الصهيونية الأدبار أمام الطفل ويهرول هذا الأخير
وراءه.
وهذه رسالة مضمونة الوصول للوعي واللاوعي
العربي يفهمها ويستبطنها كل طفل عربي: أنت قادر أن تسلّحت بقضية عادلة وبإرادة
الحياة أن تقهر كل عدوّ.
وثمة صور مقتل الطفل بين ذراعي أبيه والثأر
عند العرب والمسلمين أقدم واعمق الآليات النفسية التي تحرك شعوبنا على مرّ التاريخ.
وهذا طفل أقسمت الملايين في صمت بالثأر له يوما طال الزمان أو قصر. وثمة صورة
القبّة الذهبية تتلألأ في كل القلوب، وقف الله قبة المعراج والإسراء ، وقف الأمة
التي لا تفريط فيها مهما كان الثمن.
وثمة
صورة رجال لبسوا أكفانهم ومشوا فيها أحياء أموات حتى لا تضيع عاصمة وجدان
العرب.
ونحن
إن جمعنا المعاني التي تنضح بها كل هذه الصور نكتشف خطوط القوة للخطاب الذي هو بصدد
غزو العقل والوجدان العربي : الجهاد من أجل إصلاح الوضع المتعفّن داخل كل فضاء
أصابه التعفّن ولا حلّ آخر غير
القوّة المقدّسة أمام إرهاب
القوّة
المدنّسة.
وليس
لنا مؤشرات علمية لنقيس بها عمق تأثير الخطاب الجديد ولا نعرف متى وكيف ستترجم
الصور الرموز يوما إلى فعل سياسي. وهل عدنا نستطيع التنبؤ بما سيؤدي إليه الغليان
الفكري والعاطفي في عقل ووجدان الأمة وهي تشاهد عاجزة امرأة بدينة ترمي الحجارة على
عربة مجنزرة وطفل يركض وراء جندي لا يقهر بينما توضع جيوشها في حالة استنفار
لقمعها.
وهل
عدنا من دون أن نشعر لإغراء الثورة
ومحركها هذه المرّة الإسلام والعروبة وهدفها الانتقام ممن أذلوّا الأمة سواء
كانوا من حكامها أو من أعدائها التاريخيين ؟
وهل
سقط نهائيا الخطاب الإصلاحي
الذي تمسكت به نخب الأمة طوال العشريتين
الماضيتين أم أرجعته الانتفاضة إلى بداية البداية ؟ فأي صور بالغة التأثير مفعمة بالقيم
ومحملة بالرسائل المبهمة التي تفعل فعلها في الوعي الجماعي يمكن أن يقدمها الديمقراطيون والمناضلين
من أجل حقوق الإنسان وهم اليوم
حملة الفكر الإصلاحي والبديل السلمي الجدّي للأنظمة المهترئة ؟ إنهم في أحسن الأحيان ضحايا أنظمة تتزايد
شراستها كلما شعرت بقرب نهايتها. ومتى كان للضحايا قدرة استنفار الشعوب إن لم
يواكبوا غضبها ؟ لكن هل يستطيعون مواكبة هذا الغضب الشرعي دون التنكر لمبادئهم وهي
أساسا التمسك بالخيار السلمي والحلول
القانونية لأن الثورة جميلة لكنها لا تنفع كثيرا في علاج المرض الذي أدى بنا جميعا
إلى هذا الوضع المزري ….النظام الاستبدادي العربي
.
والثابت
أن الانتفاضة الثانية للشعب الفلسطيني قد أعادت خلط الأوراق بصفة جذرية وان منعرجا
جديدا قد أخذته الأمة من أين تشعر أو لا تشعر وأن الفرقاء الثلاث للعجز العربي
مواجهون أكثر من أيّ وقت مضى بتحديات
ضخمة.
كيف
ستقاد الثورة القومية –الدينية وأي حظوظ لها في الوضع الدولي الجديد وهل
ستقصر في عمر الاستبداد أم هل ستشبب وهل
ستكون العذر الذهبي للأنظمة
المهترئة لاكتساب شرعية الدفاع عن الحداثة وحقوق المرأة والائيكية ضد الإرهاب
والظلامية ؟ وبالنسبة للإصلاحيين والسلميين أمثالي كيف نقنع الأمة بأن غضبها شرعي
لكن الديمقراطية وحقوق الإنسان هي الطريق الصعب والطويل لأنه لا وجود لأمّة عربية قوية إلا بعرب أحرار لا يمس جسدهم معذّب
ولا يرهبهم جهاز مخابرات ولا تذلهم انتخابات مزيفة ولا يجبرون على عبادة الأشخاص ويعيشون في ظل دولة عمادها الحق والقانون،
يطلقون داخلهم قوى الخلق والإبداع بالتنظيم الحرّ والقول الحرّ ومحاسبة
مسؤولين يرفعون فيهم الجدارة
والفعالية. وهذه الأمّة القوية بمواطنيها الأحرار هي وحدها القادرة على فرض السلام
العادل.
أما
الأنظمة فليس لها من أسئلة تردّ عليها غير تلك التي تتعلق بكيفية رفع فعالية القمع
في بوليس أو جيش تنسى انه مكون من عرب بلغتهم هم أيضا الرسائل المضمونة الوصول التي بعثتها
المرأة البدينة وطفل قتل بين ذراعي
أبيه وآخر يركض في مخيلة كل طفل عربي وراء الجندي الذي لا
يقهر.
ولا
يجب ان تغطي علينا القضية الفلسطينية على خطورتها وأهميتها جرائم الاستبداد في كسر
الروابط الطبيعية بين شعوبنا . فهذا دكتاتور أهوج يهاجم شعبا عربيا فيأتي لنا
بالاحتلال الأمريكي للخليج ويسمم العلاقات بين الشعوب العربية. وهذا نظام استبدادي
آخر يردّ عليه باعتقال أو طرد الآلاف من العمال العرب
المساكين.
وها هي الدكتاتوريات العربية تقيم الحواجز
والسدود في وجه سيلان الأفكار والبضائع والأشخاص في الوقت الذي تتجول فيه في فضاء
سبع دول أوروبية ولا يطالبك أحد ببطاقة هوية.
ولا يوجد اليوم حقد عربي على عربي إلا وكان
وراءه سياسة نظام تعمق الهوة بين الشقاء وتقف حجر عثرة في وجه توحيد المصير لأن كل
مستبد عربي اقتطع له جزءا من جسم الوطن وليس له أدنى نية في التسليم بسلطته المطلقة
عليه ولو مرّ ذلك بتواصل التفككّ في عصر التوحد والبحث عن كل القواسم
المشتركة.
لكن كم يخطئون وكم يخطئ من وضعوهم على
صدورنا لأن المؤجل آت لا ريب فيه وكلها مسألة وقت وظروف وقديما قال أجدادنا من يزرع
الريح يجني العاصفة .
***
خراب
المشروع الإصلاحي
تتميز
كل الأنظمة العربية بأنها تصل للسلطة بتعلة التصحيح والإصلاح وتدارك الأخطاء للنظام
السابق وتحقيق الأماني التي تحلم بها جماهير الشعب. ثم يتمخض الجبل فيلد خازوقا
ويتشكل النظام الجديد على شاكلة من سبقه لأن هناك عجز عن تغيير الذهنية والآليات
ومجرد تغيير الوجوه في مسرحية أو مأساة اسمها النظام
الاستبدادي.
وحيث أن نفس الأسباب تولد نفس النتائج فما
هي إلا حقبة صغيرة من الزمن ونجد أنفسنا في نقطة البداية نرجو الخلاص من غاشم
بغاشم نرفض أن ينقذنا نخاس من
نخاس.
وبالإمكان
دراسة آليات خراب مشروع ''التغيير'' و''التصحيح'' و''الثورة'' في أي قطر عربي
لاكتشاف الثوابت المتعلقة دوما بثبات الهيكل الاستبدادي والعقلية الاستبدادية
.
إن التعرّض لأسباب التعثر والتراجع في المسار الديمقراطي في تونس، كنموذج
لتعثره في كل مكان من الوطن الكبير،
لا يمكن أن يبدأ بالقفز فوق هوية المحلل وأدوات التحليل، لأن كل تفسير هو بالضرورة موقف والموقف بالضرورة
موجه ونسبي كما لا يمكن أن لا يذكر بتاريخ قريب كانت فيه أسباب الفشل
جنينية.
إن
كاتب هذه السطور كان طرفا في معركة صعبة إبان السنوات التي تقر ر فيها مصير المسار
الديمقراطي أو لا كرئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان التي رصدت بكل دقة
مراحل التراجع ومظاهره وثانيا كمرشح ديمقراطي مستقل للانتخابات الرئاسية سنة 1994
والتي منعت فيها من المشاركة ودخلت السجن على إثره.
أما
عن أدوات التحليل في هذا النص فهي
ترتكز أساسا على التجربة أي على معايشة المعركة من الداخل مع ما ينجر عن هذا من
عمق الرؤية وقصرها نتيجة الانخراط في صراعات وخلافات، ومن ثمة فإن هذا
الرأي لا يد عي الأكاديمية
والموضوعية والتجرد. هو شهادة وموقف لا بد من مقارعته برأي آخر.
إن
المتأمل في تاريخ تونس الحديث لمواجه بالإشكالية مع ما تثيره من فرضيات أغلبها
متشائم.
فتونس
هي البلد العربي الأكثر توفّرا على
شروط الدخول في الديمقراطية، ومع هذا فهي اليوم من أبعد البلدان العربية عن
تحقيقها.
لنستعرض
بعض المواصفات أو الشروط التي جعلتنا نعتقد الديمقراطية سهلة التحقيق
-
تونس
بلد متجانس عرقيا ودينيا ولا خوف من أن تصبح الديمقراطية فيه أداة أو غلافا لصراعات
طائفية.
-
هي
بلد الطبقة الوسطى (على الأقل إلى حد
هذه المرحلة ) ، التي قادت معركة الاستقلال الأول وبنت الدولة ونشرت
مفاهيمها وقيمها (الاعتدال ،التسامح) ودافعت عن مصالحها ومنها توسيع مجال حرّياتها
وحقها في المشاركة في تسيير البلاد.
إنه
من البديهي أن الديمقراطية ليست آليا إيديولوجيا هذه الطبقة ، فالحركة الإسلامية
مثلا تستمد هي الأخرى أهم قواعدها منها، لكنه من المعروف أن البرجوازية
الصغرى والمتوسطة هي التي تدفع قدما في كل
بلاد المشروع الديمقراطي لأنه يوسع مجال حر ياتها وحقوقها المعنوية
والسياسية بعد أن تكون قد تخلصت من ضغط الحاجيات الضرورية التي تكب ل الطبقات
الكادحة إضافة إلى أنها تدرك خلافا لهذه الأخيرة إلى أي مدى تستطيع
الديمقراطية توسيع مجال الحقوق
الاقتصادية والاجتماعية نفسها.
-تونس
بلد متفتح إلى أقصى التفتح على الشمال الديمقراطي تتبادل معه الهجرات الموسمية
(السياحة) والطويلة المدى
(العمال )، والبضائع (90 % من واردتنا والصادرات ) والقيم والأفكار ومنها
الأفكار الديمقراطية التي أصبحت في الثمانيات الأكثر رواجا مع الأفكار الإسلامية،
على عكس الأفكار الماركسية أو القومية التي شهدت انحسار نسبيا.
إن تواجد هذا المناخ وهذه الأرضية كان يتماشى
مع تغييرات هيكلية بالغة العمق داخل المجتمع التونسي وأنه لمن سخرية الأقدار أن
تكون الدولة الشمولية هي التي مهدت لهذه التغييرات التي جعلت من مطلب الدمقرطة
ضرورة اجتماعية قاهرة ، تقف هذه المر ة هي لا غير حجر عثرة في وجهها.
نكتفي
بالإشارة إلى ثلاث ظواهر هامة على الأقل ، لعبت دورا هاما في إشكاليتتا.
-
شكّل
ظهور مجلة الأحوال الشخصية سنة 1957 مع ما أعطته من حقوق للمرأة ضربة هامة لنواة
الاستبداد الأولى في المجتمع :
العائلة الأبوية القديمة، وكان تحرّر
المرأة ودخولها سوق الشغل وارتقائها في كل
مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية من أهم العناصر للتطوّر الديمقراطي المجتمعي أي لإعادة توزيع السلطة
داخل العائلة والمجتمع مع العلم أن هذا التحرّر ما زال نسبيا وأنه لا زال هناك مجال
كبير لتطويره.
-
أدى
تعميم التعليم الابتدائي على كل
الأطفال وانتشاره إلى رفع المستوى العام وإلى توسيع قاعدة النخبة ومن نافلة القول
أن من طبيعة هذه الأخيرة المطالبة بإشراكها في القرار
.
-
من
أهم ترتبات فشل التو جه
الإشتراكي-البيروقراطي في الستينيات والانعطاف الشبه كلي نحو القطاع الخاص من بداية
السبعينيات ، تزايد نفوذ شبكة هشة، إلا
أنها متنامية القوّة والنفوذ من صغار المقاولين الاقتصاديين في كل المجالات (النقل ، الخدمات - الصناعة الخفيفة ) ومن
المعروف أنه كل ما تنامي الاقتصاد الخاص
كل ما تزايد على أرض الواقع توزيع السلطة وتوازنها رغم
أن الدولة في تونس أبقت كل الأوراق
في يدها وذلك عن طريق التشريع والترخيص.
إن كل
هذه التغييرات الهيكلية ما كان لها أن تبقى بدون انعكاسات هامة على الدولة
الشمولية بمفاهيمها (السلطة الأبوية للمستبد العادل) وآلياتها ودواليبها (تنظيم
ومراقبة كل هيئات المجتمع المدني من
نقابة وجمعيات ) ودواليبها (دولة
الحزب وحزب الدولة) مؤسساتها الصورية التي لا تعكس إلا إرادة الزعيم
(البرلمان
الصوري الخ... ) وخاصة بأهم أركانها
: عبادة الشخصية.
لم
تلبث هذه الدولة بمواصفاتها المذكورة أن تجد نفسها في تناقص كلي مع مجتمع شب عن الطوق وهكذا اتخذت المعارضة التي كان
النظام يلقاها في الستينيات باسم الماركسية أو القومية منحى جديدا.
من
الصعب التأريخ الدقيق لبداية المواجهة، إلا
أنه من الممكن التركيز على بعض المراحل الهامة التي عكست نضج أفكار ومشاريع الحركة
الديمقراطية.
رفع
اليسار الماركسي المقموع في
السبعينيات مطالب حريات الرأي
والتنظم بصفة مكثّفة
قام
الحزب الحاكم (الحزب الدستوري ) سنة 1971 بطرد ثلة من مناضليه القدامى لمطالبتهم
بمزيد من حرية الرأي والتشاور داخل الحزب ومزيد من التفتح على حاجيات مجتمع كانوا
يشعرون بتطوّره.
ولدت
الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان
سنة 1977 لمطالبة الدولة باحترام الحريات الفردية والجماعية المنصوص عليها
داخل الدستور نفسه ناهيك عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود والمواثيق
الدولية التي فاخرت تونس دوما بالمصادقة عليها .
- ظهرت
سنة 1977 أول جريدة مستقلة معارضة "الرأي" التي جمعت حولها نخبة من المثقفين
الديمقراطيين، ولعبت هذه الجريدة دورا ثقافيا وسياسيا بالغ الأهمية في إشاعة
الأفكار الديمقراطية.
-
حصل
سنة 1983 أول حزب معارض على التأشيرة
القانونية وهو "حركة الديمقراطيين الاشتراكيين" بينما رفع سنة 1981 الحضر عن الحزب
الشيوعي الساري المفعول به منذ 1961
إن هذه التحولات البارزة على الخارطة
السياسية كانت تعكس تطورات فكرية واجتماعية داخل مجتمع أصبحت التعدّدية الثقافية
والسياسية فيه ظاهرة تتعمّق يوما بعد
يوم لكنّها مواجهة بأحادية سلطة لم
تجدّد مفاهيمها وآلياتها.
من
البديهي أن هذه المواجهة بين قوى التقدّم الاجتماعية وقوى الشد على الوراء كانت على أشدّها ولو أنّها
كانت مطبوعة الطابع التونسي المعتدل نسبيا (بالمقارنة إلى ما يقع عادة في مثل هذه
الحالات في الأقطار الشقيقة.
