الـنداء الأخيـر

للـحــريــة

 

 

   حبيب عيسى

 

أوراق السجن

 

 

 
-  النداء الأخير للحرية

    " أوراق السجن "

 

v        تأليف : حبيب عيسى

v    الطبعة الأولى

v    تاريخ الإصدار : 2002

v    عدد النسخ :

v    التنفيذ الضوئي:

v    الإخراج الفني: أصدقاء حبيب عيسى

v    الغلاف: ناصر الغزالي

v    منشورات أوراب واللجنة العربية لحقوق الإنسان

v    جميع الحقوق محفوظة

 

 

 

الـنداء الأخيـر

للـحــريــة

 

 

حبيب عيسى

 

 

 

أوراق السجن

 

 

 

 

 
       " .. إذا كنت تريد أن تعيش

       عليك أن تصنع ثورة.."

 

                                   هوشي مينه

 

 

 

 

تقديم النداء الأخير

 

د. كمال اللبواني

 

بشكل عفوي تماماً، كربيع دمشق، كان لقاؤنا الأول، في المنتديات كان يدير منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي، عندما كنت أتداخل معقباً على المحاضرين..

 

 ومرة إثر مرة، كنا نكتشف تقاربنا، ونكتشف أننا نتعاون لذات الأهداف، وبذات الوسائل أيضاً… وهذا لم يكن ينطبق علينا وحدنا، بل هو الصفة العامة للحركة المطلبية الديمقراطية في سورية..

 

رغم ذلك التقارب التدريجي العفوي، لم أحتكّ بحبيب بشكل جدي حتى عشيّة اعتقالنا، يوم كنا مجتمعين في منزل النائب رياض سيف، الذي كان قد اعتقل في اليوم السابق، وكنا ننظم اجتماعاً تضامنياً، حرصنا أن يحضره ممثلون عن كل المنتديات واللجان والجمعيات المدنية المشاركة في الحراك الديمقراطي، وتحديداً في يوم الجمعة      7/9/2001، في ذلك المساء المتوتر، بعد أن أيقنا أن حملة اعتقالات ستشن علينا، أذكر أنني قلت له: " ما رأيك يا أستاذ حبيب (والكلفة لم تكن قد رُفِعَت بيننا بعد) أن تكون شريكي في السجن؟ "، أجاب ضاحكاً: " موافق "..

 

وفي اليوم التالي اعتقلنا، أنا وأربعة أصدقاء آخرين من الناشطين، ولم يكن حبيب بيننا، لكنه (وكما علمنا فيما بعد) صار كمن مسّه الشر، خلال ثلاثة أيام  لا يهدأ ولا يكلّ، فهو لم يترك وسيلة للتنديد باعتقالنا إلا واستخدمها، كأن ضميره كان يدفعه دون تروٍ لينفّذ اتفاقه معنا.. ولن أنسى ولا يمكن أن أنسى له يوماً، موقفه الأكثر من أخوي، بجانب أسرتي، في تلك الأيام العصيبة، ولا نكرانه التام لذاته وموقفه الشجاع خلف أصدقائه. وربما صرت أتمنى أن يوجد في وطني أكثر من حبيب واحد، دون الانتقاص مما فعله الآخرون.

 

ولم يطل الوقت حتى وجدناه يدخل غرفتنا في السجن قادماً من زنزانات فرع الأمن، كان يقبّلنا بحرارة لا توصف.. لقد وصل إلينا.. كان فرحاً بذلك لدرجة، كأن الدنيا التي تركها لا تهمه بقدر اهتمامه بلقائنا، وتنفيذه لتعهده. قلنا له: استرح، غيّر ثيابك، استحم.. رفض كل ذلك وقال: " دعوني أنظر إليكم وأتحدث معكم أخيراً.. ".

 

وخلال شهرين انقضت حتى الآن، والتي لم نخرج فيها من غرفتنا، نحن الأربعة: حبيب وعارف ووليد وأنا، أعتقد أننا تعارفنا جيداً، كنا نطلب منه بصفته محامياً، أن يكتب مرافعته عنا جميعاً، كان يقول: " أنا لا أعترف بهذه المحكمة.. ومع ذلك سأكتب مرافعتي لكن لا لأقدمها للمحكمة، بل للشعب، والرأي العام، ليحكم، هو، بشكل مباشر…".

 

لذلك باشر في كتابة هذا المخطوط، وعندما شارف على الانتهاء منه، قلت له: " مادام أنك ستعرض قضيتك على الشعب، اجعلني أول الشاهدين عليك.. "، قال : " بشرط أن تكون صادقاً "، قلت: " أقسم أنني لم أكن غير هذا في السابق، ولن أكون فيما سيأتي.. ".

 

لذلك، فأنا لا أكتب هذه السطور لأعقب على أفكاره، لأنه الأقدر على شرحها، ولأنني لم أقرأ بعد ما كتبه، بل لأضيء لكم بعضاً من جوانب شخصيته، التي قد لا يسهل التعرف عليها من غير المعاشرة اللصيقة، في مثل هذه الظروف القاسية التي نعيش…

 

في الواقع لم يكن لأحد منا أن يتحمل حجز حريته بسهولة، كما هو الحال مع المثقفين عموماً، كنا نشبه ذلك الشحرور، الذي تمكنت من الإمساك به ذات يوم، وعندما حاولت زجّه في القفص، قاوم بعنفوان عجيب، تطاير معظم ريشه، حتى أدركت أنه سيموت لو لم يُطلق سراحه على الفور.. وبالفعل لا يبدو لي أن هنالك علاقة، من نوع ما، بين عمق الإيمان أو الالتزام، وبين القدرة على تحمل السجون.. فالسلوك داخل السجن يختلف باختلاف الطباع والعادات، وليس باختلاف القناعات ودرجات الإيمان إلى حدّ كبير.. فالسجناء العاديون الذين كنا نراقبهم في الساحة المجاورة، كما يبدو على سلوكهم، أنه اعتيادي أكثر منا، نحن الذين ندّعي أننا دخلنا السجن من أجل قضية عامة وهامة.. أتيت على ذكر هذا قبل أن أقرّ بأن حبيب كان أقلنا ضجراً وانفعالاً، ربما كان ذلك بسبب طفولته القاسية، أو لأسباب أخرى.. ومع ذلك كان عندما يشعر بالانزعاج يهرب إلى النوم، وغالباً ما كان يتظاهر بالنوم.. كان يندسّ تحت بطانياته الكثيرة، ويرقد بصمت مغمضاً عينيه، دون حراك ولا شخير... لذلك أؤكد أنه قد نام كثيراً، أكثر مما ينبغي.. لقد كنا منزعجين، ورغم بحثنا الدائم عن وسائل التكيف مع هذا الأسر، ما نزال حتى يومنا هذا، نحاول، دون جدوى.

 

لكن هذا لا يعني أن أي واحد منا قد فكر أو يمكنه أن يفكر في تقديم تنازلات، أو أنه نادم، ولا يجب أن يعني كوننا غير سعداء في السجن أننا فقدنا إيماننا وتزعزعت قناعاتنا، أو أن مواقفنا ستتغير.. بل ربما العكس هو المرشّح للحدوث.. على كل حال لم يفاوضنا أحد على ذلك، ولم نُمتحن بشكل جدي، بعد، على هذا الصعيد.

 

وعلى العكس من حبيب، كنت أجد في الاستفزاز وسيلتي للتكيف، كنت دائم الإثارة للنقاشات والخلافات، وكثيراً ما ألجأ لتغيير مواقفي المتطرفة جداً بشكل جذري في كل مرة لكي أحافظ على حرارة السجال، وكي أتغلّب بواسطته على ذلك الصمت الكئيب الذي كنت أخشى أن يدمّر عقولنا التي تعبنا في إعدادها.. ولم أوفر الأشياء الكبيرة ولا التافهة، كما أنني لم أوفر أحداً، بمن فيهم القضاة وضباط الأمن الذين كنت أتعمّد إسماعهم العبارات اللاذعة التي لم يعتادوا أو يتصوروا أن يسمعوها.. بينما كان عارف ووليد يفضلان تمضية الوقت بالتسلية والأشياء العادية..

 

وأحد مولدات الخلاف مع حبيب كان الطعام.. فهو يبدأ طبخاته عادة بقلي البصلة بالزيت في المقلاة، كان يفضل أكل الفقراء، وكان هذا الانقسام المذهبي في الطبخ مادة خصبة لبداية جدال حدوده العالم بأسره… لقد كان حبيب يمضغ ببطء شديد، وكان آخر من يغادر الطعام لذلك ترتب عليه أعباء إضافية.. وكثيراً ما كنت أتبادل معه الخطاب بصيغة التأنيث عندما كان على أيّ منا أن يقوم بدور الأنثى (حسب تقسيم العمل في المجتمع الذكوري) لنعوّض عن حرماننا المديد في استعمال صيغة التأنيث المحببة.

 

كان شديد الهدوء، بذات القدر من العناد، عنيد جداً جداًَ، وهادئ جداً "في غالب الأحيان"، ومعتدلاً في مواقفه في كل شيء "هكذا الظاهر"، أيضاً كان رقيقاً بشكل غير متوقع، سرعان ما تمتلئ عيناه بالدموع، ليس في المواقف الحزينة، بل في المواقف المعبّرة. ورغم هذه الصفات الحسنة لم يكن يخلو من آثار الديماغوجية "القومية"، ولا يتردد في اقتحام خصوصيات الآخرين "وبشكل فظ" فارضاً عليهم ما يريد، لو وجد مبرره لذلك، أي حين يستغرقون في   سكون الحزن.. فقد كان يجبرنا على المشي وعلى الطعام والاستيقاظ وغير ذلك بكل وسائل الإجبار المتاحة لديه..

 

كانت نقاشاتنا النظرية الكثيرة تكشف لنا حقيقة اختلافنا، لقد كان لكل منا مشربه النظري الخاص والمختلف، ومع ذلك كنا في المواقف العملية متوافقين بشكل مدهش، وهذه الظاهرة تعبّر عن عمق وصدق الحركة الديمقراطية وتنوعها الحيوي، وقد تدلّ أيضاً على إفلاس كل الأسس النظرية التي تربينا عليها، وتكشف عجزها عن التواصل مع متطلبات الواقع الراهن، فكأن المواقف العملية تنبع من قناعات أخرى غير تلك التي حفظناها منذ زمن ونتجادل فيها دوماً.

 

كان حبيب يفضل الاستماع ثم أخيراً يعطي رأيه بإيجاز وبطريقة لا تترك أي مجال للنقاش بعدها.. كانت آراءه بمثابة أحكام قاطعة، وعبثاً كل محاولة لتثنيه عنها، وغالباً ما كان يقول: "أنا كذلك، قد أكون على خطأ، هذا رأيكم لكنني أحتفظ بقناعاتي".

 

ورغم محاولاتي العديدة، لم أنجح في زحزحته عن عقيدته القومية قيد أنملة، وأصدقكم القول أنني نشأت على عداء مع هذه الفكرة لسببين: الأول أنه مع بداية تفتّح وعيي، وكنت في سن العاشرة، حدثت هزيمة حزيران النكراء.. لذلك نشأ عندي ازدراء لكل ما له علاقة بالعروبة وبتراثها، وعزّز ذلك الازدراء ورفعه إلى أقصى درجاته سلوك الأنظمة والمنظمات التي تاجرت بالشعارات القومية، حتى أوصلت شعوبها إلى درجات من الذل والانحطاط.. وكذلك أيضاً سلوك الجماعات التي وظّفت التراث والدين، كأسوأ ما يكون التوظيف، في خدمة الانحطاط.

 

لكن معاشرتي لحبيب بدأت تكسر هذا الجليد بيني وبين تفكير قومي مختلف، لأول مرة، هو وطنيّ وديمقراطي وبذات الوقت قومي، ولأول مرة تحاول الفكرة القومية أن لا تكون أداة مزاودة أو انتهاز أو تسلط واستبداد أو مركّب فاشي وعنصري.

 

يصعب علي أن أفكر بأنني سأفترق عن حبيب في يوم، لا أدري متى..؟ فهو يقول: "قد يكون غداً.. أو بعد عمر طويل، علينا أن نتأقلم مع كل الاحتمالات". وكان يصيح فينا: "اصمدوا… اصمدوا…".. "شعبكم بخير.. أمتكم بخير.. لذلك ستكونون بخير..".

 

كتبت ما سبق قبل أن أقرأ المخطوط، لكن بعد أن قرأته وانتهيت،        أغلقت الدفتر وبقيت مضطجعاً في السرير، عندما تقدم مني وسلمته له... قال: "ما رأيك؟".. قلت: "أريد أن أنام..". نعم كنت أريد أن أنام طيلة مدة سجني.. أصحو فقط لحظة خروجي. لا أستطيع أن أصف عنف الرغبات التي تتملكني، ولا أن أحيط بها، ولا أدري أي منها سيصمد عندما نصبح خارج السجن، ولا أيها سيتحقق فيما تبقى لنا من العمر..

 

بعد أن سلمته المخطوط، أحسست برغبة شديدة في الفرح، في الشعر.. كتبت أبياتاً أتخيل فيها ما سيجول بخاطري بعد خروجي.. بعكس ما سبق حيث كنت أكتب من موقعي داخل السجن.. وأنا بالمناسبة ليست لي محاولات شعرية خارج هذه الزنزانة، ولا أدري إن كانت رغبتي في الشعر قد تحركت بعد قراءة هذا المخطوط...

 

عشنا أياماً لن تُنسى

     فشلت فيها كل فنون الصبر

     كان الفرح شبه محال

     في زمن يتحجر مثل التمثال

     ليله طال

     حتى أيقنّا

     أنه ليل لن يتلوه نهار

 

     ومرّت تلك الأيام

     صارت للذكرى

     في هذا اليوم

     تغير طعم النوم

     تتغير رائحة الريح

     تأتيني ريح طيبة

     تأتيني بشارة

 

     الشمس تناديني

من بين ظلال الأغصان

     أفرح

     لا أملك إلا أن أفرح

     من حقه وطني

     من حقه

     أن يفرح أحراره

 

د. كمال اللبواني

 

 

تـعـــارف

 

 

 

1.     حقيقة لا أعرف من أين أبدأ هذه المغامرة… ذلك أن للسجون نواميسها الخاصةو التي لا يدركها إلا من يقبع وراء قضبانها… ورغم أنني قرأت الكثير عنها، واستمعت إلى شهادات لا تحصى عن السجون والمعتقلات والأقبية، إلا أن هذه التجربة المعيشة تضيف ما لا يستطيع القلم أن يخطه على الورق… لهذه الظروف فإن التعارف هنا سيكون من طرف واحد، ذلك أنني، وعلى مساحة الصفحات التالية، إلى آخر كلمة سأفرض نفسي عليكم، وسأتحدث ربما بذاتية مفرطة عن (الأنا) رغم أنه العياذ بالله من كلمة (أنا).. لكن الضرورات تبيح المحظورات، كما تقول القاعدة الشرعية.. إنها حالة من حالات النرجسية.. والنرجسية مرض مستوطن في بلادنا، لكنها هنا، إذا ارتبطت بظروف قاهرة زالت مع زوالها، فإنها تكون مجرد حالة مؤقتة تستنفر فيها غدد الجسم كلها لتفرز كل مخزونها من الصادات دفعة واحدة لمواجهة خطر داهم كي يستقوي بذاته المُحاصرة، ذلك أن انهيارها يعني انهياره النهائي، لذلك فإن الإنسان عادة في مثل هذه الظروف لا يكتفي بأن يعطي نفسه حق قدرها وإنما يضخمها قدر المستطاع… وفي المصطلحات الشعبية يُقال (ينفخها)، ويطلقون على من يمارسها مصطلح (منفخة)، ويسوقون على ذلك مثلاً شعبياً (رذيلاً) لا أستطيع أن أخطه على الورق… لكن حتى لو كان ذلك كذلك، فإنني   لن أتراجع، لأنني أجد بين ذلك كله وبين الحلم صلة، والسلاح الوحيد المتاح لي الآن للانتصار على وحشة المكان هو الحلم… الحلم بأنك لست وحيداً، الحلم بأنك لست ضعيفاً، الحلم بأنك مهم، ومهم جداً، تنتمي إلى أمة وشعب وأصدقاء وأحبة، كلهم في منتهى الأهمية.. وأنها محنة، وستمضي.. أن تشعر أنك جزء من تيار طويل عريض يقول ما تقول، ويحلم بما تحلم.. هذا هو مصدر القوة الأساسي، ويهون بعد ذلك كل شيء.. قد تقولون، وأنتم على حق في ذلك، ونحن ما علاقتنا بذلك، تفرض نفسك على صفحات هذه الأوراق نقلبها الواحدة تلو الأخرى؟؟ أقول: هذا جزء من الموضوع ستدركون بفطنتكم أن النرجسية ليست لكم.. وما عدا ذلك هو لكم.. بالضبط لكم…قد يكون هذا تبريراً غير مقنع، أو قد يكون مقنعاً… المهم أنها نفسٌ بشرية ملدوغة، مسّها الشر، ففاضت بما تختزن على هذه الأوراق، فتركتها كما هي، بدون تنقيح، وحتى بدون مراجعة، لم أجرؤ أن أفسد عليها هذا التدفق على سجيتها… كنت في الماضي، وحتى القريب، أحذرها، أقسرها أحياناً، أمنعها، أزجرها كي تتعقل بالحكمة والواقعية والموضوعية، أهددها بالسجن… الآن، وقد وقعت الفأس في الرأس كما يقولون، فإنها سادت ومادت على سجيتها، لم أقسرها على قول، ولم أمنعها منه. فلا الحذر عصمني  مما أنا فيه، ولا الخوف.. عظيمةٌ هي الذات البشرية عندما تعاند، وتتحدى، وتصمد… في الزنزانة، لا عاصم لك للتماسك والصمود إلا أن تطلق العنان لذاتك تحلق مع أحلامك وكوابيسك خارج القضبان، فتستعرض شريط الأحداث من الذاكرة، وتتيح لك فرصة نادرة للمراجعة، لكشف الحساب، من الطفولة المعذبة إلى الرجولة التي اختطفت الشباب وتجاوزته بقسوة إلى أعتاب الشيخوخة الزاحفة…

إنها إذن مجرد أوراق سجين، حيث الليل طويل، والصبح بعيد، وما هو ببعيد… هكذا جاءت الإجابة قوية. لكن لا أعرف من أين؟ المهم أنها جاءت…

 

   2.   ثم.. ثم كان يجب أن أختار العنوان.. فكان: "النداء الأخير من أجل الحرية"،   لكن اختصاراً وضعته: "النداء الأخير للحرية"، بمعنى أنها ربما تكون الفرصة الأخيرة لأبناء جيلنا. فالحرية التي ننشدها بالفطرة لا تتحقق إلا بالإرادة.. ذلك أنني على ثقة ويقين بأن هذه الأمة العربية العظيمة ستعرف كيف تشقّّ طريقها إلى الحرية... نحن كجيل عانى الويلات والأهوال والمهانات، نحلم أن نساهم بحراثة الأرض، وبذر البذور، ونحلم أن نراها تنبت وتنمو.. أما إذا جاءت ساعة الرحيل قبل ذلك، فإنه يكفينا الحلم بأن الحرية قادمة… وأن نسائمها ستنعش روح التربة، والنباتات الصغيرة على قبورنا…

 

3.  ورغم أنني كنت، وعلى مدى سنوات، أمارس هواية كتابة تقديم لمخطوط أعتقد أنه يضيف قيمة ما إلى القارئ العربي، وأعترف الآن أنني كنت أحاول أن أدسّ بتلك المقدمات بعض الرؤى التي لا يطيقها المؤلف أحياناً، ولكن المخطوط كان يطيقها في الأحوال كلها… لكنني، وبعد أن فرغت من قراءة هذه الأوراق، فإنني لم أتردد بكتابة هذا التعارف وحسب، وإنما ترددت بدفع هذه الأوراق للنشر أيضاً، وتساءلت: ترى، هل يمكن لهذه الأوراق أن تضيف قيمة ما إلى المخزون الثقافي والمعرفي للقارئ العربي؟، وعندما أعدت قراءتها خرجت بسؤال أكثر أهمية: ترى، هل سيكون لها وقع إيجابي، أم وقع سلبي؟ وبات السؤال أكثر تحديداً: هل يجب أن تنشر أم لا..؟!

 

4.  أعترف ثانية أنني لم أصل إلى جواب قاطع بسهولة.. ذلك أنني وعلى مدى ليالٍ طويلة كان السؤال يؤرقني، لقد استعدت أو استعادت لي ذاكرتي كل ما قرأته من كتب عن تجارب سجناء الرأي، وكذلك الشهادات الشخصية لبعضهم، إضافة إلى أنني، وبحكم اختصاصي، تعمقت بقراءة نقدية للمرافعات السياسية... وعدت إلى السؤال..!

 

5.   لعل الظروف التي أحاطت بمخطوط هذه المرافعة هي التي ضاعفت من صعوبة القرار، ذلك أن المخطوط لن يضيف شيئاً على صعيد المعاناة، والتعذيب وفنونه، وإنما سيتحدث عن خطوة، صحيح أنها متواضعة، لكنها مهمة تؤذن بأن ظروف السجن السياسي باتت في حدود الاحتمال البشري… لكنني أخشى أن لا تكون هذه الخطوة شاملة، أو أن تكون مؤقتة، وبالتالي، وفي هذه الحالة، سأكون كمن يقدم صورة مضللة، ثم إن ذلك كله يتم التفكير فيه في ظروف العزلة والحصار، وعندما لم يسعفني التاريخ السياسي أو الموقف السياسي، فإنني لجأت إلى الأدب.. فوجدت نفسي بالضبط في موقع (طالع العريفي)، بطل رواية عبد الرحمن منيف (الآن هنا.. شرق المتوسط مرة أخرى)، في حواره الممتع مع (عادل الخالدي) الذي ألحّ عليه أن يكتب تجربة السجن، لقد طرح الحوار ذات الأسئلة التي تشغلني:

" – أغلبنا رأى ، وجميعنا نعرف، لكن الخرس أصابنا، والجبن هدنا، ولذلك لا بدّ من الطفل الذي رأى عري الملك فصرخ.. لا بدّ أن نصرخ، أن نحتجّ… لكن يجب أن نتحرر من أسر الماضي، وأن ننظر إلى المستقبل، أما أن نظل نقتات على الذكريات، وأن نعرض عيوبنا وتشوهاتنا أمام المارة، وكأننا نستجديهم، فإنه لا يليق برجال يحترمون أنفسهم..

- لكن، ما هو الإنسان إذا لم يكن له تاريخ وذاكرة..؟ إنه الوحيد بين المخلوقات الذي يتعلم الكثير من تاريخه معتمداً على ذاكرة يمكن أن يورثها للآخرين، ومن الجنون أن يُدفع ثمن ما هو مدفوع سابقاً… إذا كتبنا عن معاناتنا، عن ذلك الوكر الأسود المشؤوم، فليس لكي نُظهر بطولاتنا، وإنما لكي نساعد الآخرين، ونجنبهم ما عانيناه، فنحن على وشك أن نمضي، وهم سيبقون بعدنا، وهذا ما يدعونا لأن ننبه، لأن نحذر، قبل فوات الأوان.. وأنت تعرف أن الحياة دون حرية، دون كرامة، لا تستحق أن تعاش.. إذا سجلت تجارب البشر بصدق، وعرفت البدايات والنهايات، فلن يجرؤ أي إنسان، نعم، أي إنسان، لأن يكون جلاداً أو سجاناً..        إذ سيعرف ماذا يمكن أن يحل به إذا أسقطه جلاد أو سجان آخر..

- وماذا لو خاف الناس، وتحسبوا، بعد أن يروا هذا الكمّ الهائل من الموت والقيء و الدماء..؟

- يجب أن يروا ذلك، وأن يعرفوه جيداً لكي يعملوا من أجل وقفه، من أجل منعه..

- وهل يستطيع الخائفون..؟

- الخوف أغلب الأحيان لحظة، وينتهي، وبعد ذلك يبدأ الغضب..

- ولكن الخوف يا عادل في أحيان كثيرة يشلّ الناس، يمنعهم من الحركة، وفي أحيان أخرى يبالغون فيما ينتظرهم، وربما ما يريده الجلاد..!

- نخطئ كثيراً يا طالع إذا تخلينا عن آخر الأسلحة التي نملكها، الكلمة، ولا بدّ أن نحسن استعمالها، إذ ربما تكون وسيلتنا الأخيرة، وقد تستطيع أن تفعل ما عجزت عنه الأسلحة الأخرى، ولذلك، فإن المهم أن تكتب، أن تقدم شهادة، أن تقول أي شيء كان السجن، لكي يعرف الناس ماذا ينتظرهم غداً أو بعد غد إذا لم يبادروا ويفعلوا شيئاً..".

 

6.  هكذا عندما تضيق المصطلحات السياسية عن فهم الواقع تفسيراً وتمحيصاً، نتيجة ظروف تميزت بعواصف حادة عصفت بكل شيء.. فإن الأدب قد يغطي هذه المساحة تنقيباً في عمق النفس البشرية عن مدلولات ينطق بها شخوص الروايات والمسرحيات والقصص، وحتى يدندن فيها هذا الموسيقي أو ذاك، أو نعثر عليها في لحن أو رنة صوت دافئ… قد تقولون لكن هناك مشكلة حتى بالذوق العام الذي يتقبل الزعيق والطبل والنطوطة، بديلاً عن اللحن والمعنى والمغنى، أقول: هذه محنة مؤقتة وستمضي، وهل كنتم تتوقعون أن تمر كل هذه الأهوال والنكسات والانكسارات دون أن تنتج فنونها ورموزها...؟ فعندما حُوصرت الأمة، وسُدَّت المنافذ أمام الارتقاء والتطور في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، بدأ الانحدار والانكفاء في المجالات كافة – ذلك أن الأمور لا تتجزأ – وكلما اعتقدنا أننا هوينا إلى قعر القاع، اكتشفنا قاعاً دونه… لكن   لا بدّ أن نتشبث بنقطة ما، لا ننزلق دونها ثم نباشر منها عملية الحبو الممنهج إلى أعلى… أسئلة ومسائل عديدة تثيرها العزلة.. ما يعنيني منها الآن: هل يجب أن أنشر على الناس أفكاراً وأحلاماً هي أقرب ما تكون إلى المذكرات الشخصية، رافقت تجربة اعتقال لا أريد على الإطلاق أن أدّعي فيها أي شكل من أشكال البطولة، بل على العكس أريد أن أعترف أن الظروف التي رافقت اعتقالي كانت أقل سوءاً مما توقعت.. حقيقةً أنني كنت أتوقع الأسوأ بكثير، وبما لا يُقاس، وإذا كانت الأمور كذلك، فلماذا أكتب؟ هل سأدعو الناس لدخول السجون (لا سمح الله)..؟ وأنا الذي أحلم بيوم تختفي فيه من بلادنا نهائياً كل أشكال المعتقلات والسجون السياسية، وكافة مظاهر التعسف السياسي.. إنني إذ قررت أن أكتب، فإن أحد أهم الأسباب سيكون تحرير الناس من الخوف ليطلقوا طاقاتهم المكبلة بالخوف والذعر…

 

7.    بعد خلوة وعزلة طالت أكثر مما توقعت، بدأت كفة الكتابة ترجح على كفة الصمت، رغم المحاذير التي ما زالت تطلّ برأسها بين الحين والآخر.. ووجدت نفسي في نهاية المطاف في ذات موقع وموقف (طالع العريفي)، رغم العناد والمبررات التي ساقها لصديقه دفاعاً عن الصمت، فقد وجد نفسه يستسلم لفكرة الكتابة، ثم يسلمها لصاحبه قبل أن يسلم روحه بساعات…

8.      لكن ورغم أن القرار بالكتابة بات نهائياً، فإن هناك جملة من الإشكالات لا بدّ من معالجتها أولاً، حرصاً على أن تأتي هذه الكلمات في السياق العام كإضافة لتراكم معرفي وحضاري وإنساني وحقوقي، تساهم مع غيرها في بناء  رافعة لتجاوز ظروف استنقعت في واقعنا أكثر مما يحتمل البشر… وبعيداً عن الشكوى والنواح والبكاء على الأطلال، وإذا سمحتم لي فإنني سأشير إلى تلك الإشكالات باختصار شديد، وبحدود ما تسمح به الظروف المحيطة بالمحيط الذي أكتب منه..!