ومن
مظاهر هذه التعدّدية الفعلية التي أصبحت يوما بعد يوم من مميزات المجتمع التونسي
بروز الظاهرة الإسلامية في السبعينيات وتنامي قوتها في الثمانينات، فانضاف تيار
فكري سياسي آخر، إلى القوى والتيارات
الموجودة أي الاشتراكي
والليبرالي - الفرنكفوني والعروبي،
وكلها كانت تعكس واقعا موضوعيا للمجتمع التونسي متعد د المستويات والأطراف
كقوّة الإنتماء العربي الإسلامي، وأهمية تأثير الأفكار الاشتراكية وواقع تونس المتوسطي المتأثر بقيم وأفكار
الشمال وعمق العصرنة التي كانت نتيجة الاحتكاك به
.
إن كل هذه التيارات التي كان
من المستحيل تجاوزها والقفز فوقها كانت تبحث عن طرق للتعبير عن أفكارها ومصالحها،
وأطر تنظيمية قانونية لتطرح مشاريعها وبدائلها سواء في شكل أحزاب أو في منظمات
جماهيرية ثقافية تخلقها أو تدخلها كطرف فاعل إلا أنها كانت تواجه دوما من قبل الدولة
الحزبية بالمماطلة والتسويف تارة وتارة أخرى بالقمع والمواجهة، فقد تعر ض الاتحاد
التونسي للطلبة إلى الحل في
السبعينيات والاتحاد العام للعمال إلى كل
أنواع الاضطهاد في منتصف الثمانيات، ثم " أن الرابطة التونسية لحقوق الإنسان
لم تحصل على التأشيرة القانونية
إلا بعد خمس سنوات من القيام
بأوّل مبادرة لخلق الجمعية، مع العلم أن الترخيص لها كان أساسا لتفادي الترخيص
لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، وبقية التيارات السياسية الأخرى التي كانت تطالب
بالاعتراف بها. وقد خلقت السلطة للرابطة التونسية "ضر ة " سنة 1986 لم تعمر طويلا،
ومنعت جريدة الرأي بصفة متسربلة طوال الثمانينات ورفضت التأشيرة في بداية
الثمانينات لمنظمة النساء الديمقراطيات
لأنّها لم تكن تقبل أن تخرج قضية المرأة من يديها ثم واجهت صعود الاتجاه
الإسلامي بحملات مكثفة من القمع وهكذا وجدت الدّولة نفسها تشرف على أطر كالقلاع
الفارغة مثل الحزب الاشتراكي الدستوري بمليون "منخرط" وصحافة لا يقرأها أحد ، وأيديولوجية ضحلة
ومجتمع مدني غاضب.
وقد
تعمّقت أزمة الدولة الشمولية، بالنزيف المعنوي الذي لحقها من تزايد اللّغط حول
قضايا الفساد، وانهيار مصداقية خطاب مهترئ متآكل لوسائل إعلام بالغة التخلّف،
وأخيرا وليس أخرا باستفحال مأزق عبادة الشخصية والتلفزة تقدّم كل مساء صور مرض الرئيس بورقيبة المتسارع
وأخبارا عن قرارات متضاربة يأخذها فيعين
يوما هذا الوزير ويلغي تعينه من الغد وكانت كل نشرة أخبار ضربة لهيبة الدولة ومصداقيتها
ودليلا كاشفا عن سقم وأخطار الرئاسة مدى الحياة التي فرضها السيد بورقيبة على الشعب
سنة 1974.
هكذا
عرفت تونس، سنة 1984 انتفاضة شعبية
سمّيت ثورة الخبز نفّس فيها الشعب عن كل
تلك الضغوطات التي كانت تعتمل داخله والتي كان النظام عاجز عن فهمها
وتأطيرها سلميا ، ولم يكن ارتفاع ثمن الخبز إلا الشرارة التي أشعلت النار في أكداس من
الحطب الجاف المتراكم
.
شيئا
فشيئا وصلنا إلى مشارف 1987 وقد اكتملت الأزمة أي من جهة مواصلة تعمق ظاهرة التعددية الاجتماعية والفكرية، ومن جهة
تعمق أزمة الدولة الشمولية المتمثلة في انهيار الصورة والخطاب وفراغ الأطر والآليات
من كل مضمون لا يتسم
بالانتهازية.
كان
الجميع يشعرون بأن التغيير آت لا ريب فيه وأن هذه الحالة المزرية غير قابلة للبقاء
طويلا إلا أن أحدا لم يتوقع لا مصدر
التغيير ولا أي اتجاه سيتخذ .
في
أواخر 1986 وأزمة الدولة الشمولية على أشدّها كان هناك وهم بين صفوف الحركة
الديمقراطية أن نهاية الاستبداد قريبة وأن تونس ستنجح في الدخول إلى الديمقراطية
وستلعب الدور الذي فشل في لعبه لبنان
كانت
هناك ضلال بالطبع منها تنامي الحركة
الإسلامية لكننا كنا نعتقد بأن هذه الحركة تبقى تونسية في خصائصها رغم إيديولوجيتها
"المستوردة "من الشرق وخاصّة من مصر،
أي مطبوعة ضرورة بطابع الاعتدال ومحكوم عليها أن تلعب دورا في الدمقرطة كجزء
من التوجّه العام ولم يكن هناك أدنى
خوف من أن هذه الحركة قادرة لوحدها
على أن ترث النظام الاستبدادي المترهّل خاصّة بعد أن أظهرت ثورة الخبز سنة 1984
محدودية تأثيرها الفعلي في مجتمع زاخر بكل
القوى المضادة لأي إرادة
هيمنة من طرفها كالنقابة والرابطة ، واليسار ناهيك عن وزن
النساء.
مما
زاد في حدة الوهم بالدمقرطة الحتمية
في تونس الانتصارات الجارفة التي كانت تعرفها الديمقراطية آنذاك في دول المعسكر الشرقي وأمريكا اللا
تينية وإفريقيا جنوب الصحراء.
إلا أن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن حيث
استطاع النظام في أقل من ثلاث سنوات استرجاع كل خصائصه ومقوّماته وسلطته الأحادية وذلك
بمجر د تغيير جذري في قمّة السلطة.
إن النقاش حول طبيعة التحوّل
الذي حمل رئيس الوزراء زين العابدين بن علي إلى رئاسة الجمهورية وإزاحة الرئيس
بورقيبة يوم 7/11/ 1987 لا أهمية له إذ كان من الضروري بأي شكل من الأشكال وضع
حد لمهزلة ومأساة تمثلت في تواجد على
قمة السلطة رجل مريض تجاوز الثمانين فقد الكثير من مداركه الذهنية
ومؤهّل
حسب "الرئاسة مدى الحياة" لمواصلة التدهور البطئ ومعه الدولة بأكملها.
لذلك
استقبل التونسيون ومنهم الديمقراطيون هذا التغيير بحماس كبير ومما زاد في حماس
الأخيرين أن النداء الذي افتتح به الرئيس الجديد رئاسته كان بيانا ديمقراطيا
بأتم معنى الكلمة حيث اعترف للشعب
بالنضج وذكر الديمقراطية كأسلوب منهجي للدولة (ولو أنه أردفها بوصف المسؤولة وهو
وصف لم ننتبه إلى أهميته لأن كل
ديمقراطية تعر ف هي آليا ديمقراطية بحدود أي ديمقراطية أسيرة هذه الحدود) ثم
هو وعد بإلغاء الرئاسة مدى الحياة وبإعادة النظر في القوانين المجحفة واللا دستورية
التي كانت تكبّل الحياة السياسية مثل قانون الصحافة وقانون الأحزاب وممّا عمّق
الأمل أيضا أن الرئيس الجديد قام بمبادرات مشجّعة كالعفو العام والسماح لبعض الأحزاب بالنشاط
العلني والانخراط في مشروع "الميثاق الوطني " وإبرام العديد من الاتفاقيات الدولية
لحقوق الإنسان منها الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب
.
إن الحدث الذي كان عليه أن يقرع جرس الإنذار منذ البداية هو أن الرئيس
الجديد لم يلبث أن قبل ترأس الحزب الدستوري القديم والحال أن المطلب كان ولا يزال
فصل الحزب عن الدولة ، ليكون الرئيس رئيس كل
التونسيين على اختلاف مشاربهم وأفكارهم السياسية، وكان تحقيق هذا الشرط ولا
يزال المدخل الأوحد للاعتراف فعليا
بالتعددية داخل المجتمع وتجاوزها، حيث من الضروري أن يكون الرئيس ولو أفرزه حزب قوي الضامن لوحدة المجتمع التعددي عبر
تجاوزه لدور قائد فريق سياسي
منتصر
.
هكذا
رأينا في فرنسا مثلا ميتران يبتعد عن الحزب الاشتراكي حال انتخابه رئيس الجمهورية
لكن المثل لم يتّبع فوجدنا من جديد أنفسنا في مواجهة تجدّد دولة الحزب وحزب
الدولة.
.
إن بقاء الرئيس بن علي على رأس حزب نخرت فيه كل عيوب الحزب الواحد كان ضربة قاضية للمشروع
الديمقراطي وبداية المسلسل الذي قاد إلى إعادة الدولة الشمولية كما كانت في
الستينيات بأركانها المعروفة : عبادة الشخصية وسيادة الحزب الموطّر لكل المجتمع ،
وإسكات كل الآراء المعارضة مع
تغييرات طفيفة أدخلت كتنظيم "أحزاب المعارضة" لتشارك في ما سم ي بالديكور
الديمقراطي
.
هكذا
انطلقنا آملين لتحقيق الديمقراطية
فلم نظفر في آخرة المطاف إلا
بشبحها.
وثمة
قضية أخرى لم ننتبه آنذاك لخطورتها وهي دور العامل الخارجي فمن البديهي أن
التغييرات في تونس لا تقع إلا بإذن من العراب الغربي لذلك لم نستغرب كثيرا الأخبار
التي نشرتها الصحافة الإيطالية عن دور المخابرات الإيطالية في تسهيل عملية
التغيير.
وقد اتضح فيما بعد أن الحكومات الغربية وعلى رأسها فرنسا وإيطاليا
والولايات المتحدة ستدعم بن علي بصفة مستديمة رغم تواجد المجتمع المدني الغربي في
صف الديمقراطيين التونسيين.
فالحكومات الغربية لا تهتم إلا بالمصالح
القصيرة المدى وهذا ما فهمه بن علي فأعطاها ما تريد أي الاقتصاد الليبرالي
والاعتراف بإسرائيل ومحاربة البعبع الإسلامي وفي المقابل تغاضت هذه الحكومات جوهر
النظام أي الفساد وعن أسلوبه الوحيد أي القمع.
وبالمقابل نجد المجتمع المدني الغربي ممثلا
في صحافته ومجتمعاته المدنية ومستندا إلى قيمه يحاصر ويحارب بن علي ويشكل دعما هاما
للحركة الديمقراطية التونسية.
وهذا درس يجب أن ينتبه له من يتحدثون عن
الغرب كما لو كان كتلة واحدة يحكمون على أنفسهم بالسطحية في التحليل والعجز في
العمل لأنه لا أثمن لنا من حليف في معركتنا ضد الاستبداد المحلي والدولي من
المجتمعات المدنية في كل أرجاء العالم وأساسا المجتمع المدني
الغربي.
لقد بدأنا نفيق من الوهم تدريجيا لكن
سنة 1989كانت هي المنعطف.
رغم
أن الانتخابات الرئاسية لم تثر أي أشكال وأن السيد بن علي كان المرشح الوحيد بقبول
كل الأطراف وأن أحدا لم يطعن أو
يشكّك في هذه الانتخابات، فإن
الانتخابات التشريعية وقعت في
ظروف غير طبيعية وكانت لها ملابسات خطيرة، فلأو ل مرة شارك التيار الإسلامي ممثلا
في قائمة مستقلة ومعه قوائم حزبية ديمقراطية
رفضت الانخراط في جبهة أي رفضت التعيين لتمارس لعبة المنافسة لذلك وضعت في
وجهها كل العراقيل الإدارية الممكنة كالتزكية
المسبقة والتضييق على الاجتماعات وكانت الطامة الكبرى عندما فاز الحزب الحاكم
كالعادة بكل المقاعد وشاب آنذاك
الجو كثير من التشنّج والحذر واعتبرت
الانتخابات غير معبّرة عن إرادة الشعب ، إضافة إلى الاحترازات الدائمة حول قانون الأحزاب والانتخابات
نفسها التي كانت دوما في صالح السلطة .
يبقى أن الانزلاقات الخطيرة بدأت أساسا بعد المواجهة بين السلطة والتيّار
الإسلامي على إثر حادث حرق إحدى مقرّات الحزب الحاكم في حي باب سويقة بتونس، ثم اتّهام الحركة
بتدبير محاولة اغتيال
رئيس
الدولة
.
إن تتبع بلاغات الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان التي واكبت
بكل يقظة لكن بعجز تام انحسار الحرّيات الفردية والجماعية يعطي
فكرة عن مراحل هذا الإنحسار .
-احتجت
الرابطة في 12 أفريل 1989 و10 جوان 1990 على الطريقة التي وقعت بها الانتخابات
التشريعية والبلدية وذكّرت بواجبات دولة ديمقراطية في هذا المضمار.
-طالبت
الرابطة في 7 جوان 1989بإحترام
حق التنظم للجميع ومنهم
الإسلاميين.
-
أدانت
في بلاغ 26 جويلية 1991 التدهور المستمر
للصحافة وسيادة الخطاب الواحد في الإذاعة والتلفزة واستشراء الرقابة، ومنع بلاغاتها من الصدور. وقد عادت الرابطة مرارا
وتكرارا تحتج على هذه الظاهرة الخطيرة التي تفاقمت يوما بعد يوما مؤدّية إلى تقلّص
مجال حرية الرأي والتعبير بصفة لم يعرف لها مثيل
ما
انفكت الرابطة ابتداء من سبتمبر 1989، وفي بلاغات متعدّدة ( 5 نوفمبر 1990، أفريل 1990، 12 جويلية 1990 ، 14 جوان 1991 ، 12 ديسمبر
1991 تدين عودة ظاهرة التعذيب،
والمعاملات المشينة والقاسية ، ووضعية السجون، والاعدامات.
هذا مع العلم أنها رصدت أيضا
كل التجاوزات التي وقعت من أطراف
أخرى وأنها أدانت مثلا في بلاغات ديسمبر 1989 وفيفري 1990 ، وفيفري 1991وماي 1991 تصر فات عنيفة قام بها الإسلاميون في الجامعة أو خارجها كما
أكد ت في بلاغ 4 أكتوبر 1991 على إثر اتهام حركة النهضة
بتدبير محاولة انقلاب ضد النظام أنها
"وبدون الحكم على اتهامات الدولة وبانتظار قول القضاء فإنها تجد د إدانتها المطلقة
للعنف والإرهاب ورفضها التام لأي
محاولة لتغيير النظام الجمهوري أو نمط المجتمع بالعنف وتشبثها القوي بدولة القانون
والمؤسسات والأسس الأيدلوجية لمجتمع مدني ديمقراطي".
هكذا تميّزت فترة ما بين 89 و94 أي الفترة الأولى لرئاسة بن علي بتراجع
ملموس في كل الميادين التي تبنى
عليها دولة ديمقراطية أي حرّية الرأي وحرية التنظم وحر ية الإنتخابات وذلك أساسا
بتعلّة مواجهة الخطر الأصولي و... الدفاع عن الديمقراطية.
حول
الأسباب
إن
أسباب فشل المسار الديمقراطي في تونس والحال أنّها كما قلنا البلد الأكثر
توفّرا على شروطه ناجم حسب رأي عن تضافر عوامل ثلاث : دور الحركة الإسلامية المباشر
وغير المباشر والمسؤولية الفادحة للحركة الديمقراطية نفسه إضافة إلى دعم الحكومات
الغربية الذي سبق وان أشرنا إليه
لكن
المسؤولية الكبرى هي عجز النظام عن التجدد .
بطبيعة
الحال لعبت كل هذه العوامل دورها
بصفة متكاملة ومعقّدة في آن واحد وهو ما أدّى إلى النتيجة الحالية.