 

 

أولاً: سجناء الرأي، الواقع، والمشكلات، والحلول

 

 

 

9.     الإشكالية الأولى تتأتى من أن هذه المرافعة موضوع هذا المخطوط تتعرض للحياة في السجن السياسي، يبدو منها كأن حياة السجون باتت بحدود الاحتمال الإنساني، وهذا قد يوحي خطأ بأن كل شيء بات على ما يرام، وأن التجاوزات على إنسانية الإنسان قد اختفت تماماً.. ولهذا فإنني في غاية الحرص على وضع هذه المرافعة في سياقها الحقيقي الواقعي، لا زيادة ولا نقصان، لا تهوين ولا تهويل، مستذكراً كل شهداء الضمير والرأي، وكافة المعذبين والذين تعرضوا للتعسف على مدى سنوات طويلة.. ذلك أنني تابعت شخصياً العديد من الحالات الملحمية والمأساوية لسجناء الرأي في شرق المتوسط وفي جنوبه أيضاً وحتى مضائقه مع المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر وخليج العرب… هذا الوطن الذي نسميه نحن القوميين وطن العرب، ونحلم به عزيزاً كريماً حراً مصوناً صائناً لكرامة أبناءه وحرياتهم الشخصية والعامة، وحيث الطاقات البشرية والإنسانية تتجه إلى الإبداع والإنتاج والعطاء في سياق نهج حضاري تستحقه هذه الأمة تعويضاً عن عسف وظلم وفوضى آن له أن ينتهي، فتتحقق السكينة والطمأنينة في النفوس… وبالتالي فإن ما جاء به الأدب، والشهادات الوثائقية الشفهية منها والمكتوبة، ليس مبالغاً فيه على الإطلاق، بل أن هناك من يعتقد أن أحداً لم يتمكن بعد من الإحاطة بعمق المسألة التي مرّت على أمتنا – والتي نرجو أن تكون قد مرّت فعلاً – وأن عقوداً أخرى قد تمرّ قبل أن يتمكن قلم أديب أو باحث من الإحاطة بعمق ما جرى، وبالرضوض النفسية    والجسدية، والشروخ الشخصية والأسرية والاجتماعية التي خلفتها أحداث مريرة في دنيا العرب.. وأعترف هنا أنني سمعت شخصياً في بعض الأحيان، وقرأت في أحيان أخرى عن حالات لا يحتمل العقل البشري وقعها… كنت في أحيان كثيرة أصاب بحالة من الذهول والاستغراب لحجم التوحش الذي يمكن أن ينزلق إليه بعض من يُحسَبون على بني البشر.. كانت بعض الحالات تصيبني بموجات متتالية من القشعريرة والخوف والسخط، تصل أحياناً إلى درجة من الذعر الذي لا يطاق… حتى زوجتي عندما كانت بالصدفة تستمع إلى بعض أطراف هذه الأحاديث، كان يفارقها النوم لأيام، وتسألني باستنكار: هل ستستطيع أن تحتمل ذلك؟! حتى أنني عندما اعتقدت يوماً أنني أمتلك ملكة كتابة الرواية، فإنني فوجئت بأحد شخوص روايتي المفترضة التي لم ترَ النور، يمدّ لي لسانه من بين الأوراق متمرداً منفلتاً من الدور الذي وضعته فيه، قال لي مفسّراً:

" إذا كنت داخل بيتي أتنقل بين النوافذ مرتاباً بكل من يقترب من مجال نافذتي، وإذا سمعت جرس الهاتف فإنني أتكلم بريبة لأنهم في نقطة ما على الخط يتجسسون، فأندفع تارة لأقول أكثر مما ينبغي، أو أهرب من أي كلام حسب إحدى حالتَي التحدي أو الخوف اللتين تتناوبان على التحكم بمشاعري.. وإذا قُرع جرس الباب، فقد جاءوا يعتقلونني، بتّ أخاف من النوم لأنهم يرافقون حتى كوابيسي.. إذا غادرت منزلي ترافقني الريبة بكل من أقابله أو يقترب مني، لقد نفذت شتى صنوف المشاعر تجاه الغير وغدوت أحادي المشاعر، ذلك أن الشعور الوحيد المتبقي لي هو شعور الريبة والخوف.. أرتاب في كل شيء، ومن أي شيء، حتى بتّ أرتاب بأية دعوة حتى على فنجان قهوة، ترى، لماذا، ماذا يقصد؟ حتى لم أعد أسترخي لعبارات الغزل من حبيبة قلبي.. ترى، لماذا تتودد إلي؟ الآن جئت أنت تقحمني في روايتك.. ترى، لماذا؟ لماذا أنا بالذات؟ كل هذه الشخوص التي تعرفها تركتها وتختارني أنا.. تريد أن تورطني وتقوّلني ما يستحق المساءلة..، ما فيه غيري أنا؟ يا أخي حرام عليك يا رجل.. بالله عليك أحرق هذه الأوراق.. بلا رواية بلا زفت.. ارحمني وارحم نفسك…".

ومازال يلاحقني حتى فعلت، ووضعت حداً لتجربتي التي لم تتكرر بعد ذلك..!

إنه الخوف إذن… الخوف الذي اقتحم حياتنا العربية فأفسد كل ما فيها، بالضبط كل ما فيها، هذه الحالة حولتنا إلى قطعان من المرضى، يعانون من انفصام شخصية حاد، داخل ذواتهم، وبينهم وبين الأبناء من الجيل القادم الذين يتابعون بعيونهم البريئة ما يقوله الآباء همساً داخل حجرات نومهم شتماً وتأففاً، ثم يستغربون هذا الكم الهائل من النفاق والصراخ والتأليه للمشتومين سراً.. فتنتابهم حالة من عدم احترام جيلنا، ثم حالة من الذهول، ثم شيئاً فشيئاً يتلبسهم الخوف الذي تلبّس آباءهم من قبل…!!

 

10.    هكذا أعود إلى الحوار بين (العريفي والخالدي) ثم إلى السؤال: هل الكتابة عن المأساة تولّد الخوف..؟ أم أنها تحدّ للخوف..؟ لن أهرب من الجواب هذه المرة.. إنني سأكتب تحدّياً للخوف… يجب أن نقتحم السجون حتى نتحرر من الخوف منها، ولو كسجناء.. يجب أن ننتقل من الشكوى إلى مرحلة تغيير الحال، يجب أن تزول حالة الرعب لنستعيد إنسانيتنا.. لهذا فقد قررت أن أكتب، وقررت أن أوجه النداء الأخير لأبناء جيلي من العرب كي تكون خطواتنا الأخيرة إلى قبورنا خطوات واثقة شجاعة، بعمود فقري منتصب، برأس مرفوع، تاركين للأجيال القادمة بصمة جديدة نعوضهم فيها     عما حملته أذهانهم من التشوهات التي رسختها عقود من الخوف والمهانة، من الخيبات والانكسارات والهزائم والتردد والاستسلام…

 

11.    ولأنه من حق جيلنا الذي عانى، وصبر وصابر، أن ينتقل من مرحلة الحديث عن الجراح إلى مرحلة تضميدها، من مرحلة الشكوى من البلوى إلى مرحلة الخلاص والانعتاق، باتجاه استيعاب الدروس والعبر.. فإن الخطوة الأولى التي يجب أن تعلن بأوضح صورة ممكنة، ودون مواربة، أن التعذيب بات ممنوعاً منعاً باتاً في السجون ومراكز التوقيف الأخرى.. وأن التعسف بلا رقيب بات من الماضي، وأن هناك لوائح وتعليمات تنظيمية تشمل كافة السجون ومراكز التوقيف، وتلزم كافة فروع الضابطة العدلية وأجهزة الأمن، وأن المعتقلات وأقبية فروع الأمن قد أُغلقت، أو أنها ستغلق وفق برنامج زمني معلن، وأن السلطة القضائية ستمارس عملها في ظل استقلالية وشفافية كاملة، وأن كافة فروع الضابطة العدلية وأجهزة الأمن تعمل تحت إشراف القضاء وبإذن مسبق منه، وليس العكس… وأن السلطة التشريعية ستستعيد مضامينها الحقيقية واستقلاليتها، وأن مهماتها لا تقتصر على التصفيق للسلطة التنفيذية وإنما تمارس دورها الفعال في تطوير التشريعات الوضعية والقوانين ابتداءً من الدستور… وأن السلطة التنفيذية ستلتزم حدودها وصلاحياتها وأن الوظيفة العامة ستستعيد هيبتها من خلال مقاييس ثابتة لتكافؤ الفرص، وليس للولاء.. وأن الرأي العام سيراقب ذلك كله ويتابعه من خلال صحافة وإعلام يتمتع بالحرية، ويكشف كل المواقف والوثائق والعقود على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بشفافية تامة، وذلك إغلاقاً للشائعات والبلبلة عن الصفقات والفساد.. وأن المجتمع سيستعيد المبادرة في إطلاق طاقاته الخلاقة من خلال قوانين وتنظيمات عصرية للجمعيات والمنتديات والأحزاب… كل هذا في سياق منظومة قانونية دقيقة ومتطورة وشاملة…

 

12.    وبما أنني على قناعة تامة بأن ذلك كله يمكن أن يتحقق إذا توفرت الإرادة لتحقيقه، وأنه في حال تحققه لن يكون على حساب أحد، وإنما سيدخل في حساب الجميع، وأن الذين وضعوا أنفسهم فوق القانون عليهم أن يعودوا إلى مواقعهم الطبيعية في ظله، والذين دُفعوا إلى خارج المجال القانوني يصعدون إلى مواقعهم الطبيعية أيضاً… لهذا فإننا تنادينا في منتدانا إلى الكلمة السواء وإلى الحوار المفتوح، وإلى إطلاق الجدل الاجتماعي إلى غايته.. ورغم أن ذلك أوصلنا إلى حيث نحن خلف القضبان، فإن ذلك لم يغير قناعاتنا قيد أنملة، ولم يتملكنا الحقد حتى على سجانينا، فالطريق مازالت مفتوحة إلى الإصلاح والتطور والتطوير والتغيير والعدالة والديمقراطية والمساواة أمام القانون لمن يريد، ومازال الرأي الذي قلناه خارج هذا السجن صالحاً لأن نردده داخله، وهو أن الاعتقالات لن تحل المشكلة، وإنما ستزيدها تعقيداً، ذلك أن حل المشكلات يكون بمواجهتها وتفكيكها وإزالة أسبابها، لا بالهروب منها وتجاهلها.. وأنا هنا أريد أن أؤرخ لنقلة نوعية يجب إعلانها وتعميمها، كحقوق مكتسبة لكافة المواطنين في بلادنا ترافقت  مع اعتقالنا، نعلنها لقطع الطريق على التراجع عنها من جهة، ثم للانطلاق منها باتجاه الأفضل من جهة أخرى…

 

13.    وبما أننا كنا نتعرض على طول الخط، في منتدانا، لانتقادات حادة من إخواننا في حزب البعث العربي الاشتراكي بأننا نركز على السلبيات دائماً ونغفل الإيجابيات، فإننا هنا سنبدأ بالإيجابيات التي رافقت اعتقالنا قبل السلبيات.. والإيجابيات كانت كما يلي:

1- أن التحقيق في فرع تحقيق الأمن السياسي لم يترافق بأي شكل من أشكال التعذيب، وأن أقوالنا سُجلت بأمانة في محاضر التحقيق، وقد أكد لي أصدقائي المعتقلون جميعاً ذلك الموقف.

2  - أن إحالتنا إلى القضاء (محكمة أمن الدولة بغض النظر عن رأينا فيها ومبررات الإحالة) تمت خلال فترة زمنية نموذجية، تراوحت بين 24 و36 ساعة من تاريخ الاعتقال.

3- تمت الإحالة بعد ذلك إلى الجناح السياسي بالسجن المركزي بدمشق، وإن كانت هذه الإحالة تأخرت بالنسبة للبعض، وأعيدوا إلى فرع التحقيق لدى الأمن السياسي لمدة أسبوع، وهذا ما حصل معي أنا بالذات… ولا بدّ من الإشارة أن التعامل معنا في السجن السياسي هو تعامل إيجابي باستثناء سلبيات، سنذكرها في السياق، ناتجة عن تعليمات عليا على الأغلب..!

 

14.    لقد قصدت أن أسجل هذه النقاط الثلاثة، وأن أصفها بالإيجابية، ليس لأنها تصرفات قانونية، فنحن سنثبت بكل الوسائل أن اعتقالنا كان بغفلة من القانون، وليس تطبيقاً لنصوصه، لكنها إيجابية بالقياس إلى الصور المأساوية بالغة السلبية التي احتفظت بها الذاكرة عن ما كان يرافق الاعتقال السياسي، ويقول البعض أن بعضها مازال يُمارس بشكل أو بآخر لدى بعض الفروع الأمنية… لكن هذه الإيجابيات ستفقد كافة صفاتها الإيجابية، ولن يكون لها أي أثر، إلا إذا رافق ذلك ضمانات وقواعد وشروط وضوابط (لوضع حد نهائي للسلبيات الخطيرة التي مازالت مستمرة) ويمكن إبراز أهمها كما يلي:

 

15 .   1- أن يعمم الالتزام بتلك النقاط الثلاثة على سائر فروع الأجهزة الأمنية في البلاد، وأن تعتبر هذه النقاط من الثوابت يتم ضبطها بتعليمات خطية وواضحة، وأن يُلاحق من الآن وصاعداً، بصفته الشخصية كفرد، وبصفته الاعتبارية كجهاز، كل من يخالف ذلك…

 

16 .   2- أن يُتخذ قرار معلن وواضح على أعلى مستوى في البلاد يحدد بدقة اختصاص الأجهزة الأمنية المتنوعة وفروعها المتعددة، كل على حدة، وضمن الغاية والجهة التي تتبعها، وفي إطار اللوائح التنظيمية التي تقونن طريقة الأداء لوظائفها، بمعنى أن يتم وضع حدّ، على الفور، لتداخل الاختصاصات والتي يدفع المواطن العربي من حريته وكرامته ثمناً لها… فتختص المخابرات العسكرية حصراً في نطاق القوات المسلحة، وتختص مخابرات القوى الجوية بأمن القوى الجوية حصراً، وتختص مخابرات أمن الدولة بأمن الدولة الخارجي وأمن الدولة الداخلي ضمن لوائح تنظيمية معلنة وحصرية تحدد هذا النشاط وحدوده، ويختص جهاز الأمن السياسي بمتابعة تنفيذ القوانين والأنظمة الناظمة للعمل السياسي والحزبي والنقابي، وتوضع الجمعيات والمنتديات والنشاطات العامة تحت إشراف القضاء، وحبذا لو كان ممكناً – وهو ممكن بالفعل – أن يتم تنظيم هذا الجهاز ضمن أجهزة الضابطة العدلية يمارس اختصاصاته إلى جانب الفروع الأخرى كفروع الأمن الجنائي، وفرع المرور، وإلى آخرهم… وحقيقة الأمر أنه أسعدني غاية السعادة ما أعلمني به أحد الأصدقاء المعتقلين بجانبي، أن الضابط المحقق لدى فرع تحقيق الأمن السياسي قال له بصريح العبارة: "نحن نقوم بدور الضابطة العدلية لا أكثر من ذلك ولا أقل.."، وهذه إيجابية أخرى أضيفها إلى الإيجابيات، لكن القول لا يكفي، ذلك أن للضابطة العدلية لوائح وأنظمة وحدوداً يجب أن تتقيد بها، ابتداءً من لحظة التدخل لدى المواطن، من أول المراقبة، إلى مراقبة الهاتف، والاعتقال، وإلى آخر هذه الإجراءات، حتى للإحالة إلى القضاء المختص… إنني أعرف أن ما أطلبه ليس باليسير، لكنه بالتأكيد ليس بالمستحيل.. وإذا كانت هنالك ظروف بالغة التعقيد أدّت إلى هذا التداخل الخطير بين اختصاص الأجهزة الأمنية، وبالتالي إلى تجاوزات خطيرة، وبما أن هذه الظروف قد زالت، فإن من الهام جداً أن يعود كل إلى مواقعه، وإذا كان من الصعب إعادة كل إلى موقعه لأسباب لا تخفى على أحد.. فإن الخيار الممكن هو وضع برنامج زمني محدد ومعلن وواضح لتحقيق ذلك.

 

17 .   3- يجب أن نضع حداً فورياً ونهائياً للأساليب المتبعة بخصوص الاعتقال السياسي واقتحام المنازل الآمنة بعد منتصف الليل بدون مذكرة توقيف.. إن هذا ليس اعتداء على المعتقل وحسب، وإنما اعتداء على ذويه وأهل بيته وجيرانه، إنه اعتداء على حرمة المنازل وترويع للآمنين.. وهذا ما يجب أن يتوقف تماماً، يجب وضع لوائح وأنظمة ملزمة تتعلق بمواعيد الاعتقالات، وتحديد الجهات القضائية المختصة بإصدار مذكرة التوقيف… ويجب – وهذا في منتهى الأهمية – أن يرتدي رجال قوة الاعتقال (الضابطة العدلية) الزي الرسمي المحدد، أو الذي يمكن تحديده خلال تنفيذ الاعتقال، ذلك أنه إذا كانت فترة المراقبة والملاحقة تتطلب أن يتخفى رجال الأمن باللباس المدني، فإن هذه المتطلبات تنتفي بمجرد اتخاذ قرار الاعتقال، وبالتالي فإنه يمكن الاستعانة بأقسام الشرطة المختصة لتنفيذ مذكرات التوقيف، أو يمكن تشكيل قوة مراسم خاصة داخل جهاز الأمن السياسي بزي رسمي وشارات رسمية تقوم حصراً بتنفيذ مذكرات التوقيف وفق الأنظمة والقوانين المرعية، وأن يتم ذلك التوقيف في وضح النهار وخلال الدوام الرسمي…

 

18.    4- إذا كان لا بدّ من التحقيق مع المعتقل السياسي لدى فرع تحقيق الأمن السياسي قبل إحالته للقضاء، وبما أن هذا التحقيق سيتم دون إكراه، واستناداً إلى بنيان وأدلة محددة، وحتى يتمتع محضر الاستجواب بمصداقية لدى القضاء، فإنني لا أجد مبرراً لذلك بدون حضور محامٍ، ومن حق الموقوف السياسي أن يمتنع عن الكلام إلا بحضور محاميه الذي يمكن استدعاؤه لحضور استجواب موكله..

 

19     5- بعد التقيد بإحالة المعتقل السياسي إلى القضاء خلال المدة القانونية، فإن دور جهاز الأمن السياسي كضابطة عدلية ينحصر بتنفيذ قرار القضاء، الذي يصبح من لحظة مثول الموقوف أمامه، هو المرجع الوحيد الذي يمتلك السلطة التقديرية وفق القوانين والنصوص النافذة، فهو الذي يقرر إطلاق السراح أو إخلاء السبيل أو المحاكمة طليقاً…

 

20 .   6- في حال قرر القضاء المحاكمة موجوداً، فإن الموقوف السياسي يجب أن يُحال إلى السجن المدني وتطبق عليه لوائح وأنظمة السجون.. وإذا كان لا بدّ أن يستمر جهاز الأمن السياسي بالقيام بمهمة الضابطة العدلية، ففي هذه الحالة يتم التوقيف حصراً في الجناح التابع للأمن السياسي بالسجن المركزي المدني على أن يلتزم جهاز الأمن السياسي لوائح وأنظمة السجون بحذافيرها، من حيث الزيارات والتنفس خارج الزنزانة، وحق الموقوف السياسي بالصحف والراديو، وأن يكون هذا القسم تحت إشراف مباشر من القضاء.. أقول ذلك لأننا، وبعد مضي شهرين على اعتقالنا وإحالتنا إلى القسم السياسي بسجن دمشق المركزي، ونحن الآن بتاريخ 11/11/2001 محرومون من هذه الحقوق: الزيارة، والتنفس، والراديو…

 

21.    لقد قصدت تماماً الدخول في هذه التفاصيل الإجرائية، لأنه بدون ذلك سيبقى الباب مفتوحاً للتجاوزات، وبالتالي للاعتداءات والمآسي على المعتقلين السياسيين وذويهم… وهذه المطالب هي في الحد الأدنى، الأدنى ليستعيد الناس ذواتهم ويتحرروا من الرعب والخوف.. وهي في غاية التواضع، فنحن        لا نطالب بإلغاء السجن السياسي، وإنما نطالب فقط بأن يكون في حدود الاحتمال الإنساني.. فنحن في الوطن العربي، وعلى أعتاب القرن الواحد والعشرين، نحلم فقط أن لا تُقتحم بيوتنا، وغرف نومنا، نحلم أن لا نُختطف إلى جهات مجهولة غير معروفة، نحلم أن تعرف أسرنا من هي الجهة التي اعتقلتنا، وأين وجهتنا، نحلم أن نُسجن بسجون معروفة يُطبق عليها لوائح تلزم السجانين، والمسجونين معاً.. فهل هذا كثير علينا...؟!

 

22.    هذه هي الإشكالية الأولى، التي أرجو أن تكون التوضيحات قد ألقت عليها الضوء، وأزالت كل غموض، وقطعت الطريق على أي سوء فهم…

 

 

 

ثانياً: البناء الهرمي للمرافعة

 

 

 

23.    الإشكالية الثانية، تتعلق بالبناء الهرمي والقانوني للمرافعة، موضوع الكتاب، ذلك أن هذه المرافعة تعتبر مغامرة من طراز فريد، ليس على الصعيد القانوني وحسب، وإنما على الصعيد الشخصي أيضاً، ولا أعرف حقيقة كيف سيستقبلها الزملاء الأساتذة المحامون، ورجال القانون.. كما لا أعرف كيف سيستقبلها الأصدقاء والأخوة والأهل… ورغم أن لكل محام بصمته الخاصة في صياغة المرافعة عن المتهم، أو الظنين، حتى   ولو كان هو ذاته موضوعها، والتي تأخذ عنوان (مذكرة دفاع) حتى أن المحامي يأخذ هذه الصفة فيسمى (محامي الدفاع)، وبما أن أركان مذكرة الدفاع تكاد تكون ثابتة من حيث مناقشة أدلة الاتهام وتفنيدها ، ومناقشة التكييف القانوني وكشف الثغرات… إلا أن البناء الهرمي والقانوني لهذه المرافعة، موضوع الكتاب، جاء معكوساً لقلب هذه المعادلة، وبالتالي لا يمكن اعتبارها مذكرة دفاع بأي حال من الأحوال، وإنما هي بحق مذكرة هجوم على مؤسسة الادعاء (المعلن منها والخفي)، لأنني وجدت نفسي خلال الاستجواب لدى فرع تحقيق الأمن السياسي، ومن ثم لدى النائب العام لمحكمة أمن الدولة إضافة للأدلة التي وجهت بها هنا وهناك، في حيرة من أمري، أواجه السؤال الهام: ترى، لماذا أنا معتقل؟ وما هو السبب الحقيقي وراء اعتقالي..؟ ذلك أن كل ما نسب إليّ، في حال أنه صحيح وثابت، لا يمكن العثور فيه على أي ركن من أركان الجريمة – أي جريمة – وبالتالي فإن مؤسسة الادعاء بشقّيها لا بدّ أنها أخفت السبب الحقيقي الكامن وراء اعتقالي… وكان هذا كافياً لاستفزازي إلى أقصى حد ممكن، ووجدت نفسي أنني لست في موقع الدفاع عن نفسي، لأنني لا أجد جرماً أنفيه.. فقررت – ربما من باب رد الفعل المنعكس الشرطي – أن أنتقل إلى حيث يجب.. إلى الهجوم على مؤسسة الادعاء، علني أستفزها، فتفصح عن السبب الحقيقي للاعتقال، والغاية منه، وبالتالي لا أُحرم من حق الدفاع عن النفس. لهذا فقد اتجهت في مرافعتي مباشرة إلى السؤال: لماذا أنا معتقل..؟ اعترفوا.. لن أسمح لكم بالتهرب من الجواب... وكان هذا يتطلب أن أنتقل تلقائياً ليس من موقع الدفاع إلى الهجوم وحسب، وإنما أيضاً من موقع المستجوَب إلى موقع من يستجوب، من موقع الجواب على الأسئلة إلى موقع توجيهها، من موقع مواجهة الأدلة إلى موقع توجيهها وإعلانها.. من موقع مواجهة الادعاء إلى موقع توجيه الادعاء… وهذا كله بغاية واحدة، هي محاصرة مؤسسة الادعاء بشقّيها (الأمني والقضائي) حتى تقرّ وتعترف وتكشف عن السبب الحقيقي الكامن وراء اعتقالي، والغاية منه، وبالتالي فإن دفاعي سيكون تالياً لذلك، ولا يمكن أن يكون إلا كذلك… فمن غير المعقول، ومن غير اللائق بحق قدري، أن يقال أنني اعتقلت ولم أتمكن من الدفاع عن نفسي.. ألا يكفي أنني حُرمت من شرف الدفاع عن الأساتذة الأعزاء: رياض الترك ومأمون الحمصي وحبيب صالح ورياض سيف وكمال اللبواني وفواز تللو وحسن سعدون ووليد البني وعارف دليلة..؟

 

24.    وبما أنني محاصر بزنزانتي، ومؤسسة الادعاء لا تواجهني، واكتفت حتى الآن بعزلي.. وبما أنها لم تواجهني حتى هذه اللحظة بقرار اتهام، أو بقرار ظن.. وبما أنها   لا تتقيد بالإجراءات القانونية بدءاً بالاعتقال وحتى قرار العزل، الذي لم أجد له تكييفاً قانونياً، وبما أن الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، ومن موقع مواجهة الادعاء إلى توجيه الادعاء يستدعي بالضرورة أن أستحضر كل ما خطر لي من مواقف ونشاطات وآراء ونوايا وأحلام مررت بها على مدى عمري كله، ثم أدفعها بوجه مؤسسة الادعاء.. هم لا يواجهونني بها، أنا سأواجههم بها.. علّهم يعترفون بالسبب الحقيقي الكامن وراء اعتقالي، وما هي الغاية منه… وقد استدعى ذلك أن أسرد الكثير من الحوادث الذاتية التي تتمحور حول شخصي، قولاً وفعلاً وكتابة ونشاطاً… لا أعرف على وجه اليقين إن كانت تستحق النشر على الناس أم لا..؟ بل أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، وإنما تجاوزه إلى مسألة إنسانية ربما يدركها خريجو السجون العربية أكثر من سواهم، وهي أن السجين في لحظات العزلة والحصار والضغط المعنوي الشديد، يبحث عن مرتكزات للصبر والصمود، لا يجدها إلا في تاريخه وعناده وبمن يشاركونه همومه… يستعرضها على شريط الذاكرة ليشعر بالسكينة والرضا… والعربي، العربي، خاصة العربي القومي، القابض على الجمر، لا يعاني فقط من مشكلة العجز والانحسار والحصار، وإنما يواجه يومياً بتحميله مسؤولية كل السلب الذي حصل.. من أول الهزائم إلى آخر الاستبداد… يحملونه مسؤولية أعمال وتقصير لا ينكرها، لكنهم يحملونه مسؤولية ما بدر منه وما بدر من غيره، ويلصقون به ما يُنَسب إليه، وما لا يمكن أن ينتسب هو إليه… ولهذا فإنه محاصر هناك، معزول هنا، ولا خيار له إلا الصمود والتحدي لينعم بالسكينة والرضى… لهذا، كان لا بدّ أن أستدعي كل ما تحفظه الذاكرة من التاريخ الشخصي المُشار إليه، ثم أن أضعه كما هو على الطاولة، بكل ما فيه من عجر وبجر… ثم أريد أن أصرخ بوجه مؤسسة الادعاء بعد ذلك: ضعوا أوراقكم أنتم أيضاً على الطاولة بالمقابل، ثم تعالوا نتحاسب لنرى من يحاسب من..؟ لنرى من يحاكم من..؟ ولماذا.. وكيف..؟

 

25.    هل يكفي هذا لتفسير هذا البناء الهرمي والقانوني لمرافعة لا أعرف كيف سيكون تقييمها في المحصلة النهائية… سأترك ذلك لفطنة القارئ العربي، وأعترف أنني كتبت  ما كتبت وعيني عليه، وقلبي معه.. عاشق أنا لشعبي العربي، وأمتي العربية، وما عدا ذلك صدقوني ساقط من حسابي، ومن كل حساب.. فقط أريد أن أضيف مسألتين، أو على الأصح اعترافين:

- الأول: أنني بإرادة واعية، وعن سبق إصرار وتصميم، قررت أن أواجه مصيري واقفاً، منتصب القامة، ورفضت أن أبدو كائناً ضئيلاً في زنزانة، أو في قفص اتهام.. فتماديت بالحديث عن نفسي، وأعطيتها ربما أهمية لا تستحقها، أو قد تستحقها، من يدري… إذا كان قد حصل ذلك، فإن الغاية كانت أنتم.. أردت أن أقول لكم بصريح العبارة أنكم جميعاً في زنازين، جميعاً في أقفاص، مختلفة الأحجام، هذا صحيح، لكنها أقفاص متمثلة بحدود هذه (الدول) المركبة ظلماً وعدواناً واغتصاباً على أرضكم العربية…

-   الثاني: أن بعض فقرات هذه المرافعة تبدو وكأنها رسائل إلى من يهمني أمرهم في وطني، إذا كان هذا صحيحاً.. فإن عذري أن هذه المرافعة قد تكون وسيلة الاتصال الوحيدة بهم… وإن كنت حتى هذه اللحظة        لا أعرف إن كانت ستصل إليهم وإليكم، أم لا.. فقد تخرج من هذه الزنزانة قبلي، وقد تخرج معي، وقد تبقى معي وأبقى معها، وقد أخرج بدونها.. من يدري..!

 

 

ثالثاً: الواقع والأحلام

 

 

 

 

26.    الإشكالية الثالثة، تتمثل بالمسافة بين الواقع والأحلام، ثم بالطريق التي تصل بينهما.. هل هي سالكة، أم سالكة بصعوبة، أم مقطوعة؟ هل هي ممهدة أم وعرة؟ ثم كيف امتلاك الأدوات المناسبة لعبورها؟ وكيف يمكن مواجهة الكمائن التي تصادفنا وراء كل منعطف؟.. أسئلة كبيرة وكثيرة كانت مطروحة خارج السجن، لكنها تعربد بتحدّ صارخ عندما تطبق عليك الجدران ويحيط بك الحديد، وتفتقد حنان الخشب في الأبواب والنوافذ… والإجابة، هنا، في منتهى الأهمية، ذلك أن تقطع السبل بين الواقع والأحلام لا يؤدي إلى الإحباط والهزيمة وحسب، وإنما يقذف بك إلى الوهم والمجهول...

في هذه الحالة، عليك أن تبحث لهذه الأسئلة عن منافذ للتسلل إلى خارج الزنزانة، ثم عليك أن تلاحقها بخيالك للبحث عن إجابات، عن نهايات، عن تتمات، عن تفسيرات، ثم عليك أن تنتظرها، علّها تعود إليك محملة بما تريد... المهم أن لا تتركها تصطدم بالجدران، بالحديد، وترتدّ إليك، فإنها قد تصفعك بأقسى مما تحتمل… هكذا فإن حصان النجاة للسجين خياله، يلقي على ظهره بمتاعه، ويتسلل إلى حيث يرى السماء، ويرنو إلى الأفق، فيحقق هذا التوازن الضروري لاستمرار الحياة بين القيود والحرية…

 

27.    في السجن، ربما تتاح لك فرصة لا تتاح في أي مكان آخر، حتى إذا نأيت بنفسك إلى منفى اختياري… ذلك أن شعورك أن قرار قطع الخلوة والفرار بيدك يفسد كل شيء.. في السجن تكتشف نفسك حيث تتداخل الصلابة بالضعف، والسكينة بالقلق، والكوابيس بالأحلام الوردية، وتفلت الذاكرة من بين يديك، فتستدعي لك ما يشعرك بالزهو والاعتزاز والقوة، والتأثر إلى حد البكاء عنفواناً من مواقف تعتز بها منك أو من آخرين أعزاء على قلبك… ثم فجأة قد تقلب لك ظهر المجن ، وتنفض عليك كل شيء، فتستدعي لك ما يقلق ويضعف، وتنبش من الأعماق، ومن تاريخ الأعزاء على قلبك مواقف الضعف، وربما الزلات الصغيرة أو الكبيرة التي صدرت، أو يمكن أن تصدر عنك أو عن من تحب، فتنكمش في زنزانتك ترتعد فرائصك، ويغادرك الدفء والفرح، ويسكنك الضعف، فتكتشف الهوائم في زنزانتك، وتشعر بالحسد لتلك البعوضة التي تحلق مغادرة الزنزانة من شبك حديدي ضيق، ينفذ منه ضوء خافت، فتنفذ منه إلى حيث لا تستطيع أنت.. وتتساءل: تُرى، هل المطلوب أن أتضاءل مادياً ومعنوياً إلى حجم البعوضة كي أخرج من هذه الزنزانة؟ وهل أنا جاهز لدفع هذا الثمن..؟ وهل إذا فعلتها أكون قد خرجت إلى الحرية، أم أكون قد استنقعت في عبودية دائمة..؟ هنا تكتشف نفسك، فإما أن تتضاءل، وإما أن تنتفض واقفاً معتزاً بنفسك ربما أكثر مما تستحق وتطيق.. لكنك تفعل ذلك،    ليس من باب الاستكبار والنرجسية والاستغراق بالذاتية، وإنما إفرازاً لصادات ضرورية دفاعاً عن نفس تتعرض لامتحان خطير… تستصرخك موقفاً مشرفاً فتجيب ملبياً لتخلد إلى السكينة، وتتركك تغفو هانئاً رغم صلابة المصطبة، والرائحة النتنة التي تنبعث من كل مكان في الزنزانة، ورغم الهوائم الزاحفة عليك بأحجام لا تراها العين المجردة في العتمة، لكنك تحس بدبيبها عليك، ومن حولك.. فلا تقاومها تاركاً لها حرية الحركة كما تشاء لأنك تعتقد أنها أحق منك بهذا المكان.. وأنك أنت الذي تعتدي عليها بوجودك. لقد أخبرني الصديق فواز تللو، حيث التقينا بعد ليلتين قضيناها في زنزانتين انفراديتين، بأن جاريه في الزنزانتين المجاورتين له استغلا غياب السجان بعد منتصف الليل ليتحدثا.. وبينما كانا يتناجيان، صرخ أحدهما: ها هو الصرصور قد أتى.. قال له صاحبه: اقتله، امعسه في الحال.. فأجابه الآخر بهدوء: لا، لن أقتله، سأدعه يمضي، علّنا نكسب حسنة أولاده فنخرج من هنا.. ثم تنهد وأضاف بحسرة: تُرى، ماذا يفعل أولادي الآن..؟..

 

28.    وبما أن هذه الفقرة عن الواقع والأحلام، فإنني هروباً من الواقع، على ما يبدو، استرسلت وراء الأحلام، أو ربما الأوهام، وخرجت عن الموضوع.. لكن ما أردت قوله هو أن أهم ما يحتاجه السجين هو إحكام السيطرة على ذاكرته، لا يتركها تتجول على هواها.. عليه أن يعرف كيف يطفئ عنها النور في اللحظة المناسبة؛ ثم وعودة إلى السياق، فإن ما أريد قوله تحديداً هو ضرورة الانتقال من مرحلة الشكوى إلى مرحلة تغيير الواقع الذي لا يعجبنا، وإذا كان هذا يتطلب أن نبدأ بتغيير أنفسنا، فلنبدأ هذه الخطوة… المهم، أن لا نبقى مستسلمين لواقع نشكو منه جميعاً، ذلك أن الشكوى وتوصيف الحالة الراهنة لا يغير من الواقع شيئاً، وبما أنني أعلنت موقفاً واضحاً وصريحاً ضد العنف بكل أشكاله داخل المجتمع من أي طرف كان، فإن كافة الخلافات داخل المجتمع، وسائر الصراعات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، يجب أن نبحث عن حلول لها بالحوار والكلمة السواء والاحتكام للشعب. لذلك فقد خطر لي، وبما أنني هنا بلا فائدة ولا قوة ولا حول، أن أوجه دعوة حارة لأبناء وطني بين المحيط والخليج لمباشرة خطوة صغيرة لكن نتائجها ستكون هائلة على ما أتصور: وهي أن نبدأ باستعادة ذواتنا، وأن نكون نحن، نحن، وأن لا نمارس اعتباراً من هذه اللحظة أي عمل، أو نتخذ أي موقف، أو نبدي أي رأي يخالف قناعاتنا… أقصد بذلك الموقف السلبي فقط، بمعنى الامتناع عن أي فعل أو نشاط يخالف قناعاتنا، ذلك أن هذا الموقف هو بحدود استطاعة الجميع، وكذلك المخاطر.. أما المواجهة الإيجابية فتُترك إرادياً حسب الاستطاعة من فرد إلى آخر… إنني هنا سأترك لخيالكم وفطنتكم أن تحصوا المواقف، وأن تتخيلوا النتائج لمثل هكذا عقد نعتصم به جميعاً، ونضع له برنامجاً زمنياً.. ثم ننطلق منه إلى موقف أكثر تطوراً حسب الظروف… لو استطعنا أن نحقق ذلك في الواقع بنسب معقولة، فإن واقعاً جديداً سينهض، وعلاقات جديدة تُبنى على التصادق والاحترام ستُنشأ، وإن الكثير من مظاهر النفاق والتكاذب والفتن ستختفي، ثم، وهذا هو المهم، سنشعر أن ذلك كله تحقق دون مخاطر تُذكر، وبالحد الأدنى الذي يشعر فيه كل واحد منا أنه هو، هو، في السر وفي العلن، فيستعيد احترامه لذاته، ويستعيد احترام الآخرين له… أستذكر ذلك كله الآن في محنتي لأن ذاكرتي في هذه الظروف تعاملني بخبث أو بتخابث مريب.. ذلك أنها تستدعي في هذه اللحظات العشرات من الأعزاء الذين يهمسون بآراء ومواقف.. أما في العلن، فيتناقضون تماماً مع قناعاتهم هذه.. وأكاد عندما أتابعهم يصرخون في الشوارع، أو على أجهزة الإعلام لا أصدق ما أراه.. من هو الذي أعرفه، من من بينهما الحقيقي ومن هو المزيف؟ نحن هنا لا نطالبهم بالجهر بقناعاتهم التي همسوا بها، فهذا قد يعرضهم لمخاطر هم غير مستعدين لها.. هذه مرحلة تالية لها ظروفها… المهم الآن، أن لا يعلنوا ما يناقض قناعاتهم، لا أكثر من ذلك  ولا أقل.. أن يعتصموا بالصمت.. ذلك أنني أعتقد أن مخاطر الصمت هي بالحدود التي يمكن أن يحتملها الجميع دون استثناء، ولا عذر لأحد… هل يمكن أن نباشر ذلك في الحال..؟!

 

29.    أودّ، بعد ذلك، أن ألامس موضوع القضاء، ومن هذا الباب بالذات، ذلك أن القضاء هو خط الدفاع الأخير عن المجتمع.. إذا استُبيح القضاء فإن استباحة المجتمع غدت ممكنة.. هذا أولاً.. وثانياً، لأنني أنتمي إلى هذه المؤسسة، وأعني بها مؤسسة العدالة في بلدنا، وأعتبر أن ما يمسها يمسّني بالصميم، لكنني في الوقت ذاته بتّ شخصاً واقعياً، لا بمعنى الرضوخ للواقع، والقبول بمعاييره، ولكن بمعنى محاولة فهمه وتقييمه، وبالتالي لم تعد تراودني أوهام كبيرة عن البطولات الفردية والرجال الفرسان، فالمسألة تجاوزت المقدرة الفردية.. لذلك بتّ على قناعة بأن على الذين ينشدون العدالة والمساواة والحرية أن يبحثوا في ذواتهم، وفي المجتمع برمته عن طريقة ما لصياغة منظومة قانونية متماسكة تستند إلى معادلة اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية محكمة، تعيد للوظيفة العامة ألقها واحترامها، لأنه عندما يكون الموظف العام أضعف حلقة في المجتمع اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، فإن الذين أضعفوه إلى هذه الدرجة يخترقونه بلا حساب، وعندها يغدو مستباحاً للاختراق بشكل عام، فتعمّ قيم الإفساد والفساد، ويتحول الحديث عن السيرة الذاتية، لهذا أو ذاك، وسيلة للتندر الشعبي، تعبيراً عن النواح والشكوى، ويغدو الحديث عن البطولات الفردية والصمود الفردي حديث عن شواذ، ومجرد تعويذة للإمساك بالأحلام الهاربة… ما يعنيني، هنا، موقف بين الواقع المر والأحلام.. يتعلق بأن يفطن، من يهمهم الأمر في وطني، من قاع المجتمع إلى قمة السلطة، قبل فوات الأوان، إلى حقيقة أن هناك مشكلات في بلادنا تراكمت واستوطنت بفعل عوامل عدة، وأن مجتمعنا بات يعاني من خلل خطير في أدائه لوظائفه، وأن قطاعات واسعة منه بفعل عوامل عديدة باتت عاجزة أو عاطلة أو معطلة، وأن قطاعات أخرى فقدت الاتجاه الصحيح باتجاه التطور، فتتصادم خطوطها وتتقاطع بغير هدى، مما يؤدي إلى اضطراب في المجالات والمفاصل الحيوية.. وأن هذا كله لا يعالَج بالمداراة أو بالنفي أو بالتجاهل، كما لا يعالَج بالتشبث بالمواقع والإصرار على كل شيء، وأن كل شيء على ما يرام… ومن جهة أخرى لا يعالَج بمنطق التخندق والثأر وتفعيل الصراعات، لأن خندقة المجتمع تعني تدميره.. لهذا فإنني دعوت على مدى السنة المنصرمة علناً، وعلى رؤوس الأشهاد، إلى التداعي للكلمة السواء، ودعيت علناً إلى نبذ العنف والتعسف والعنف المضاد بكافة صوره، وأن يكفّ الجميع عن محاولات الإقصاء والاستئصال والإلغاء والتغييب، وأن يعلن الجميع أن لهم حقوقاً وعليهم واجبات في رحاب وطن، هو ملك مشترك لجميع أبنائه، وأن تنتهي مظاهر التفرد والهيمنة من الأفراد أو الجماعات.. سواء على بعض مؤسسات السلطة أو بالمقابل على بعض مفاصل المجتمع.. وأن تفتح الأبواب، بلا حدود، كي يعيد المجتمع إحياء مؤسساته على صعيد المنتديات والجمعيات والأحزاب والنقابات ومؤسسات الصحافة والرأي، وكذلك أن تُبثّ الروح بالمؤسسات التشريعية والقضائية والتنفيذية كمؤسسات حقيقية موضوعياً، وفاعلة وقادرة.. وأن يقونن هذا كله بمنظومة قانونية متماسكة تضع حدوداً فاصلة بين السلطات والمؤسسات. فلا طغيان من سلطة على أخرى، وفي الوقت ذاته لا فراغ بين السلطات والاختصاصات… هذا    هو الطريق الوحيد للإصلاح، للتغيير الإيجابي، للتحديث، للتجديد.. وهذا      هو الطريق الوحيد للانتقال من مرحلة التخبط والتصادم بين الاتجاهات المتعاكسة، إلى مرحلة يتجه فيها المجتمع برمته إلى المستقبل، تتضافر فيه القوى، وتتنافس على طريق البناء والتشييد والتماسك، ومن ثم على طريق التحرير والتوحيد على الصعيد القومي، وينتفي التنافس على المغانم الخاصة، والتنافس في الفساد والهدم والنهش بمقدرات الوطن وثرواته الحيوية.. ويستعيد الإنسان في وطننا إنسانيته، ويستعيد أغلى ما يملكه، وهم الأبناء والعلماء والباحثون الذين هجروه إلى المهاجر… إن ما فقدناه من ثروات مادية كبيرة يتحدث عنها الاقتصاديون، تمّ تهريبها إلى الخارج مكدسة في أرصدة البعض، أو يستثمرها البعض الآخر، أو يسوح بها فريق ثالث… كل هذا يمكن تعويضه، ولست في وارد النفي أو الإثبات، لأنني أدعو إلى عدم الاستسلام للشائعات والركون فقط للأدلة والبراهين الثابتة… أقول كل هذا – في حال ثبوته – يمكن تعويضه، أو استعادة بعضه بالقانون على الأقل.. لكن أن يفقد الوطن خيرة عقوله العلمية والنابغة، على صعيد العلوم التطبيقية والإنسانية والطب والبحث العلمي عموماً، فهذا يعني كارثة حقيقية، لأن التعويض يحتاج إلى أجيال، وقد يكون فاتنا قطار العصر، لذلك فإن العمل على تهيئة كافة الظروف اللازمة لعودة عقولنا المهاجرة من المهاجر يجب أن يحتلّ الأولوية على كل شيء. يؤلمني ما تطالعني به الصحف المحلية من أن فلاناً الفلاني عاد يستثمر أمواله.. أو أن الأمير علان سيشيد لنا فندقاً.. وبأن فرص الاستثمار مفتوحة، ولم يكلف أحد نفسه بسؤال واحد: لماذا لا يعود العلماء والباحثون والأطباء والمهندسون إلى البلاد؟ وكيف يمكن أن نزيل العراقيل عن طريق عودتهم؟

 

30.    إنني لا أعتذر عن هذه الاستطرادات.. كان يجب أن أتحدث عن ذلك كله، لنفهم في السياق كيف يمكن أن تستعيد الوظيفة العامة ألقها وموقعها.. فيحترم الموظف العام الصفة التي يمثلها، وبالتالي يحترمها المجتمع… ذلك أنه إذا لم تتحقق هذه الأجواء الإيجابية على الصعد كافة لا يمكن الحديث لا عن وظيفة عامة، ولا عن قضاء عادل ومستقل لا يخترقه أحد.. وعندما يصبح القضاء عصياً على الاختراق، يكون القانون أيضاً مصاناً لا أحد فوقه، ولا أحد دونه، وإنما الجميع، مجتمعاً ومؤسسات، أفراداً وجماعات، متساوون أمام القضاء، وفي ظل القانون.. فيلتزم كل حدوده، حدود وظيفته العامة، وحدود سلوكه الفردي…

 

31.    وبما أن القضاء في بلادنا يعاني من وضع دقيق، فإن من الوهم، أو من الظلم أن نطالبه بما لا طاقة له به.. والعرب قالوا في ذلك المجال: "إذا أردت أن تُطاع فاطلب المستطاع".. لهذا، وبعيداً عن الوهم، وبعيداً عن الظلم، فإنني ألتمس العذر ( لمحكمة أمن الدولة ) ، وحتى للقضاء العادي الذي أُحيل إليه النائبان رياض سيف ومأمون الحمصي، رغم موقفي القانوني من دستورية محكمة أمن الدولة، والذي سأعبر عنه في حينه كونها محكمة ملغاة بحكم نصوص صريحة في الدستور.. فإنني كنت أرغب أن لا يلصق موضوع اعتقالنا، والإجراءات التي رافقته بالقضاء، بسبب انتفاء المسوغ القانوني نهائياً.. فيبدو القضاء وكأنه واجهة تنفيذية لقوى خفية من خارجه، وهذا حقيقة ما كنت أرغب أن لا يحدث… لن أشغلكم الآن بتفاصيل الوضع القانوني، والإجراءات والانتهاكات التي ارتُكبت، فقط أريد أن أقول أننا اعتُقلنا منذ شهرين، بعضنا تجاوز اعتقاله الشهرين، فنشر أحدهم مقالاً في الصحف المحلية استنكر أن يُطلق علينا لقب معتقلين، قال: إنهم موقوفون، ثم تفاخر بأنه تمت إحالتنا للقضاء.. ليكن، فنحن موقوفون على ذمة التحقيق، أليس كذلك؟ هذا يعني أيها السادة في محكمة أمن الدولة، أن للتحقيق ذمة يمكن الركون والاحتكام إليها، لكن لم يخطر على بال أحد أن يكون التحقيق بلا ذمة، أو أن تكون ذمته واسعة إلى هذا الحد… ذلك أنه منذ شهرين لم يضف إلى التحقيق كلمة واحدة.. نحن هنا في القسم السياسي للسجن المركزي بدمشق كما يلي: المهجع /4/ يضم الأساتذة: رياض الترك، حسن سعدون، حبيب صالح، وفواز تللو، وفي المهجع رقم /6/ الأساتذة: عارف دليلة، كمال اللبواني، وليد البني، وأنا.. وفي غرفتين منفردتين بالسجن المدني كل من النائبين: مأمون الحمصي ورياض سيف.. بالنسبة للنائبين سيف والحمصي، لا نعرف شيئاً عن أوضاعهما.. بالنسبة لنا، نحن الثمانية الآخرين، لم نغادر المهجعين المذكورين منذ دخلناهما، ولم نُبلَّغ قرار اتهام أو قرار ظن، ونحتاج إلى منجّمين لنعرف أي شيء عن مصيرنا… هل سيعتمدون ذات التهم التي وجهها فرع تحقيق الأمن السياسي؟ أم سيُضاف عليها، أم يُنتقص منها؟ هل تمّ التراجع عن إحالتنا للمحكمة بعد أن اكتشفوا تهافت أركان هذه الدعاوى التي حُركت علينا؟ وبالتالي فإن الهدف هو عزلنا، وإذا كان الموضوع مجرد عزل فما هي مدته؟ وإلى متى؟ كل هذه الأسئلة في علم الغيب بالنسبة لنا، وبالتالي لا نعرف ما هي الظروف وما هي المتغيرات التي يمكن أن تكون قد حدثت عندما تغادر هذه الكلمات.. إلى خارج السجن!! وبالتالي فإن مجال الرؤية يكاد يكون صفراً، من الناحية القانونية.. فما يحدث منفلت من أي ضوابط، لذلك فإن كافة الاحتمالات مفتوحة.. فقط وجدت نفسي أمام مهمة إضافية، لم أعد أفكر بما يمكن أن يحدث، لأنني لا أملك أية معطيات للبناء عليها، فدعوت أصدقائي لنسيان هذا الموضوع.. وهذا ما كان، رغم الاحتجاج.. إذ، كيف يمكن أن تطالب الإنسان، أي إنسان، بنسيان مصيره.. لكن هذه هي الطريقة الوحيدة للسكينة والهدوء والصمود. لهذا، لم أعد أفكر بالإفراج عن أصدقائي، متى، وكيف، وكذلك بما يتعلق بشخصي، ووجدت لنفسي مهمة بديلة، ربما تكون ممكنة، وهي الإفراج عن هذه الأوراق، فهل سأنجح بذلك على الأقل..؟

 

32.    طالما أن الحديث مازال مستمراً عن الواقع والأحلام، لا بدّ أن أغامر بإثارة قضية هامة بتسليط الضوء عليها، وهي قضية أعتقد أنها في غاية الأهمية، وتشغل حيزاً هاماً من تفكيري، وتندرج بشكل من الأشكال ضمن ما تحدثنا عنه من إيجاد منظومة قانونية متماسكة ومتناسقة، تحكم كافة قطاعات المجتمع والدولة، ولكنها، ونظراً لدقتها وحساسيتها الشديدة، فإنها تحتاج إلى تفصيل خاص، هذه القضية هي، باختصار: واقع الأجهزة الأمنية، مهامها، وتداخل اختصاصاتها، وتشعبها.. وبما أن الحديث عن هذه القضية خارج السجن قد يثير بعض الريبة بسوء النية، وبما أن أي حديث عن إعادة هيكلة الدولة والمجتمع، والتنظيم والقوننة، لا أثر فعلي له ما لم تعالج قضية الأجهزة الأمنية بصراحة وشفافية، بعيداً عن النفاق والخوف.. فقد قررت أن أغامر بمواجهة هذه القضية، وأنا في قبضة هذه الأجهزة تعبيراً عن حسن النية، وعن التصادق الذي أدعو إليه في المجالات كافة، متحملاً كافة المخاطر التي تترتب على ذلك…

 

33.    باختصار شديد، ونتيجة لظروف معروفة للجميع، تضخمت الأجهزة الأمنية في بلادنا بأعداد يُقال أنها هائلة، ورغم أنني لا أمتلك إحصائيات دقيقة فإن الواضح وغير المنكور من أحد، أن آثارها وظلالها تكاد لا تخفى على أحد.. حتى أن قناعة ترسّخت واستقرت في الوجدان العام – أنقلها هنا بغضّ النظر عن مدى صحتها من عدمه – تقول: أن هذه الأجهزة باتت تتدخل في كل شيء، كل شيء، وأنها وراء صعود هذا، وسقوط ذاك.. بل إن شعوراً – ربما مبالغاً فيه – لا أعرف – ينظر بعين الريبة إلى الذين يتولون أهم المناصب في البلاد، وهل هم مجرد واجهات لقوى خفية..؟. والتفاصيل كثيرة.. والخوض فيها كالمغامرة بالتجول في حقل ألغام… ما يعنيني هنا القول، أن ظروفاً دقيقة مرت على البلاد أنتجت هذه الظاهرة حيث تضخمت الأجهزة الأمنية، وغادرت اختصاصاتها ومواقعها، وباتت تتسابق في ضبط الشارع، وضبط السياسة، وضبط الاقتصاد، وضبط الثقافة، وضبط الإعلام، وضبط مفاصل الحياة جميعها.. حتى باتت عبارة "الموافقة الأمنية" ملازمة لأي نشاط، ووثيقة لازمة تتوقف عليها عمليات البيع والشراء والوكالات والزواج وإلى آخره.. كل هذا بالإضافة إلى الروايات، والتجاوزات المأساوية التي يتناقلها الناس عن الاعتقالات، والتعذيب في الأقبية، وربما لما هو أكثر من ذلك وأبعد.. وبما أنني لا أمتلك إحصائيات دقيقة عن ذلك، فإنني وبحيادية وقلق، أتابع من يعتبر أن هناك مبالغات مقصودة ومريبة في كل ما يُقال، وكذلك بالمقابل من يعتبر أن   ما خفي كان أعظم… ما يعنيني هنا ليس الشكوى من هذه الأوضاع، ولا الدخول في متاهة التفاصيل، ولا في تحديد المسؤوليات، كما لا يعنيني الدخول في مباراة، من أساء للمجتمع أكثر من من.. ومن آذى المجتمع أكثر.. فالأذى من فريق لا يبرر الأذى من الفريق الآخر… ما يعنيني تحديداً أن أنبّه بصدق إلى أن المجتمع قد يحتمل مثل هذه الأوضاع لفترة معينة، يمكن مناقشة مبرراتها وظروفها وضروراتها.. لكنه لا يمكن أن يحتمل ذلك إلى ما لا نهاية.. فإذا لم يتصد العقلاء والمناضلون والوطنيون لمهمة إنهاء ظروف انتهت مبرراتها، وكان يجب أن ترحل معها، فقد يقلب المجتمع الطاولة على الجميع.. ذلك أن تحقيق الأمن الحقيقي في المجتمع على الصعيد الاستراتيجي لا يمكن أن تحققه الأجهزة الأمنية مهما امتلكت من طاقات وإمكانيات ووسائل.. فهذه الأجهزة يمكن أن تواجه حالة طارئة، ظروفاً قاهرة، لكن، على المدى البعيد، لن يوفر الأمن الحقيقي للمجتمع إلا نظامه القانوني المتماسك، نظامه الاقتصادي العادل الذي يوفر التوازن بين كافة فئات الشعب، نظامه التعليمي والثقافي والقضائي والتشريعي، وحتى التنفيذي، لكن ضمن هذه المعادلة، وليس بالخروج عليها، كل هذا – وهنا بيت القصيد – استناداً لنظام ديمقراطي يحقق تكافؤ الفرص للجميع، فيزول الشعور بالغبن، بموازاة زوال الشعور بالتسلط.. وأنا أقول هنا، وبكل تصادق، أنه عندما تطغى معايير الولاء على  ما عداها من معايير المؤهلات، والإمكانيات الموضوعية والذاتية الأخرى في شغل المفاصل الأساسية بالبلاد، فإن اختلاطاً واضطراباً شديداً، لن يكون الفساد هو مظهره الوحيد… والمشكلة هنا لا تقتصر على مقدرة الذين يملكون زمام الأمور في التقييم والاختيار، لكن في انتفاء إمكانية التمييز بين المعايير بسبب النفاق المنفلت، والتكاذب على الأصعدة كافة.. ولن أزيد، فقط أريد أن يهتدي الجميع إلى حقيقة أنه ليس من حق أحد أن يختار للناس.. لا بدّ من تشريع نظام ديمقراطي حقيقي لينهض بهذه المهمات، وإذا كان البعض يتحدث عن الخصوصية، فأنا مع هذا الحديث، وهو يثلج الصدر حقاً. فنحن القوميين مع خصوصيتنا الإيجابية، المتمثلة بالعدالة والمساواة، ولسنا مع الخصوصية الطارئة التي فرضت الاستبداد والفتن… ولهذا فإننا تداعينا مع الجميع إلى الكلمة السواء، لنصل إلى تعريف وطني قومي للخصوصية، حتى لا يكون الحديث عنها تبريراً للاستبداد. فلنتشارك جميعاً بالحديث عن الخصوصية الإيجابية، عن احترام الإنسان، عن تكافؤ الفرص، عن مكرمة الجهر بالحق، عن المروءة والشهامة، وقيم الحضارة العظيمة التي بنى عليها الآخرون، وهدمنا نحن ما بناه الأجداد العظام. فلنبدع الديمقراطية التي تناسبنا بالحوار، وبالرأي، وبالرأي الآخر، لكن لنتعاقد جميعاً ولنوثّق هذا كنقطة انطلاق ننطلق منها جميعاًَ، وهي أن الاستبداد لا يناسبنا بأي حال من الأحوال. أقول ذلك بكل أمانة، وأصرخ بقدر ما تحتمل جدران هذه الزنزانة، أن الخصوصية ليست شعاراً، وليست ستاراً، وليست تعويذة، وإنما هي ممارسة عميقة في الواقع، وهي إبداع وحلم، بالإضافة إلى أنها جذور أيضاً.. لكنها ليست جذوراً متعفنة تحت التراب، إذ لا بدّ أن تنبت حتماً مجتمعاً عظيماً قادراً فاعلاً يفرز مؤسساته الحزبية والنقابية، يفرز جمعياته، ويفعّل منابر الرأي والإبداع.. بهذا، وبهذا فقط يعبر عن خصوصيته، وينميها، ويحفظ هويته في عالم مضطرب، بشفافية ومصداقية وفاعلية… بهذا، وبهذا فقط، ينزوي النفاق والتكاذب، وتختفي الغمغمات والهمهمات، وتُطهر الجروح من القيح ، وتُستأصل الأورام، ويتفعّل قانون الجدل الاجتماعي بين الآراء والأفكار، علانية.. يختبرها شعبنا الواعي، بسجيته السمحة، والتي لا تخيب.. ويتسابق الجميع إلى البناء على الأصعدة كلها.. وتختفي معاول الهدم والفتنة والتخلف. عندها، وعندها فقط، سيتحقق الأمن والأمان للجميع، وسيبحث المجتمع عن مهمات إيجابية في مجالات البناء لسائر أبنائه. هذا سيؤدي تلقائياً إلى أن عشرات الآلاف من الكوادر الشابة، التي تسخر في عمليات سلبية ضد المجتمع كمخبرين ومراقبين ومتنصتين، وكتائب الاقتحام والاعتقال والتعذيب، كل هؤلاء سيجدون أنفسهم بلا عمل.. فيعيدهم المجتمع إلى سياق العمل الإيجابي في مؤسسات المجتمع، ومؤسسات تحصينه من العدو والأعداء. عندها تنتفي علاقات النفاق والخوف والتكاذب والكيد بين جهاز الأمن وبين المواطنين، فيتجه كلٌّ إلى اختصاصه في سياق: أن العمل قسمة لخدمة وطن هو للجميع، فهل هذا ممكن..؟ وهل يتعارض هذا مع خصوصيتنا..؟!