إن الفارق الهام بين الدمقرطة الناجحة كليا أو نسبيا في
الثمانينات في أمريكا اللاتينية والبلدان الشرقية سابقا وحتى إفريقيا والدمقرطة
المتعثرة في الوطن العربي هو أن البديل الوحيد الذي كان متواجدا في المناطق الأولى
لحل أزمة المجتمع كان الديمقراطية، أما في الوطن
العربي فقد كان هناك بديلان: الإسلامي والديمقراطي. وكان الأوّل لأسباب ثقافية
وتاريخية أكثر تغلغلا في المجتمع الرافض للدولة الشمولية، أي للمضاعفات السلبية
للآليات والممارسات والنتائج التي كانت طابعها المميّز.
لقد لعبت الحركة الإسلامية العالمية دورها في تعطيل وحتّى إجهاض الديمقراطية
بصفة مباشرة هنا وهناك عندما استهدفت في إيران أو السودان الديمقراطيين بنفس العنف الذي استهدفت فيه
الدولة الشمولية وقد كان للثورة الخمينية
وتنكيلها بمن حالفها ضد
دكتاتورية الشاه ورفضها تواجد القوى السياسية الوطنية في البلاد أثرا خطيرا على تصورات الحركة الإسلامية
السياسية تابعنا فصوله في السودان
وخاصة في الجزائر القريبة عندما كانت الخطب النارية لقادة جبهة الإنقاذ تهزأ هي
الأخري بالديمقراطية بنفس العنف الذي كان
تهاجم فيه النظام
ورغم
أن حركة النهضة في تونس لم تظهر مثل هذه العداوة بل تبنت في غير مناسبة خطابا
ديمقراطيا وتعدديا، فإن المناخ العام
الذي كان يوجه الرأي العام التونسي، كان يضع هذا الموقف على حساب التكتيك
والخطاب المزدوج ولا يأخذ بعين
الاعتبار إلا ما حدث فعليا في الخارج
أو كان بصدده في الجارة القريبة .
ممّا زاد الطين بلة اكتشاف عناصر انقلابية متسلّلة داخل الأجهزة العسكرية
والأمنية عشية الإطاحة بالسيد بورقيبة وهو ما عزّز الاعتقاد بأنه كان للنهضة مخطط
للاستيلاء على السلطة بوسائل غير ديمقراطية، وبداهة لنظام غير
ديمقراطي.
إنه
لمن المضحكات -المبكيات أن الحركة الإسلامية التي عكست أزمة الدولة الشمولية
وتطوّرها المتسارع هي التي
أعطت، مخرجا سهلا للنظام من أزمته
هذه ولو تكتيكيا ولأمد قصير وذلك
عندما مكّنته من الظهور بمظهر المدافع عن العصرنة والتقدم وحقوق المرأة. ومن
المؤسف أن الحركة الإسلامية التونسية عند نشأتها لم تتفاعل كما يجب مع الفكر
الإصلاحي الإسلامي داخل وخارج تونس لتجاوز الصورة التاريخية للخلافة والتصور
التقليدي للعلاقة بين الدين والسياسة والمجتمع، فيما حدد تواصلها وحوارها مع
التيارات السياسية الأخرى في البلاد.
لقد
استطاع النظام الشمولي انطلاقا من هذه الفرصة التي جادت بها الأقدار أن يجنّد قو
تين هامّتين في دفع المسار الديمقراطي
عادة في أغلب بلدان العالم المعاصر الطبقات الوسطى والغرب.
لقد أخاف المد الإسلامي البرجوازية الصغرى المتوسطة
وشل فيها مطلبيها الطبيعية وتوجهها
نحو نظام يسمح لها بممارسة جملة من الحقوق تعتقد أنها "نضجت " لها.
إن
ما زاد في تعميق هذا التوجّه مساعدا النظام الشمولي على المحافظة وحتى على استعادة
المواقع هو استشراء العنف في الجزائر والخوف من العدوى مما سمح للنظام بالتحرّك
بمنتهى الحرّية ليس فقط لاجتثاث الحركة الإسلامية وإن ما لضرب كل قو ة معارضة والوحيدة التي تبقت هي
المعارضة الديمقراطية.
أما الغرب الذي اعتبر دوما أن الديمقراطية هي الوجه الآخر لليبرالية
الاقتصادية وأنّها جزء للتصدير من قيمه ومصالحه. فإنه اصطف وراء النظم الشمولية
العربية ومنها النظام التونسي لنفس
سبب اصطفاف الطبقة الوسطى رغم ما كانت يعلمه من انتهاك الحقوق والحريات
.
ومما
عزّز هذا التوجه الخطأ الاستراتيجي التي ارتكبته الحركات الإسلامية المتطرفة عندما
حملت الإرهاب إلى داخل الغرب نفسه فجعلته يزداد تمسّكا بالأنظمة الشمولية وتساهلا معها في خصوص
الديمقراطية كأن لسان الحال يقول: اقنع بالسيء حتى لا يأتيك ما أسوأ منه
.
يبقى
أن الحركة الديمقراطية تتحمل أيضا مسؤولية كبيرة في فشل المشروع
الإصلاحي.
إن حالة هذه الحركة عشية التغيير الذي وقع في
صلب السلطة ، كانت تبشر بكل خير
لأنّها كانت القوّة السياسية الرئيسية في تونس، فقد كانت الساحة آنذاك لا تحتوي
إلا على ثلاثة أطراف : نظام مترهّل
وحزب حاكم في حالة متقدّمة من التفسّخ وحركة إسلامية متنامية لكن أساسا على هامش
الساحة السياسية ، ثم الحركة الديمقراطية التي كانت بدون أدنى منازع الممثل الرئيسي
على الركح .
لقد استطاعت هذه الحركة رغم أنّها كانت تنظيميا فسيفساء وقوس قزح، أن تتمركز بقوّة داخل أغلب وأهم مؤسسات المجتمع المدني كرابطة حقوق
الإنسان التي كانت تلعب دور برلمان المجتمع المدني والسلطة المعنوية الأولى وبصفة أقل في نقابة العمّال وداخل أغلب الجمعيات
المهنية الهامّة. ثم أنها استطاعت أن
تتهيكل داخل أحزاب صغيرة لكنها واعدة
إضافة إلى أنّها كانت تسيطر على أغلب
وسائل الإعلام المكتوبة، الواسعة الانتشار بين
النخبة
والأهم من هذا أن إيديولوجيتها كانت
هي السائدة إلى درجة أنه لم يكن بوسع
لا السلطة أو الحركة الإسلامية أن تتجاهل هذا الخطاب وأنها كانت، عن قناعة أو تكتيك مضطر ة إلى الالتجاء
إلى قيم ومفاهيم وشعارات الديمقراطيين .
يواجه المتأمل لوضعية هذه الحركة الواعدة بعد خمس سنوات فقط من طلوع الرئيس
الجديد إلى سدّة السلطة بانهيارها المريع
وكأنها تعرّضت إلى إعصار أو زلزال أو كارثة طبيعية فقد أصبحت في جزء منها
أما
مجرّد
وظيفة داخل النظام الشمولي تساهم في تعد ديته المفروضة عبر مشاركتها في انتخابات
معروفة النتائج مسبّقا ولا تتحصل فيها إلا على الفتات وأحيانا على فتات
الفتات كما حصل في الانتخابات
البلدية سنة 1994، ( 0،1 في المائة من الأصوات) أو أصبحت نواة صلبة قليلة العدد مطاردة
ومتعرّضة إلى كل أنواع الضغط
والتضييق بعد أن افتك ت منها السلطة
المبادرة والمفاهيم والشعارات والمشاريع لا لتطبيقها وإن ما لتفرغها من كل محتوى.
لقد
كانت هذه "الكارثة الطبيعية" نتيجة
عوامل متعدّدة.
- اندماج
قطاع منها في المشروع السلطوي بشروط هذا المشروع ومجازفة
البعض من الأفراد المحسوبين عليها بالدخول في السلطة دون برنامج أو اتفاق
سياسي يستند إلى قاعدة تحمي الظهر
وتمنح المصداقية والجدّية وهم دخلوا
السلطة كأفراد منعزلين " للتغيير من الداخل "فخرجوا أو أخرجوا من السلطة
كأفراد منعزلين بعد أن غيّرهم هذا
الداخل الذي أرادوا تغييره
-
التوهم
بأن معركة السلطة ضد الإسلاميين هي
معركة بين طرفين أحدهما خصم والآخر عدو
وأن من مصلحة الحركة الديمقراطية أن تترك الخصم يبطش بالعدو دون الوعي بأن
الديمقراطية وحقوق الإنسان هي التي ستكون الضحية الأولى للمواجهة وأن السلطة بعد أن
تنتهي من ''العدو الإسلامي'' وستلتفت للخصم الديمقراطي وهذا ما حصل
بالضبط.
-الخيانة
الموصوفة للقيم والمبادئ الديمقراطية للبعض حيث قبلت أطراف بدخول انتخابات تعيينية
متنكرين لإحدى أهم أركان الديمقراطية
هو أن الانتخابات لا تكون إلا
تنافسية حرّة نزيهة هدفها التداول السلمي على السلطة وفق ما يرتضيه
الشعب.
-تشرذم
الحركة الديمقراطية نفسها إلى تيارات منها التي رفضت التضحية وتحمّل مسؤولية الدفاع
عن قيمها ومنها التي بقيت على خلافات قديمة، ومن ثم غياب قطب واحد تلتقي فيه هذه
التيّارات على الحد السياسي الأدنى
أي الحريات الفردية والجماعية.
إن استيعاب جزء من
الديمقراطيين من قبل السلطة وضرب من رفضوا التعامل والعمالة قد أدى في نهاية الأمر
إلى ضرب الوظيفة الاجتماعية الهامة التي كانت تضطلع بها هذه الحركة والتي كان مصلحة
الجميع أن تلعبها. من البديهي أن هذه الحركة الإصلاحية السلمية والمعتدلة كانت الفرصة
الوحيدة للسلطة للتجدّد والتفتح على حاجيات ومتطلبات المجتمع المدني لتكسب دعمها الحقيقي وذلك بالتعامل معه
كطرف لا كأداة.
ومن الواضح كذلك أنّها كانت المخاطب الإجباري للحركة الإسلامية إذا أرادت
أن تصبح طرفا من الأطراف في اللّعبة
السياسية وأن تتمرّن على الحياة
الديمقراطية وأن تواجه كل النزعات
المتشدّدة في داخلها المراهنة على الانقلاب أو العنف
. لقد كان قدر الحركة الديمقراطية أن تكون همزة الوصل بين قوات
شمولية في طابعها وبرنامجها، وأن تلعب دورا هاما في تسييس الصراع وإعطاءه طابعا
حضاريا يوفر على المجتمع القمع
والتمرّد
.
لذلك
عمق ضربها أزمة نظام انغلق على آلياته القديمة وصادر لنفسه مظاهر السلطة القديمة من
عبادة الشخصية وسيادة الرأي الواحد والخلط بين الحزب والدولة إلى قمع كل
مخالف في التوجّه هي الآليات
التي ولدت أزمة الحكم البورقيبي.
لا جدال أنه كان هناك في السبعينيات والثمانينات قوى سياسية هامة داخل الحزب
الحاكم تفهم تطور المجتمع وتطوّر حاجياته تحاول دمقرطة الحزب خاصة ابتداء من 1981
إلا أن فشلها كان ذريعا فهي إمّا
خرجت من الحزب، أو استكانت إلى ممارسات شمولية تتحمل إلى اليوم
مسؤوليتها.
وقد اعتقد الديمقراطيون بنوع من السذاجة أن الحكم الجديد سيواصل مسيرتهم بعد
أن التفّ حول مفاهيمهم وشعاراتهم
واستولى عليها، إلا أن الحقيقة
المرّة لم تلبث أن ظهرت عندما اتضح
منذ بداية التسعينيات، أن الحكم الجديد لم يأت إلا لإنقاذ النظام القديم وإعادة الشباب إليه
ولخبطة اللعبة الديمقراطية بإفراغ المفاهيم
من معانيها والتحكم وحتى يخلق
"أحزاب معارضة" انتهت في الواقع إلى أن تكون حزيبات معاضدة لا قيمة لها ولا وزن،
والتحكم أيضا في كل مؤسسات المجتمع
المدني بقانون الجمعيات الشهير.
هكذا غاب الأساس الممكن للمفاعلة الديمقراطية لأن الحكم الجديد ارتأى أن
مصلحته تقتضي المحافظة على الأشكال القديمة بدل المغامرة في بناء أشكال جديدة قد لا
يستطيع السيطرة عليها.
يبقى
أن السلطة لم تنتبه إلى أنه لم يكن يعيد الشباب إلى هذه الآليات المحتضرة وإن ما هو
مدّد في عمرها فقط وأعيدت عقارب الساعة إلى بداية الستينيات دون القدرة على إلغاء
الزمن واتجاهه الحتمي نحو بلورة نفس النتائج وربما بسرعة أكبر وهي تسارع الخراب في
كل المستويات.
***
خراب
مشروع التنمية والعدالة الاجتماعية
إن
الخطورة الكبرى للفساد ليست في كمية الأموال المسروقة إذ تبقى هذه الأخيرة على
أهميتها وبالقياس إلى مجموع الدخل الوطني قطرة في محيط.
إن
خطورته تكمن في الدمار النفسي الذي يشيعه بين عامة الشعب.هو يعمق الإحباط عند من
يكد ويجتهد ويشيع روح التواكل والكسل واحتقار قيمة العمل. هو يسمم علاقة المواطنين
بعضهم ببعض وعلاقتهم بالدولة هو أكبر حاجز للاستثمار الداخلي وأكبر عامل من عوامل
استيراد الأموال المشبوهة والصفقات التي تزيد في نهب خيرات الشعب وليس الإضافة
إليها.
هو عامل فقر تعميق الفقر بكل أصنافه: الفقر
الاقتصادي والفقر الروحي.
إن
علاقة الاستبداد بالفساد شبه آلية. حيث يوجد الفساد تجد الغطاء الاستبدادي. حيث
يوجد الاستبداد لا بد للفساد من أن يترعرع طال الزمان أو قصر.
ولا ينفع أن يواجهنا البعض بأمثلة هذا
النظام الاستبدادي أو ذاك والذي كان رئيسه لا يمارس الفساد مثل جمال عبد الناصر
وحتى بينوشيه في الشيلي. فالقاعدة أنه حتى ولو كان هرم السلطة الاستبدادية غير فاسد
فإن غياب الشفافية وشلل وسائل المحاسبة والمراقبة تنتج بالضرورة وتعمم الفساد الذي
لا يلبث أن ينتشر حوله ببطء أما إذا كان رأس السلطة فاسدا مشجعا على الفساد فإن
الظاهرة تنتشر كالنار في الهشيم.
وثمة
علاقة قارة بين حدة الاستبداد وانتشار وخطورة الفساد فكلما تفاقم الاستبداد تفاقم
الفساد والعكس بالعكس. ولا غرابة في الأمر فالفساد آفة مدمرة لا يقبلها الجسم
الاجتماعي ولا بد من فرضها من أقصى العنف كما أن أقصى العنف الممارس على الناس يعطي
للفساد فرصة أوسع للتحرك بمنتهى السهولة وقد انهارت أمامه كل
مقاومة.
ومن
نافلة القول أن الفساد وجد قبل الاستبداد وسيوجد بعده فهو في كل العصور طريقة
يستعملها الجميع في حدود معينة للحصول على امتيازا بسيطة. وثمة من الاقتصاديين من
يعتبرون الفساد مقبولا إن لم يكن مرغوبا فيه في بعض الأحوال لشراء "فعالية"
البيروقراطية المتخلفة والثقيلة مثلا مما يمكن العجلة الاقتصادية أن تدور بسهولة
أكثر وذلك لمصلحة الجميع.
لكن
الأمر جد مختلف اليوم مع ما نجربه اليوم على امتداد الوطن العربي فالفساد جملة من
التقنيات التي تمارسها شخصيات ومجموعات في قلب السلطة مهمتها النهب والسلب
والاستيلاء على خيرات الشعب دون رادع سوى انهيار النظام
نفسه.
ومن
سخرية الأقدار أن يصاحب الفساد النظام الاستبدادي ليكون واحدا من أهم أسباب موته
والحال أن مثل هذا النظام يستولي على السلطة عادة باسم الانتصار لقيم أخلاقية
كالوطنية النزاهة والإخلاص لقيم عقائدية كبرى تترفع عن الطمع المادي.
وما هي إلا فترة قليلة من الزمن إلا وترى
التشكيلة القديمة للسلطة قد أعيد إنتاجها، ولو تأملنا في تركيبة أي نظام استبدادي
لرأينا أنه طبقات كقشور البصل.