 

34.    قضية أخرى، وأرجو أن تكون أخيرة، لأنني أدرك كم أتعبتكم معي، وكم تماديت في الحديث… وهي موقفنا نحن القوميين، والمصداقية بين الواقع والأحلام. أعترف أولاً أننا نحن القوميين في مأزق، وأعترف ثانياً أننا نتحمل المسؤولية الأساسية عما تعاني منه أمتنا العظيمة، وأعترف ثالثاً أننا نستحق معظم ما يُوجّه إلينا من انتقادات تتعلق بالتقصير والعجز وعدم الجدية، وإلى آخره. وأعترف أخيراً بكل مشاعر الانتماء والعرفان، أن هذه الأمة العظيمة قد أعطت التيار القومي العربي في منتصف القرن الماضي ما لا يمكن أن تمنحه أمة من الأمم، وأنها احتضنته، وأسلمته قيادتها، ومنحته مشاعر بلا حساب، واحتضنته بالعيون، وقدمت تضحيات بلا حساب أيضاً. لكن هذا التيار للأسف الشديد، على مستوى الأداء والتنظيم والممارسة والحصاد والفاعلية، خيّب الآمال التي عقدتها الأمة عليه. صحيح أن الطريق لم يكن سهلاً، لكنني ضد التبرير، والتعلل بالظروف.. المهم أن خيبات هذا التيار وانتكاساته كانت هي بالذات خيبات وانتكاسات للأمة بأسرها. عندها، وعندها فقط، انكفأت الأمة عنه، وحاسبته بقسوة الأم على وليدها الذي حمّلته الآمال والأحلام، فخاب وخابت معه.. ولم يكن لديه ما يقدمه إلا التبريرات، والتعلل بالظروف الصعبة ومؤامرات الأعداء، وكأنه كان مطلوباً من الأعداء أن يفرشوا الورد أمامه ليخلص الوطن من هيمنتهم الوحشية. لكنها، الأمة، سخرت من كل ذلك، ومن التبريرات، فهي عندما دفعته إلى الساح، كانت تعلم ذلك كله أو أكثر، وكانت تدرك حجم المخاطر، وتوضعات الأعداء، وخرائط الخونة، وهي لم تبخل بوضع ذلك كله بين يديه. لكنه لم يعدّ للأمر عدته، فأنّبته بقسوة، وحمّلته ما يحتمل وما لا يحتمل، فانكفأ إلى الدفاع في مواقع ضعيفة ومحاصرة، فبعض القوميين الذين كان منوطاً بهم أن يحملوا راية الوحدة العربية بين المحيط والخليج، يتباهون الآن أنهم لم يقسموا أقطارهم الصغيرة، وإن كانوا لم يستطيعوا الحفاظ على حدودها، والذين تاهت بهم السبل في تنظيمات محلية وقطرية، وربما دون ذلك، اعتصموا بالحديث عن الأمجاد السالفة، وتفاخروا بعدم التفريط. لكن الأمة كان لها رأي آخر، ذلك أن الوجود والهوية يتعرضان لتهديد شديد، وبالتالي عليها أن تفرز من يقاوم ويتحدى ويستشهد ويتصدى ويشاغب على المخططات المعادية.. حتى لا يستقر الخنوع والاستسلام، وإلى أن يفيق ابنها القومي الخامل الأصيل لمشروعها الحضاري، واستراتيجيتها الإنسانية من غيبوبته، ويستلهم الدروس والعبر، ويعمّق خطه النضالي الأصيل من الواقع وإلى الحلم، فتستنهضه الأمة من جديد، وتدفعه إلى الساح حاملاً راياتها وأصالتها ورسالاتها ومخزونها الحضاري العظيم.

 

35.    وبما أنني من أولئك النفر الذين لم يتسرّب الشك إلى قلوبهم لحظة واحدة في أحلك الظروف، حتى تلك التي غدا فيها الحديث عن الأمة العربية والوحدة العربية، مجالاً للتندر والسخرية.. ذلك أنني ما زلت مسكوناً بهذا الحلم، بل أن هذا الحلم هو كل ما تبقى مني… سأمضي أنا، وجيلي، وسيمكث هو في الأرض وفي البشر، هنا، إلى أن يتمكّن جيل عربي قادم من تحقيقه.

 

36.    في غمرة الهجوم على التيار القومي، كان لا بدّ أن نعتصم بتأصيل العقيدة القومية دفاعاً عن الهوية والوجود، فقد وصل الانكسار إلى مرحلة بات فيها السؤال يُطرح دون مواربة: هل توجد أمة عربية فعلاً.. أم لا..؟ وكانت الإجابات المشككة بهذا الوجود تنهمر من كل حدب وصوب، لكن الذين وعدوا الناس بالسمن والعسل في العقود الأخيرة، بعد انحسار التيار القومي، لم يقدموا على الصعيد الاستراتيجي إلا حلولاً ناقصة، لا تتفق أبداً مع حجم التضحيات التي قُدمت. لذلك فإن الاعتصام بالموقف القومي كان يعني بالنسبة لنا عدم الانخراط بأي عمل قطري أو إقليمي.. فهناك منطق متماسك فكرياً وعقائدياً سعينا لتأصيله وتجذيره، وبما أن الطريق أمام أي نشاط بات شبه مسدود، فإننا اعتقدنا أن التمسك بمواقفنا العقائدية يكفي، فالدولة الإقليمية إلى زوال، ودولة الصهاينة كذلك، وستنهض دولة العرب الديمقراطية الواحدة، وبالتالي فإن مشاريعنا مؤجلة إلى أن يتحقق ذلك، حيث لا ديمقراطية ولا حرية ولا عدالة اجتماعية إلا في دولة الوحدة العربية، حيث كامل الثروات في خدمة كامل الأمة لتحيا بما تملك وما تستحق.

 

37.    ورغم التماسك الواضح والقوي بهذا المنطق القومي، خاصة وأن شواهد السنوات الأخيرة، على صعيد الوطن وعلى صعيد العالم، تثبت كل يوم أن الحديث عن خروج العرب من التاريخ لم يعد ممكناً ما لم يتحد العرب… فالوحدة العربية تبدو اليوم، ورغم انحسار التيار الحامل لمشروعها، أكثر ضرورة من أي وقت مضى… لكننا رغم ذلك بدأنا نكتشف ضعفاً في المنطق القومي يكمن في إغفال مرحلة هامة، وسؤال أساسي   هو: كيف ننتقل من هذا الواقع المجزأ إلى الوحدة؟ ومن أين نبدأ؟ وكيف نقطع هذه المسافة بين الواقع وبين قيام دولة الوحدة العربية حيث تتحقق الأحلام..؟ كيف نصل إلى دولة الوحدة؟ إن الحديث عن المن والسلوى بدولة الوحدة دون التصدي للمهام الضرورية لتحقيقها هو هروب إلى الوهم.. وهذه المسألة باتت مجالاً للتهكم على التيار القومي من التيارات الأخرى. إنه التحدي الحقيقي، ولم يعد كافياً الاعتصام بالموقف القومي عقائدياً.. لا بدّ من الانخراط في الواقع، مهما كان هذا الواقع، ومن ثم الصعود به والتصعيد معه إلى حيث الوحدة. لهذا كله، فإننا نعلن أن الاعتصام بالحديث المجرد عن إزالة الدولة الإقليمية وزوالها المحتم، لم يعد كافياً. فإن لم يتصد التيار القومي لمهماته فقد تزول الدولة الإقليمية لصالح المزيد من التشظي، ولن تكون إزالتها لصالح المشروع القومي   إلا إذا تصدى التيار القومي لمعالجة كافة المشكلات التي يعاني منها المجتمع العربي في سائر الديار. ثم إن الاعتصام بالحديث المجرد عن إزالة الدولة الإقليمية لم يعد كافياً لسبب آخر، وهو أن هذه الدولة طورت آلية عملها، وتوسعت أجهزتها ومؤسساتها، وفرضت سيطرة شبه كاملة على مقدرات المجتمع وإمكانياته.. وارتبط مصير عشرات الآلاف من الموظفين والعمال والجنود، وإلى آخرهم، بمصيرها، وهزمت مؤسسات المجتمع الحزبية والثقافية، والتهمت الاقتصاد والثقافة، وصادرت الرأي، واعتقلت الأحلام، فبرز السؤال الهام: هل يمكن أن يصل القوميون إلى أهدافهم التوحيدية إلا بالانغماس بهذا الواقع كما هو، كما هو بالضبط، لإعادة الفعل والتفعيل، والانطلاق منه إلى حيث يجب أن يكون؟ وإذا كان ذلك كذلك، وهو كذلك فعلاً، لماذا لا ينخرط القوميون العرب مع شعبهم العربي على امتداد ساحة الوطن بين المحيط والخليج، يخوضون معه كافة معاركه من أجل العدالة والحرية والديمقراطية، وبناء مؤسسات حقيقية للمجتمع تطلق طاقاته، لتكون مرتكزات صلبة للبناء القومي للأمة؟ ثم هل يمكن للتيار القومي أن يستعيد عافيته ومصداقيته إلا  بالانخراط في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية والمعاشية، التي يعاني منها الشعب العربي؟ وهل تنتظر هذه المشكلات حتى تقوم دولة الوحدة العربية؟ بل هل يمكن أن تقوم دولة الوحدة العربية إلا عبر التكاتف بين سائر قوى المجتمع العربي على حل هذه المشكلات؟ وهل يمكن للشعب العربي أن يناضل من أجل وحدته إلا إذا تمكّن من إطلاق طاقاته، وتحطيم قيوده؟

 

38.    ثم.. ثم لا بدّ من الإشارة إلى مسألة بالغة الحساسية، وهي أنه لا بدّ من الاعتراف أن السلطات الإقليمية في الوطن العربي، هزمت الشعب العربي، وأكلت مؤسساته، دمرت مرتكزاته، أفرغت أحزابه من مضامينها، حولت منابر الرأي لتكون منابرها ورأيها وحسب… طورت أجهزتها إلى درجة، بات فيها العمل السري مستحيلاً، أو شبه مستحيل، أو في أحسن الأحوال معزول جماهيرياً، حتى مؤسسات الدولة الرسمية باتت شكلية إلى حد بعيد، حتى الجيوش تمّ تحييدها، أو ترويضها، أو تدجينها، أو اختراقها… كل هذا في ظل ظروف بالغة التعقيد على الصعيد الدولي، وفي ظل عداء صريح للهوية العربية، للوجود العربي.. نحن بالنسبة إليهم شرق أوسط، وشمال إفريقيا، وشعوب، وقبائل، وأقليات تسعى إلى تقرير مصيرها المستقل بحدود أصغر حتى من حدود سايكس - بيكو. لقد أسرّ لي أحد الأعضاء الناشطين في حقل المجتمع المدني، أن بعثة من المفوضية الأوروبية قدمت إليه نصيحة، أن ابتعد عن القوميين العرب، وأبعدهم عنك إذا كنت تريد أن تحصل على تأييدنا… في ظروف كهذه، بات العمل السري النضالي غير مُتاح، وفي الوقت ذاته، فإن الدعوة للعنف من أي نوع بات أكثر خطراً على المجتمع العربي، حتى من الأوضاع الراهنة، ذلك أن هنالك قوى عديدة وملغومة ومسكونة بالتخلف من كل الأطراف، جاهزة لتركب موجة العنف وتوجهها إلى حيث يريد الأعداء، وللاقتتال بسبب،      وبلا سبب، في سائر أرجاء الوطن العربي. وبالتالي، فإن على القوميين العرب أن يتصدّوا بكل الوسائل المتاحة لهم لإخراج كافة أشكال العنف وأسلحته ومفاهيمه من داخل المجتمع العربي إلى حدوده… بل إذا استطعنا في مرحلة لاحقة دفعه إلى حدود العالم لمواجهة القراصنة مصاصي دماء الشعوب.

هذه الأوضاع الشائبة باتت مدركة من مختلف الشخصيات والقوى الخيرة في الأمة، سواء كانت قومية أم غير قومية، سواء كانت يسارية أو يمينية أو وسط، المهم أنها لم تنزلق إلى الفتن، بل أفرزتها تلك الفتن وصلبت مواقفها. وبالتالي فإن كل هؤلاء مدعوون لمغادرة مواقع السلبية والفرجة على ما يجري، إلى مواقع النشاط والأداء. فالصراع الآن قائم على خط الدفاع الأخير عن وجود الأمة، وعن هويتها.. وبالتالي،    لا بدّ من تضافر كل هذه القوى الإيجابية في الأمة بالتنادي إلى الكلمة السواء، لينتزع المجتمع العربي حقوقه في الوجود أولاً.. لأن هذا المطلب ضروري للجميع كقاعدة انطلاق كل إلى أهدافه. أما بدون توفير هذه القاعدة من الحرية، فإن الطريق مقطوعة على الجميع، لأن قاعدة الانطلاق مخطوفة من الجميع.. ففي ظل حالة الاستلاب الراهنة         لا يستطيع أحد أن يحقق أهدافه.. ذلك أن الجميع مُستلَب لقوى مجهولة، ربما، سواء بالإرادة، أو بالعجز، أو بالضرورة، لا فرق في ذلك!

 

39.    هل يكفي هذا تفسيراً لظاهرة المنتديات وضرورتها، والحوار الذي أفرزته وعمّقته ورشدته..؟ وهل يكفي هذا جواباً على رسالة العتاب الرقيقة التي تلقيتها من أحد الأخوة العرب قبل اعتقالي بأيام، والتي قال فيها: "هل انتهى الأمر بأبي عصمت، (المناضل القومي)، لينشط في منتدى من أجل الحوار الديمقراطي في دمشق..؟". أولاً يا أخي، شكراً على هذه الصفة التي لا أستحقها، وثانياً، أرجو أن تثق أنني لم أنته في منتدى من أجل الحوار الديمقراطي، وإنما منه ابتدأت من أجل حوار ديمقراطي في عموم الوطن العربي.. هل تفهمني   يا أخي؟

 

40.    لكن السؤال رغم ذلك يبقى متضمناً لمشروعية غير منكورة، إذ يترتب عليه سؤال هو الأكثر أهمية في تاريخنا المعاصر، هو: كيف يخوض القوميون معارك الواقع العربي الراهنة..؟ السؤال كبير، وليس من حقي أن أجيب عليه من هنا، لكنني أجتهد بتقديم مشروع جواب يقول: يخوضونها وهم قوميون، يخوضونها لأنهم قوميون، ولأنهم عقائديون، ولأنهم منهجيون، ولأنهم يحتكمون إلى (جدل الإنسان) منهجاً، وإلى الجدل الاجتماعي قانوناً للتطور… أما كيف يفعلون ذلك، كيف يطبقونه على الأرض..؟ وما هو الأسلوب، وما هي الأدوات..؟ هنا الحدّ الفاصل بين الجهد والاجتهاد الفردي، وبين جهد الجماعة واجتهادها، حيث الاختصاص معقود للجماعة.. أقول ذلك من هنا، وبكل وضوح، لأن بعض القوميين تصوروا أنه لكي يخوضوا نضال الواقع، عليهم أن يخلعوا منهج العقيدة، فخسروا الواقع، وخسروا العقيدة معاً. المطلوب الآن من كافة القوى والجماعات في الوطن العربي أن تراجع تجاربها، بعد هذا الزلزال الذي تعرّضت له الأمة نتيجة انحسار التيار القومي، ثم ليقدّم، كلّ وفق منهجه، قراءة عصرية للواقع.. ثم وعلى هذا الأساس الواضح والصريح يتمّ التحالف، بين كافة القوى، من أجل تحقيق المتّفق عليه، على أسس جليّة بعيداً عن المناورات. ويستمر الحوار، ويتطور بين مناهج ونظريات ومواقف، لا بين أشباح وهوائم لا لون لها، ولا حدود لشخصياتها، هل هذا واضح..؟!

 

41.    هل يكفي هذا..؟ أعتقد أنه يكفي، وأرجو أن لا يكون قد زاد.. أو تجاوز الحدود. لكن عذري أن القلم هو السلاح الوحيد الذي لم يُنتزع مني حتى الآن… فليتحمّلني من يريد، وليضعني على الرف من يريد أيضاً.. فقد يحتاج أن يعود إليّ في يوم ما!

 

في هذه اللحظة، ومع أذان الفجر – فجر هذا اليوم – استيقظ صاحبي في المهجع، وفرك عينيه عندما وجدني مستيقظاً، وكنت أعرف أنه غافلني واطلع على بعض هذه الأوراق، دنا مني، وقال هامساً: "من يقرأ أوراقك يعتقد أنك مستغرق في رحلة مشوقة، تدعو لحجز الأماكن.. حرام عليك يا أخي".

قلت ممازحاً: "من يدري..؟ هناك أعزاء اشتقت إليهم، إلى مناكفتهم، وأعتقد أنهم كذلك.. الطريق مسدود بالنسبة إليّ، لكنه مفتوح بالنسبة إليهم.. فليأتوا..".

قال: "فاعل خير، يعني..؟".

قلت: "ربما... أحياناً يراودني في حلم أنه يمكن أن نُصنِّع من أبواب السجون مطارق، على أبواب الحرية… ثم ألا توافقني يا صديقي أننا هنا أكثر حرية مما كنا عليه في بيوتنا، وحتى في منتدياتنا، وسهرات سمرنا..؟ كنا نزيّن الكلمات، نُصنّعها، نُقلبها على الوجوه كلها، نخاف منها عندما تخرج.. ألا تلاحظ أننا هنا نتحدث بحرية أكثر، على سجيتنا، ودون خوف.. وأننا قطعنا المسافة فيما بين بعضنا البعض بفترة قياسية، حتى   ما أكتبه هنا، أكتبه بحرية أكبر.. ربما كنت متردداً في كتابته خارج السجن، ربما كان  هو الخوف من السجن.. الآن، أنا فيه، ولفترة غير محدودة، ولا أعرف لها نهاية.. وكل ما يتعلق بمصيري مجهول، قد أغادر هذه الزنزانة، ومن يدري قد لا أغادر.. فمما تريدني أن أخاف..؟!

قال: "ربما أنك تهيج مشاعري، لكنك لا تكتب بكامل حريتك، فقد لاحظت أنك خفت من بعض العبارات وشطبتها، أليس كذلك؟

قلت: "لا تتصوّر أن الخوف الذي يسكننا يمكن أن يغادرنا بهذه السهولة، لذلك أنا     لم أدّعِ أنني كتبتُ بحرية كاملة، قلتُ كتبت بحرية أكثر بالنسبة لما مضى.. صدقني يا عزيزي، أنني قبل أشهر، كنت قد طلبت من أسرتي أن تعزلني.. لقد كبرت، وأشعر بغربة، أشعر أنني غير فاهم لما يجري، وغير مفهوم.. أشعر أنني في زمن لا أنتمي إليه.. أنا حقيقة أنتمي إلى زمن لم يأتِ بعد..! لذلك فإن استمراري في هذا الزمن المفروض دون أن أصرخ، دون أن أنادي على الزمن الآتي أن لا يتأخر.. لا معنى له... كنت أحلم بمكان بعيد، معزول، كنت قد اخترته وحددته تماماً.. أنفرد فيه بنفسي، بضميري، بمشاعري، أكتب وصيتي، ويكون موضع قبري.. لو أنهم تأخروا بضعة أيام في اعتقالي، كانوا سيرتاحون من وجودي، وكان هذا سيوفر عليهم عناء الاعتقال، وهذه التكاليف التي يتكلفونها على وجودي في السجن. الآن وقد حصل ما حصل، فإنني بدأت أشعر أن هذا السجن يعوّضني عن العزلة التي كنت أسعى إليها.. وربما هنا أفضل.

قال: "لكن، (وحدّق إلى قضبان الباب الحديدي الثقيل، السجان، والأقفال).. هناك كنت ستشعر أنه اختيارك، بدأته بإرادتك، وتنهيه كذلك.. الآن، أنت      بلا إرادة، أنت مقيّد.. شيء لا يُحتمل.. أليس كذلك؟

قلت ضاحكاً: "إن ما يعزيني هو أنني لم أصادف السجان بعد، لم يواجهني حتى هذه اللحظة..".

قال: "يا رجل.. وأشار بيده إشارة ذات معنى، ونهض متبرماً محتجاً...".

قلت: "يا كمال، اجلس.. لا تستغرب يا صديقي، لقد حدّقت ملياً بوجوه أفراد الطاقم، بدءاً من الذين اقتحموا منزلي، رغم قسوتهم، إلى طاقم التحقيق وزنازين فرع تحقيق الأمن السياسي وحراسها، إلى محكمة أمن الدولة، وصولاً إلى هذا السجن ومسؤوله وطاقمه كله.. صدّقني لم أعثر على السجان بينهم.. هذا الإحساس خفّف من الإحساس بالوحشة إلى درجة كبيرة، وبدأت أعتاد على عالمي داخل هذا المهجع، حتى الباب الحديدي الثقيل لم يعد يعنيني بشيء.. هناك إحساس تولّد لديّ، أدخل السكينة والطمأنينة إلى جوارحي، هو أن جميع أفراد هذا الطاقم ليس مقتنعاً.. فللمرة الأولى يواجهون حالة  لم يعتادوا عليها،  لا تنظيم سري، لا عصابة مسلحة، لا عنف، لا شتائم، مجرد أفراد من تيارات شتى يتداعون للحوار، للكلمة السواء.. ألم تلاحظ كيف عوملنا في فرع تحقيق الأمن السياسي؟ حتى أننا لم نصدق أن التحقيق قد انتهى دون أن نتعرض لإهانة وضغوط وعنف. ثم ألم تلاحظ كيف يتعامل معنا مسؤول السجن ومعاونوه وسائر الطاقم من  أبو محمود إلى أبو إياد، إلى أبو يامن، إلى أبو علي، وأبو شادي، وإلى آخرهم. صحيح أننا  لا نعرف أسماءهم، وأنهم أحياناً يتصنّعون الصرامة، ويتقنون لغة الصمت، والتهرب من أي سؤال، لكن عيونهم تفضحهم أحياناً.. ألم تلاحظ أننا بتنا ننتزع منهم صباح الخير، ومساء الخير، وأحياناً يبتسمون لنا، ويقلقون لمرض أحدنا.. إنهم أبناء شعبنا الطيب، يا أخي.. أحياناً يخامرني شعور أنهم مساجين معنا، ربما نحن أكثر حرية منهم، صدّقني…

قال: "أوافقك، ربما على معظم ما قلت، لكن من غير المعقول أن ترسم للسجن هذه الصورة الوردية، فالسجن هو السجن، حجز الحرية، والعائلة، والأولاد، و.. أنت تهوّن الأمور كثيراً... إذا طالت بنا الإقامة هنا، سترى كم هي موحشة هذه الليالي… حقيقة، بدأت أصدق أنك فعلاً تريد أن تورّط أصحابك بدخول السجون!

قلت: "هل تتذكر، قبل اعتقالنا قيل لنا أن هناك قائمة بـ50 شخصية، والبعض قال 100، وأن اعتقالهم سيحقق الهدوء.. وتذكر أنني في حينها قلت أن العدد قليل، يا أخي ليعتقلوا ألف، على الأقل، فلا نشعر بالوحشة.. ثم فوجئت أن الاعتقال اقتصر على 10 أشخاص فقط، وحتى لم يتيحوا لنا أن نجتمع معاً.. فعزلونا عن بعضنا البعض (4+4+1+1)، لهذا بدأت أشعر أن هذا المهجع يمكن أن يتّسع لـ20، وربما 40، فالأسرّة يمكن أن تكون طابقين، وتصورت هذا المهجع يعجّ بالحركة وبالحوارات.. أما كان الوضع سيبدو أكثر حيوية..؟

قال: "كفى هزاراً، هل يعقل أن عاقل يتمنى السجن لأصحابه..؟ ثم ماذا لو قرروا أن تتغير المعاملة؟ ثم ماذا لو طالت المدة ؟

قلت مازحاً: "لا عليك، الحقيقة أنني أرجو أن نكون آخر دفعة للسجناء السياسيين في بلادنا، وأن نحتفل بيوم إلغاء السجن السياسي، كما يحتفل الفرنسيون بيوم سقوط الباستيل، لكن هذا لن يحدث إلا إذا تحررنا من الخوف، حتى من الخوف من السجون يجب أن نتحرر منه.. أما بالنسبة لطول المدة أو قصرها، فإنني ومن خلال تجربتي القصيرة، لاحظت أن أخطر ما يمكن أن يتعرض له سجين خاضع لسجن مفتوح المدة، هو أن يستسلم للقلق والتخمينات.. متى سأغادر، وكيف؟ إن الاستسلام لهذه الحالة يلغي الإرادة البشرية، ويشلّها، ويجعلها أسيرة، كما أنه يؤدي إلى توتر عصبي دائم، وقلق… وطالما أن ذلك كله لن يغير من الأمر شيئاً، فالذين قرروا اعتقالنا، لن يأبهوا لذلك كله، بل،    ولا يعنيهم، ولعلهم قد نسوا أننا معتقلون. لهذا يا صديقي دعنا نلعب معهم لعبة (التطنيش)، لعبة رفض الاعتراف بالأسر.. دعنا نشغل أنفسنا بالقراءة، بالكتابة.. سجاننا يريدنا أن نقلق، ونصرخ من القلق.. ماذا لو عرف أننا لسنا قلقين..؟! "

قال: "قد تستطيع ذلك إلى حين..!".

قلت: "ربما.. الزمن بيننا على أية حال… ما أستطيع تأكيده لك أن لدي مشاريع أودّ تنفيذها. "

قال باستغراب شديد: "مشاريع، وهنا في السجن..؟!".

قلت: "بلى، وربما وضعت لها برنامجاً زمنياً أردت أن يكون أبعد من أي فترة  قد يحددها السجان لإنهاء سجني."

قال: "كيف..؟".

قلت: "في لحظات الإحباط والانكسار والهزائم، وهي كما تعلم ليست قليلة، حاولت أن أتغلب على ذلك بإقناع نفسي بأنني أمتلك مواهب حقيقية في كتابة الرواية، والقصة، والمسرحية، والبحث في الفكر القومي، والفكر السياسي، وفي القانون، والمجتمع، والمذاهب، والأديان، وحتى في مجال الغزل أعتقد أن لدي مواهب مكبوتة... المهم أن ذلك كله بقي شفهياً باستثناء كتابين، وبعض المقالات، والدراسات الخاصة.. وكنت أبرر كسلي بالانشغال بقضايا مهمة، وأحياناً تافهة، فلم أختبر إن كانت تلك المواهب موجودة فعلاً، أم أنها مجرد أوهام يستدعيها العقل للتعويض عن الفشل في الواقع على الأصعدة كافة، الخاصة منها والعامة.. الآن قد تكون جاءت فرصة العمر كي أختبر ذلك كله…"

قال متهكماً: "أخشى أنك لن تجد شيئاً من هذا الذي تدّعيه، فتصاب بالفجيعة…".

قلت: "لا، لن أصاب بالفجيعة، ولا من يحزنون، وسأبرر الأمر على الفور، بأن تلك المواهب لا بدّ أنها كانت موجودة، لكنني للأسف لم أفتح لها الأبواب في أوقاتها المناسبة، فاختنقت، وماتت…".

قال: "الديماغوجية القومية، هي، هي… على كل حال قد يكون من حسن حظ القراء العرب أنك لم تفتح الأبواب لمواهبك، وقد يكون عليهم أن يتدخلوا لدى السجان لإخراجك من هنا قبل أن تبدأ تجريب مواهبك، وتلقيها على رؤوسهم..".

قلت: "كمال، عربي أنا، اخشاني هذه المرة.. لن أنساق للمهاترات معك، فأنتم الماركسيين تكفيكم هزائمكم حتى الآن.. وقد آن لكم أن تعودوا إلى جذوركم القومية، فهناك ما يمكن أن نتعاون عليه.".

قال: "سأفكر في الموضوع، لكنني أنصحك أن تكتب مسلسلاً للتلفزيون فقد علمت أنه يدرّ دخلاً مادياً كبيراً.. وأنت إذا.. إذا خرجت من هنا، ستجد نفسك على الحديدة ، وقد لا تجد حتى الحديدة…".

قلت: "نحن القوميون يا عزيزي لا يشغلنا المردود المادي.. لكنني سأفكر في الموضوع ذلك أن التلفزيون سلاح خطير… تصوّر قبل أن ندخل إلى هذه الزنزانة، كان الشعب العربي بمعظمه ينشغل لا بمن يحرر فلسطين، ولا بمن يستشهد في حيفا،  ولا بمن يرفع الحصار عن العراق، ولا بمن يحقق الوحدة العربية، ولا بمن يسعى إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، كان مشغولاً (بمن سيربح المليون..!). أنا أفهم يا أخي أن يهتم من يريد أن يرشح نفسه ليربح المليون، لكن أن يهتم الشعب العربي بذلك فهذا ما لا أفهمه..!".

قال وكأنه أدرك أنني وقعت في الفخ: "لأن الشعب العربي كله يحلم بالمليون.. أليس هذا هو الشعب العربي العظيم الذي تحدّثنا عنه يا عربي، أنت..؟!".

قلت: "بلى.. إنه عظيم فعلاً، وأنا متيّم به، وأثق أنه سيغير الواقع، وسيغير العالم، والبرنامج يقدم معلومات مفيدة على أية حال.".

قال: "الديماغوجية القومية مرة أخرى.. لكن هل قرأت ما كتبه رفعت السعيد..؟".

قلت: "كنت أعتقد أن لدينا ما يغطي السوق المحلية من المنافقين، فلدينا منهم ما يكفي، لكن شعبنا يعرف أنهم غير صالحين للاستهلاك الآدمي...".

 

 

قال: "بالأمس، كان موعد ندوة منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي، هل تعتقد أن الندوة عُقدت أم منعوها..؟".

قلت: "أريد أن أتصور أنها عُقدت.. كفى.. دعني أختم هذا الحديث.".

 

 حبيب عيسى

 

 

دمشق – السجن المركزي

(القسم السياسي)

المهجع رقم /6/

فجر الاثنين 12/11/2001

 

 

 

 

إلى محكمة أمن الدولة – دمشق

 

مرافعة في القضية رقم /    / لعام /      /

جلسة: /     /     /     /

 

مقدمة من المحامي حبيب عيسى

 

 

"نحن ألفنا الثبات، ثبات الأوتاد تحت المطارق، ألفنا الانقياد ولو إلى المهالك، ألفنا أن نعتبر التصاغر أدباً، والتذلل لطفاً، والتملّق فصاحة، واللكنة رزانة، وترك الحقوق سماحة، وقبول الإهانة تواضعاً، والرضى بالظلم طاعة، ودعوى الاستحقاق غروراً، والبحث عن العموميات فضولاً، ومدّ النظر إلى الغد أملاً طويلاً، والإقدام تهوراً، والحمية حماقة، والشهامة شراسة، وحرية القول وقاحة، وحرية الفكر كفراً، وحب الوطن جنوناً،... لكن الأمة المأسورة ليس لها من يحكّ جلدها غير ظفرها، ولا يقودها إلا العقلاء بالتنوير والإهداء... إن الله جلّت حكمته قد جعل الأمم مسؤولة عن أعمال من حكمته عليها، وهكذا لا يظلم الله الناس، بل الناس هم أنفسهم يظلمون..".

 

 

 

عبد الرحمن الكواكبي

"طبائع الاستبداد، ومصارع الاستعباد"

 

 

 

الـبــاب الأول

في الأســبـاب..!

 

 

الـفصـل الأول

تـمـهيــدي

 

أيها السادة..!

السلام على من اتبع الهدى، ولن تتبعوا الهدى إلا بالعدل، فهل أنتم قادرون..؟

 

1.  أعترف أمامكم الآن أنني وجدت نفسي في مأزق بعد أن راجعت ملف هذه القضية المنشورة بين أيديكم، بل أعترف أن هذا المأزق قد بدأ منذ لحظة اعتقالي، والاستجواب الذي تلا ذلك أمام فرع التحقيق للأمن السياسي، ومن ثم استُكمل أمام النائب العام لدى هذه المحكمة.. ذلك أنني وعلى مدى سنوات طويلة من ممارسة مهنة المحاماة كنت، وبعد الاطلاع على الادعاء والتكييف القانوني والأدلة وظروف القضية والأطراف، أجهد نفسي، إذا كنت وكيلاً للدفاع، بالبحث عن الثغرات في القضية، ومن ثم أدلة النفي، والتشكيك في أدلة الإثبات.. ذلك أن الناس لا يجرمون بالشك، ولا بالأدلة الباطلة والمصطنعة… في هذه القضية التي اعتُقلت على أساسها لم أجد أدلة إثبات، بل إن ما ساقه الأمن ومن ثم النائب العام من أدلة تصلح لأن تكون بحق، أدلة نفي، وبالتالي       لا حاجة لأي قول إضافي، لهذا فقد وجدت نفسي، أنا الذي سخّرت حياتي للدفاع عن قضايا آمنت بها، ومن ثم عن حقوق موكلين اقتنعت بعدالة قضاياهم، لم أجد فيما نُسب إلي ما يجب أن أنفيه، سواء كان قولاً قلته، أو نشاطاً مارسته، أو بياناً صدّرته.. بل على العكس من ذلك، وجدت أقوالاً تحتاج إلى إضافات، وأنشطة تحتاج إلى استكمال، وقضايا ملحّة تحتاج إلى بيانات لم أصدرها بعد.. بل أعترف أمامكم أنني شعرت بالتقصير تجاه قضايا الأمة عندما اقتصرت أقوالي ونشاطاتي في الحدود الواردة في ملف القضية. ولعل هذا ما دفعني خلال الاستجواب سواء لدى فرع تحقيق الأمن، أو لدى النائب العام لدى هذه المحكمة أن أجيب على كافة الأسئلة التي ووجهت بها: هل قلت كذا..؟ وكان جوابي دائماً: نعم قلت، وأضيف كذا… وعندما لم يجدوا بذلك كله ما يمكن الركون إليه لتجريمي، لجأوا إلى التفتيش عن النوايا، فانتقلوا إلى صيغة جديدة: ماذا تقصد..؟ ومرة أخرى لم أكتفِ بما قصدته عندما قلت ما قلت، وإنما أضفت قصداً جديداً.. أما الأفعال، فلم يجدوا فعلاً واحداً يمكن مساءلتي عنه.. فأين هي الجريمة، وأين هي أركانها، وأين هو الفعل الجرمي، وأين هي آثاره..؟‍‍ إن تهافت أركان هذه القضية مثير للسخرية فعلاً، ذلك أنه لا يمكن لأي عاقل أن يستخرج من كل هذا الذي قلته أو كتبته، وتمت مواجهتي به، جرماً من أي نوع.. بل إنه قولاً وقصداً بعضٌ من الواجب الذي يفترض أن ينهض به كل مواطن عربي حرصاً على مستقبل الوطن، ومستقبل الأجيال العربية القادمة، وأن هناك مسؤولية تقصيرية يتحملها ويجب أن يُساءل عنها المتقاعسون قانوناً، ومسؤولية شرعية يتحملها المظلومون الذين يستكينون للظلم فلا ينهضون لرفعه.. وهناك، قبل ذلك كله وبعده، مسؤولية انتماء لوطن وأمة تستحق أن تحيا بما تقدر وتمتلك متحررة من الاحتلال المباشر لبعض أجزائها، ومتحررة من الهيمنة، والتبعية المفروضة على باقي الأجزاء. هذا الاستحقاق مرهون بأن يستعيد المواطن العربي إنسانيته وحقه في أن يمارس الطقوس الإنسانية: كحرية التعبير والرأي، والاختيار، والاختلاف والاتفاق، كل ذلك عبر مؤسسات، ومنظومات قانونية وديمقراطية، والخروج من البهيمية التي فُرضت عليه قسراً، سواء بالاحتيال، أو بالعدوان.. وهذا الاستحقاق بدوره مرهون بتحقيق الشرط الذي أجمعت كافة الشرائع السماوية والوضعية على ضرورة تحقيقه في أي مجتمع سوي،  وهو المساواة أمام القانون، بمعنى أن وجود فئة أو حتى شخص واحد فوق القانون، يجعلنا أمام مجتمع يفتقد الحديث عن القانون فيه أي أثر للمصداقية، والعكس صحيح أيضاً: فإن وجود فئة، أو حتى شخص واحد        لا يتمتّع بالمقدرة على ممارسة حقوقه القانونية وصيانتها والدفاع عنها، فإننا نكون أمام مجتمع مختلّ قانوناً، محكوم بالقهر.. لا يمكن لنا بحال من الأحوال أن نصف الأوضاع فيه بأنها أوضاع قانونية. 

 

2.   إنني أرى - واسمعوني جيداً فأنا أقصد تماماً ما أقول – أنه ليس من حق المواطن في بلادي أن يكون له رأي في طريقة إدارة الحكم في البلاد، ورأي في الحاكمين، وأن يعرف أين تذهب ثروات بلاده، وكيف يحرر المحتَل من أرضه وحسب، وإنما من واجبه أن يمارس ذلك كله، ومن حقه شرعاً وقانوناً أن يقاوم كل من يقهره ويمنعه من ممارسة أياً من هذه الحقوق.. وأن من حقه ومن واجبه أيضاً أن يعمل رأيه، وأن توضع بين يديه جميع المعلومات والبيانات عن واقع وطنه ومستقبله، إدارة وثروات وحقوقاً للغير وحقوقاً على الغير، لأنه هو المعني أولاً وأخيراً بهذا الوطن حاضراً ومستقبلاً، وهو الذي يبذل الجهد، ويدفع الضرائب، ويضحي بالدماء إذا اقتضى الأمر ليفتدي وطنه.. فمَن أحق منه في أن يجري احترام رأيه، وبأي حق أو قانون أو شرع يمكن فرض الوصاية عليه، والتقييد على حريته وإرادته وحقه في أن يعبر عن ما يجب، وما لا يجب في وطنه..؟

 

3.      لقد آمنت دائماً، وأنا الآن أكثر إيماناً من أي وقت مضى، أن الإنسان في أي زمان ومكان، يساهم في تفعيل عملية التطوير في مجتمعه من خلال الجدل الاجتماعي الذي لا يمكن تفعيله إلا في مناخ من حرية الإرادة والديمقراطية، عن طريق التأثر والتأثير، والرأي والرأي الآخر.. كما أن المعرفة شرط الحرية، وبالتالي فأن توفر شرطَي الديمقراطية والمعرفة هو المعيار الأساسي لتحديد ما إذا كان مجتمع ما، يسير على طريق التطور، وإشباع الحاجات، وحل المشكلات.. وبالتالي فإننا أمام منظومة قانونية واجبة الاحترام والنفاذ بحق المواطنين جميعاً على حد سواء.. وإذا لم يكن ذلك كذلك فإننا نكون حتماً أمام مجتمع تختلّ فيه النظم والقوانين، ويستقر فيه القهر والتخلف، وتُصادر فيه الحريات، وتُستباح القوانين، فلا يعرف الناس كيف يحصّلون حقوقهم، ولا يعرفون كيف يؤدون واجباتهم. مما يؤدي إلى استشراء الفساد والفوضى واضطراب المنظومة القانونية في المجتمع، وفقدان الاتجاه إلى التطور، وبالتالي تسود البهيمية ويفتقد المجتمع مرتكزاته الموضوعية، وتتحول المؤسسات الرسمية إلى أشكال فارغة تعشعش فيها جرائم الفساد والتخريب...

 

4.      أرجو ألا يخطر ببال أحدكم أنني أتحدث بالسياسة، إنني أغوص الآن في صلب الجذر الأساسي للقضية التي هي بين أيديكم الآن، فنحن نعرف، ونقدر جيداً، أن البلاد مرّت بظروف استثنائية أدت فيما أدت إليه، إضافة للجراح العميقة في المجتمع، أدت إلى تجميد دور المؤسسات الحكومية والقضائية والتشريعية، واختلاط الصلاحيات، وطغيان الضرورات الأمنية على ما سواها، وهذا مفهوم في ظرفه وظروفه، رغم الاختلاف في وجهات النظر عن تحديد المسؤولية على هذه الجهة، أو تلك، وبغض النظر عن الإجراءات الاستثنائية ومسبباتها، والإفراط في تجاوز القوانين والأنظمة، فإن اختلاطاً شديداً تعرّضت له المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية من جهة، وكذلك كافة المؤسسات النقابية والصحفية والحزبية ومنابر الرأي والمنتديات والجمعيات، وأضحت تلك المؤسسات الحكومية والمجتمعية هياكل فارغة من المضمون، تُدار من وراء الستار بحجة أن الاعتبار الأمني بات فوق كل اعتبار، وهذا أدّى إلى أن تكون الأجهزة الأمنية التي تعددت وتشعبت فوق المؤسسات المجتمعية وسلطات الدولة جميعها، فاختفت الحدود بين السلطات.. وبغضّ النظر عن مدى الصحة والخطأ في هذا التقييم، فإن الظروف التي أفرزتها هذه الأوضاع تمّ تقييمها من قِبل البعض تقييماً إيجابياً عالياً، ورأى فيه، ومازال، معطى إيجابياً بالغ الأهمية يجب التمسك به، والإبقاء على القبضة الحديدية ممسكة بأعناق مؤسسات المجتمع والدولة، وقيّمها البعض الآخر تقييماً سلبياً قاتماً، لا يرى فرصة لتطوير المجتمع والدولة إلا بإزالة آثار هذه الظروف الاستثنائية، التي انقضت مبرراتها، وما ترتب عليها من تجاوزات خطيرة على المجتمع والدولة.

 

5.      الفريق الأول يستند إلى معطيات الاستقرار الذي تحقق نتيجة لهذه القبضة الحديدية، وأنه لا بدّ من القبض على هذا الاستقرار، والحفاظ عليه بأي ثمن، وأما التفريط به قد يعني التفريط بكل شيء.. وحتى يتحقق ذلك يجب الإبقاء على كل حال على حاله كما هو مع تحسينات شكلية، وتبديل بعض الوجوه، لأن أي تغيير حقيقي يعني تخلخل منظومات السلطة القابضة على مقاليد الأمور التي أدت إلى الأوضاع التي تمر فيها البلاد من أمن واستقرار. وأما الحديث عن الفساد وشكلانية المؤسسات والسلطات، فإنه حديث مبالغ فيه، ويمكن معالجته بحكمة وروية وتدرّج، ولا حاجة لهذا الضجيج غير المبرر.. هذا بالإضافة إلى الاستحقاقات الإقليمية والدولية، والأطماع الصهيونية ومؤامراتها ودسائسها، وإلى آخره… المحصلة برأي هؤلاء أن الداعين إلى التغيير يهددون في حقيقة الأمر استقرار البلاد والنظام السائد، وأنهم يخفون أحقاداً، ويبحثون عن ثغرات في النظام للنيل منه، وأن أحاديثهم عن الإصلاح هو غطاء لأهدافهم الحقيقية المبيّتة، وأن وراء الأكمة ما وراءها، وأنهم ربما ينشطون لصالح جهات خارجية معادية، أو لتحقيق مآرب شخصية.. لهذا، لا بدّ من مواجهتهم، والبطش بهم بقوة ليتفهموا أن القبضة مازالت قوية، وأنها قادرة، وأن أية إشارة بالضعف أو بالتردد من قِبل السلطة تنذر بالويل والثبور وعظائم الأمور.

 

6.      الفريق الثاني: يستند إلى ما آلت إليه الأمور في البلاد من استشراء للفساد والرشوة والمحسوبية، وخلل في المنظومة القانونية والاجتماعية، وأن هناك عصبية استثمرت الأوضاع الاستثنائية لمصالحها الشخصية. ورغم أن الأوضاع الاستثنائية قد انقضت، فإن هذه العصبة أقامت وقعدت وسيطرت ومدت يدها إلى حتى المال العام – الحرام – مستغلة غياب المؤسسات الحقيقية في المجتمع والدولة، فنهبت البلاد والعباد، وتصرفت بلا ضابط ولا رقيب، فسادت ومادت، وكأن الوطن حكر عليها، وما دون ذلك رعايا، وأنه تمّ الاستعمال المفرط للقوة والعنف لحصار الشعب في دائرة الخوف، وأن العديد من المجازر قد ارتُكبت، وأن المفقودين بالآلاف، وأن المعتقلين بالآلاف أيضاً، وأن المجتمع أمام منعطف خطير، وأن الأوضاع لم تعد تحتمل إلا المواجهة لتغيير الأوضاع، لأن الذين يتشبثون بمواقع السلطة ومفاصلها، لن يتخلوا عن مواقعهم بمحض إرادتهم، وإلا فإن حدة الانحدار تتزايد، وإمكانية التطور محدودة، وإمكانية تحرير الأرض في الجولان معدومة.. وأن إمكانية مواجهة المخططات الصهيونية ودسائسها لا وجود لها في حقيقة الأمر، بل إن إضعاف المجتمع ومؤسساته إلى هذه الدرجة قد يجعل من نفاذ المخططات الصهيونية للفتنة ممكناً.

 

7.      المهم: أن ما يقوله الفريقان في حق بعضهما البعض، أكثر حدة وقسوة مما نسبته إلى كل منهما.. لقد حاولت تهذيب العبارات والمواقف قدر الإمكان، وما خفي من عنف الخطاب كان أعظم، حتى أن هذا الخطاب تجاوز التهذيب، ذلك أن تهذيب عبارات التخاطب بين الفرقاء يتأتى من الحوار والتخاطب، ولكن عندما ينقطع الحوار، وتنسدّ سبله كما هو الحال بين الفريقين المشار إليهما، فإن تعبيرات الخطاب السفلي هي التي تسود، ويعتصم الجميع بالباطنية والنفاق والتكاذب، ويفقد البشر جلّ مكوناتهم الإنسانية، وينحطون إلى الدرك الأسفل من البهيمية المتوحشة ليس على صعيد التقييم وحسب، وإنما على صعيد السلوك والتطلعات أيضاً، ويُقفل على العقل، وتُبنى المواقف على الشائعات والأوهام، ويُستبدل التنافس والتسابق على بناء المجتمع وتطويره وتحصينه وإغناء الإيجابيات، ومحاصرة السلب، ومواجهة المشكلات والحاجات بشجاعة وحكمة وعلم وشفافية.. استبدال ذلك كله بالتنافس على تدمير ما تبقى من المجتمع، وإعلاء قيم السلبية، والتخريب والتدمير والفتنة، ويُستبدل المصطلح الشهير: "الوطن للآخرين، ولي أيضاً" بمصطلح أن "الوطن لي فقط"، وهذا يعني إلغاء الآخر.. وويل لمجتمع تتضخم فيه الأنا، ويتعدد فيه الآخر الملغى، فيتبادل الجميع شعوذات الإلغاء، عوضاً عن الاعتصام بالعقد الوطني والاجتماعي، بالعقد القومي..‍!

 

8.      لقد تمترس البعض بحصون القوة، مدججاً بصنوف الأسلحة استعداداً للبطش في أية لحظة، وتمترس الفريق الآخر بالرفض، واعتصم فريق ثالث بموقف وسط لا يملك مقومات الدفاع عن أبسط الحقوق، ولا يجد منفذاً للتعبير عن تطلعاته وتوجهاته وأهدافه، ويتفاقم عند الجميع الشعور بالعجز وانسداد الأفق…

 

9.      ثم.. ثم جاءت لحظة شغر فيها منصب رئيس الجمهورية، وتم إشغال المنصب الشاغر بالطريقة المعروفة، ورغم الملاحظات والتحفظات والشكوك التي ظهرت من البعض على طريقة الإشغال، وعلى الأسلوب، فإن الغالبية العظمى من شعبنا أرادت أن تحلم.. وأرادت أن تصدق أحلامها.. وأرادت أن ترى إمكانية ممكنة سلمية وسلسة لوضع حدّ للمظاهر السلبية، ولمحاصرة الفساد والمفسدين، ومن ثم الانتقال التدريجي للتغيير الحقيقي الإيجابي لإعادة وضع المجتمع أمام تحدي التطور والتقدم، فتعود لمؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية مضامينها الموضوعية، وينفتح الأفق أمام المجتمع فتنطلق مؤسساته النقابية والحزبية والاجتماعية ومنابر الرأي الحرة، ويتطلع الجميع إلى مستقبل أفضل للأجيال القادمة، فينحسر الحديث عن الإلغاء والتهميش والاستعباد لعباد الله، ويتنافس الجميع في سلوك الإيجاب على الصعد كافة، ويهجرون أوكار الفتنة والغدر والثأر، ويتمّ تسوية الكثير من الأمور المعلقة، ويستعيد المجتمع السيطرة على مقدراته وثرواته، ويستعيد عقوله المهاجرة وما أمكن من ثرواته المهجرة، وتطلق الطاقات كلها بفاعلية وقوة لتحرير المحتل من الأرض ولوضع هذا الجزء من الشعب العربي أمام مهامه التاريخية في معارك أمته التي تمتد ساحاتها من فلسطين ولا تنتهي على ضفاف المحيط أو شطآن الخليج، وإنما تمتد لمساهمة الأمة الموحدة القوية في بناء منظومة قانونية للإنسانية جمعاء تحلّ مكان مؤسسات القرصنة والهيمنة التي يسمونها تعسفاً وتضليلاً، مؤسسات دولية، وهي في حقيقة الأمر واجهة للاحتكارات وغطاء لأساطيل العدوان.

 

10.    قلت أن الغالبية العظمى من شعبنا أرادت أن تحلم بذلك كله، ليس استناداً إلى أية معطيات موضوعية بين يديها، لكنها بإرثها الحضاري الذي تحاول الفتن أن تشوهه أرادت حقيقة أن يحصل ذلك، أرادت أن تسامح.. أرادت أن تصفح.. أرادت أن تنسى من أساء إليها من الأطراف كافة، أرادت أن تفتح باب التوبة، أرادت أن تعطي فرصة، وفسحة النور أمام العقل ليعود متحكماً بالغرائز والانفعالات ليأخذ كل مكانه في وطن هو بأمسّ الحاجة لجهود كافة أبنائه معاً على طريق واحد، وإن تعددت السبل والوسائل... كنت أراقب ذلك كله بأسى، وأتساءل: تُرى، هل هناك من يهتم لهذه الإرادة العظيمة والنبيلة، هل هناك من يوليها بعضاً من الاهتمام بعيداً عن الشكليات والزيف والنفاق الذي مجه شعبنا..؟ وللأسف فإن الاهتمام الذي بدأ باهتاً سرعان ما عصف به الإهمال، فانزوى الاهتمام، وعادت مظاهر التمترس والمجابهة إلى البروز من جديد..!

 

11.    البعض تمترس وراء مصالحه وامتيازاته محصناً بالقوة والتهديد باستخدامها، وعادت وسائل إعلامه من صحافة وتلفزة وإذاعة إلى رتابتها المعتادة، وغدا الداعون إلى التغيير البنّاء والإصلاح مارقين، خارجين على القانون، لكن أي قانون..؟ لا أحد يدري. والبعض الآخر تمترس وراء البؤس والعجز والخوف، يصدر البيانات ويتراجع عنها، ويلجأ إلى منتديات محاصرة أُغلقت أو مهددة بالإغلاق، وانقطعت سبل الحوار، وأطلّ فرقاء العنف والعنف المضاد يهددون المجتمع مرة أخرى.. شامتين معاتبين: ألم نقل لكم..؟ (فالج لا تعالج..)..!

 

12.    هنا، وفي هذه الأجواء تداعينا، أصدقاء وأخوة، علنا نستطيع أن نعيد الجميع إلى ساحة الحوار، ورغم التعقيدات فإن المغامرة مشروعة... لكن لم يخطر ببالي على الإطلاق أنني أدخل عالم "الجريمة" كما يحلو لمؤسسة الادعاء لدى هذه المحكمة أن تسميها… كنت أعتقد أننا نتصدى لمهمة حضارية وطنية تنقذ الوطن وتنقذ جميع الأطراف.. فنحن لسنا فريقاً، ولسنا حزباً، ولسنا عصابة، نحن مجرد منبر نقوم عليه بدور التحكيم لا أكثر من ذلك ولا أقل.. هذه هي الجريمة… فما هي أركانها، وما هي نتائجها..؟!

 

 

الـفصــل الـثــانـي

الأســبـاب الـمعـلنــة

 

 

أيها السادة..!

 

13.    سأسرد عليكم القصة كاملة لدخولي "عالم الجريمة"، وأرجو أن        لا تضيق صدوركم بذلك، فأنا، رغم الزنزانة التي أكتب منها لا يضيق صدري بكم، ولا بالسجان.. وأدعو كافة الأطراف، بدون استثناء، إلى ساحة الحوار مرة أخرى، والبديل لذلك كارثة على الوطن… اللهم فاشهد، إني قد حذرت…

 

(الجريمة)، أيها السادة، إنني، وفي الأشهر الأخيرة من عام 2000 تداعيت، ونفر من الأخوة المثقفين المهمومين بالشأن العام، ومستقبل الوطن، ومستقبل أبنائهم، وأبناء غيرهم، وأبنائكم أنتم أيضاً، وأبناء الوطن أجمعين.. تداعينا لتأسيس منتدى للحوار الديمقراطي يدعو الجميع – دون استثناء، دون استقصاء، دون استئصال، دون إلغاء، دون تجاهل – إلى حوار ديمقراطي مفتوح حول مستقبل الوطن ومشكلاته، وهموم أبنائه، على قاعدة المساواة، على قاعدة أن الوطن هو لأبنائه جميعاً، على قاعدة من العلم والمعرفة والدراسة المنهجية، للوصول إلى حلول لمشكلات مستعصية، ولتحقيق الإشباع لحاجات الناس بالطرق المشروعة، على قاعدة إرساء منظومة قانونية متماسكة متكاملة، تحترم الناس ويحترمونها، ورأينا أن يحمل هذا المنتدى اسم رمز من رموز وطننا وأمتنا، هو المرحوم المناضل الدكتور جمال الأتاسي، وأن يكون مقر المنتدى في بيته العامر، رغم ما يشكّله هذا من إرهاق على أسرته الكريمة، تلك الأسرة الكريمة التي لم ترحّب بالفكرة وحسب، وإنما أصرّت على استضافة المنتدى استضافة دائمة.. وهكذا كانت السيدة الفاضلة حرم المرحوم جمال الأتاسي وكريماته الثلاثة، يقمن بعمل شاق ودوري مع كل ندوة، حيث يتم إخلاء المنزل من الأثاث وإحضار كراسي للحضور، ثم إعادة الوضع إلى ما كان  عليه.. إنني أستذكر ذلك الآن، وأنا خلف القضبان بفيض من العرفان والتقدير لجهد وعطاء وتضحية ينوء تحت ثقلها أشجع الرجال وأصلبهم، ذلك أن المسألة لم تكن تتعلق بالجهد المادي، وإنما قبل ذلك بالجهد المعنوي، ومواجهة الضغوط والتهديدات، خاصة أن الأستاذة سهير جمال الأتاسي أصرّت أن تواجه الموقف وأن تتحمّل مسؤولية رئاسة المنتدى في هذه الظروف المضطربة… إنني بتأثر بالغ لا أجد حقيقة التعبير المناسب المعادل لهذا الجهد العظيم، في يوم ما، لا بدّ أن يوثّق ذلك كله لمن يريد أن يعرف قدرة شعبنا على العطاء…

 

14.    المهم، أننا في الهيئة التأسيسية للمنتدى، منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي، توافقنا على الأهداف والمبادئ الأساسية بحيث يكون المنتدى ساحة مفتوحة للحوار، وأن نقف على مسافة معينة من كل الأفكار التي تُطرح في ساحته، وأن نشجع الأفكار التي تدعو إلى الحوار والكلمة السواء، وأن نواجه الأفكار المتطرفة من كافة الأطراف، وأن نرتقي بلغة الحوار إلى مستوى حضاري يليق بشعبنا وأمتنا، وهكذا كان… فعندما اقتربت لحظة افتتاح المنتدى في 14/1/2001، افتتحت المنتدى بكلمة تتضمن هذه المبادئ، وبما أنني لم أتمكّن حتى هذه اللحظة من الاطلاع على ملف الدعوى، وبالتالي  لا أعلم إن كانت هذه الكلمة موجودة في ملف الدعوى، فإنني أرجو السماح لي بتلاوتها حرفياً في هذه المذكرة، لأنها الأساس لكل ما جرى بعدها في الأشهر الثمانية التالية، وحتى لحظة اعتقالي، وهذا هو النص الحرفي لتلك الكلمة:

 

15.    أيها السادة الأفاضل:

 

أرحب بكم في رحاب هذا البيت العربي العامر الذي اعتاد أن يضمنا ويجمعنا في أحلك الظروف ندخله آمنين ونخرج منه مطمئنين، ولعل الكثير من الحاضرين هنا يعرفون أنه عندما كان يحدث أمر جلل  – وما أكثر الجلل الذي حدث – كنا وبعفوية نتجه إلى هنا، فنلتقي بميعاد وبدون ميعاد، ورغم قلة الحيلة، ورغم أن الأمة جريحة محاصرة بألف طريقة وطريقة.. من الداخل محاصرة بدول التفتيت وقواعد العدوان وثقافة الفتنة، ومن الخارج محاصرة بأساطيل العدوان وقراصنة الرأسمالية متعددي الجنسيات المدججين بأسلحة الدمار الشامل.. رغم ذلك كله، كنا نغادر هذا المكان قابضين على أحلامنا بمستقبل عربي مختلف لأمة حملت عبر الأجيال مشاريع تحرر وعدالة ومساواة للإنسانية جمعاء، ولسان حالنا يقول: محنة… وستمضي.

وإذا كان هذا البيت العربي العامر يجمعنا مرة أخرى، بإرادة أصيلة مشتركة بين هذا الجمع الممتاز من أبناء الأمة وبين أهل هذا البيت الكريم، فإنه يعزّ علينا ألا يكون جمال الأتاسي بيننا الآن.

إنني أعرف أنه كان يحلم بهذا اللقاء... لكن أن يتحقق هذا بعد رحيله فإن ذلك يحمّلنا مسؤوليات مضاعفة كان جمال الأتاسي بمفرده قادراً أني يتحمل جزءاً كبيراً منها.

 

أيها الأخوة الأفاضل:

 

أن يحمل هذا المنتدى اسم جمال الأتاسي وأن يحتضنه بيت جمال الأتاسي فإن هذا ليس تكريماً لنضال وسيرة شامخة عزيزة على قلوبنا وحسب، وإنما هو قبل ذلك وبعده انتماء لوطن ولأمة ولحلم عاش جمال الأتاسي وقضى لتحقيقه.. الانتماء هنا ليس لما قاله وفعله جمال الأتاسي خلال مسيرة حياته الغنية وحسب، وإنما قبل ذلك كله وبعده، الانتماء هنا لحلم جمال الأتاسي، الانتماء للموضوع وليس للذات.. وهذا بالضبط ما عاش جمال الأتاسي وقضى من أجل تحقيقه.

لقد حلمنا مع جمال الأتاسي على مدى سنين طويلة، وفي كل ركن من أركان هذا البيت بأن نكون في نطاق الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة، ونحن سنواصل الحلم لنكون كذلك في إطار إقليم شمالي ليس لجمهورية عربية متحدة تمكّن منها الأعداء في الماضي ولكن لجمهورية عربية متحدة حدودها حدود الوطن شاملة الأمة بين المحيط والخليج.

إن منتدى جمال الأتاسي الذي نشهره اليوم بمناسبة مرور الذكرى الثالثة والثمانين لميلاد جمال عبد الناصر، سيكون ساحةً مفتوحةً للحوار بلا حدود إلا حدود الثوابت الوطنية والقومية التي يمكن أن تُصاغ وتُحدد في ميثاق شرف نلتزمه جميعاً.. وبقدر ما تحصر هذه الثوابت بهوية الأمة، ووجود الأمة، ووطن الأمة بقدر ما تتسع دائرة الحوار الإيجابي الفعال.