أما الطبقة السطحية فهي العقائدية
والسياسية وهي مستوى الخطاب الرسمي والواجهة البراقة وكل فنون التمثيل على
الشعب.
وفي هذا المستوى المعروض على الإعجاب
والتعبد الجماهيري، يتحرك القائد البطل المنقذ الحريص على راحة شعبه وتعمل المؤسسات
السياسية بكفاءة ونجاعة تحت إشراف القائد الملهم الخ.
والخديعة الأساسية في تمرير الفكرة بأن هذا
المستوى هو المركز الحقيقي للسلطة وهذا مستوى حاسة البصر فكل ما هو جميل ناصع مغر
معروض على الأنظار لتنطبع في الأذهان أجمل الصور.
وتحت هذه الطبقة الرقيقة تجد المستوى
الثاني أين توجد السلطة الفاعلة وتتألف أساسا من الأجهزة الأمنية التي تتحرك خارج
أي سيطرة للأجهزة الشرعية التي هي مجرد غطاء لها.
وخاصية هذه الأجهزة أن دورها ليس التمثيل
على الشعب وإنما التمثيل به. فهي المسئولة عن القمع المتواصل الذي يحفظ تواصل
المسرحية في المستوى السطحي.
وهذا
مستوى حاسة السمع فثمة صراخ الملايين من البشر من مساجين وعائلاتهم المنكوبة ويخيل
لك أن الوطن في هذا المستوى نواح وأنات ألم وأبناءه وبناته بين غرف التعذيب
وزنزانات السجون.
ورغم سطوتها وشراستها فإن الأجهزة الأمنية
مجرد غطاء هي الأخرى للنواة الحقيقية للسلطة التي تحتل الطبقة
الأخيرة.
ونحن مطالبون عند الدخول في هذا المستوى
أن نسدّ الأنف فهنا تفوح الروائح الكريهة للصفقات وهنا تتكدس الأموال المسروقة
للشعب الطيب الذي يمثل به ويمثل عليه في الطابقين العلويين.
وفي
هذا المستوى تتلخص الدولة والنظام في عصابات لا هم لها سوى اقتسام أشلاء الوطن
معتبرة السلطة مجرّد أداة للثروة السريعة والسهلة والدولة الإطار الذي يحمي أعمالها
بل ويضفي عليها الشرعية والقانونية ولم لا الصبغة الخيرية.
إن
القاسم المشترك بين جميع وسائل الفساد المعروفة هو منطق السطو وممارسته على أوسع
نطاق.
وثمة
سطو على البنوك التي تودع فيها أموال عامة الناس أي ثمرة عملهم ومدخراتهم. ويتم
عادة باقتراض أموال خيالية دون أدنى رصيد مالي شخصي يسمح بمثل هذا " القروض" وبدون
أي نية لإرجاعها،
وثمة
سطو على أراضي وممتلكات الدولة التي يقع تقاسمها في الخفاء والحيلة أن يسمى على
رأسها واحد من العصابة أو يدين لها بالولاء.
وهناك
السطو على السوق، كأن لا يفوز بالمناقصات أي بأموال المجموعات إلا صاحب أرخص العروض
وأجودها، فالعصابات عادة طرف إجباري في تعطيل هذه العملية التي تنتهي بإسناد
الأعمال ومن ثمة أموال المجموعة لمن يتقدم بأردأ الخدمات وأغلاها في مقابل عمولة
محترمة بملايين الدولارات وأحيانا بمليارات الدولارات.
وثمة
السطو على مؤسسات البلاد الرامية إلى حماية اقتصادها مثل الجمارك التي تستخدمها
السلطة لتتبع صغار المخالفين وملء السجون بهم بينما يتصدر كبار المهربين المكانة
الاجتماعية المرموقة.
وهناك السطو على الشركات الهامة التي تباع
للقطاع الخاص بتعلة الخصخصة للفعالية. وغالبا ما تشتري العصابات هذه المؤسسات
بأسعار مخفضة بصفة مصطنعة وبالطبع فإن الشراء يكون عادة بأموال البنوك التي أعطت
«القرض".
ويتذكر
أبناء هذا جيلنا ترديدنا الدائم أننا نناهض الاستعمار والإمبريالية لسطوهما على
خيرات شعوبنا فما الفرق بين أن يسطو عليها غريب أو قريب ؟
ورغم
كل ما تحاوله العصابات فإن أسرار الفساد متداولة في الشارع العربي وليس للناس من
شغل شاغل غير هذا الموضوع.
فكيف
يمكن في مثل هذه الحالة توفر المناخ الثقافي والنفسي الذي كان من أهم أسباب تقدم
الغرب أو اليابان.
فمن
المعروف أن تقديس العمل عند الغربيين واليابانيين هو من أهم العوامل الذاتية التي
تفسر تطورهم.
ومن أين لنا أن نقدس العمل ونحن نرى
العصابات تكدس الثروات الطائلة بين عشية وضحاها في حين يكاد العمل يفي بلقمة العيش
عندما يوجد.
إن
المثل الذي تعطيه العصابات مدمّر لأنه يجد الصدى عند بعض ضعاف النفوس. وبالإضافة هو
ينشر قيما معكوسا تجعل الثروة في متناول كل من هو "حصيف" ويعرف من أين تؤكل الكتف
على شرط أن يكون قريبا من السلطة مواليا لها.
هكذا
ينتشر المرض من فوق على تحت ليتعقد الموضوع أكثر فأكثر فمن العصابة الكبرى المحيطة
بهرم السلطة إلى عصابات تصغر مطامعها كل ما اقتربت من القاعدة العريضة تتقاسم فتات
المائدة ولا تقل تخريبا لنسيج المجتمع السليم وقيمه.
وعندما
يتجاوز النهب والسلب كل الحدود تشاهد تناقص الاستثمار الداخلي والخارجي خوفا من
قطّاع الطريق المنتصبين في كل تقاطع طريق يطالبون بثمن تدخلهم لدى البيروقراطية
المتواطئة.
هكذا يضرب في الصميم العامل الضروري الثاني
للتطور الاقتصادي.
وهاهي الآليات تتجمع لإفلاس الدولة مثلما
حدث ذلك في أكثر من بلد متخلف ومثل ما ينتظرنا سواء في تونس أو في أي بلد عربي آخر
مريض بوباء الاستبداد.
ومن
أين للمواطن أن يصدق التبريرات العقائدية التي تسوقها أجهزة إعلام بالغة الغباء
والتخلف وهو يسمع كل يوم الشارع يتحدث عن آخر الفضائح لأقارب الرئيس المفدّى ؟ وكم
من وقت تستطيع أن تصمد خرافة بطانة السوء المحيطة بالرئيس القائد –آه لو علم -؟
أين للمواطن أن يحترم مؤسسة تدعي
حمايته وهي تبتزه وتحتقره ؟ وهو في قرارة نفسه يبادلها احتقارا باحتقار وخوفا بخوف
وهكذا يتسبب الفساد في تدمير العلاقة التي تبنى عليها كل دولة سليمة أي الثقة
والاحترام المتبادلين.
بل
هل يمكن الحديث في مثل هذه الحالة أصلا عن المواطنة. ففي نظر العصابات لا يشكل
الناس سوى قطيع من الغنم صوفه للجزّ ولحمه للأكل. وفي نظر أجهزة الأمن لا يشكل
الناس سوى مشتبه فيهم يمكن أن يتمردوا في كل لحظة. وفي نظر السلطة السياسية لا يشكل
الناس سوى مجموعة من الأطفال الكبار الذي يجب توفير الضروريات الحياتية مقابل
انضباطهم وطاعة الأب الكبير
وما
من شك أن الفساد يفضح زيف الادعاء بأن رسالة النظام قوي استجماع القوة والانضباط
بالتخلي عن الحرية الفردية لرفع مستوى النجاعة والفعالية في محاربة هذا العدو أو
ذاك.
فهبر
الفساد يتضح أنه ليس للنظام أي رسالة وإنما أطماع خسيسة لا تتجاوز التسلط على الناس
معنويا وماديا ولو تأملنا في توزيع ريع السلطة بين الزعيم الأوحد وبطانته ومن
يأكلون فتات المائدة لأتّضح لنا أن الأمر بمثابة اقتسام غنيمة. فللزعيم الأوحد الحق
في المكاسب المعنوية التي يوليها الأهمية الكبرى مثل اليد العليا في كل الأمور والمديح المتواصل وكل مظاهر عبادة الشخصية
والتي أصبحت تثير الاشمئزاز من فرط ابتذالها والغلوّ فيها.
أما بطانته العائلية والعقائدية فلها اليد
العليا في ثروة الشعب.
وفي نظرة الناس للناس لا مجال لحب أو
احترام أو ثقة وكل واحد يعتبر الآخر مقصّر في حقّه وحقّ
الوطن.
هكذا
تموت المواطنة بما هي إحساس الجميع في التشارك في نفس الحقوق والواجبات.
ولا
غرابة في هذا فالنظام الاستبدادي إما وليد حرب أو وليد انقلاب ومن ثمة هو يعتبر
السلطة غنيمة حرب
وللمنتصر
في الحرب كل الحقوق ومن أولها حق التصرف في كرامة الناس
وأرزاقهم.
وتبقى هذه العقلية البدائية مطمورة مستترة
وراء السحاب اللفظي العقائدي المجعول أساسا للتغطية على الحوافز الفاعلة
الحقيقية.
ولقائل
أن يقول أن هذه النظرية لا تأخذ بعين الاعتبار وجود الفساد في الدول الديمقراطية
والحال أن أنظمتها تأتي للسلطة بدون الانتصار في حرب أو في انقلاب وإنما في إطار
التداول السلمي على المسؤولية.
و
ما من شك أن الأنظمة الديمقراطية تعرف هي الأخرى الظاهرة لسبب بالغ البساطة هو إن
البشر هم البشر أينما كانوا.
فأين
توجد إمكانية استغلال النفوذ لا بدّ أن يوجد آليا أفراد يترفعون عن الاستغلال
وآخرون يرغبون فيه ولكنهم لا يستطيعونه وفريق ثالث يستسلم
للإغراء.
إلا
أنه يوجد فرق هائل بين النظامين.ففي النظام الديمقراطي توجد آلة حاصدة للأعشاب
المضرة تجتثّها باستمرار مما يخفف من أضرارها رغم تواصل توالدها وأحيانا انتشارها
رغم القانون والخطاب الأخلاقوي.
هذه
الآلة الحاصدة هي المؤسسات الديمقراطية نفسها.
فالصحافة
هي كلب الحراسة التي تعطي التنبيه العام للمجتمع بان الفساد انتشر في هذا القطاع أو
ذاك. آنذاك تتحرك الآلية الثانية التي هي القضاء المستقل لتتبع
الفاسدين.
وأخيرا فإن كل رجل سياسي افتضح أمره أو لم
يقم بواجبه في تتبع المفسدين مؤهل للقاء صعب مع الناخبين.
والأهم
من هذا كله أن الحاكم الديمقراطي لا يعتبر السلطة غنيمة حرب وإنما مسؤولية هي في آن
واحد تشريف وتكليف. لذلك يبقى الفساد في مثل هذه الأنظمة الشاذّة وليس
القاعدة.
أما
في مجتمعاتنا المريضة بالاستبداد فهو القاعدة لاستشراء العقلية وخاصة لسهر النظام
على تعطيل آلة حصاد الأعشاب السامة.وفرض وضع تكون فيه الصحافة مكممة والقضاء جهاز
مهمته تتبع صغار اللصوص والتغطية على كبارهم والمحاسبة الانتخابية غير موجودة أو
مجرد مسرحية.
وثمة
حالات ينطلق فيها القمع بشراسة من البداية لتأمين ظروف الفساد ويحدث هذا عادة تحت
إطار افتعال عدو عقائدي يبرر القمع الذي لا يهدف في الواقع لاستئصال الخطر المزعوم
بقدر ما يهدف إلى توفير ظروف النهب والسلب بدون حسيب أو
رقيب.
هكذا
تترعرع الأعشاب الطفيلية في حديقة الوطن تقضي تدريجيا على الورود والفواكه والخضر
وإن تجاوز الفساد حدّا انهار الوطن بأكمله وكأنه جسم هاجمته جرثومة خبيثة ليس له
لمقاومتها أي أجسام مضادة.
***
خراب مشروع بناء الدولة
العصرية
يمكن
القول أن عوامل تفكك الدولة العصرية مفهوما وممارسة قد ذهب
اليوم شوطا بعيدا في أغلب الأقطار
العربية نتيجة سياسة دمرت مكتسبات
انطلقت أحيانا في نهاية القرن التاسع
عشر وتواصلت طوال هذا القرن
وقد
يبدو هذا الرأي مبالغ فيه لمن يزور
بلداننا فيرى كل مظاهر الدولة بل
وحتى الدولة القوية من دوران
الدواليب البيروقراطية وًاستتباب الأمن ً لكن المظاهر في النظم الاستبدادية لا تخدع إلا أصحابها ومن ليس لهم الوقت أو
القدرة على الانتباه لما يوجد وراءها.
ومن المعروف حسب المقولة الشهيرة أن ً كل
شيء على ما يرام في الدكتاتورية إلى ربع الساعة الأخير ً . فإذا سلمنا أن الدولة
العصرية هي الجهاز الذي يتمتع بحد أدنى من الهيبة والمصداقية
والفعالية هدفه الأساسي الحد من العنف و إدارة شؤون المجموعة الوطنية وفق القانون تكريسا لجملة من القيم الجماعية المتفق عليها يمكن القول أن
لاشيء من هذا القبيل يوجد في أي قطر عربي فثمة في كل مكان دولة مطعون في هيبتها وفي مصداقيتها وفي شرعيها تشتغل أغلب الوقت خارج إطار
القانون وضد القيم المجتمعية و لا تواجه أزمتها الهيكلية إلا بإجراءات اعتباطية تعمقها يوما بعد
يوم وترمي بالشعب في مجاهل أخطار كبيرة .
ومن سخرية الأقدار أن تنتصب الأنظمة الحالية بنية ''التصحيح '' كما
حدث في سوريا أو'' الثورة '' كما حدث في مصر والعراق وليبييا أو '' التغيير '' في
تونس لينتهي التغيير والتصحيح إلى
إقامة سلطة الأجهزة الاستخبارية وانتصاب دولة البوليس..
ولا
شكّ أن تحليل عملية الانهيار هذه تتطلب دراسات مستفيضة لكنني سأكتفي في هذه المقالة
بالإشارة إلى أهم خصائصها تاركا للمؤرخين تحليل الآليات التي جعلت عملية إنقاذ
الدولة تتحول سريعا إلى عملية إغراق لها.
وأول
تفسير أن الطبع غلب التطبع فلم تطل
فترة المراقبة الذاتية وانتحال الديمقراطية لتعود للسطح عقلية البوليس وتقنياته
المعروفة في التعامل مع القضايا السياسية.
ومن بين هذه التقنيات تلك التي تمارسها كل
الدول ومنها الديمقراطية لكنها تبقى
في حدود وجدّ مخفية وفي خدمة سياسة ليست الأساليب القذرة إلا جزءا
منها.
لكن
النظام العربي جعل من الشاذة
القاعدة والقاعدة الواضحة التي يروم
بها تحقيق أهداف سياسية وهكذا
انتشرت بجانب الممارسات الكلاسيكية التي سارت عليها الدولة الحزبية من تعذيب ومحاكمات جائرة عمليات بالغة الخطورة من منظور الرمز
والمعنى .
وقد
يبدو من المغالاة أن ما يدمر الدولة ليس فظاعة القمع مثل ما حصل في سوريا والعراق
وليبيا قدر حقارته ففي تونس على سبيل المثال لم تتورع الأجهزة ابتداء من التسعينات عن توزيع الأشرطة البورنوغرافية المزعومة
ضد المعارضين مثل محمد مزالي وعلي العريض وعبد الفتاح مورو وسهام بن سدرين ثم برزت ظاهرة الهجمات البالغة الحقارة
ضدهم في صحف مأجورة تخصصت في
الفضائح ثم تنامت ظاهرة سرقة سيارات
مناضلي حقوق الإنسان أو تهشيمها مثل سيارة
عمر المستيري وجمال الدين
بيدة وراضية النصراوي ومصطفى بن جعفر وخميس قسيلة وتوفيق بن بريك وأخيرا سيارتي كذلك تعرض مكتب راضية النصراوي إلى الخلع وسرقة الملفات واعتدي على مكتب
العميد بشير الصيد. ثم برزت ظاهرة
القضايا الكيدية التي يلفقها البوليس والسيناريو هو أن يطلب من البعض عدم الإمضاء
في المراكز تطبيقا لحكم المراقبة الإدارية ثم تحال الضحية لأسباب تتعلق بسوء سلوكه
أو للضغط على عائلته على المحاكمة بتهمة امتناعه عن الإمضاء ولا ينفع قوله أن
البوليس هو الذي طلب منه ذلك ويحكم عليه
بالسجن كما حدث ذلك في قضيتي محمد علي البدوي وعلي بن سالم الصغير .