إن هذا المنتدى يولد في ظروف بالغة الحساسية والدقة، تولّدت عن حراك اجتماعي وسياسي وثقافي واقتصادي تمثّل في عشرات المنتديات المنتشرة في أنحاء دمشق سبقنا إلى تأسيسها فعاليات اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية نجلّها جميعاً ونقدّرها.. وبالتالي فإننا نعتبر أن كل جهد مخلص بذله الرواد والمناضلون والمثقفون في تأسيس تلك المنتديات المختلفة كألوان الطيف الموحدة تحت قوس الوطن هو جهدٌ في تأسيس هذا المنتدى، وهذا الحراك برمّته وصولاً إلى هذا البيت الكريم هو بدوره ثمرة لنضال مرير خاضه شعبنا وتصدّى له مناضلون أشدّاء يندر أن يجود التاريخ بأمثالهم كثيراً.. منهم من قضى، ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا… لا أقول ذلك تقديراً وإجلالاً للذين قضوا  وللذين ينتظرون وحسب، وأنا أعرف أن الكلمات مهما تسامت لن تفيهم حقوقهم، وإنما أقوله قبل ذلك وبعده لنحدد النقطة التي دخل منها منتدانا الوليد في السياق التاريخي لتطوّر المجتمع، فهو ليس معزولاً عن واقع ينتقل تدريجياً من واقع مقبوض عليه إلى واقع يتحرك حراكاً شديداً في الاتجاهات كافة.

وأقوله ثانياً لتأكيد قضية في منتهى الأهمية وهي أن هذا المنتدى لم يأتِ انتقاصاً من.. وإنما جاء إضافةً إلى كل المنتديات ومنارات اليقظة التي انتشرت في بلادنا هذه الأيام، يتفاعل معها ويتكامل.. فمرحباً بهذا الشكل البسيط من التعددية الذي نأمل أن تفرض نفسها شيئاً فشيئاً... وأقول ذلك ثالثاً لتقديم تقدير وعرفان لأحزاب التجمع الوطني الديمقراطي، ولمؤسسة التجمع المركزية، وللأمين العام للاتحاد الاشتراكي العربي الناطق باسم التجمع الوطني الديمقراطي الأستاذ حسن إسماعيل عبد العظيم الذي تحمّل المسؤولية في ظروف حساسة ودقيقة، وذلك للجهود التي بذلها التجمع وللمساهمة التي قدمها ليكون هذا المنتدى ممكناً من ناحية، وللمسافة التي أردنا وأراد التجمع أن تكون بين هذا المنتدى وبينه من ناحية أخرى، ذلك أن هذا المنتدى سيكون شخصيةً اعتباريةً مستقلة لإعادة الحياة الثقافية والسياسية إلى مجتمعنا، والتي غُيّبت عنه قسرياً لزمن طويل. وإذا كانت المؤسسات الحزبية تعمل بالسياسة على خلفية ثقافية، فنحن بمنتدانا سنعمل بالثقافة على خلفية الرؤى الاستراتيجية الشاملة للأمة وللإنسانية حيث المعرفة شرط الحرية.

وأقول هذا رابعاً لأن مياهاً غزيرة عبرت بردى منذ منتصف القرن المنصرم، وإذا كانت تلك المياه قد ركدت أحياناً أو أصبحت آسنة أحياناً أخرى أو جفت في أحيان ثالثة فإن هذا كان من العوامل التي لحقت بالمجرى حيث غارت المياه هنا، أو تمّ تلويثها هناك، لكن بردى وعند المنبع مازال ينز ماءً زلالاً… إن جذر مجتمعنا رغم كل ما يبدو على السطح مازال بخير.. وإن أحد أهم أهداف هذا المنتدى هو الغوص عميقاً إلى جذور المجتمع ثم الصعود خطوة خطوة إلى أن يورق ويزهر ويثمر من جديد… إنها ساعة للمراجعة والتأصيل والفرز، لقد ظُلمت أفكار عظيمة لأن أحداً لم يُتح له أن يطلع عليها، أو لأن أصحابها لم يجدوا منبراً للتعبير عنها، وطفت على السطح أحياناً أفكار مخربة لأنها قُدمت للناس على أنها مسلمات مقدسة لم يتجرأ أحد على مناقشتها… فليكن هذا المنتدى حاضنة لحوار إيجابي ومراجعة إيجابية، وأن ننبه هنا إلى أنه يجب ألا نغفل لحظة واحدة إلى أن ذلك يجري في أجواء شديدة التقلب والتغيير، وإلى أن قوى العدوان من الخارج وعناصر التخريب في الداخل تتكامل في تقديم قصف إعلامي مكثف ومدروس وخطير لنسف الثوابت التي تقوم عليها الأمة وطمس هويتها. وهذا يعني أن على المنتدى أن ينهض ويجدّ السير على طريقين متوازيين في وقت واحد:

- الأول مقاومة التخريب والتغريب والعدوان.

- الثاني يتعلق بالمراجعة والتأصيل والتأسيس والتحصين لثقافة الأمة وهويتها ورسالتها.

 

ولعلنا نقف بسرعة أمام بعض المحطات الرئيسية على سبيل المثال         لا الحصر:

 

1. شهد العقد الأخير من القرن العشرين سيادة مفهوم اقتصاد السوق وثقافة السوق وانهيار منظومة الدول الاشتراكية وتفتيت دولة المركز السوفييتية، إن المشكلة ليست كامنة – كما يصورونها – في جوهر الاشتراكية والعدالة الاجتماعية والمساواة بين الشعوب والدول، فهذا حلم قديم متجدد دائماً، وهو مستقبل البشرية على أية حال… المشكلة كانت في الأسلوب، وحل المشكلة لن يكون بالهروب إلى الخندق الآخر، وإنما بالمراجعة، وحل المشكلة، واستئناف التطور النبيل للبشرية. إن ثقافة المقاومة هنا تتمسك بالجوهري والأصيل، وتقدر عالياً التضحيات التي قدمتها البشرية لبناء نظام اجتماعي ودولي تسوده المساواة بين البشر وبين الدول أيضاً. إن مواجهة الطغيان العنصري يتلاقى تماماً مع جوهر الرسالات الحضارية التي حملتها الأمة العربية إلى العالم عبر تاريخها، إنه الدور الذي جاب العالم وعاد ليستقر هنا مرة أخرى، فهل نحن مستعدون..؟! 

2. إن وحدة الأمة العربية ضرورة حيوية لتدخل عصر العولمة كقوة فاعلة ومؤثرة، ومواجهة سياسة التفتيت مهمة أساسية من مهام هذا المنتدى.

3. إن أرض الجولان غالية غالية غالية، لكن فلسطين غالية غالية غالية أيضاًً، فبقاء الصهيونية في فلسطين أو على جزء منها، يعني أن وطن العرب بأسره مازال تحت الهيمنة الأمريكية الصهيونية.. لقد تدحرجت مشكلة فلسطين من مشكلة قومية تخص الأمة العربية بأسرها إلى مشكلة تخصّ جزءاً من شعب فلسطين.. الآن على الأمة أن تستعيد فلسطين وتحدد مفهوماً استراتيجياً ثابتاً من قضية الصراع العربي الصهيوني ومستقبل هذا الصراع الذي يبحثون عن خاتمة له، ونبحث له عن بداية قومية.. وستبقى فلسطين لنا إن حررناها بات تحرير الأمة ممكناً، وإذا احتلوها بقينا جميعاً تحت الاحتلال.

4. مواجهة أفكار ومرتكزات كافة الفتن الطائفية والمذهبية والقبلية والعائلية والعشائرية والإقليمية، وتأصيل المواطنية والانتماء للأمة والوطن.

5. من حق المواطن العربي في هذا البلد أن يتمتع بكافة حقوقه المدنية، وأن يمارس مواطنيته بجوانبها كافة من حيث العمل وتكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون وحرية التفكير وإبداء الرأي وتأسيس الأحزاب والمنتديات والجمعيات ذات النفع العام وتأسيس النقابات والفصل الحقيقي بين السلطات وممارسة حقوقه الديمقراطية كافةً ترشيحاً وانتخاباً، وممارسة حرية الصحافة والنشر والتعبير، ورفع كافة أشكال القيود التعسفية، وصياغة دستور واضح نظيف من التناقض والغموض يوضع موضع التنفيذ الفعلي، يلتزم به الحاكم والمحكوم.

6. إذا كانوا يبحثون عن حقوق الأقليات بتقرير مصيرها في الوطن العربي، فنحن في هذا المنتدى سنبحث عن حقوق الأمة العربية – بمفهومها الحضاري الإنساني العظيم – حقها بأن تقرر مصيرها.

 

أيها الأخوة:

 

   لقد شرفتني اللجنة المشرفة على هذا المنتدى بأن اقدم لكم تعريفاً به خلال فترة زمنية محددة، لا تتجاوز الدقائق العشر، وقد اعتقدت ومازلت، أنه بمجرد ما يحمل هذا المنتدى اسم جمال الأتاسي فإن ذلك سيمنحه هوية لن تكون خافية على أحد.. وأنا الآن لا أعرف إلى أي مدى خيبت آمال تلك اللجنة الكريمة، لكنني على يقين بالقاعدة التي سنها الشرع للاجتهاد عندما أعطى للمجتهد المخطئ أجراً وللمصيب أجرين، وأنا الآن قبضت على الأول، أما الثاني فإنني سأستعين بكم علنا نتقاسمه معاً، لذلك كتبت على هذه الورقة أنها مشروع تعريف أو مسودة تعريف بمنتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي، تاركاً لحضرتكم التصويب وصولاً إلى الصيغة النهائية لهوية هذا المنتدى، لذلك فإنني أقترح أن يأتي التعريف بهذا المنتدى حصيلة للمداخلات والحوارات والمقترحات التي ستتفضلون بها في هذه الجلسة بعد أن نستمع إلى المحاضرة التي سيلقيها أخي الأستاذ جاد الكريم الجباعي.

بقي أن أتوجه بشكر خاص للأخت الدكتورة سراب الأتاسي ولأفراد العائلة الكريمة على استضافتهم لهذا الجمع النبيل من أبناء أمتنا، ولأقول لكم بالنيابة عنها البيت بيتكم، وأقول لها باسمكم جميعاً البيت بيتنا، هكذا كان وهكذا سيبقى لنلتقي دائماً بجمال الأتاسي.. ندخله آمنين ونخرج منه مطمئنين…   

                             وشكراً لكم.

الأحد 14/1/2001

حبيب عيسى

 

16.     هل وجدتم أيها السادة، في هذه الكلمة جرماً ما، من أي نوع..؟       لا أعتقد ذلك،  أو دعوني أقول، أنني أترك الأمر لتقديراتكم.. ما يهمني هنا التأكيد على أن المنتدى بدأ يرتقي بالحوار من جلسة إلى أخرى، فقد كان طبيعياً بعد سنوات طويلة من انقطاع الحوار أن تكون البدايات صعبة ومجهدة، وقد كنا في الهيئة التأسيسية لمنتدانا نحاول تقريب وجهات النظر، ونوجه الحوار قدر المستطاع باتجاه المستقبل، وقد تحقق ذلك بفضل وعي حضاري قلّ نظيره لدى رواد المنتدى، حيث انزوت من جلسة إلى أخرى الأفكار المتطرفة، وساد مبدأ مواجهة الأفكار الخاطئة بالأفكار الصحيحة، لأنه السبيل الوحيد للتقدم والتطور، وكان هناك قرار من قِبلنا أن نعطي الأخوة من حزب البعث العربي الاشتراكي الصدارة، ونتيح لهم فرصاً مناسبة للحوار… وبدأ الخطاب يتحول إلى العقلانية من الأطراف كافة، وشجّع هذا تنامي ظاهرة المنتديات في سائر أرجاء القطر، وقررنا في الهيئة التأسيسية للمنتدى شرعنة النشاط، ووضع المنتدى تحت سقف القانون.. فتقدمنا بطلب إلى الوزارة المختصة، وهي وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بقصد إشهار المنتدى.. وأُحيل الطلب إلى مديرية الشؤون الاجتماعية بدمشق لاستكمال الإجراءات، حيث رحّب مدير الشؤون الاجتماعية والعمل بتأسيس المنتدى، وطلب استكمال الإجراءات، لكن، وفجأة، هبط قرار مفاجئ من جهة خفية بوقف إجراءات الشهر، وأصدرت وزارة الشؤون الاجتماعية قراراً برفض الإشهار, ونبرز هنا أولاً النص الحرفي لطلب إشهار المنت

17.                مقام وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل الموقرة – دمشق

 

نحن الموقعين أدناه، واستجابةً للتطورات التي تشهدها بلادنا، فقد تنادينا لتأسيس منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي في محافظة دمشق، مقره المؤقت دمشق – المزة أوتوستراد – منزل المرحوم الدكتور جمال الأتاسي.

 

أولاً : الأهداف العامة :

1. المساهمة بتأصيل الثقافة العربية وتجديدها لمواكبة تطورات العصر.

2. إتاحة ساحة مفتوحة للحوار بين أوسع قطاعات شعبنا حول مختلف القضايا التي تهمّ المواطن، والبحث في كافة أشكال النظريات والمناهج الثقافية والإنسانية والفلسفية، وتهيئة المناخ المناسب لسماع الرأي والرأي الآخر حول مختلف القضايا المطروحة تأسيساً للارتقاء بالتفكير العلمي والثقافي والمعرفي.

3. الدفاع عن الثقافة العربية وهويتها الحضارية والمعرفية وفتح الأبواب للاطلاع على الثقافات الإنسانية العالمية للتفاعل معها من مواقع ثابتة الجذور والانتماء.

4. مواجهة كافة أشكال الاختراق الصهيوني للثقافة العربية ومواجهة كافة أشكال التطبيع والتمسك بالثوابت القومية تحت مختلف الظروف والمتغيرات.

5. المساهمة في إغناء المشروع النهضوي العربي المعاصر.

 

ثانياً : مصادر التمويل :

1. رسوم الانتساب.

2.  رسوم الاشتراك.

3. التبرعات.

4. الهبات والوصايا والأوقاف.

5. الموارد الأخرى التي يوافق عليها مجلس الإدارة.

6. الإعانات الخارجية تقبل حصراً بعد موافقة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.

 

ثالثاً : النظام الداخلي والمؤسسات :

يُكلّف مجلس الإدارة المؤقت بإعداد مشروع نظام داخلي يحدد الأحكام الخاصة بالعضوية ومؤسسات المنتدى ونشاطاته وفق أحكام القانون رقم /93/ لسنة 1958 يعرض على الاجتماع الأول للهيئة العامة للمنتدى.

 

رابعاً : المؤسسون :

1- حبيب عيسى                   2- منير الخطيب           3- جاد الكريم الجباعي

4- سليم خيربك       5- محمد عمر كرداس             6- سهير جمال الأتاسي

7- محمد وليد مبيض             8- جهاد مسوتي           9- نهاد النحاس

10- نوار الأتاسي                11- عبد الحفيظ الحافظ                      

 

مقام وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل الموقرة :

 

بالوكالة عن المؤسسين أتقدم بهذا الطلب راجياً إشهار تأسيس هذا المنتدى وفق أحكام القانون  /93/ لعام 1958.

                         وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير.

دمشق في 18/04/2001 م.

وكيل المؤسسين                                                                                                        المحامي حبيب عيسى

 

18.   وعندما رفضت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إشهار المنتدى تقدّمت بطعن خلال المدة القانونية، وهذا هو النص الحرفي لمذكرة الطعن:

 

 

 

مقام وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل الموقرة

دمشق

 

تحية عربية وبعد،

 

إن الهيئة العامة التأسيسية لمنتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي تلقّت باستغراب القرار  رقم /795/ تاريخ 12/5/2001، والذي تضمّن رفض وزارتكم طلب المؤسسين لمنتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي بإشهار المنتدى، وإجراء القيد في السجل والنشر في الجريدة الرسمية.

وبما أن القرار الذي نتظلم منه قد تضمّن أن سبب الرفض يعود إلى عدم اختصاص وزارتكم من جهة، ولأن النصوص القانونية لا تنطبق على منتدانا من جهة أخرى، فإن القرار المشكو منه جاء مخالفاً مخالفة صريحة للنصوص القانونية الناظمة لعمل جمعيتنا الثقافية التي تحمل اسم منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي، كما جاء مخالفاً مخالفة صريحة للقوانين والأنظمة النافذة، وخاصة قرار السيد رئيس الجمهورية رقم 1330    لعام 1958 المتضمن اللائحة التنفيذية لقانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة  رقم 93  لعام 1958، والتي حصرت الاختصاص بما يتعلق بإشهار الجمعيات والمنتديات الثقافية بوزارتكم الكريمة.

لقد استند قراركم على القانون 93 لعام 1958 الخاص بإشهار الجمعيات الخاصة، وعلى قرار السيد رئيس الجمهورية رقم 1330 للعام ذاته الذي تضمن اللائحة التنفيذية للإشهار. ونحن نقبل أن نحتكم وإياكم للنصوص القانونية الواردة في القانون والقرار المنوّه عنهما، ذلك أننا نسعى لتمتد مظلة القانون فوق رؤوس الجميع بدون تمييز… مؤسسات رسمية، أو مؤسسات أهلية، أو أفراد، ليساهم الجميع كل بما يستطيع في بناء نهضة الوطن والرقي بالإنسان العربي ثقافةً وفناً وعلماً ومعرفةً، ذلك أن هذا هو السبيل الوحيد ليكون الأداء بمستوى التحديات الحضارية التي تواجه مجتمعنا وأمتنا.

ونحن في الأحوال كلها نرحّب ترحيباً شديداً أن ينتقل الحوار حول الجمعيات والمنتديات ومؤسسات المجتمع الأهلي عموماً إلى ساحة القانون والمؤسسات الرسمية ذلك أن هذا الحوار سيصل في النهاية إلى الصيغة المثلى لنشاط تلك المؤسسات والجمعيات والمنتديات، كما سيفعل دور المؤسسات الرسمية في الإشراف والرعاية والتنظيم والتنسيق والتصويت.

انطلاقاً من هذه المفاهيم المحددة فإننا نتقدم بهذا التظلم من القرار /795/ تاريخ  12 /5/2001، يحدونا الأمل الكبير في أن يُطوى هذا القرار لمخالفته الأنظمة والقوانين النافذة من جهة، وأن تقوم وزارتكم بالإشراف على منتدانا الثقافي ورعاية نشاطاته من جهة أخرى.

إن هذا الاعتراض، أو التظلم حري بالقبول شكلاً وموضوعاً للأسباب القانونية التالية :

1. في الشكل : إن هذا التظلم مقدم من الهيئة العامة التأسيسية لمنتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي ضمن المهلة القانونية التي تحددها المادة /11/ من القانون 93 لعام 1958 مستجمعاً شرائطه الشكلية فهو حري بالقبول شكلاً.

2. في الاختصاص : لقد اعتمدنا في تقديم طلب إشهار منتدانا إلى وزارتكم على المادة /10/ من القانون /93/ لعام 1958 التي تنص على ما يلي : " تقوم الجهة الإدارية المختصة بإجراء الشهر خلال ستين يوماً من تاريخ طلبه، فإذا مضت الستون يوماً دون إتمامه اعتُبر الشهر واقعاً بحكم القانون، وعلى الجهة المذكورة بناء على طلب ذوي الشأن إجراء القيد في السجل والنشر في الجريدة الرسمية ". وبما أن اللائحة التنفيذية التي تضمّنها قرار السيد رئيس الجمهورية رقم 1330 لعام 1958 قد حدد بما لا يدع مجالاً للشك أن وزارة الشؤون الاجتماعية هي الجهة الإدارية المقصودة بالمادتين 10      و 11 من القانون 93 المنوّه عنه، فإن هذا يجعل من وزارتكم هي الجهة الوحيدة صاحبة الاختصاص في إشهار جمعيتنا الثقافية التي أسميناها منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي.

3. في الموضوع والمضمون : إن منتدانا ومن خلال أهدافه الثابتة التي أوردناها في عقد التأسيس والتي تضمنها طلب الإشهار المقدم إلى وزارتكم هو جمعية ثقافية وفق منطوق المادتين 54 و 55 من القانون /93/ المشار إليه، ذلك أن المادة /54/ عرّفت الجمعية الثقافية بالقول : " تُعتبر جمعية ثقافية كل جمعية يكون الغرض من تكوينها النهوض بالعلوم أو الفنون أو الآداب "، والمادة /55/ من القانون إياه حتمت : " على مجلس إدارة الجمعية الثقافية موافاة الجهة الإدارية المختصة سنوياً بتقرير عن نشاطها… ". وهذا يعني أن ما جاء في القرار الذي نتظلم منه من أن النصوص القانونية لا تنطبق على منتدانا في غير محله، بل ومخالف للقوانين والأنظمة النافذة، ذلك أن أهداف منتدانا تنسجم مع المادة /54/ من القانون /93/ حيث يهدف المنتدى إلى النهوض بالعلوم والفنون والآداب والثقافة عموماً.

4. حول طلب إشهار المنتدى : إن قبول طلب إشهار المنتدى من قِبَل ديوان وزارتكم وتسجيله تحت رقم /5180/ تاريخ 18/4/2001، ومن ثم إحالته إلى مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل التي وجّهت إلى وكيل المؤسسين الكتاب رقم /3748/ تاريخ 29/4/2001 لاستكمال الوثائق اللازمة وإيداعها ديوان المديرية، وبناء على طلب المديرية فقد تمّ إعداد تلك الوثائق المطلوبة، ولكن وباستغراب شديد ووجهنا من أن المديرية رفضت استلام الوثائق التي طلبتها هي بالذات. وعوضاً عن استكمال إجراءات إشهار المنتدى فوجئنا بالقرار الذي يتضمن رفض طلبنا بإشهار المنتدى. ونحن سنرفق مع هذا التظلم كافة الوثائق المطلوبة وفق الشروط التي حددتها مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل بدمشق.

5. في النظام الداخلي للمنتدى : لقد استند قراركم الذي نتظلم منه على " نموذج نظام   الجمعيات "، ونحن هنا لنا وقفة أخرى : ذلك أن نموذج النظام يؤكد أن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل هي المختصة بما يتعلق بالجمعيات، ذلك أن المادة /13/ من نموذج النظام تنص على ما يلي : " تخبر مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل عن اجتماع الهيئة العامة للجمعية قبل موعده بخمسة عشر يوماً على الأقل مع صورة عن جدول الأعمال "، والمادة      /37/ : " يقوم أمين صندوق الجمعية… بإيداع المبالغ في المصرف المقبول من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل "،  والمادة /38/ : " ز- التبرعات الخارجية بعد موافقة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل "، والمادة /40/ :  " على الجمعية أن تودع أموالها في المصرف الذي يقرره مجلس الإدارة والمقبول من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل "، والمادة /45/ :           " للجمعية أن تنشئ فروعاً لها… بعد موافقة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل… ".

6. المسكوت عنه في قرار رفض إشهار منتدانا : هكذا فإننا لا نجد في مستندات قرار رفض إشهار منتدانا ما يبرر هذا القرار، كما لا نجد في الأسباب التي وردت في متن القرار ما يمكن الاستناد إليه قانونياً لإصدار مثل هذا الرفض، وهذا يدفعنا للحديث عن المسكوت عنه في قرار رفض إشهار الجمعية الثقافية : منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي. ورغم أننا نعلم أن البحث هنا وفي هذا المجال هو كالبحث عن الأشباح، لكننا سنحاول قدر المستطاع، ذلك أننا نسعى للتصارح والتصادق على الأصعدة كافة، ونأمل أن ترتقي العلاقة بين منتدانا وبين وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إلى المستوى الذي يخدم الثقافة والعلم والأدب في وطننا ويرتقي بالإنسان العربي إلى المستوى اللائق الذي يستحقه في عالم اليوم.

هل يعود السبب الحقيقي الذي أدّى إلى رفض إشهار منتدانا إلى أن لدى الوزارة شبهة بأن منتدانا ذو طبيعة سياسية، إذا كان الجواب : نعم، دعونا نجيب بما يلي : 

نحن في عصر لم يعد فيه من الممكن الفصل فصلاً حاسماً بين ما هو ثقافي وما هو أدبي وما هو علمي وما هو سياسي، فالثقافة الأصيلة سياسة والثقافة الهابطة سياسة أخرى، والأدب الرفيع سياسة والأدب المنحط سياسة أخرى، والعلوم الإنسانية التي ترتقي بحياة الإنسان وعلومه ومعرفته سياسة، والعلوم التي تدمر المجتمع والكون سياسة أخرى، والفن والموسيقى الراقية سياسة، والغناء الهابط سياسة أخرى…

 

نقول ذلك لأن المادة الثالثة من نموذج نظام الجمعيات الذي تسلمناه من مديريتكم بدمشق ينص على ما يلي : " لا يجوز لهذه الجمعية أن تتدخّل في العقائد الدينية والأمور السياسية ". ماذا يعني هذا ؟ وهل يستوي التدخل في العقائد الدينية إيجابياً للرقي بسلوك الناس ومعاملاتهم وانتمائهم لوطنهم مع التدخل في العقائد الدينية لإثارة الفتن والنعرات الطائفية والمذهبية، وبأي الاتجاهين يجب ألا تتدخل الجمعية… ؟ أما أنه لا يجوز للجمعية أن تتدخل في الأمور السياسية… هل يستوي التدخل في الأمور السياسية من خلال بناء الإنسان ثقافياً ومعرفياً وحضارياً وأدبياً وفنياً وعلمياً مع التدخل في السياسة لصالح القوى المعادية وقوى القهر الاجتماعي والثقافي والسياسي التي تعمل على تحطيم بنية الإنسان وتعطل طاقاته الخلاقة التي يحتاجها مجتمعنا، وبأي سياسة يجب ألا تتدخل الجمعية… ؟

إن ما جاء في المادة الثالثة من نموذج نظام الجمعيات هو لغو، وبما أنه     لا لغو في القانون فإن هذه المادة لا قيمة لها… ثم إنه في النظام الداخلي تقول الجمعية ما يجب أن تفعل، ولا تتمكن أي جمعية في الكون أن تحيط بما لا تفعل، ذلك أن ما لا يجب أن تفعله محدد بقوانين وأنظمة نافذة في المجالات المختلفة لتلك الممنوعات…

إن النص القانوني المقصود والذي يجب أن يُعبَّر عنه بصياغة قانونية علمية هو : أنه  لا يجوز أن تتحول الجمعية الثقافية إلى مؤسسة حزبية سياسية لها تراتبيتها التنظيمية والقيادية، وأنه لا يجوز أن تتحول الجمعية الثقافية إلى مؤسسة دينية لها مذهبيتها الخاصة، وأنه يجوز للجمعية الثقافية، بل يجب عليها أن ترتقي بالمفاهيم الثقافية والدينية لإنتاج حياة سياسية وعلاقات اجتماعية تعتمد على الإيجابي والموحد في الأديان والمذاهب… كل هذا بما ينفع الناس.

إن الفيصل إذن هو أن لا تتحول الجمعية الثقافية إلى تنظيم سياسي أو تنظيم ديني… فهل يمكن أن يُنسَب إلى منتدانا شبهة من هذا النوع…؟

إن الهيئة التأسيسية لمنتدانا تضم فعاليات ثقافية ساهمت بتأسيس هذا المنتدى بصفاتها الشخصية، ولو كانت تريد أن تبني تنظيماً سياسياً لكانت سلكت الطرق التي تؤدي إلى ذلك… وإن الفترة التجريبية التي يمر فيها منتدانا أثبتت أن منتدانا مفتوح لكافة الآراء البنّاءة لتطوير شخصية الإنسان في بلدنا وإطلاق طاقاته وإبداعاته الثقافية والفنية والاجتماعية والفكرية… وهذا يصبّ كله في الإطار الإيجابي للتطور المطلوب.. وهي أسباب يجب أن ترحّب بها وزارتكم، لا أن تكون سبباً لرفض إشهار منتدانا.

نحن نعرف أن ظروفاً استثنائية قد مرّت على بلادنا تمّ التضييق فيها على مؤسسات وجمعيات ومنتديات المجتمع الأهلي، وأن وزارتكم قد اكتفت في أغلب الأحيان بالرفض والمنع وعدم الموافقة..

نحن الآن ندعوكم وندعو أنفسنا للتكاتف في أن تعود وزارتكم للعب دورها النشط والفعال في تفعيل مؤسسات وجمعيات ومنتديات المجتمع الأهلي، وأن تتطور القوانين والأنظمة بما يتماشى مع عصر لم يعد يرحم من لا يتقدم لأخذ مكانه الملائم.

لهذا كله، واستناداً لمنطوق المادة /11/ من القانون /93/ لعام 1958 ولما تراه وزارتكم الكريمة من واجب عليها لتنشيط جمعيات المجتمع ومنتدياته الإيجابية، نتقدم بهذا التظلّم مشفوعاً برجاء طي القرار رقم /795/ تاريخ 12/5/2001، وإشهار منتدانا أصولاً، وإجراء القيد في السجل، والنشر في الجريدة الرسمية.

                        ومع التحية تفضلوا بقبول الاحترام

دمشق 22/5/2001                                                                    وكيل المؤسسين

                                                                                         المحامي حبيب عيسى

 

19.    ثم صدرت تعليمات أمنية بالتضييق على المنتديات، وإغلاق أغلبها، لكن السيد رئيس الجمهورية أعلن صراحة في حديث صحفي منشور أن منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي قد استُثني من هذه الإجراءات والتعليمات، وهذه هي الفقرة بالحرف الواحد المنشورة في جريدة المجد الأردنية بتاريخ    19/3/2001 من حديث رئيس الجمهورية للصحيفة:

 

فهد الريماوي:       وماذا عن الناصريين في "الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي؟

رئيس الجمهورية:   ألم يلاحظ إخواننا الناصريون أننا استثنينا منتدى الدكتور جمال الأتاسي من إجراءات "التنظيم" التي اتخذناها بحق المنتديات الأخرى؟

 

20.    ثم قررت الهيئة التأسيسية لمنتدانا دعوة المنتديات في البلاد لتدارس الأوضاع في اجتماع طاولة مستديرة بهدف التنسيق بين المنتديات، وبحث إجراءات وضعها تحت مظلة القانون، والاتفاق على ميثاق شرف تلتزم فيه المنتديات بالخط الوطني، وبالوحدة الوطنية، وبالدعوة للحوار دون انفعال أو تطرّف بأي اتجاه كان. وكان موعد الاجتماع ومكانه    قد حدّدا في منزلي، لكن الجهات الأمنية أبلغت ممثل المنتدى تعليمات قاطعة بمنع هذا اللقاء، وفرضت عليه الاتصال بالمنتديات في البلاد لتبليغها قرار الإلغاء حتى لا يحضر أحد، وقد حدث ذلك كله قبل 24 ساعة من الموعد المحدد. وبالفعل تمّ ذلك، لكن الأجهزة الأمنية غفلت على ما يبدو عن تبليغ إخواننا في حزب البعث العربي الاشتراكي بقرار الإلغاء، ففوجئت أنه، وفي الموعد المحدد، حضر إلى منزلي عدد كبير من أساتذة الجامعة علمت أنهم من فرع حزب البعث فيها، فرحبت بهم، ثم اعتذرت لأن الجهات الأمنية قررت إلغاء اللقاء الذي حضروا ليحضروه، وتساءلت بأسى،من كان يمكن أن يضار من هكذا لقاء، الهدف منه ترشيد نشاط المنتديات، وتفعيل دورها الإيجابي لبناء لحمة حقيقية بين أبناء الوطن على قاعدة الحوار والرأي والرأي الآخر، ومن ثم الاحتكام للشعب… وللأمانة فإن إخواننا في حزب البعث العربي الاشتراكي فوجئوا بذلك، وأبلغوني أسفهم، وأجمعوا أن قرار المنع كان في غير محله... (أليس حزب البعث العربي الاشتراكي قائد الدولة والمجتمع..؟)، وقد أصدرت بياناً توضيحياً بهذا الشأن جاء فيه ما يلي:

 

21.                                        تصريح ناطق رسمي

 

كانت الهيئة العامة لمنتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي بدمشق قد قررت بجلسة 15/4/2001 دعوة ممثلي المنتديات في سورية إلى عقد طاولة مستديرة للبحث في واقع المنتديات، من حيث الظاهرة، الأزمة، والاستمرار، ولإجراء مراجعة شاملة لمرحلة الأشهر المنصرمة، بهدف التصويب والتفعيل والتنشيط لحراك اجتماعي ثقافي وسياسي، يحصن مجتمعنا ويؤهله لمقاومة أخطار غير خافية على أحد، وقد تمّ تحديد مساء يوم الأحد 29/4/2001 موعداً لذلك اللقاء. لكن وببالغ الأسف تمّ تبليغ الهيئة العامة لمنتدانا وفي ساعة متأخرة من مساء يوم السبت 28/4/2001 من قبل جهات أمنية.. أن هناك قراراً قاطعاً بمنع هذا اللقاء، مما اضطرنا للاتصال بالفعاليات والشخصيات الفاضلة المدعوة.. لتبليغها بما جرى على أمل التشاور في أوقات لاحقة.

لقد كان الموقف مفاجئاً لنا من حيث المضمون، ومن حيث التوقيت أيضاً.

أولاً: من حيث المضمون.. نتساءل ونطرح السؤال على الجميع:

من في مجتمعنا، من في وطننا يضار من مثل هذا اللقاء…؟

وأي خطر أمني يشكله..؟ وعلى من..؟

نفرٌ من أبناء الوطن تداعوا بشفافية ومصداقية عالية لإطلاق الحيوية للمؤسسات الأهلية للمجتمع لتؤدي دورها تعبيراً بصوت عالٍ  عن بوح وهمهمات، وأفكار تكلست في الحناجر، تكاد تتحول إلى أورام قاتلة... أين الخطر إذن، وأين الخطأ...؟

هل هو كامن في إطلاق طاقات شعبنا الثقافية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والتعبير عنها بكل مصداقية، والاحتكام للمنطق والعقل والتمسك بالأصالة والتجديد والتصويب من خلال الحوار ومقارعة الحجة بالحجة…؟

أم أن الخطر يكمن بعدم ممارسة ذلك بكل الوسائل...؟

إننا بكل المصداقية وبلغة الحوار الذي ندعو إليه، نقول إن منع هذا اللقاء بين ذلك النفر الممتاز من أبناء الوطن كان في غير مكانه، وكان استباقاً غير مشروع لنتائج هذا اللقاء.. فقد تمّ تفويت فرصة حوار جاد نجزم أنها لم تكن تشكل خطراً على أمن البلاد، وإنما كانت ستشكل تحصيناً وتفعيلاً لمجتمع، سعينا وسوف نسعى لأن يكون آمناً لكل أبنائه، وبكل مواطنيه.

ثانياً: ومن حيث التوقيت، فقد فوجئنا بقرار المنع قبل ساعات من الموعد المحدد رغم أننا أعلنا عن موعد اللقاء قبل أكثر من 15 يوماً، مما أدى إلى أن يتجشم الكثيرون مشقة السفر إلى دمشق لحضور هذا اللقاء..

فمنهم جميعاً نتقدم ببالغ الأسف والاعتذار.

على أية حال، وبما أننا حزمنا أمرنا على أن نواجه كافة المواقف بالدعوة إلى الحوار، الذي لا نملك سلاحاً سواه، وبما أن التراجع عن الخطأ فضيلة، وبما أننا باحثون جادون عن تلك الفضيلة للتمسك بها وتنميتها، فإننا نأمل التراجع عن قرار المنع، ومن جهتنا سنواصل المشاورات مع المنتديات المنتشرة في أرجاء بلادنا، وسنحدد موعداً جديداً للقاء نرجو أن  لا يكون بعيداً.

دمشق في 29/4/2001                                                 الناطق الرسمي

   حبيب عيسى

 

22.    وكنت قد تحدثت عن موضوع إغلاق المنتديات، وذلك بكلمة تمهيدية بافتتاح جلسة 4/3/2001 لمنتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي، حاولت أن أبحث فيها عن النقاط المشتركة بين خطاب السلطة، وخطاب دعاة الإصلاح في منتدياتهم وبياناتهم.. وخلصت إلى أن هناك نقاط مشتركة كثيرة بين الطرفين، فلماذا لا يعملون عليها وعلى تنميتها عوضاً عن تبادل المهاترات والاتهامات، وقد جاء الحديث بالحرف الواحد كما يلي:

 

23.                                      كلمة لا بد منها

حبيب عيسى

أيها الأخوة الأعزاء :

أرحب بكم مع استهلال هذا اللقاء الثالث في رحاب منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي. أرحب بكم وأشكر احتضانكم الدافئ لهذا المنتدى رغم أنكم تعلمون أن طريقكم إليه ليس مفروشاً بالورود، ونعرف أن طريقنا إليه شاق وصعب، وعلينا أن نشقه بالجهد والعرق والمعرفة والحوار والإصرار.

أرحب بكم، وفي القلب غصة، لأن أجواء الحوار والتفاعل النشط لقوى المجتمع الحية على الصعد الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية قد تلبدت بأجواء الخوف فخسرنا ساحات واسعة للحوار بتوقف بعض المنتديات عن النشاط، وأجهضت منتديات وليدة واعية قبل أن ترى النور.

هناك الخوف من الظاهرة، وهنا الخوف عليها . وبين الخائفين منها والخائفين عليها خطوط متقاربة إذا انطلقنا من حسن النية والنوايا واستبعدنا وعلى الفور أولئك الذين لا يريدون لهذا المجتمع أن يتعافى من سلبيات تكبل حركته باتجاه التطور والتقدم .

الخائفون من ظاهرة المنتديات والبيانات يبررون مواقفهم ( بعد استبعاد الاتهامات والانفعالات التي لا مبرر لها ولا أساس ). أنهم يخافون على الوحدة الوطنية، ويخشون من التسرع، وأنهم ضد التدخل الأجنبي في حركة المجتمع وضد العلاقات مع السفارات الأجنبية، وأنهم ضد العلاقة مع المنظمات المخترقة صهيونياً، ويخشون أن يغفل القائمون على المنتديات عن حقيقة الصراع العربي الصهيوني، وأنهم يدافعون عن المرحلة التي انقضت والتي تنال منها الحوارات والمنتديات، وأنهم يدافعون عن الحزب قائداً للدولة والمجتمع، وأنهم ضد التجارب المستوردة، أن الديمقراطيات الغربية لا تليق بنا، لأن ظروفنا الموضوعية غير ناضجة، وأنهم يدافعون عن القطاع العام، وعن المؤسسات، والقوانين والدستور وإلى آخر ما يقولون من تجاوز للخطوط الحمراء التي     لا نعرف من وضعها .

إن حسن النية الذي ننطلق منه باعتباره الأصل، وباعتبار أن سوء النية طارئ  و يحتاج إلى إثبات، إن حسن النية يدفعنا إلى القول أن في جوهر هذا الموقف حرص لا يختلف عليه أحد، وأن ما هو مختلف عليه خاضع للحوار  ولا يستحق كل هذه الاتهامات والانفعالات وردود الأفعال غير المبررة

لقد راجعت كل ما كتب من بيانات تقريباً، وتابعت أغلب الحوارات التي دارت في ساحات الحوار والمنتديات فلم أجد من يدعو إلى هدم الوحدة الوطنية ولم أعثر على من يطالب بالتعامل مع السفارات أو بالتدخل الأجنبي،           أو بالتعامل مع الصهاينة إلا بصفتهم أعداء للأمة والوطن ولم نصادف من يتهجم على المرحلة التي انقضت، صادفنا تلك الدعوات المشروعة للتغيير والانعتاق من القوانين الاستثنائية والطارئة وتحديث القوانين ورفع وصاية الأجهزة الأمنية عن المجتمع وتفعيل دور النقابات ومؤسسات المجتمع لتكون مؤسسات حقيقية تحكمها القوانين والأنظمة سواء كانت الأجهزة التنفيذية  أو التشريعية    أو القضائية، وصادفنا تلك الدعوة إلى إلغاء المادة من الدستور التي تنص على قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع، فهل يفهم من هذا كله أنه تهجم على المرحلة التي انقضت، أم أنه يجب أن يفهم ضمن سياقه الصحيح كدعوة تتجه إلى المستقبل لتبنيه، ولا تتجه إلى الماضي الذي دخل التاريخ بماله وما عليه، ولم يعد بأي حال مجالاً للفعل الإنساني .

أيها الأخوة : انطلاقاً من مبدأ الصديق من صَدَقَك لا من صَدَّقَك نقول لإخواننا في حزب البعث العربي الاشتراكي أن النصوص في القوانين والدساتير لم ولن تصنع من حزب من الأحزاب قائداً للدولة والمجتمع بل على العكس من ذلك تماماً، ذلك أن تلك النصوص غالباً ما أفرغت تلك الأحزاب من مضامينها وحولتها إلى جهاز من أجهزة الدولة . والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى .

ونحن كقوميين، وبكل التصادق الذي ندعو إليه نأمل في أن يستعيد حزب البعث العربي الاشتراكي دوره الريادي على الساحة العربية، وأن تكون الدولة في سوريا بعضاً من اهتماماته لا أن يكون هو بعضاً من أجهزتها .

إن الدولة الإقليمية في الوطن العربي لم تفتك بمواطنيها العرب وحسب وإنما التهمت أحلام القوميين الذين حكموها ... فلنستعد أحلامنا معاً لمواجهة عدو    لا يستثني أحداًَ من أبناء هذه الأمة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ...

 

أيها الأخوة :

 

إن هاجسنا هو المستقبل، لقد أضنتنا معارك الماضي وصراعاته وهذا المنتدى سيبقى ساحة للحوار من اجل المستقبل، وقد أثبت شعبنا وقواه الحية مقدرة وسمواً قل نظيره في التاريخ، حيث تداعى الجميع للحوار لتصحيح معادلة آن الأوان لتصحيحها على صعيد الأمة كلها بحيث يكون الحوار الأداة الوحيدة لحل مشكلات الاختلاف داخل المجتمع العربي،وبحيث يكون العنف المسلح هو الأداة التي تستعمل حصراً لمواجهة العدو الأمريكي الصهيوني، وبحيث           لا نسمح لهذه المعادلة أن تنقلب مرة أخرى .

لهذا كله نأمل أن تعود ساحات الحوار الوطني للنشاط والعطاء وأن تعود مشاعلها لتضيء فضاءات الوطن . فبالحوار وبالحوار وحده نسترشد إلى الطريق الصحيح . ونحن لا نقول ضمدوا جراحنا، ولكن نقول دعونا نضمد جراحنا بأيدينا، دعوا هذا المجتمع يستعيد مقدرته على إفراز الصادات اللازمة .. دعوا جهازه المناعي يعمل بطاقته القصوى ...

 

أيها الأخوة

 

حتى نسهم في هذا الفعل الإيجابي لا بد أن نتحرر من الخوف، والخوف آفة فتاكة بالذات البشرية .

صاحب البيت اليوم هو الأخ الدكتور عبد الرزاق عيد، وهو غني عن التعريف، فمنذ فترة طويلة وهو يعمل مسحراتياً في وطنه، أن أفيقوا من تحت كوابيسكم واقتلوا الخوف في ذواتكم، واستعيدوا إنسانيتكم .

الكلمة له فليتفضل .    

 

24.    ثم تتابعت نشاطات المنتدى على هذا المنوال من الحوار الحر النظيف.... إلى أن تمّ اعتقالي فجر يوم 12/9/2001…

 

 

 

أيها السادة :

 

25.    لم يخطر لي، وأنا أنشر أمام محكمتكم الموقرة، باختصار شديد، وقائع الأشهر الثمانية من عمر منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي، بدءاً من افتتاحه وحتى لحظة اعتقالي، أن أخرج عن موضوع الدعوى، أو أن أشغل وقت المحكمة بقضية لا علاقة لها بها..، وإنما حاولت أن أوضح للمحكمة السياق العام لنشاطي خلال تلك الأشهر الثمانية، والهدف النبيل الذي سعيت من أجل تحقيقه، بغضّ النظر عن مدى النجاح والفشل الذي أصبته أو أصابني منه، وحاولت أن أضع بين أيدي محكمتكم الأصول الثابتة والكاملة للكلمات والبيانات التي ألقيتها أو قمت بإعدادها، والتي حاولت مؤسسة الادعاء لدى محكمتكم، ولدى فرع التحقيق الأمني، أن يعثروا فيها على جرم أو شبهة أو حتى ربما نوايا جرمية، فكانت معظم الأسئلة مستندة إلى تلك الكلمات والبيانات. وإنني سأجازف بالاعتراف جازماً أن النائب العام لدى محكمتكم، والسادة المحققين لدى فرع تحقيق الأمن السياسي ليسوا سعداء بالاتهام الذي تمّ توجيهه إليّ، وأنهم بعد التدقيق المعمّق في كل ما صدر عني، لم يعثروا على ما يؤيد أي اتهام لي بارتكاب جرم ما، أو حتى مخالفة، لذلك لجأوا جميعاً إلى البحث عن النوايا، والتفتيش في المكنونات البشرية، فكانت الأسئلة كلها تقريباً تبدأ بالسؤال: ماذا تقصد بقولك كذا..؟ وكأن الكلمات المنشورة ليست واضحة الدلالة..! أليس هذا دليلاً كافياً على صعيد مؤسسة الادعاء.. أنها ذاتها غير مقتنعة، وأنها تشكك في هذا الاتهام..؟!

 

26.    فأنا أمامكم، أيها السادة، ليس استناداً إلى أقوال قلتها، أو نشاطات مارستها، ولكن استناداً إلى نوايا، ربما كنت أقصد إليها- والله أعلم- لقد أريد لهم أن يصلوا إلى هذا الاتهام.. المهم أنني على ثقة تامة أنه لو تُرك الأمر للإرادة الحرة لهم، لما سارت الأمور بالطريقة التي سارت عليها، ولما كان هناك قضية، ولا اتهام، ولا جرم، ولا من يحزنون.. ورغم أن محاكم التفتيش الشهيرة أخذت اسمها من هذا الأسلوب، وهو التفتيش في ضمائر البشر عن جرائم يحاسبون عليها، فإنني، ومن خلال علاقتي بالقانون، أعتقد أنه من الصعب العثور على جرم في ملف هذه الدعوى...!

 

27.    ثم أنني أردت من خلال هذا السرد لتسلسل الأحداث، أن أضع هيئتكم الموقرة في السياق الحقيقي للطريق التي أوصلتني إلى هنا خطوة بخطوة، لتكتشفوا حقيقة ما جرى، وما يجري، ولماذا..؟ ذلك أنه، ومنذ بداية علاقتي بالحقوق والقانون والعدالة، وجدت نفسي دائماً غير مقتنع بالرمز للعدالة بتلك المرأة معصبة العينين تحمل الميزان.. لقد أرادوا من ذلك أن العدالة يجب أن  لا تتعرف على المتخاصمين كي لا تفرق بينهم.. ورغم القيمة النبيلة لهذه الفكرة، فإنني رأيت أنها تحرم العدالة من التدقيق في ظروف المتخاصمين وأحوالهم، وحتى التدقيق في ملامحهم ومدى الصدق أو الادعاء.. وبالتالي فإن على العدالة أن لا تكون معصبة العينين أبداً، بل يجب أن لا يرفّ لها جفن، أن تمتلك بصراً حاداً، ربما يكون ضرورياً للبصيرة العادلة.. وربما عليها أن تمدّ نظرها إلىما وراء المتخاصمين، تدقق في ظروفهم وبيئتهم، ومن يكيد لهم.. وفي هذه القضية – قضيتي – فإنني أرى أن المشكلة الحقيقية ليست في ملف الدعوى، وليست بين مؤسسة الادعاء بفرعيها وبيني، وإنما لها أبعاد أشمل، وأكثر تشعباً.. فالمدعي الحقيقي لم يواجهني بعد، ولم يفصح عن نفسه، ولم يطل برأسه من ملف هذه القضية، وبالتالي فإن عليكم أن تبحثوا عنه علكم تعثرون عليه، فيفصح عن نواياه الحقيقية.. ومن جهتي لن أدّخر جهداً في مساعدة العدالة، لأنني أيضاً معني بمواجهته، والتعرف على نواياه…

 

28.    ثم أنني أريد القول لأساتذتي، وزملائي، وإخواني المحامين الكرام، الذين تطوعوا للدفاع عني، لا تجهدوا أنفسكم بالبحث في ملف القضية، ذلك أنكم لن تجدوا أي مستند يؤيد لائحة الاتهام، بل أن المستندات التي أوردتها مؤسسة الادعاء هي ذاتها دليل ساطع على براءتي، وعلى الأهداف النبيلة التي سعيت لتحقيقها.. أقول ذلك مشغوفاً بما لا أملك أن أعبر عنه من الشكر والتقدير والامتنان لمواقفكم النبيلة التي أعتز بها، وسأحملها ديناً في عنقي إلى ما تبقى من مشوار العمر.

 

29.    ثم أنني أريد أن أضع هيئتكم الموقرة أمام حقيقة أرجو أن لا تغيب عن فطنة محكمتكم، وهي أن كافة الاستجوابات التي ووجهت بها أمام فرع تحقيق الأمن السياسي، ومؤسسة الادعاء لدى هذه المحكمة، كانت تستند إلى مقاطع تمّ اقتطاعها عشوائياً وتعسفياً من سياقها الطبيعي، ومن الأهداف التي قيلت من أجلهاِ، وبالتالي فإنني لم أقصد من إبراز أصول الكلمات التي ألقيتها، أو البيانات التي أصدرتها الهروب من القضية، وإنما إغناء ملف القضية بالأصول الحقيقية لتلك الآراء حتى يتمّ الاستناد إليها في سياقها الصحيح، وغايتها الحقيقية، وذلك مساهمة مني في مساعدة العدالة للوصول إلى الحق.. فأنا – كمحامٍ – تحت القسم بالالتزام الصارم بذلك الشعار الذي حملته على صدري، وقبل ذلك في عقلي وقلبي (الحق والعروبة)، لقد وضعت هذا الالتزام فوق كل اعتبار، ومازلت، وسأبقى إلى آخر يوم من عمري، رغم أنني أعرف أكثر من غيري أن القابض على أيهما، كالقابض على الجمر، فكيف بالذين أصرّوا أن يقبضوا عليهما معاً، تحت كل الظروف، وفي مواجهة المتغيرات كلها…؟!

 

30.    ثم إن كافة الأقوال المنسوبة إلي، هي مجرد آراء مطروحة للحوار المفتوح، وهي مقترحات مطروحة للمداولة، وبالتالي فإنها تحتمل الخطأ والصواب، وكنت قد قلت في افتتاح الجلسة الأولى لمنتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي، أنني أستند إلى القاعدة الشرعية التي تحضّ على الاجتهاد، حيث مقابل الاجتهاد والخطأ أجر واحد وللاجتهاد الصائب أجران، وقلت أنني اكتفيت بالأجر الواحد، لكنني أحضّ الجميع على الاجتهاد والحوار وصولاً إلى الصواب فنقتسم معاً الأجر الآخر…

 

31.    ثم إن فترة السجن والعزلة التي فُرضت عليّ حتى الآن، أتاحت لي فرصة للمراجعة المتأنية لكل ما قلته على مدى الأشهر الثمانية الأخيرة قبل اعتقالي، لعلي قلت كلمة نابية هنا، أو فكرة متطرفة هناك، لكنني، وبكل صدق أقول لكم، وجدت نفسي بريئاً حتى أكثر مما توقعت، وهادئاً أكثر مما كانت تتطلبه الأحداث والاستفزازات، واستغربت حقيقةً من أين جاءتني هذه السكينة، ذلك أنني اعتمدت منهجاً للحوار، وتقريب الآراء، والبحث الهادئ عن حلول علمية للمشكلات، ومعالجة المواضيع الحادة بروية زائدة عن الحد.. حتى أنني استذكرت لهجة العتاب الرقيق والاستغراب من بعض الأخوة الذين يعرفون مواقفي الثابتة والصارمة من القضايا المصيرية، والذين ارتابوا بهذه السكينة وذلك الهدوء اللذين أواجه بهما مواقف خلافية.. وأذكر أنني قلت جواباً على ذلك: لقد آن الأوان أن نطرح أفكارنا وهمومنا وتطلعاتنا وعقائدنا للنقاش العام في حوار مفتوح مع الأفكار المخالفة على الصعد كلها.. فما جرى في الوطن العربي يحتاج إلى هذه المراجعة… إن هذه العملية تشبه إلى حد بعيد المقاتل الذي يجب عليه أن يتفقد سلاحه وجاهزيته ومؤونته قبل أن يتحرك، وهذا يستدعي الانتقال من مرحلة شهدت ضجيجاً عالياً حول أفكار متواضعة فولّدت صراعات أكثر مما بَنَت في الواقع، إلى مرحلة رصينة تشهد حواراً خلاقاً حول أفكار واعدة عميقة متماسكة بموضوعية وهدوء وضبط النفس في تلقي الأفكار المخالفة، وامتلاك الشجاعة في التخلي عن أفكار اعتنقتها عقوداً من الزمن، لكنك لم تعد قادراً على الدفاع عنها، ولم تعد تصلح للمستقبل.. فتكون سمات هذه المرحلة هي: بناء أكثر، صراع أقل… وبالتالي فإنني استغربت حقاً الأسئلة التي وُجهت إلي من مؤسسة الادعاء عن خرق الدستور، والتحريض، وما شابه ذلك.. ذلك أن الأقوال التي نسبها إليّ الادعاء تنفي ذلك.. فمضمون السؤال ذاته ينفي السؤال…

 

32.    أيها السادة، أؤكد لكم، أنه لا يوجد مواطن واحد في سورية، ومنهم الفقير لله تعالى الماثل أمامكم، يخرق الدستور، أو يفكر في خرقه، يخرق القوانين، أو يفكر في خرقها، بغضّ النظر عن الرأي فيه أو فيها.. نحن كمواطنين قد نطالب بتغيير الدستور، بتغيير القوانين، بتطويره وتطويرها.. أين الجرم في هذا..؟! ليس نحن، أيها السادة، الذين يخرقون الدستور والقوانين.. هم، الذين لم يكتسبوا مواقعهم في السلطة، أو في التجارة،  أو في السمسرة، أو في ما يسمونه الاستثمار، إلا بخرق الدستور والقوانين، ومن وراء ظهره وظهرها.. الذين يخرقون الدستور والقوانين، أيها السادة، هم المدججون بأسلحة ترهب الناس ليتملكهم الخوف، ويحتكرون الثروة ليزحف الناس طلباً لحاجاتهم الضرورية.. إنهم الحيتان، والقطط السمان، ورحم الله الفقيه الألماني نيتشه الذي قال: "إن القانون كشبكة خيوط العنكبوت، تقع فيها الحشرات الضعيفة، أما الحشرات الكبيرة فتخزقها بغير حساب". لقد أردنا في منتدانا أن نرتقي بالأداء الإنساني لمجتمعنا كي يسمو فوق التقسيم الحشري للمجتمع، بإنهاض دولة الحق والقانون، بحيث لا يكون القانون شركاً للضعفاء، كما لا يكون غطاء لسفه الأقوياء وسفاهاتهم...!

 

33.    ثم أنني أريد أن أكمل الصورة، ذلك أنه على صعيد الممارسة، فإن نشاط منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي على مدى ثمانية أشهر حتى اعتقالي، لم يشهد حادثة واحدة تعكر صفو الأمن في المنتدى، أو في البلاد، بل على العكس من ذلك تماماً، فإن هذا النشاط أدى إلى حوار بين أطراف كانت قد تصورت أنها لا يمكن أن تلتقي، وأن لغة الحوار مقطوعة بينها، لكنها اكتشفت أنها يمكن أن تتحاور، وهكذا كان الحوار يرتقي من جلسة إلى أخرى، وأن المتحاورين الذين يختلفون حول الآراء والأفكار داخل المنتدى، يتصافحون بعد انفضاض المنتدى، فتتهذب لغة الحوار، ويتسابقون للحديث عن نقاط الالتقاء.. كما أن حضور الأخوة البعثيين خاصة من أساتذة الجامعات والنقابيين لجلسات المنتدى، كان لافتاً، فلم تخلُ جلسة واحدة من حضورهم، وكانت مداخلاتهم أحياناً تُقابل بالتصفيق عندما يقدمون أفكاراً بناءة، ويفتحون صدورهم للحوار البناء.. حتى رجال الأمن كان حضورهم لجلسات المنتدى لافتاً، وكانوا أيضاً موضع ترحيب، يسجلون كل كبيرة وصغيرة، ويرفعون تقاريرهم.. هم لم يسجلوا حادثة واحدة تخلّ بالأمن، ورواد المنتدى لم يضيقوا ذرعاً بهم… فإذا كانت هذه هي الأجواء، وهي كذلك بالفعل، أليس لنا الحق أن نتساءل من الذي أضير، ومن الذي يمكن أن يضار من حوار لم يشهد حادثة عنف واحدة رغم سخونة الأفكار والمناقشات…؟ ثم أليس لنا الحق أن نتساءل عن ما نسب إلينا من تحريض وجرائم أخرى لا وجود لها في الواقع..؟ ولماذا تمّ افتعال واختلاق هذه الدعوى، ولحساب من..؟!

 

34.    ثم إنني أريد أن أختم الحديث عن منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي، وقضية إشهاره وشرعية نشاطه، بأن المنتدى كان تحت التأسيس، وأن إجراءات إشهاره كانت قد بدأت، وأن رئيس الجمهورية أعلن بشكل واضح لا لبس فيه، أن منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي قد تمّ استثناؤه من إجراءات تنظيم المنتديات، ثم أشاد بالمنتدى وبالأجواء الإيجابية التي تسوده، وبناءً عليه فإن كل ما تمّ استجوابي بشأنه سواء لدى فرع تحقيق الأمن السياسي، أو لدى مؤسسة الادعاء الخاصة بمحكمتكم يتعلق بتصريحات وبيانات ومداخلات أدليت بها بصفتي الناطق الرسمي باسم منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي وليس بصفتي الشخصية، فكيف يستقيم قانوناً أن تتمّ مساءلتي عن نشاط منتدى أشاد رئيس الجمهورية، وهو في قمة هرم السلطة، بنشاطاته وإيجابياته؟ (لطفاً العودة إلى تصريح رئيس الجمهورية بخصوص المنتدى)... كيف تكون نشاطات المنتدى إيجابية من وجهة نظر رئيس الجمهورية، وتكون خرقاً للدستور وجرائم أخرى من وجهة نظر مؤسسة الادعاء..؟! لهذا كله فإنني اعتبرت أن مؤسسة الادعاء احتاجت إلى شجاعة غير عادية لتحريك هذه الدعوى، رغم الملابسات التي رافقتها…

 

35.    لكن، هل انتهى الأمر عند هذا الحدّ..؟

لا.. إننا مازلنا في البداية، وأرجو أن تتحلوا بالصبر لاحتمال ما أقول، ذلك أن القضية لا تتعلق بشخصي، سجن يطول، أو إفراج يتحقق، بصدق أقول لكم أنه لو كانت هذه القضية قد أخذت طريقها الاعتيادي، وعُرضت على محكمتكم الموقرة في التوقيت الطبيعي، فإن قراري كان أن ألوذ بالصمت، وكنت قد حزمت أمري على أن لا أتقدم بكلمة دفاع واحدة، وأن أكتفي بأقوالي أمام مؤسسة الادعاء بشقّيها، وبالأدلة التي قدموها.. لكنني، وبعد أن قلّبت الموضوع على أوجهه كافة رأيت أن الموضوع لا يتعلق بشخصي، أو بعدة أشخاص يُعتقلون أو يُطلق سراحهم، وإنما يتعلق بمستقبل الوطن، وحرية التعبير فيه، وبحرية المواطن في أن يتمتع بحقوقه السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية، ويتعلق بمستقبل الديمقراطية، والنظام الذي يجب أن ينهض بالحق والقانون… وهذا وضعني أمام السؤال الحاسم، الذي لم أعثر له على جواب، وأعتقد أن جوابه ليس في ملف الدعوى المنشورة أمام محكمتكم، وهو: لماذا أنا معتقل..؟ فإذا كانت مشاغلكم لا تسمح لكم بعناء البحث عن جواب، فإن هذه المسألة هي شغلي الشاغل الآن، فأنا متفرغ في هذه الزنزانة لملاحقة حتى الأشباح.. علني أعثر على جواب…

فأنتم، وأنا، طرف واحد بما يخص هذه المسألة... فهل سبق لكم أن واجهتم حالة كهذه..؟!