وهكذا استشرت داخل المجتمع صورة مدمرة للدولة وهي أنها تمارس ما جعلت لمقاومته وتزامنت هذه الصورة في الوقت الذي ضج فيه المجتمع
بالشكوى من استشراء الفساد في كافة الأجهزة وخاصة في الجهاز البوليسي .
وثمة
ظاهرة أخرى ساهمت في ضرب هيبة الدولة
وهي الضريبة المفروضة على الناس بخصوص تمويل صندوق 26-26 وفي يوم من السنة يطلب
من كل المواطنين التطوع الإجباري
بالتبرع لفائدة صندوق إحياء المناطق الفقيرة لكن الأمر بالنسبة للبعض ليس سوى وسيلة تملق للسلطة أو للتهرب من الضرائب الرسمية إذ هناك مقايضة
غير رسمية تجعل الدفع للصندوق
يعفي أو يسهل التعامل مع الضرائب الرسمية أما بالنسبة للأغلبية فهو ضرب من ضروب الابتزاز المالي تأخذ بموجبه
السلطة باليد اليمنى من جيب المواطن في ظل التهديد المبطن لتعطي باليد اليسرى جزءا
ضئيلا مما أخذته بأسلوب المنّ المهين
في حين يضيع أهم جزء من المال في
المجهول .
والخطورة
في قضية هذا الصندوق ليست في ابتزاز المواطنين وضرب المورد الأساسي للدولة الذي هو
الضرائب ولا في الأموال المختفية وإنما مجدّدا في ضرب صورة الدولة .
فالدولة
العصرية تبدأ لحظة التفريق بين مال المجموعة ومال الحاكم وخاصة عندما تعتمد
المجموعة الوطنية مبدأ رئيسيا
هو لا ضرائب بدون قانون يسنه برلمان ويسهر على شفافيتها جهاز محاسبة ذا مصداقية
.
إن
هذا الصندوق إضافة إلى الممارسات
السوقية الخارجة على القانون
أعاد الدولة التونسية إلى ما قبل الدولة العصرية التي ظننا أن دستور 1861 قد
أدخلنا إليها .
ونفهم
الجزء الثاني من أزمة الدولة أي انهيار المصداقية إذا أضفنا إلى الصورة السلبية
التي أدت إليها هذه التصرفات
فراغ الإعلام الرسمي من كل قيمة وعزوف الناس عنه وفرارهم إلى الفضائيات
الأجنبية وخاصة قناة.
إن
ما سمعته كل الشعوب العربية في مستوى
الخطاب الرسمي طوال التسعينات ليس ما يسمى باللغة الخشبية المعهودة في كل نظام
دكتاتوري وإنما شيئا آخر جديدا أدخلته الدولة البوليسية وهو اللغة المضللة.
ففي
تونس أصبحت الهوة بين القول والفعل بين الكلمة ومضمونها غير قابلة لأي تجسير بفعل
خطاب يتستر بكل مصطلحات الديمقراطية وحقوق الإنسان وقيم العدالة والتسامح لممارسة
نقيضها.
وهكذا
تعلم التونسيون فهم الكلمات بالعكس فالديمقراطية تعني الدكتاتورية وحقوق الإنسان
تعني انتهاك حقوق الإنسان ودولة القانون تعني دولة الاستبداد والتسامح تعني التعصب والتعددية الأحادية
الخ.
ومما
زاد في انهيار المصداقية الحرب الشرسة التي شنتها الدولة البوليسية ضد انتشار
الصحون المقعرة التي تكثف وجودها
بالرغم من انفها ومراقبة الهاتف والبريد والإنترنت والصحافة… وفشلها
الذريع في هذه الحرب.
يبقى
أن أهم عوامل تفكك الدولة العصرية
مفهوما وممارسة هو انتفاء الشرعية عنها فقد كان بإمكان السلطة المنبثقة عن انقلاب
7-11 أن تستقي شرعيتها من مشروع حضاري مثل إرساء الديمقراطية مثلما استقت الدولة الحزبية شرعيتها من
تحقيق الاستقلال الأول لكنها فضلت
الركون إلى انتخابات مزورة من ألفها إلى يائها ولا يأخذها أحد لا في الداخل ولا في الخارج على محمل الجدّ.
وفي مثل هذه الحالات لا بد لكلّ دولة أن
تقايض وجودها غير الشرعي أي غير المستمدّ من الرغبة الواعية الحرة للشعب إما بمشروع
أيدلوجي مثلما كان الأمر بالنسبة للشيوعية أو النازية أو بادّعاء التصدّي لعدو
خارجي أو داخلي يمكن أن تنجرّ عنه مخاطر أهم بكثير من وجود دولة غير شرعية أو
بتحقيق دعائم رخاء اقتصادي يمكن به شراء ضمائر البعض وسكوت الأغلبية وتحييد "
المتطرفين ".
ولا يوجد اليوم في تونس أي من هذه العوامل
فلا أحد يصدق حرفا واحدا من الهذر المستمر حول
الديمقراطية ولا وجود لعدو خارجي أو داخلي خاصة بعد قمع الإسلاميين ورفضهم المتواصل
الرد بالعنف على المظالم التي يتعرضون لها . أما ً المعجزة الاقتصادية ً التي يتغنى
بها النظام فإن الفساد والعولمة تكفلا بضرب صورتها في الداخل والخارج ناهيك عن حقيقتها المبالغ فيها
كثيرا .
*
ويتمثل الجزء الثاني في معادلة الوضع
السياسي في طبيعة المجتمع وقدرته على مواجهة الدولة البوليسية
وخاصية المجتمع ككل انه يحيا منذ عشر سنوات في ظلّ إرهاب الدولة وأنه يتردّد بين سورات العنف
المباغتة التي يعبر فيها عن غضبه وبين الاستكانة والصبر على المكروه الذي لا يستطيع
أن يغيره.
وثمة شعور عميق داخل المجتمع بالمهانة
والإذلال لضرورة الصمت على فساد لا حدود له ومظالم مستشرية تتوجها انتخابات مزيفة
تصادر فيها سيادة الشعب وكرامته.
ومن
أخطر مكونات الأزمة النفسية للمواطن العربي
تيقنه انه عرضة للتعسف وأن
حقوقه التي يفترض فيها أنها غير قابلة للتصرف وأنها محمية بالقانون امتيازات هشّة يدين بها دوما لأصحاب القرار ولو كانوا من
أصغر أنواع الموظفين ولا يحافظ عليها
إلا بالتملق والمهادنة والنفاق والغشّ. وقد تسببت المحاكمات السياسية وما ظهر من
خلالها من خواء مفهوم دولة القانون من كل محتوى، في استشراء القناعة بأننا نحيا في ظل دولة
اصبح فيها القانون وسيلة للتشريع للظلم والتغطية عليه .
وفي هذا الجو المشحون تترعرع الجريمة التي
يلاحظ الكل تفشيها الخطير بالرغم من
كثافة قل نظيرها في العالم من كل ما يخطر على بال أو لا يخطر من أنواع البوليس
.
ولا أحد يعلم ما هو ارتفاع منسوب الجريمة
وتجارة المخدرات وإدمان الكحول والانتحار فكل هذه المعطيات معلومات سرية ولا يمكن
البحث فيها علميا أحيانا يطلب من الباحثين العلميين الكذب على الأرقام مثلما حصل
مؤخرا عندما طلبت وزارة الصحة من أستاذة في الطب عدم المشاركة في ندوة طبية حتى لا
تذيع أرقاما تدل على ارتفاع الإدمان على المخدرات .
ولم
يفلح هذا المجتمع في الانعتاق إلا
على مستوى عدد يحصى على الأصابع من
منظمات مستقلة عن السلطة تتحرك أساسا
في ميدان الدفاع عن الحقوق الإنسانية أما ما عدا ذلك فنسيج من الجمعيات الرياضية
وكلها مراقبة بصفة لصيقة من قبل الأجهزة . ولو درسنا التحويرات القانونية للعشر
سنوات الأخيرة في كل أرجاء الوطن العربي لاكتشفنا أنها تتعلق بالتضييق على حرية
الصحافة وحرية التنظّم.
وإذا
قارنا هذا الوضع ببلدان شبيهة حتى في أفريقيا اكتشفنا مدى التصحر الذي أحدثه قانون
الجمعيات بمنع كل حيوية اجتماعية وتكبيلها وعقاب كل من يريد أن ينشط في أي حقل كان
خارج سيطرة سلطة مهووسة بالهاجس الأمني أصبحت اليوم العنصر الأول في شعور العربي
قلة الأمن
والاطمئنان.
ففي جنوب أفريقيا مثلا يوجد 180جمعية
للدفاع عن حقوق الطفل ولا يوجد واحدة في تونس والعلاقة بين الجمعيات والحكومة على
طرفي النقيض مما هو عندنا فالدولة لا تكتفي بالسماح للجمعيات بالنشاط بل تتعامل
معها من موقع التكامل مفضلة أحيانا تكليف البعض منها بأنشطة لا تقدر عليها
بيروقراطيتها الثقيلة وتمولها بدون المساس بالجمعية سياسيا أي بدون محاولة التفويض
الرخيص التي هي القاعدة في تعامل الدولة الاستبدادية مع مؤسسات المجتمع المدني في
بلداننا الموبوءة بالنظام الدكتاتوري .
وبجانب
الروح المعنوية التي دمرتها الدكتاتورية فإن الخراب الذي لحق كل مكتسبات المجتمع
أصبح مصدر تهديد خطير لمستقبل الأجيال المقبلة وقد يتطلب إصلاحه جيلا بأكمله
.
فنحن
لا ننتبه عادة أن الغرس وجني الثمار صالحة أو طالحة في مستوى الشعوب عملية تحسب
بالعقود لا بالسنين كما هو الحال على مستوى الأفراد.
ففي تونس نحن نجني في سنة ألفين ثمار سياسة
الستينيات في مستوى التنظيم العائلي. إن انخفاض عدد المسجلين في المدارس الابتدائية
وتنازل الضغط على مطالب السكن هي الثمار التي نجنيها اليوم من إحدى الخيارات الحكيمة القليلة للدولة
الحزبية أي تحسين وضعية المرأة والتنظيم العائلي. كذلك فإن نوعية النخب المتعلمة
والمتكونة أساسا من الكهول هي نتيجة نفس السياسة الرشيدة في ميدان التعليم التي وضعت في
الستينيات.
و
ابتداء من الثمانيان ضعف مستوى التعليم
ثم تسارع تدهوره في التسعينيات
بفعل انتشار الفساد
وتدهور وضعية رجال ونساء
التعليم وتحريم النقد والمراجعة
وتتبع المبدعين والتصحر الثقافي ووضع الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب
لمجرد ولاءه للسلطة والسياسة اللغوية
القديمة وخاصة ديماغوجية النظام الذي
اصبح يبحث عن شعبية رخيصة
بالزيادة في نسب النجاح في الشهادة الثانوية (البكلوريا) وهكذا أصبحنا نلاحظ في الجامعة دخول أجيال
متزايدة الجهل لا يمكن بأي حال من
الأحوال خاصة في ظروف فقر الجامعة أن تسمح لتونس باحتلال المكان اللائق بها . وهذه
الأجيال الضعيفة التكوين علميا وثقافيا والتي نشأت في جو القيم الموبوءة
للدكتاتورية هي التي ستقود تونس لزمن طويل. وهذا هو الأثر السلبي الأساسي الذي
ستبقى تونس تعاني منه زمنا طويلا بعد زوال الدكتاتورية.
وإنها
نفس الآليات التي خربت القطاعات الحيوية الأخرى للشعب كالصحة والصحافة
والثقافة والنظام البنكي
والعدالة وهو ما يجعلنا سنعاني
لسنوات طويلة من التعامل مع قطاعات ضعيفة الفعالية تتحكم فيها قوى صنعتها الدكتاتورية لا
مصلحة لها في التغيير وستقاوم بشدّة كل محاولات الإصلاح
الديمقراطي.
وبهذا يتضح لنا أن عشر سنوات من دكتاتورية
دولة البوليس واصلت أربعين سنة من دكتاتورية الدولة الحزبية جعلت تونس تشبه حاسوبا أنيق المظهر لكن بملفات أفسدها الفيروس.
ولا
بد من التركيز على تركيبة النظام العربي
الحقيقية فالحزب المسمى غلطا بالحزب الحاكم هو مجرد غطاء سياسي وقع
الاستيلاء عليه من طرف الجهاز البوليسي لكن الجهاز البوليسي هو نفسه غطاء وقع
الاستيلاء عليه من قبل عصابات السلب
والنهب التي تدور في فلك شخص القائد
المفدّى لتستنزف خيرات البلاد
في إطار عمليات سطو غير مسبوقة في تاريخنا المعاصر.
يتضح
هنا حجم التحديات التي ستواجه البديل الديمقراطي يوم يكرّسه الشعب وينهار النظام
الإجرامي-البوليسي .
فهو مطالب بإصلاحات في مستوى الرمز والمعنى
بجعل هيبة الشعب أهم من هيبة الدولة وهذه الهيبة لا يمكن أن تأتّى إلا من عودة السيادة الفعلية له عبر حقه غير
القابل للتصرف في التنظم والرأي واختيار من يحكمه. وعندما يستعيد الشعب حقه في
التعريف برأيه دون إرهاب فإنه سيستعيد في نفس الوقت جزء من الثقة بالنفس المفقودة
وستتحرك الآليات لبرئه من عقد النقص والعجز والذنب والاحتقار
للذات.
ويبقى أن أهم عامل من عوامل إعادة بناء
الذات الجماعية هو إعادة بناء الثقة
في شيء اسمه القانون وذلك بإحالة كل
القضاة الفاسدين الذين حكموا بدون نص وحكموا في نفس القضية اكثر من مرة وأغمضوا
عينيهم عن التعذيب إلى المحاكم لتقول رأيها في تصرفاتهم. ولن يكفي هذا بالطبع إذ
يجب أيضا محاربة المحسوبية ووضع آليات بالغة الدقة والفعالية استئصال فساد متجدد
وليست الديمقراطية بمرهم سحري ضدّه وإنما وسيلة لتتبع ظهوره المستمرّ وجزّه باستمرار كما نفعل مع الأعشاب
الضارة التي لا نستطيع التخلص منها وإنما قصّها بنفس العناد الذي تتوالد
به.
أما هيبة الدولة فإنها لن تبىي إلا على قاعدة
أخلاقية العمل السياسي إلى ابعد حدّ ممكن بعد أن رمت بها في المزابل سياسة الشرائط
البرنوغرافية وسرقة سيارات الناس والاعتداء على أرزاقهم وشرفهم من قبل مؤسسة سبب
ومبرر وجودها مقاومة البرنوغرافيا والسرقة والاعتداء على
الشرف.
***
أحيل
الكاتب بموجب هذه المقالة على التحقيق بتهم ثلب النظام العام وثلب القضاء وترويج
اخبار زائفة وحث الناس على خرق قوانين البلاد وتكوين جمعية غير معترف بها – المجلس
الوطني للحريات – وحكم عليه بسنة سجن نافذة ثم تراجعت السلطة أمام ما يكلفه اياها
السجن فاستبدله القضاء المستغل بسنة مع تأجيل
التنفيذ(الناشر)
أنشر
هنا بيان أصدرته بمناسبة آخر المحاكمات التي تعرضت إليها وخاصة النداء إلى قضاة
تونس الذي أدّى إلى خروج القاضي مختار اليحياوي عن صمته وإصداره بيانه الشهير في
جويلية 2000 والذي شهد فيه بخراب القضاء التونسي وأطلق صيحة فزع بخصوص ما آل إليه
من تفويض وإذلال فطردته السلطة من عمله وحاصرته ولا زال إلى حدّ كتابة هذه السطور
مطاردا ومهددا ورمزا لثورة تعصف داخل
الجهاز ولا بد لها يوما أن تنفجر.
أصدرت
المحكمة الابتدائية في تونس هذا اليوم 30 ديسمبر 2000 حكما ضدّي بالسجن النافذ سنة كاملة من اجل الاحتفاظ
بجمعية غير مرخص فيها، أي المجلس
الوطني للحريات، وترويج أخبار زائفة
، والحال أنني لم أمارس سوى حقي المشروع في حرية التنظم وحرية الرأي .ولقد
بينت المحاكمة بطبيعة التهم الموجهة
إليّ وطريقة تسيرها، إنها جزء من مسلسل ضرب المجلس وار هاب الديمقراطيين ومعاقبة
مناضلي حقوق الإنسان ، ليعم الصمت في البلاد مغطيا على استشراء الاستبداد والخوف
وقد لاحظ المراقبون أن لها هدفا آخر
هو حرماني من حقوقي السياسية والمدنية .
وقد رفضت لي ابسط الضمانات القانونية وشروط
المحاكمة العادلة وهو ما حدا بالمحامين،
مع أنهم كانوا يرغبون في
المرافعة في الأصل خلافا لي ، إلى
الانسحاب احتجاجا على الخروقات الفاضحة لحق المتهم والدفاع والقاعدة في بلادنا منذ الاستقلال
أن الإحالة في القضايا السياسية تعني
الإدانة آليا .ففي النظام الاستبدادي لا تترك السلطة التنفيذية للقضاء سوى دور
إضفاء غشاء قانوني على القمع
والانتقام السياسيين .
وقد
آن الأوان أن تطرح الإشكاليتين الرئيسيتين في موضوع خلل عمل الجهاز القضائي في القضايا السياسية أي استعماله من قبل السلطة التنفيذية الزج به وتسخيره لمآربها
وضلوع بعض القضاة في لعب دور المنفذ
لمشيئة هذه السلطة .
ولهذه
الأسباب فقد قرّرت بعد إمعان التفكير
عدم استئناف الحكم الصادر ضدّي .
وأعبر
بالمناسبة عن بالغ امتناني للمحامين
من تونس ومن الخارج الذين تجندوا للدفاع عني كما أشكر المنظمات الحقوقية الوطنية
والعربية والعالمية والصحافة الديمقراطية وكل الديمقراطيين في العالم والمواطنين
التونسيين الذين كان لتضامنهم معي بالغ الأثر في نفسي. وإنني أدعو المحامين
التونسيين إلى ابتكار أساليب جديدة في الدفاع عن المتهمين السياسيين بمراقبة
الخروقات التي يتعرضون إليها ونشرها أما المرافعة والكل يعرف أن الأحكام جاهزة فمن
شانها أن تطيل عمر لعبة مغشوشة
لا تربح منها إلا السلطة و تذهب ضحيتها حقوق المتقاضي وهيبة القاضي وقداسة القضاء
.
كما
أجدد ندائي للقضاة التونسيين حتى لا يبقى النضال من أجل قضاء مستقل مهاب حام للحقوق
والحريات مسؤولية المناضلين السياسيين والحقوقيين وإنما مسئوليتهم هم أيضا
.
وإنني
أتوجه بنداء لكل الديمقراطيين بتونس لعقد المؤتمر الوطني الديمقراطي بغية وضع أسس
دستور جديد وإعداد البدائل السلمية الديمقراطية حتى تأخذ الحريات محل الديمقراطية
المزيفة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية محل الفساد والمصالحة الوطنية محل القطيعة
بين السلطة والمجتمع المدني والعفو التشريعي العام محل اكتظاظ السجون والتداول محل
الرئاسة مدى الحياة وسيادة الشعب محل عبادة الشخصية .
إن
آلامنا اليوم هي آلام مخاض مجتمعنا بديمقراطيته المرتقبة وهي الضريبة لتجد الحرية
يوما قريبا لها مكانا في بلادنا فلتدخل تونس الحبيبة القرن والألفية من أوسع أبوابه
لتعيش حسب قيم العصر وتكون عضوا في منتدى الدول الديمقراطية والشعوب
الحرة.
نداء
إلى قضاة تونس
يوم
23 جوان الحالي دعيت للمثول أمام محكمة الاستئناف بتونس بعد أن استأنفت النيابة
العمومية الحكم الابتدائي الصادر ضدّي يوم 30 ديسمبر 2000 ، والقاضي بسجني سنة من
أجل الاحتفاظ بجمعية غير مرخص فيها هي المجلس الوطني للحريات وترويج أخبار زائفة
.وقد علمت أن التصريح بالحكم سيتم يوم 7جويلية المقبل .
وقد
رفضت المثول أمام المحكمة وطلبت من
المحامين الكثيرين الذين تطوعوا مشكورين للدفاع عنّي بعدم المرافعة والاكتفاء
بتسجيل الحضور . وهذا الموقف هو متابعة لنفس الموقف أمام المحكمة الابتدائية التي
أصدرت الحكم بعد محاكمة كتبت الصحافة العالمية في وصفها أنها كانت Parodie
de procès أي تقليد
محاكمة.
وللأسف
الشديد لم تكن هذه أولى ولا آخر مسرحية قضائية تحضر فيها كلّ المظاهر الخارجية
للعدالة وتغيب روحها ، فمنذ فجر
الاستقلال ونحن نشاهد في القضايا السياسية نفس السيناريو المحبوك : يجلب المتهم وهو في كل الحالات تقريبا مجرد
تونسي يريد ممارسة حقوق
المواطنة ويبدع المحامون في إثبات
خواء التهم الموجهة ضده وتناقضها مع روح الدستور والعدل، ويستمع القاضي إلى لسان الدفاع بصبر ايوب
ثمّ يصدر حكمه الذي يعرف الكل أنه مسبق وجاهز .فالقاعدة في المحاكمات السياسية أن
الاتهام يعني الإحالة والإحالة تعني الإدانة آليا .
وهكذا
رأينا قضاة يحكمون بقوانين مخالفة للدستور وللمعاهدات الدولية التي أبرمتها الحكومة
التونسية والتي لها الأولوية في سلم القوانين على ما يخالفها من تشريعات محلية،
ورأينا قضاة يغمضون العينين عن آثار التعذيب الواضحة التي تبطل حسب المعاهدة
الدولية للتعذيب كل التتبعات، ورأينا قضاة يحكمون مثلما هو الحال في الإمضاء
الإجباري في مراكز الشرطة بدون نص،
ورأينا قضاة يحكمون مرتين وأكثر على نفس المتهم وفي نفس التهمة، بل وسمعنا
مؤخرا قاض يتبجّح بأنه لا يعترف باتصال القضاء وبضرورة القرينة في الجرائم
السياسية، واستمعنا لمرافعات قيمة
لسلك المحاماة تظهر الخروقات القانونية السافرة للتتبعات في الشكل والجوهر فلا تغير
شيئا من قرار مسبق اتخذته السلطة التنفيذية وأوكلت للقضاة بالتصريح
به.
وهكذا
أصبحت كل الأطراف تشارك في مسرحية الظلم تحت ستار القانون تتكرّر فصولها بثبات مروّع على امتداد
حقبة استبداد الدولة الحزبية ولم يتغير فيها إلا تصاعد الوتيرة والنسق
وقسوة الأحكام إبان العشرية السوداء الأخيرة التي شهدت انتصاب الدولة البوليسية .
وقد تعرضت كل الأطراف التي تساهم في المسرحية إلى
خسائر بالغة .
فالمتهم
السياسي مدان أيا كانت الحالة ولا
شكّ أن محاكمة عبد اللطيف بوحجيلة في شهر أبريل المنصرم وهو يحتضر أمام القاضي بعد
تسعين يوما من إضراب الجوع فحكم عليه مع هذا
بسبعة عشر سنة ، كانت ذروة مأساة كل متهم سياسي يقف أمام
القضاة في بلدنا.
وكذلك
تعرّض لسان الدفاع لضرر معنوي فادح
فقد كان ولا يزال ، رغم ما
يشكّله وجوده من سند معنوي للمتهم
ومرافعاته من إزعاج للسلطة ، مجرد
كومبارس يستعمل لإضفاء الشرعية على سيناريو
شعار مخرجيه
'' كلامك يا هذا في النافخات زمرا
''.
لكن
الخاسر الكبير في الواقع هو القاضي
والقضاء والعدل .
فالقاضي الذي يحكم بالظلم تحت كل أنواع
الضغوط التي تمارس عليه، لا يمكن في
أي حال من الأحوال ألا يعرف تبكيت الضمير والقضاء كمهنة وكمهمة وكوظيفة اجتماعية
، اصبح محل شك ونقاش وجدل
وإدانة متزايدة من طرف الرأي العام
الوطني والدولي . وأخيرا وليس آخر فإن العدل بما هو قيمة ضرورية لتماسك المجتمع
هيبة الدولة وطمأنينة المواطن هو الضحية الكبرى . ألم يجعل ابن خلدون من العدل أساس
العمران ؟
إن
هذا الأساس مهدّد اليوم في اعمق
دعاماته بعد أن بينت الممارسة المتواصلة
فراغ مفهوم العدل من أي مضمون فعلي وكيف أن الجهاز المكلف بالسهر عليه هو الجهاز الذي
يخرقه وعمق هشاشة وضعية المواطن
المسكين الذي يقع في قبضته .
وفي
المقابل فإن الرابح الوحيد هو النظام
الاستبدادي الذي أذلّ ولا يزال عبر
إخراجه لهذه المسرحية المتهم والمحامي والقاضي والقضاء والعدل على حد السواء وطوعهم
لمآربه التي لا تتجاوز البقاء في السلطة بأي ثمن وعلى حساب كل القيم وعلى رأسها
العدل .
وهذا
النظام المرفوض بصفة تتعمق وتحتد وتتوسّع
يوما بعد يوم سواء من شعبنا
أومن محيطه العالمي مبرمج للاستبدال
بنظام ديمقراطي حقيقي هو
مشروع هذا الجيل من التونسيين كما كان مشروع استبدال الاستعمار بالاستقلال مشروع
جيل آبائنا وأجدادنا .وفي إطار هذا المشروع الجبار الذي لن تستطيع إيقافه أي قوة ،
أتوجه بنداء للقضاة التونسيين لأقول
لهم :
لا يمكنكم أن تبقوا مكتوفي الأيدي، أو
مواصلة القيام بالدور الذي كلفتم به في القضايا السياسية أي التعرض للمشروع الوطني
المنتصر عاجلا أو آجلا. ولا يمكنكم أن تنتظروا من أمثالي الذين يزج بهم زملائكم في
السجن أن يأتوكم بالاستقلالية على طبق من ذهب، فاستقلالية القضاء وهيبة القاضي
واستتباب العدل مسئوليتكم انتم قبل كل أحد. إن ما ينتظره المجتمع المدني أن تصل
الاستفاقة التي تشهدها كل قطاعات شعبنا قطاعكم و لا يجب أن تكون دوافع هذه
الاستفاقة الخوف من نشر القوائم اليوم والتتبعات الجزائية غدا عند انتصاب الدولة
الديمقراطية وإنما يجب أن تنبع من أعمق أعماق الذات عبر أنبل المشاعر الإنسانية:
الوفاء للشرف الشخصي و الوفاء لشرف المهنة والوفاء لوطن لم يكن ولن يكون أبدا
مرادفا لحفنة من عابري سبيل نسوا انه لو دامت لغيرهم لما أتتهم بل ويتوهمون أنها ما
دامت قد أتتهم فهي لهم دائمة.
أهيب بكم يا قضاة بلادي أن تعودوا إلى تلك
الأعماق المنسية التي لا زالت تشتعل فيها جمرة النخوة والاعتزاز بالنفس ، تلك
الأعماق التي لا زالت تشتعل فيها
جمرة النخوة والاعتزاز بممارسة أهمّ
وظيفة لسلامة المجتمع ، تلك الأعماق التي تشتعل فيها
جمرة النخوة والاعتزاز بأنكم حملة مشعل أنبل قيم تطمح لتحقيقها الشعوب والإنسانية
:العدل ، هذه القيمة التي هي كالشمس إن حضرت بدّدت ظلمات القهر والشقاء والتمرّد
والعنف المدمر لإنسانية الإنسان .
ومن
هذه الأعماق أهيب بكم يا قضاة بلادي أن تستمدّوا رفضا صارما لمواصلة لعب الدور
المخزي الذي حدده لكم مخرجو المسرحية وآنذاك ومن الفضاء الرحب لضمائركم وفي صمت رفض جماعي
سترسلون رسالة مضمونة الوصول لحفنة الأشخاص الذين يذلّونكم ويذلون القضاء والعدل ،
بأن الغين استبدلت قافا وان عهد القضاء المستغلّ قد انتهى ليبدأ عهد القضاء
المستقلّ .وآنذاك ينتهي مفعول النكتة التي يعرفها كل تونسي والتي تروي قصة المواطن
الذي طلب من سائق سيارة أجرة أن
يحمله لقصر العدالة فاوصله للمكان
قائلا هذا القصر أما العدالة فابحث عنها في مكان آخر، لأنكم ستكونوا قد غيرتم الوضع ليحتضن القصر أخيرا العدالة ، لتجد
العدالة أخيرا لها في القصر ملجأها الطبيعي .
سوسة في 25/6/2001
خراب
مشروع سيادة القانون
لا
يوجد في السنتين الأخيرتين خطاب
للسيد زين العابدين بن علي- الرئيس
الذي انتخب نفسه بنسبة 99.4% - إلا وفيه مقطع قارّ مخصّص لإدانة ''هؤلاء الديمقراطيين الذين يخرقون
القانون بل لا يعترفون به '' ولا تأتي أي من وزرائه فرصة إلا وذكّر فيها '' بحرص سيادة الرئيس على أن يسود
القانون الذي يعلو لا يعلى عليه '' ساخرا ومدينا أناس يتشدّقون بالديمقراطية ولا
يحترمون القانون
.
ولقد تميّز هذا النظام البوليسي الذي يحكم تونس
منذ الانقلاب على النظام الحزبي
دوما بقلب الحقائق واستعمال الكلمات لتدلّ على عكس مضمونها .فسمى دولة
استبداد الفرد دولة القانون والمؤسسات وتغنى بإمضاء المعاهدة العالمية ضد التعذيب
واحدث جائزة 10 ديسمبر وسجلّه عند كل منظمات حقوق الإنسان الدولية من اتعس السجلات
.
وهو يطبّل ويزمّر لمعجزة اقتصادية سيتضح
يوما أنها كانت اكبر الأكاذيب
كذلك
الأمر بخصوص القانون الذي يدين بن على خروج الديمقراطيين عليه فلو نظرنا لخصائص هذا
القانون لاكتشفنا أنه ليس إلا تغليفا للقوّة ووسيلة للإبقاء على الاستبداد
.
ومن
أهم خصائص القانون الذي يدعو الاستبداد العربي لاحترامه أنه :
1-
هو موضوع من قبل من ليس لهم الحق في
وضعه .
إن
أول شرط لشرعية القانون الذي يسنّه ممثلو الشعب أن يكونوا هم أنفسهم شرعيين أي أن
تفرزهم انتخابات حرة ونزيهة وأن
يتمتّعوا طيلة نيابتهم بثقة الناس واحترامهم .
لكن
الانتخابات في الأنظمة الاستبدادية مجرد غطاء عصري لإرادة الفرد
وذلك وفق طقوس مهمتها إضفاء شرعية زائفة على من ليس له شرعية نظاما وأشخاصا
.
وإنها
لمفارقة غريبة أن هؤلاء الناس الذين انتحلوا صفة هي صفة ممثلي الشعب سيصدرون
القوانين التي تعاقب جرائم التزييف وانتحال صفة الطبيب أو المحامي بكذا وكذا سنة
سجن .
وهؤلاء
الناس موظفون يمثلون صفقة بين القوة والانتهازية . فمن جهة هناك قوة
الاستبداد المتمثلة في الجهاز القمعي من جيش وبوليس وإدارة ومال تخدم مصلحة
المستبدّ الظالم وبطانته ، ومن جهة
أخرى هناك ''كومبارس '' يقبلون في مقابل جزء من الجاه بالقيام بدور التغطية وانتخابهم هو عادة
نوع من الرشوة السياسية التي يشتري بها المستبدّ سكوتهم على الاستبداد والمشاركة في
أرباحه .
وهكذا
يبنى من الأساس القانون على اللاقانون
وتنطلق الشرعية من اللاشرعية ونحن أمام حالة تشبه بناء عمارة شاهقة على
دعامات من الإسمنت المغشوش .
2-هو
قانون متخلف على روح العصر
إن
اغلب القوانين التي تنظم حياتنا السياسية منافية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان
ومنافية للعهود والمواثيق الدولية
وذلك
بالأساس في موضوع الحريات الفردية وبالتالي يمكن القول أن القانون العربي هو قانون
خارج على القانون الدولي أي على الطور المتقدم والعصري
للقانون.
3-
هو تشريع وتطبيع للاستبداد الفردي.
يفضح
القانون الأول الذي نسميه أيضا الدستور
طبيعة الصفقة بين الراشي أي السلطة التنفيذية والمرتشي أي ''نائب الشعب ''
. فهذا الدستور في تونس مثلا يضع كل
السلطات في يدي رئيس الجمهورية وربما
لا يوجد في أي بلد في العالم رئيس جمهورية يتمتع بسلطات رئيس جمهورية تونس فهو حسب الفصول رئيس
السلطة التنفيذية ورئيس السلطة التشريعية ورئيس السلطة القضائية . إضافة لهذا يوجد فصل غريب لا مثيل له في العالم
يعطي للرئيس الحصانة المطلقة إبان الحكم وبعده أي أنه يجعل حامي القانون خارج وفوق
القانون بالقانون.
وإذا
أضفنا لهذا قضية الرئاسة مدى الحياة في الدستور السابق وإمكانية تجددها عبر استفتاءات
متتالية في الدستور الحالي
لنيابات أخرى، فإننا نجد
أن هذا الدستور جعل من رئيس الجمهورية كائنا له العصمة
البابوية .
4-هو
مجعول للتضييق على الحقوق والحريات.
إن
مهمة القانون في بلداننا العربية ليست إيصال الحقوق والحريات الواردة في الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان وإنما التضييق عليها بكل الوسائل
والتعلات.
إن
المتأمل في القوانين التي تنظم حق الرأي وحق التنظم وحق التظاهر وحق الانتخاب مواجه
بظاهرة التقييد والتحجيم والعرقلة والمنع.
ولو كان الدستور واضحا كل الوضوح في كيفية ممارسة الشعب
لسيادته لوضعت السلطة أمام خيار
صعب أي تطبيقه أو الخروج عن
الشرعية بصفة فجّة لكن هذا الغموض هو
الذي سمح لنظام يذل الشعب ، بالتواصل خمسين سنة مستظلا بالدستور لا وبل مسميا نفسه
باسمه.
وقد
انتبه المشرع الهندي عند إقرار العقد الأساسي لمثل هذا الخطر ففصّل ووضّح بكثير من
التدقيق كيفية ممارسة الحريات ليقطع خطّ الرجعة على كل سلطة استبدادية تريد استرداد
ما يمنحه الدستور.
5-هو
مطبوع بعقلية الزجر والترهيب:
يواجه
المتأمل في القانون الجزائي الذي ينظم العلاقات بين الأفراد بالصبغة الإرهابية
للقانون فابسط المخالفات تعاقب بالسجن وثمة شطط واضح في العقوبة بالقياس للمخالفة
وهذا الأمر هو من الأسباب الرئيسية المؤدية إلى اكتظاظ السجون ممّا يجعل منها بؤر
الفساد وأكاديميات الجريمة التي أصبحت اليوم في كل البلدان التي تعيش في ظل
الاستبداد.
ولا
غرابة في هذا لأن من يسنّ القانون في خدمة أقلية تخشى على مصالحها وهي تستعمل
القانون كسلاح للترويع لا كأداة لفرض التوازن داخل المجتمع وهو توازن لا يكون إلا
بالعدل. ومن نافل القول أن القانون يستعمل كسلاح لفض أو للتغطية على المشاكل
الاقتصادية والاجتماعية كأن يكون السجن العقاب الآلي للسرقة أو البغاء دون الاهتمام
لحظة بأسباب السرقة أو البغاء.
والقاعدة أنه بقدر ما يكون النظام
استبداديا بقدر ما يكون القانون قمعيا لشل كل بوادر التمرّد الممكنة وقتلها وهي في
بدايتها.
6-هو
يطبق بمكيالين وعلى اضعف جزء من
المجتمع.
إن
الطموح السياسي للقانون أن يعلو ولا يعلى عليه أي أن يبسط سلطانه على كل فرد وكل
مؤسسة وان يتساوى أمامه كل الناس وكل المؤسسات إلا إنه من البديهي أن القانون في
أرض الاستبداد بعيد كل البعد عن هذه الصورة فثمة جيوب كاملة من المجتمع تسحب من
سيطرته النظرية وهي بالأساس أصحاب السلطة وأعوانهم من رجال الأمن والقضاء والثروات
الطائلة.
إن من يقتل نفسا بشرية عمدا يدان بأقصى
العقوبات في أي بلد وخاصة في العراق ولكن إذا كان القاتل ابن صدام حسين فإنه سيفلت
من العقاب بعد ''تدخل الجماهير'‘. وفي مثل هذا النظام لا رقابة ولا محاسبة لأجهزة
الأمن على عدد القتلى تحت التعذيب لأنه لقوات البوليس السياسي حصانة
مطلقة.
وفي
نفس السياق فإن سارق البيضة سيواجه بالصبغة الزجرية المفرطة للقانون في حين يبقى
سارق المليارات صاحب النفوذ في البرلمان الذي يسن قوانين عقاب سرقة
البيض.
وتعكس
هذه الجيوب التي تعيش داخل المجتمع وفق قوانين خاصة مأساة ومهزلة القانون في ظل
الاستبداد فهو لا يطبق إلا على القطاعات الاجتماعية التي ليس لديها وسيلة ضغط كافية
للإفلات منه. وهكذا يتزايد تعفن العلاقة التي تربط الفرد والمجموعة بقانون يعرف
الكل إنه يعبر عن إرادة ومصلحة الأقلية المستبدّة.
7-هو
موكول في تنفيذه إلى سلط فاقدة المصداقية والاستقلالية.
إذا كانت السلطة التشريعية فاقدة المصداقية
والهيبة نظرا لزيف تمثيليتيها وتبعيتها للسلطة التنفيذية فإن الوضع ليس أحسن في
خصوص من يسهر على حماية وتطبيق القانون. فأعوان الإدارة المكلفين بإنفاذ القوانين
يعرفون استشراء المحسوبية والفساد. أما السلطة القضائية فهي مثل السلطة التنفيذية
جزء تابع للجهاز التنفيذي ومن ثمة هي فاقدة الاستقلالية والهيبة والمصداقية، بل هي
اليوم إحدى ركائز الظلم بالقانون.
ولو
جمعنا الآن كل هذه الخصائص لأتضح لنا أنها ليست سوى الأوصاف الكبرى لأوّل قانون هو
قانون الغاب المتمثل في إملاء القويّ إرادته على الضعيف وإنما نحن هنا أمام قانون
غاب وضعت على وجهه المساحيق حتى لا تظهر نواجذ الذئب.
إلا أنك تلمس بكل وضوح وجود العنف الفجّ في
كل مواصفاته.
فإن
أنت واجهت قانون الصحافة والأحزاب بمحاولة الاصداع بالرأي المخالف أو التنظم
المستقل عن السلطة مثلا يردّ النظام الاستبدادي بالعنف المباشر المتمثل في استعمال
كل وسائل القمع المعروفة من سجن وتعذيب وحتى الاغتيال. فلا مكان هنا لآلية تحكيم
سلمية مثل المحكمة الدستورية التي يمكنها الفصل بين تفسير السلطة للقانون وتفسير
المواطن له لأن النظام الاستبدادي هو الخصم والحكم.
كما
تتضح الصبغة العنيفة لهذا القانون لأن تجربة التاريخ تثبت أنه لا مجال للإصلاح داخل
هذه المنظومات السياسية المبنية على العنف وأن الشعوب تصل في آخر المطاف إلى
الالتجاء للثورة حتى يمكنها التخلص من قانون الغاب ومحاولة بناء صرح قانوني
جديد.
إن
مطالبة الديمقراطيين باحترام مثل هذا القانون لا يختلف كثيرا عن مطالبة المستعمرين
باحترام قوانين الاستعمار ومطالبة السود في إفريقيا الجنوبية بقبول قانون الابرتايد
.
ونحن في كل الحالات أمام حيلة ساذجة يعلف
فيها المستعمر الغربي أو العنصري
الأبيض أو المستبد العربي لاشرعيته
بقانونية مفرطة هي مجرد ورقة
التوت الشهيرة .
إن
ما يسند العلاقة السليمة بين الحاكم والمحكوم منذ وجد الإنسان هو عقد مكتوب أو غير
مكتوب يكون الحاكم بموجبه عادلا تحدّ
ضمانات من طبيعة متباينة (أخلاقية ، تشريعية ، عرفية ) من غرائزه التسلطية
ويكون المحكوم بموجبه مطيعا منضبطا تحدّ ضمانات من طبيعة متباينة من غرائزه
الفوضوية .
وبقدر
ما يكون النظام الحاكم مقبولا بصفة حرّة وتلقائية من المحكومين أي شرعيا بقدر تقل الحاجة إلى القوّة لبقائه وعمله
.
وفي
هذا العالم تكمن الشرعية في علاقة المحبة والثقة التي تستمد منها
ملكية كالملكية الاسبانية أو المغربية قبول الشعب بها و نسميها الشرعية التاريخية
أما في الأنظمة الجمهورية فهي لا
تستمدّ إلاّ من انتخابات حرة ونزيهة سبقتها ممارسة الحريات العامة والفردية التي
تكون هذه الانتخابات نتيجتها .
وإن
نظرنا إلى مكونات شرعية النظام في فرنسا مثلا لاكتشفنا غياب عنصر القوة في العلاقة
السياسية فالمؤسسة العسكرية أو البوليسية لا تلعب أي دور في فرض النظام وإنما
يتواصل هذا الأخير على مبدأ القبول الحر به من قبل الفرنسيين وثقتهم فيه
.
ومن
نافل القول أن الثقة ليست في الشخص
فرئيس فرنسا قلما ينتخب بأكثر من 52 في المائة من الأصوات وإنما هي في قواعد لعبة
مبنية على حرية الرأي للجميع وحرية التنظم للجميع واستقلال القضاء والانتخابات
الدورية الحرة والنزيهة .
وفي
المقابل نرى النظام السياسي العربي
خاصة في'' الجملكيات '' مرتكزا على
القوة فالمؤسسة العسكرية والأمنية هي ركيزة السلطة والوسيلة الوحيدة لاتواصل هي العنف البارد المتمثل في قمع
الحريات الفردية والجماعية ولا يبقى أمام مثل هذه الأنظمة غير الشرعية إلاّ سنّ القانون الظالم بعد القانون المقيد
للحرية لإحكام سيطرتها على مجتمع لا
يرتبط معه بأي عقد مبني على الثقة المتبادلة حسب قواعد لعبة واضحة يحترمها كل
الفرقاء كما هو الحال في النظام الديمقراطي .
وهكذا
نصل إلى الحالة التي نعيشها في كل قطر عربي أي الطلاق بالثلاث بين الدولة والمجتمع
.
ولا يمكن لحالة مثل هذه أن تدوم لأنه لا
يوجد بلدا يتحمّل طويلا أن يكون فيه شعب بدون سيادة ودولة بلا شرعية ومجتمع بدون
قانون ومواطن بدون كرامة فأزمة النظام السياسي تنعكس على كل مؤسسات البلاد كالصحة
والتعليم والاقتصاد الخ وتمثل خطرا على استقرار المجتمع وتطوره. ومع هذا تواصل
الأنظمة العربية وخاصة النظام التونسي سياسة الهروب إلى الأمام ومن جملة الأسباب
أنها لم تترك بابا للصلح مع المجتمع وأغلقت حولها كل المنافذ لتصبح مصدر تهديد خطير
لنفسها ولكل المجتمع خاصّة وأنّ الانتخابات المزورة التي اعتاد عليها عمليات تزداد
صعوبتها وتكلفتها وستغدو عما قريب شبه مستحيلة.
إن
ما يعده النظام التونسي من سيناريو مبتذل يبدأ بالمناشدات الملحة لتغيير الدستور
والترشح للمرة الرابعة نقضا لأحكام هذا الدستور وينتهي بانتخابات الخزي والعار
استجابة لطلب الشعب بل و''تكريسا لسيادته '' هو من قبيل الانحدار المتسارع في بئر
بلا قاع إلا أنّه سيرتطم سريعا بمقاومة
صلبة من قبل المجتمع تعيد له حسّ التاريخ والواقع الجديد الذي يتحرّك فيه
إنه
من المبالغة كثيرا تصوّر أنظمة القوة والعنف كقلاع لا تؤخذ ، فهي قلاع محاصرة
ومعزولة ومعنوياتها جدّ هابطة وهي لا
ترتكز على أي قاعدة أيدلوجية وإنما على مصالح ظرفية متقلبة وآنية ، وهي تتآكل من الداخل بفعل انتشار الفساد
.
ولقد فقدت معركة الإعلام والمصداقية كما تواجه صعوبات متزايدة في تنظيم مهازلها
الانتخابية ومن ثمة فإن زوالها بفعل التآكل الداخلي والرفض الخارجي وتعمق الأزمات
الاقتصادية والاجتماعية التي تحاول التغطية عليها أمر حتمي.
إن
موقف المجتمع مثلما هو الحال في تونس
وهو يتطور مديرا لها ظهره معيدا تأسيس مؤسساته لخير دليل على انخرام التوازن لكن
في صالح المجتمع .
ولا
جدال أنه من حق بن علي ووزرائه أن يساورهم القلق أمام ظاهرة متفاقمة ، أعطى المجلس
الوطني إشارة انطلاقتها عندما رفع شعارين منذ نهاية التسعينات : ''نمارس حقوقنا ولا
نطالب بها'' و''لا خوف بعد اليوم ''.
فطيلة
السنتين المنصرمتين شهدت الساحة السياسية التونسية عملية إعادة خلق المؤسسات
المدنية أو إحياء تلك
التي دمرها النظام البوليسي .وخاصية
هذه العملية أنها انطلقت من خارج ومن فوق وضدّ القوانين التي تسند الدكتاتورية و
أساسا قانون الصحافة وقانون الجمعيات .
يجب
أن نذكّر بضخامة الحدث ونسقه المتسارع .
في
10 ديسمبر 1998 أعلن المجلس الوطني للحريات بتونس عن ولادته وانطلقت أشغاله كما لو
كان مؤسسة معترف بها متحديا كل أصناف المضايقات والتعطيل والتهديد .وقد ضرب بعرض
الحائط رفض وزارة الداخلية الاعتراف به
ولم يؤثر فيه إيقاف الكاتب العام عمر المستيري بعض الوقت أو اختطافي وتعليق ثلاث قضايا من اجل
الاحتفاظ بجمعية غير مرخص فيها وذلك بصفتي الناطق الرسمي وقد انتهت واحدة منها بحكم بالسجن سنة .كما لم
يزيد المجلس إيقاف الناطقة الرسمية
الجديدة سهام بن سدرين إلا تصميما
على تصميم .
ولم
يلبث مثل المجلس أن أعطى ثماره حيث
ولد بعد بضعة أشهر و بنفس الكيفية ''التجمّع من أجل بديل عادل للتنمية '' الذي واصل
عمله رغم إيقاف وسجن رئيسه فتحي
الشامخي . وتوسّعت الظاهرة في مختلف
الميادين ومن أخطرها الميدان النقابي حيث أن الإعلان عن ''الكونفدرالية للشغل''
يبدو وشيكا .ثم جاء الأخ جلول عزونة
ليعلن في هذه الصائفة عن ولادة ''رابطة الكتاب الأحرار '' بديلا عن اتحاد الكتاب
التونسيين الذي استطاعت السلطة تدجينه. ومن نافل القول أن ولادة المؤتمر من اجل
الجمهورية يوم 24 جويلية كان من أهم حلقات مسلسل هو في بدايته
.
ويشار
أنه في نفس الفترة برزت أولى عناوين الصحافة الإلكترونية المستقلة كجريدة ''كلمة
''لسهام بن سدرين وجريدة'' المواطنة ''للصحافية القديرة نادية عمران ناهيك عن
دخول القناة الفضائية ''المستقلة ''
حلبة الصراع من أجل حرية الرأي
ثم
لا ننسى الدفع الذي أعطته هذه الحركية الجديدة لأحزاب غير معترف بها مثل '' التكتل
من اجل الديمقراطية والعمل ''الذي اصبح له حضور أكثر وضوحا.
وتشاء سخرية الأقدار أن تدفع السلطة
بالرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إلى صفّ المنظمات غير المعترف بها
ليتزايد وزن كل هذا الذي لا تريد
الاعتراف به أي الفضاء
السياسي الحقيقي والفاعل والمستقل عن سيطرتها .
وإنها
حقا لمفارقة غريبة أن يوجد اليوم ''خارج القانون'' كلّ الأحزاب الفاعلة كالنهضة والمؤتمر
والتكتّل وحزب العمال الشيوعي وكل المنظمات الحقوقية مثل الرابطة والمجلس والبديل
من اجل التنمية وأن تكون القنوات الإعلامية مكتوبة أو مرئية هي الأخرى خارجة على
القانون ''الذي يعلو ولا يعلى عليه ''. وفي المقابل فإن كل ما هو قانوني أي معترف
به هزيل باهت فاقد للمصداقية والفعالية ولا يلعب إلا دور التغطية على الاستبداد
.
والسؤال
بالطبع حول السبب وهو بديهي فهذا مجتمع متحضّر ، مواكب لعصره مترجم لقيمه مكبّل
بنظام سياسي متخلّف خارج على مكانه وزمانه ، وهذه مرحلة مصيرية من مراحل تحرّر شعب
يواجه بقانون يريد دوام استعباده ويواجهه هو بموقف عبر التاريخ وسيتواصل إلى نهاية
الأزمان : لا طاعة لقانون ظالم .
إنّ
ظاهرة تحدّي القوانين الظالمة تعكس
جملة من التغييرات العميقة داخل المجتمع التونسي منها استعادة المبادرة من قبل
المجتمع وتجاهله المتزايد للسلطة وتعمق الهوة بينهما وانقطاع قنوات الحوار
خارج قناتي البوليس والقضاء .
لكن ما تفضحه أعمق وأخطر من هذا بكثير لأنها تضع الإصبع على انخرام هيكلي في النظام السياسي –الاجتماعي
التونسي قد يؤدي إلى ما لا تحمد
عقباه . فتونس اليوم بلد مجتمعه خارج على ''القانون'' ودولته خارجة على الشرعية
وهذه معادلة انفجارية إذ لا
يمكن لبلد متحضر أن يعيش طويلا في
وضعية كهذه .
إن
الرهان الحقيقي هو حول قدرة شعب عربي
متقدّم على تأهيل نظامه السياسي
ليخرج من لعنة اللاشرعية للحكام واللاقانونية للمحكومين وهي المعادلة الخطيرة التي
قادت المجتمعات دوما إلى الدمار .
***
خراب المنطق واللغة
والقيم
جاءني
مؤخرا صديق يتصيد كل الجديد في الإنترنت
بمقالة لشخص لا أعرفه، يقدم
نفسه كصحافي ويدعى البعطوط، نشرها في جريدة قطرية ويشتمني فيها بسخاء منقطع النظير. وأدهشني
ما ورد فيها خاصة عندما يدعي الرجل
بلهجة الواثق كل الثقة من مصادره أنني أتتشاجر كثيرا مع زوجتي و أنني عصابي أي مجنون وأضحكني ما ورد فيها خاصة عندما يسرد الرجل بنفس اللهجة التقريرية الواثقة كل
الثقة من مصادر الخبر، أنني هربت
يوما من زوجتي واختفيت عند أقرباء لي
طالبا اللجوء الزوجي و الحماية القبلية من بطش هذه المرأة التي لم ينسى
التذكير بجنسيتها الفرنسية لأنني كما يعلم الجميع ابن الاستعمار الفرنسي البار وخادم ثقافته ومصالحه في ربوعنا
العربية الإسلامية. (والحق يقال انه لم يدعي كأحد رجالات النظام أمام صحافية مصرية
في صوت أمريكا هي زينب عبد الرحمان جاءت لتونس سنة 1994وابدت رغبتها في الاتصال
بي أنني أجهل اللغة العربية ومن ثمة لا داعي لأن تزعج نفسها بمحاولة
استجوابي).
وكأنّ
هذا الشخص لم يكتف بي
فدبج مقالا آخر يتهجم فيه على شرف أم لثلاث أطفال ومحامية من ألمع المحامين في بلادنا ومناضلة يفخر بها كل شعب، هي راضية
النصراوي.
وأثار
صديقي إمكانية تقديم شكوى ضد هذا
الصحافي الغريب الذي لا يدافع عن
مبادئ وأفكار وإنما عن نظام سياسي جعل من البلد الأمين بلد الأمن. فقلت له يا رجل
اتقي الله ليس لي وقت أضيعه في مثل هذه التفاهات. ثم كيف تريدني بربك أن أبرهن للقاضي على كذب الرجل ؟ من أين لي أن اثبت
أنني لست مجنونا وبن علي قد جنّنا كلنا ؟ ثم كيف سيصدق القاضي حتى ولو كان
نزيها، أنني لا أتتشاجر مع زوجتي وهل هناك رجل عاقل أو
مجنون لا يتشاجر مع زوجته ؟ ومن أين لي الشهود الموثوق بهم على أنني لم اختبئ يوما هربا من بطش
زوجتي. فلا بد أن يكون الشهود من أهل قفصة أو قابس او مدنين أو وحتى مرازيق بما أن الرجل حدد مكان هروبي
واختفائي في الجنوب وبين أقربائي ؟ فأي
قيمة لشهادتهم والكل يعلم أن شعار القوم مذ خلقوا انصر أخاك ظالما أو مظلوما
خاصة إذا كان الظالم "قاورية " والمظلوم جنوبي عريق في
بداوته.
ثم انتبهت فجأة لإمكانية ربح القضية فهذا
''الصحافي'' الواثق من مصادره، جنح به خياله الخصب إلى سرد حيثيات بالغة الدقة
وتورّط في بعض التفاصيل منها أن الصحف الفرنسية المعادية لتونس، ادعت عندما انتشر خبر هروبي من الرومية الشمطاء ، لتكيد لتونس الاستقرار
والازدهار ، أنني ضحية اختطاف
سياسي. لكن الحق كعادته لم يلبث أن شعّ صافعا الباطل
على وجنتيه فانهارت الكذبة عندما اكشفوني ارتعش خوفا من سوط زوجتي فاضطرت نفس الجرائد الفرنسية للاعتذار عن الخبر
الخاطئ وانتصر وجه تونس الديمقراطية وحقوق الإنسان على كيد الكائدين.
وهنا يمكن كمش الرجل لأنه استسهل اختلاق
التفاصيل فتخلى عن الحد الأدنى من
الحيطة .إنه يقدم مصادره (الجرائد
الفرنسية وتاريخ 1993) بثقة وتكبر
وعنجهية فيها من ''صحة الرقعة'' ما
فيها من المجازفة.
فإذا
كان من الصعب إثبات سلامتي العقلية فلا أسهل من إثبات اختراع كل هذه القصة إذ يمكن
مطالبة الرجل بقصاصات هذه الجرائد التي أوردت خبر اختطافي وخبر تراجعها لما انكشف
الحق. وحيث أنّ من يكذب قادر على التزييف فلا أسهل من مقارنة أي قصاصة يمكن أن يأتي
بها بالأصول الموجودة في الأرشيف وآنذاك سيتضح أنني لم اهرب يوما من زوجة شمطاء (لا
تقرا الجرائد القطرية لحسن الحظ وإلا لكانت هي التي تقدمت بقضية لتشويه سمعتها ) و
أنني لم اطلب اللجوء الزوجي من أقاربي في الجنوب و لم تكتب يوما صحيفة فرنسية عن
خبر اختطافي ولا وجدت جريدة واحدة أصدرت تصحيحا واعتذارا عندما انتصر الحق وزهق
الباطل.
ومعنى
هذا أن هذا الصحافي العجيب رجل لا يحترم أبسط قواعد تلفيق القصص. هو يكذب بصفة
يحمرّ لها وجه الكذب. وتتضح قدرته على الاختلاق هذه أكثر عندما يقول عن راضية
النصراوي أنها حملت من حمة الهمامي لما كانت تزوره كمحامية في السجن –قبل الزواج
طبعا – وهنا تتفجّر القهقهة وتنطلق إلى أعالي السماء ويتراجع ما عداها من مشاعر
الاشمئزاز والقرف، فصاحبنا الذي أشكّ
أنه دخل يوما السجن من اجل مبدأ وقضية مثل صديقي وأخي حمّة، لا يتورع عن تقديم
سجوننا العتيدة كما لو كانت فيها مرافق وتسهيلات تسمح للمحاميات الطائشات بالحمل من
عشاقهن.
ونحن
هنا أمام ما يمكن تسميته بالكذب الكاريكاتوري.
وفي
هذا الموضع من النص انتبه للسبب الذي جعلني أتوقف عند هذه القصة التافهة وأكتب
فيها.
فهذا ''الصحافي'' الذي يقذف أعراض الماجدات
ولا يدقق في ما يستقي من أخبار ويلفق القصص بصفة طفلانية ممثل لظاهرة لفتت انتباهي منذ سنوات
وأتابع استفحالها كما يتابع طبيب الصحة العمومية انتشار وباء -وهو هنا وباء
أخلاقي-: القيم الكاريكاتورية والأشخاص الكاريكاتوريين الذين تفاقموا طوال العشرية
المنصرمة في شكل كارثة أخلاقية سنبقى نعاني طويلا من آثارها
وآثامها.
والكذب
الكاريكاتوري شكل جد مختلف عن الكذب العادي الذي يجوز تسميته بالفيزيولوجي لأنه
يسهل علينا جميعا الحياة ويكاد يكون طبيعيا. نكذب جميعا من باب مكره أخاك و نكذب
للدفاع عن أنفسنا وأحيانا للدفاع عن الغير -تذكروا أكاذيب الطبيب أمام سرطان
مريضه-
لكننا نكذب دوما باستحياء وبخجل وبكمية
معقولة ونحاول إخفاء ما نضطر إليه.أما الكذب كما يبرز عند هذا الرجل فهو كذب فجّ
ضخم بدون حياء وبدون ذكاء لذلك أقول أنه كذب كاريكاتوري.
والكاريكاتور كما نعرف جميعا، أسلوب وطريقة
في تقديم شخص أو فكرة تفضح طبيعته الخفية وتسلط عليها مجهر الاستهجان والاحتقار في
ثوب السخرية. وهو أيضا محتوى أي عيب وصل درجة من الضخامة والإسفاف لا ينفع في إخفائه قناع، فأصبح مصدرا للسخرية البريئة عندما يكون
العيب بريئا كالبخل ومصدرا للاحتقار الساخر عندما يكون العيب حقيرا كالكذب والنذالة
والانتهازية.
إن
هذا ''الصحافي''عيّنة من صحافيّ العهد الجديد أو قل الاستبداد العربي الجديد الذين
يشكلون هم أنفسهم عينة من رجالات العهد الجديد مثل مثقفيّ العهد الجديد وقضاة العهد
الجديد ونقابيّ العهد الجديد وسياسيىّ العهد الجديد ومعارضي العهد الجديد ومواطني
العهد الجديد ومسئولي العهد الجديد ومهنيّ العهد الجديد وشباب العهد الجديد الخ.
والقاسم
المشترك بين كل هؤلاء العهديين الجدد هو الكاريكاتور.
أنت
تراهم يجسدون وينشرون في كل المستويات الكذب الكاريكاتوري والجهل الكاريكاتوري
والجبن الكاريكاتوري والانتهازية الكاريكاتورية والرداءة الكاريكاتورية والبذاءة
الكاريكاتورية والفساد الكاريكاتوري.
وهم
في آخر المطاف النتيجة الطبيعية لقانوني ''كيفما تكونوا يولى عليكم'' و''كيفما يولى
عليكم تكونوا'‘ ومن أين لهم أن يكونوا غير ما هم عليه وهم مجرّد إفرازة كاريكاتور
نظام سياسي جعل من دولتنا كاريكاتور دولة.
وقدر
هؤلاء الناس الذين ضخموا عيوبا فيزيولوجية أن يصبحوا كائنات كاريكاتورية كتلك التي
تعرّض لها ''موليار'' في البخيل أو الجاحظ في البخلاء وهم اليوم جحافل وأنواع
لأن
العيوب الكاريكاتورية والشخصيات الكاريكاتورية التي تبلورت إبان العهد الجديد وفي
تونس بن علي -كما يتجاسرون على القول- وفي كل نظام استبدادي عربي لا تحصى ولا تعدّ.
ثمة
إذن تحت الطلب ينبوع من الكائنات والمواضيع الكاريكاتورية التي ترمز للعهد الجديد
كأحسن ما يكون الرمز وهي تنتظر
''موليار '' عربي وجاحظ، جاحظ العينين من فرط الاستغراب ولكنه نافذ
البصر والبصيرة، لتخليد ذكراها
ومآثرها حتّى تبقى أطرف تذكار لنا عن أظلم حقبة في تاريخنا
المعاصر.
صحيح
أن العهد الجديد مثّل بالنسبة للوطن مأساة ولكن صدقوني إن قلت لكم إنني أحب العهد
الجديد فهو ''سيرك ''مفتوح الأبواب أربع عشرين ساعة على أربع وعشرين و مهزلة
متواصلة، تجعل حياتي البالغة
الصعوبة، مليئة أيضا بالضحك والحبور
-خاصة عندما أقرأ جرائد السلطة أو أشاهد نشرة الأخبار في تلفزتهم -والجميل في شر
البلية أنها لا تبكينا فقط وإنما تفجّر منا الضحك.
وقد
تندمون يوما لعدم أخذكم بنصيحتي فسارعوا لكتابة القصص والمسرحيات حول غرائب خدم
الدكتاتورية. فهذا جنس سينقرض قريبا- أو على الأقل سيدخل السرية - وفترة الملاحظة
الباقية على الطبيعة قصيرة.
فإلى
أقلامكم أيها العرب لموقع على الإنترنت لا يكون فضاء الهم والغم وإنما فضاء قهقهة
المحاربين.
***
خراب
الروح المعنوية للشعب والأمة
لا
يعلم أحد بالضبط كم من مواطن تعرض في
الوطن العربي للتعذيب
والمعاملات المهينة والمخلة بالكرامة إبان العشرية الأخيرة ولقائل أن يقول أن عددهم لا يمكن أن
يتجاوز عدد المسجونين وهم بمئات
الآلاف . لكننا ننسى أن التعذيب ليس فقط الاعتداء الجسدي العنيف الذي يستغرق
ساعات أو أيام وينتهي بالضرورة في وقت ما.
كيف
نسمي مثلا حالة القلق والألم والإذلال المتواصلة التي يتعرض لها المساجين الذين
مروا من الباب الضيق للعنف الجسدي الكلاسيكي؟
كيف نسمي حالة الناس الذين وضعوا في
زنزانات فردية لأكثر من عشر سنوات؟
كيف نسمي حالة العائلات المسكينة التي
تتعرض للإهانة والتضييقات والتي تركض من سجن إلى سجن وراء أبنائها وهم ينقلون طول
الوقت لإرهاق الزوجة والأم والأب علهم يتخلوا عن الابن السجين وأحيانا البنت السجينة
؟
كيف
نسمي ما يتعرض له المواطن العادي من تخويف وإرهاب وهو يوقف للتثبت من هويته مرتين في الأسبوع على الأقل إن كان صاحب
سيارة ؟
كل هذا تعذيب بأشكال مختلفة سلط على الشعب
بصفة متواصلة ومنظمة ومدروسة لكسر شوكة الكرامة وإذلال الناس وتركيعهم حتى يمكن تحت
غطاء مقاومة الإرهاب والمحافظة على الأمن والاستقرار للزعيم الأوحد أن يمارس حق
التأله ولبطانته ممارسة حق النهب والسلب.
وربما
تشكل السجون حالة متميزة على ما يعانيه المجتمع من آلام وهو في آخر المطاف مجتمع
مصغّر يعكس بصفى كاريكاتورية كل الموجود وكل الضمني في المجتمع
الكبير.
في
منتصف 91 طالبت الهيئة المديرة
للرابطة التونسية بتفقّد
السجون التي كانت تصلنا منها أخبار رهيبة.
و قبلت السلطة مبدأ الزيارة لسجني 9 أفريل
وسجن النساء بمنوبة، على أمل كسب
دعائي ما وكنت بصفتي رئيس الرابطة
على قائمة المدعويين. كانت الزيارة
الأولى والأخيرة من نوعها.