 

 

 

الـفصــل الـثــالـث

الأســبـاب الـمبــاشــرة

(المفترضة)

 

 

36.    أخشى أن يُفهم مما تقدم، أنني قصدت القول، أن وجودي في السجن، كان،     بلا سبب.. وأنني بريء إلى درجة مطلقة… ذلك أن معايير البراءة هنا ليست معايير قانونية، وإنما معايير واقعية، معايير أمنية ربما، معايير سياسية.. لا أعرف بالضبط، لهذا قلت أنه لا بدّ من وجود سبب ما، وراء اعتقالي، لكن هذا السبب، وعلى سبيل القطع، ليس في ملف الدعوى.. هناك سبب أو أسباب مسكوت عنها في ملف هذه الدعوى، فدعونا نبحث عنه، أو عنها، ذلك أنه لا يليق بقدري أن أُعتقل، وأن أُعزل عن أسرتي وعن مجتمعي، دون سبب جوهري… كما أن ذلك لا يليق بالذين قرروا اعتقالي، رغم أنني    لا أعلم على أي مستوى اتخذ هذا القرار… كما لا يليق بمحكمتكم الموقرة، أن نكتشف بعد أشهر أو سنوات على اعتقالي – فالمسألة مفتوحة على ما يبدو، ومتوقفة على إرادة خفية عليّ وعليكم – أنها لم تجد سبباً مقنعاً لمحاكمتي، وأن يُطلب إليها أن تصدر حكماً يطول، أو يقصر، دون أن تتكون لديها قناعة مسببة بذلك.. لذلك كله، فإن هناك رغبة تجتاح كياني في البحث وراء السبب الحقيقي الكامن وراء اعتقالي، حيث استيقظ داخلي المحامي، الذي يتابع مجريات الدعوى من خلال القناعة التي يقدمها إليه موكله، ثم ينتقل إلى ملف الدعوى فيتابع الادعاء والأدلة ومواقف الأطراف الأخرى.. ثم عليه بعد ذلك أن يرسم مخططاً بذهنه لمجريات أحداث الدعوى قد لا يتفق مع رواية أي من الأطراف في الدعوى، ثم عليه بناءً على ذلك أن يبني موقفه القانوني من القضية، موقفه الذي يرضي ضميره.. لهذا فإنني حقيقة مهتم بمعرفة السبب الجوهري وراء اعتقالي، بغضّ النظر عن الإدانة أو البراءة، وقد تعززت هذه الرغبة مع ليالي العزلة، وأضحت فوق كل اعتبار وقبله، رغم أنني على يقين بأن المهمة بالغة الصعوبة، لأنني سأكون كمن يجري وراء أشباح لا يواجهونني، لا أعرف ماذا يدور في رؤوسهم، لهذا سأحاول أن أضع الافتراضات والاحتمالات بين أيديكم، ملتمساً مساعدتكم، لعل هذه المذكرة تستفز من يهمهم الأمر، فيفصحون لي ولكم عن السبب الجوهري وراء اعتقالي، فترتاح ضمائركم ويرتاح ضميري كذلك…، ثم، ألا يمكن أن يتبين أولئك، الذين يهمهم الأمر، أنهم ارتكبوا خطأ فادحاً بحقي، وبحق الموكلين التسعة المعتقلين معي، وربما بحق أسرهم، وما هو أبعد من ذلك، فيتراجعوا عن الخطأ، عوضاً عن التمادي فيه.. وذلك بحثاً عن الفضيلة الكامنة في التراجع عن الخطأ..؟ فلعلهم مازالوا يهتمون بالفضائل..!

بعيداً عن ملف القضية، أو إضافة له، دعونا نتفق أن السبب الجوهري الكامن وراء اعتقالي هو الآراء والمواقف السياسية التي صدرت عني، فهذا يسهل علينا البحث حتى  لا نضيع في متاهات أخرى.. إذن فلنفتش في تلك الآراء والمواقف عن سبب، توهم، أصحاب القرار بالاعتقال، إنني لهذا السبب، أهدد أمن الدولة، ثم دعونا نناقش أين الحق، وأين الخطأ في الموقف... 

 

37.    لنبدأ بالبحث في الأسباب المباشرة المفترضة…

بدايةً، لا يمكن أن أنسب إلى الجهة صاحبة القرار باعتقالي، أنها قررت الاعتقال بلا سبب جوهري، بل أكثر من ذلك أكاد أجزم أنها لم تكن راغبة باعتقالي في هذا الوقت بالذات، بدليل أنني تلقيت قبل 48 ساعة من اعتقالي تحذيراً صريحاً عن طريق ممثل منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي في العلاقة مع جهاز الأمن، بأن الكيل قد فاض بالنسبة إلي، وأن بيني وبين الاعتقال شعرة رفيعة.. سألت: "ما المطلوب إذن؟"،قال: "بصريح العبارة، مطلوب الصمت، كفى..".. مطلوب مني صراحة أن أصمت، أن أكفّ عن أي نشاط لاحق، وإلا…! حقيقة الأمر، شعرت وقتها بالامتنان بيني وبين نفسي لمرسل التحذير لأنه من جهة يدلّ على حرص من جانبه، ويطالبني بشكل غير مباشر أن أجنبه تنفيذ قرار الاعتقال، ولأنني عرفت صراحة أن بيني وبين الاعتقال شعرة تصورت أنها تحتاج إلى أسابيع كي تنقطع، ولم يخطر ببالي أنها لن تصمد أكثر من 48 ساعة… المهم، أنني حاولت قدر المستطاع، وبكل ما أملك أن أجنبهم وأجنب نفسي تنفيذ قرار اعتقالي، رغم التداعيات الساخنة التي تسارعت باعتقال أصدقاء أعزاء من جهة، وبالتداعيات التي لحقت بذلك.. ووجدت نفسي أمام خيارين، لا مجال للتذبذب بينهما: إما أن أكون أنا، أنا، فأنهض بالموقف الذي وهبت نفسي له، إضافة إلى موقف مضاف نتيجة الاعتقالات يفرض أن أقوم بواجبي وما يفرضه علي شرف مهنة المحاماة باتخاذ كافة الخطوات والإجراءات للدفاع عن موكلين وضعوا ثقتهم بي، وهم قبل ذلك شركاء لي في حمل هموم مشتركة تتعلق بالوطن والحريات العامة والمستقبل، وإما أن يدفعني الخوف من التحذير، ومن أهوال الاعتقال التي ترسخت في الذهن قصصاً وروايات مرعبة، فألغي هذه الأنا من الوجود، وأصبح أي شيء آخر.. أي شيء آخر ضعيف، مذعور، ضئيل، أقل من حشرة… سأترك لخيال كل منكم أن يطلق عليه ما يشاء، ويجسّده بالكائن المناسب…

 

38.    أعترف أمامكم، أنني، ورغم دقة الموقف وخطورته، ورغم الصور المرعبة للمعتقلات التي استحضرتها الذاكرة بإلحاح وخبث شديدين، لم أشعر للحظة واحدة أنني أمام خيارين، وإنما أمام خيار واحد لا شريك له، وهو أنني لن أكون إلا أنا…ولن أقول العياذ بالله منها، بل أنا فخور بها، فهذا يومها..!!

وهكذا أيها السادة، وجدت نفسي أمام خيار لا شريك له، وهو أنني سأتشبث بموقفي الوطني القومي كما هو، لا زيادة ولا نقصان من جهة، وسأقوم بواجبي تجاه أخوة، وأصدقاء، وشركاء، ومناضلين قبل أن يكونوا موكلين، ولو كانت النتيجة أن ألحق     بهم.. وبالتالي فإن موقفي لم يكن أبداً، ولا بأي حال من الأحوال، تحدياً للتحذير أو لصاحبه، وإنما كان استجابة لموقف عاهدت نفسي أنني لن أحيد عنه تحت أي ظرف، واستجابةً لشرف مهنة التزمته على طول الخط، ووفاء لمناضلين ووطنيين وسجناء رأي وضمير لا أملك تحت أي اعتبار أن أخذلهم في محنتهم.. فالحياة موقف أولاً وأخيراً، وقد حانت ساعته، وهذا هو ميدانه.. وكان هناك أمل، ولو ضئيل، يحدوني بأنه سيتمّ تفهم موقفي، وسيتم تقديره ليس بعدم اعتقالي وحسب، وإنما بالتراجع عن القرار الخاطئ باعتقال الأخوة والأصدقاء، فيتم إطلاق سراحهم في الحال ليجنبوا أنفسهم ويجنبوا الوطن آثار ممارسات خاطئة آن لها أن تنتهي، وأن تصبح جزءاً من الماضي، وحسب... لكن الأمل خاب… وأصحاب قرار الاعتقال رأوا على ما يبدو أن الكيل قد طفح، فقطعوا الشعرة، وكان قرار الاعتقال… ليكن هذا موقفهم، لكن هل لي أن اسأل عن موقفكم أنتم؟ هل لي أن أسأل هيئتكم الموقرة: أين الجرم في موقفي؟ بل، بالإضافة إلى الموقف العام، هل كنت أستحق أن أحمل على صدري شعار المحاماة (الحق والعروبة) لو تخاذلت عن ذلك قيد أنملة، واتخذت موقفاً آخر..؟ هل أذكر لكم الأسماء وملابسات الاعتقال..؟ دعوني أذكرها لكم باختصار شديد، وحسب تسلسل تواريخ الاعتقال:

 

39     1- السيد مأمون الحمصي، عضو مجلس الشعب الذي اعتقل من مكتبه لأنه علّق بياناً على باب مكتبه يقول فيه لناخبيه الذين يمثلهم في مجلس الشعب، أنه بذل جهده لتحقيق مطالبهم في العدالة والمساواة واحترام الدستور ومواجهة التجاوزات على أمن المواطنين وحرياتهم الأساسية وإلى آخره.. وأنه اصطدم في نهاية المطاف بالمعوقات، وأن طريقه مسدود، لذلك عاد إلى ناخبيه يعتصم في مكتبه بينهم، ويعلن إضراباً عن الطعام لمدة أسبوع... إنها طريقة راقية وحضارية.. كنت آمل أن ينتقل رئيس مجلس الشعب، وأعضاء مجلس الشعب، ورموز السلطة التنفيذية إلى مكتبه يرجونه التراجع عن إضرابه عن الطعام وعن اعتصامه، وأن مطالبه ستناقش بكل حرية… لكن، عوضاً عن ذلك، انتُزع بقسوة من فراشه وتمّ اعتقاله رغم أن الدستور يحصن عضو مجلس الشعب، ويكفل له الحرية بإبداء رأيه داخل المجلس وخارجه، ولا يساءل عن مداخلاته.. كما أن الدستور حرم توقيف عضو مجلس الشعب إلا بالجرم المشهود حصراً، وبعد الحصول على أذن مجلس الشعب، أو من رئيسه في حال كان المجلس في إجازة.. ولم يراع الدستور ولا القوانين، وبما أن الإجراءات باطلة، وما بُني على باطل فهو باطل، فإنني طالبت بإطلاق سراحه في الحال، وأوضحت ملابسات التوقيف اللاقانونية، كما أوضحت أن سبب اعتقاله هو البيان الذي تضمن مطالبه حصراً، وأن ملف الدعوى يقتصر على ذلك.. وذلك رداً على خفافيش الظلام التي استغلت وجوده معزولاً في السجن فتذكرت أن له تاريخاً في علاقات تهريب بينه وبين بعض رموز السلطة.. وأكدت أن الدعوى تدور حول البيان حصراً، وأن الدفاع يستند إلى البيان في الدفاع، وقد تأكد ذلك مرة أخرى عندما استُدعي للتحقيق مرة ثانية، وبحضوري، حيث كان السؤال الذي تكرر على مدى أكثر من ساعة ونصف: هل تراجعت عن البيان..؟.. هل نفهم من ذلك أن هذا يعني تراجعاً عن البيان..؟ وعندما نفى تراجعه عن البيان أُعيد إلى السجن، ومازال…

 

40.    2- المناضل، الزميل الأستاذ المحامي رياض الترك، هذا الرجل الصابر، الصامد، الرجل الحق، له دَين في أعناقنا نحن القوميين العرب، لن نفيِه حقه لأجيال قادمة.. ففي أواخر الستينيات، ومطلع السبعينيات، ومع تصاعد الهجمة على الوجود القومي للأمة العربية بعد هزيمة الانفصال التي جرت، هزيمة 1967، فإن الهجمة على الأمة وصلت إلى الجذور، فتجرأت القوى الإقليمية لأول مرة منذ سنوات على طرح القضية بشكل عقائدي ومنهجي، وهي أن الأمة العربية غير موجودة، وبالتالي فإن الدعوة للوحدة العربية دعوة ديماغوجية لا أساس لها، وطرحت هذه القضية انطلاقاً من مواقف يمينية، وانطلاقاً من مواقف يسارية في وقت واحد، من منطلقات متناقضة باتجاه هدف واحد، وطرحت هذه المسألة بحدة على الحزب الشيوعي السوري، فوقف المناضل رياض الترك (أبو هشام) ذلك الموقف الذي لا يمكن أن ننساه له، إلى جانب أمته العربية وهويتها، فانشق الحزب الشيوعي السوري على هذا الأساس، وعندما كاد التيار الإقليمي الانعزالي أن يلقى هزيمة منكرة، فإنه لجأ إلى الاتحاد السوفيتي (العظيم) حينها ليتدخل، وهو القاعدة غير المنكورة للاشتراكيين في العالم، وكانت المفاجأة أن الحكماء السوفيت أصدروا فتواهم الشهيرة بأن الأمة العربية غير مكونة، وأنها قد تكون قيد التكوين، وأن إسرائيل دولة معترف بها دولياً، وبالتالي فإن الدعوة إلى الوحدة العربية، والدعوة إلى تحرير فلسطين هي دعوة لا أساس لها في (الفكر الماركسي العلمي)، فكان الموقف الحاسم الذي اتخذه هذا الرجل، الرجل، رياض الترك، ليقود التيار المناضل داخل الحزب الشيوعي… الغريب، والذي لم أفهمه كقومي عربي، هو أن حزب البعث العربي الاشتراكي قائد الدولة والمجتمع من بداية السبعينات، وهو الحزب الذي يرفع شعار الوحدة والحرية والاشتراكية، قرر التعاون مع التيار الإقليمي الانعزالي في الحزب الشيوعي الذي لا يعترف بوجود الأمة العربية أصلاً، ولاحق التيار القومي التقدمي داخل الحزب واعتقل قائد هذا التيار رياض الترك لمدة ثمانية عشر عاماً… رياض الترك هذا أُطلق سراحه منذ سنوات قليلة، ودعيناه لإلقاء محاضرة عن مستقبل الديمقراطية في سورية، وألقى محاضرة من أهم المحاضرات التي أُلقيت في منتدانا، ذلك أن المناضل رياض الترك لم يكتفِ بتقييم التجربة التي انقضت، وإنما قدّم برنامجاً للمستقبل.. لقد كنت أتابع هذا الشيخ الجليل كلمة بكلمة، وهو يدعو لمستقبل وطني، لمصالحة وطنية.. لم تورثه سنوات الاعتقال المديدة كلمة واحدة عن الثأر، لم يطالب بشيء يعوض فيه ما مضى، كانت مطالبه من أجل الجميع، وللجميع. لقد أكبرت هذا الموقف، أكبرت هذا التسامح، أكبرت هذه القوة، أكبرت هذه الشجاعة، لأن هذا ما يمكث في الأرض، وأما الزبد فسيذهب جفاءً… وأعقبت هذه المحاضرة مداخلة إعلامية أعاد فيها جزءاً من المحاضرة ذاتها، وقد توقعت فعلاً من فرط حسن النية الذي أُتّهم دائماً به، أن الأيدي ستتسابق من كل الأطراف لتلاقي اليد الممدودة من قِبَل رياض الترك، لكنني فوجئت باعتقاله.. كان يوم اعتقاله فجيعة بالنسبة إلي. كان يوماً حزيناً.. حزيناً… كنت على موعد معه في ذات يوم، وكنت أنتظره وقد علمت أنه عانى من مشاكل صحية، وأنه ككل المناضلين الذين عرفتهم، مهمل لصحته، يتحدى هذا الجسد الضئيل، ويحمّله ما لا يحتمل.. المهم علمت أنه تمت إحالته إلى هذه المحكمة، فأسرعت لتنظيم وكالة خاصة بعد أن أعلمني الزميل الرئيس، رئيس فرع نقابة المحامين بدمشق، الأستاذ وليد التش، أن الأستاذ رياض الترك رفض الاستجواب أمام المحكمة إلا بحضوري، وأنه ذهب إلى المحكمة مرتين، فشكره الأستاذ رياض الترك وصمم على موقفه… لكن ورغم الحصول على أذن من هذه المحكمة على تنظيم الوكالة، ورغم أن الوكالة تم تنظيمها من وراء ظهري، فلم يُسمح لي حتى بحضور تنظيمها، كما أن الأوامر.. الأوامر أيها السادة، من أين لا أدري.. كانت حاسمة بأن     لا تُسلم هذه الوكالة لي.. لقد اعتُقلت، ومضى ما مضى على اعتقالي، ولم أستلم هذه الوكالة حتى الآن، وحتى بعد اعتقالي، وحتى هذه اللحظة، لم يُسمح لي أن ألتقي به رغم أننا في سجن واحد.. ماذا تريدونني أن أقول عن هذا كله، وعن أي قانون نافذ تريدونني أن أتحدث، وعن أي نقابة تخضع لضغوط  لا أعرف من أين، وعن أي محكمة..؟

 

41     3- السيد رياض سيف، عضو مجلس الشعب، هذا الرجل الصناعي الشجاع الذي يحمل طموحاً بأن يُنتج، ويعمل، ويحقق الاحترام لهذه العبارة: (صُنع في سورية)... تابعته عن بُعد دون أن ألتقيه، أعجبت بشجاعته في طرح العديد من المواضيع، واختلفت معه في مواضيع أخرى، لكن الاختلاف لا يفسد للودّ قضية. ثم تابعت هذه الشعبية التي بدأ يكسبها، كرجل عام، في ظروف بالغة الصعوبة والدقة. ثم اقتربت منه بعد أن أعلن منتداه للحوار الوطني، وحوّل منزله إلى ساحة للحوار الوطني.. وكنت دائماً أعتبر أننا بحاجة لمئات من هذا الطراز، وكان من الطبيعي أن نصبح أصدقاء، وأن أشاركه همومه التي تجاوزت الحدود، ثم تابعت حماسه الشديد عندما قرر في الفترة الأخيرة أن يكون نائباً بحقّ، ففتح ملفات الهاتف الخليوي بشجاعة، وقدّم دراسة هامة عن الموضوع وعن المخالفات المرتكبة، ثم أعاد افتتاح منتداه بمحاضرة هامة للصديق العزيز برهان غليون، كان لها أثر إيجابي دعا من خلالها إلى برنامج إصلاحي يبدأ من رئيس الجمهورية.. وقد توقعت أن يكون لهذه المحاضرة والحوارات التي تبعتها دورٌ في تفعيل مشروع التحول الديمقراطي في البلاد، ولم يخطر ببالي على الإطلاق أن السيد رياض سيف عضو مجلس الشعب، سيخسر حريته نتيجةً لها.. وعندما أُبلغت الخبر، كدت لا أصدق، فهو يتمتع بالحصانة، ولم يُعتقل أثناء المحاضرة وإنما بعد انقضاء أكثر من 48 ساعة عليها، وأنه كان نائماً عندما حضروا لاعتقاله، وأن اعتقاله كان بدون مذكرة توقيف، وبحجة أن وزير الداخلية يدعوه إلى فنجان من القهوة.. ولم نعرف أنه قيد الاعتقال إلا بعد مرور ساعات على اعتقاله عندما أذاعت وكالة الأنباء الرسمية خبر الاعتقال… وكان من الطبيعي أن أخف إلى منزله أعلن تضامني، وفي اليوم التالي تقدمت لتنظيم وكالة عنه، لكن المماطلة أخّرت تنظيم الوكالة فاعتُقِلت قبل أن أتسلمها…

 

42     4- السيد الدكتور كمال اللبواني، هذا الطبيب الشاب الذي كان يلفت نظري بمتابعته الدائمة والدائبة لنشاط المنتديات، وخاصة منتدانا، منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي، كما أنه عضو الهيئة التأسيسية لمنتدى الحوار الوطني الذي يُعقد في منزل النائب رياض سيف، كما كانت تلفت نظري مداخلاته الجريئة والهادفة في الصميم، ورغم أن الظروف لم تسمح بتمتين العلاقة الشخصية بيننا فإنني كنت في كل ندوة أنتظره، وأفتقده إذا غاب.. كان يترك عيادته في الزبداني ويحضر إلى دمشق لمتابعة هذه الندوات مما يوحي بشفافية واهتمام بقضايا وطنه ومستقبله. لا أعرف لماذا في مساء ذلك اليوم قررت أن أتصل به، أطمئن على أحواله، قالت لي زوجته ببراءة أنه ذهب لإسعاف مريض، وأنهم أخذوه من المنزل لهذه الغاية.. طلبت إليها أن يكلمني فور عودته، ولو كان الوقت متأخراً، وانتصف الليل، ولم يتكلم.. بعد منتصف الليل اتصلت بي زوجته تخبرني بهلع وخوف: كمال لم يعد إلى البيت، هل لديك معلومات..؟ قلت لها مطمئناً: لا تقلقي، أحوال الأولاد؟ قالت: نائمون.. قلت لها: سيعود إن شاء الله، سنبقى على اتصال.. وبقينا على اتصال حتى الصباح عندما طلبت إليها أن تذهب إلى قسم الشرطة لتنظيم ضبط باختفاء زوجها، وتمّ تنظيم الضبط، وهمسوا بأذنها: يمكن أن يكون الأمن قد اعتقله..!!

 

43.    5- السيد الدكتور وليد البني، هذا الطبيب الشاب الذي لفت نظري بحماسته ومداخلاته المباشرة، ومتابعته الدؤوبة لمنتدانا، وبنشاطه في لجان إحياء المجتمع المدني والبيانات التي صدرت عنها،وكذلك نشاطه الدؤوب في الهيئة التأسيسية لمنتدى الحوار الوطني.. كانت مداخلاته في منتدانا دورية، لم يتغيب عن ندوة واحدة، وكانت نزعته للديمقراطية واضحة.. في تلك الليلة ذاتها، اتصل بي أحد الأصدقاء، قال: لقد اعتقلوا الدكتور وليد البني.. لم أصدق، اتصلت، ردّت السيدة زوجته، قالت بحزن: لقد علمت فقط من الناس أنهم أخذوه من العيادة.. من هم؟ لا أدري.. إلى أين؟ لا أعلم.. قلت لها أرجو أن يكون استدعاءً طارئاً، سيعود بإذن الله، نبقى على اتصال.. وهكذا أمضيت تلك الليلة أتبادل الاتصال مع زوجة الدكتور كمال اللبواني، ثم مع زوجة الدكتور وليد البني حتى الصباح، أحاول أن أكون مطمئناً لهما، مستغرباً في الوقت ذاته: لماذا؟ من أجل كلمة؟! من أجل الدعوة للديمقراطية؟! من أجل رأي..؟!!  

 

44.    6- السيد الدكتور عارف دليلة.. هذا الصديق العزيز، والاقتصادي البارز الذي يستمتع بملاحقة الفساد والفاسدين، وكشف المستور، ضارباً بعرض الحائط بمصلحته الشخصية. وكان من الطبيعي أنه كلما شدّد حملته على الفساد، كلما اقتربنا من بعضنا أكثر.. كان يصعّد نشاطه في ندوة الثلاثاء الاقتصادي، وكانت محاضرته السنوية فيها ومداخلاته الدؤوبة، حديث الناس.. عارف دليلة هذا تعدد نشاطه من لجان إحياء المجتمع المدني إلى حركته الدائمة في المنتديات ومحاضراته ومداخلاته التلفزيونية، يحمل هموم وطنه وشعبه، ويتابع الدراسات حول ثروات البلاد، والثروات غير المشروعة للبعض، والسفه عند البعض الآخر، وينتقل ليلقي المحاضرات من مدينة إلى أخرى، من منتدى إلى آخر يدقّ ناقوس الخطر، ويدعو لليقظة قبل فوات الأوان، وعندما تعمّق بدراسة المشكلات الاقتصادية وصل إلى استنتاج هام، وهو أن المشكلات الاقتصادية في سورية ليست اقتصادية، وإنما هي مشكلات سياسية، فضاقوا به وبنشاطه، نقلوه من الجامعة، وعندما قمنا بالطعن بالقرار أمام مجلس الدولة، قاموا بتسريحه وإحالته إلى التقاعد… هذا العارف دليلة جاء ليلقي محاضرة في منتدانا، كان هادئاً صبوراً يحذر من المخاطر، لكن عندما استفزوه، قال ما يجب أن يُقال.. في الاقتصاد والسياسة. بعد المحاضرة أشفقت عليه رغم أن كل ما قاله ضمن القانون، وتحت سقف الدستور. في صباح ذلك اليوم، والذي قضيت ليلته على الهاتف بين زوجة الدكتور كمال اللبواني وزوجة الدكتور وليد البني، اتصلت به لأطمئن عليه.. ردّ على الهاتف، كان يجهّز نفسه لمغادرة المنزل، طلبت إليه أن يمر عليّ لنشرب القهوة معاً.. بعد نصف ساعة، اتصل بي أحد الأصدقاء.. لقد اعتقلوا د. عارف دليلة.. أيضاً، وأيضاً…

 

45     7- السيد حسن سعدون، هذا الرجل الذي تعرفت عليه من خلال مداخلاته الهادفة في منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي، والقادم من التخوم الشمالية لوطننا..لا يمكن أن أنسى، كيف كان يواجهنا بحدة عندما يضغط علينا الوقت، وعدد المتداخلين الكبير، فنضطر لتوقيف المداخلات، ومنها مداخلته مثلاً.. كان يواجهنا بصوته ذات النبرات الحادة: أنا قادم من 1000كم كي أقول رأياً.. لا يحق لكم أن تمنعوني من الكلام.. أنتم كغيركم… كنا نواجه انفعاله بالتحبب والودّ.. متحمس لوطنه، هادئ في طرحه، يدعو للحوار الوطني والديمقراطي… أحياناً عندما يصادفني خارج المنتدى يحدثني عن المستقبل، عن ما يجب أن يكون.. لقد مضى العمر.. إلى متى ننتظر… في صباح ذات اليوم لاعتقال الأخوة المذكورين في الفقرتين السابقتين تمّ اعتقاله، لم يعثروا عليه في منزله بدوما، فلاحقوه إلى القامشلي بعد أن كان قد حضر جلسة للمنتدى، استدرجوه إلى فرع الأمن هناك، وطلبوا إليه أن يستبدل ملابسه بملابس عسكرية، ونقلوه إلى دمشق..!

 

46.    8- السيد حبيب صالح، صديق قديم، من المتيمين حباً بجمال عبد الناصر، ومن خلال ذلك بأمته العربية، قومي، صادق، يقول رأيه على السجية، شديد الانفعال والتأثر.. كان يتحمل مشقة السفر من طرطوس إلى دمشق مع كل جلسة من جلسات منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي، وكذلك منتدى الحوار الوطني، فقط ليقول رأيه، وغالباً بالقضية الفلسطينية والموقف القومي منها.. كان الأخوة البعثيون في منتدانا، وفي المنتدى الآخر، يستفزونه، فيردّ على الاستفزاز… لم يقل شيئاً يستحق عليه الاعتقال… كان موقفه قومياً لا غبار عليه.. لكنهم ضاقوا ذرعاً به فاعتقلوه في صبيحة ذات اليوم المشار إليه، فبعد مغادرته دمشق إلى طرطوس إثر جلسة لأحد المنتديات، تمّ اعتقاله من منزله وإحضاره إلى دمشق…

 

47     9- صحيح أن علاقتي بهؤلاء الأخوة، والمناضلين، والمثقفين، كانت تتجاوز علاقة المحامي بموكليه، فهم قبل ذلك وبعده أخوة أعزاء يجمعنا الهم العام، مهمومون بقضايا وطننا وأمتنا. تجمعني صداقة مع البعض، وتعارف مع البعض الآخر.. لكن، ومنذ لحظة اعتقالهم نهض دوري كمحامٍ عنهم ليتصدر علاقتي بهم، وذلك إضافة للسيد فواز تللو الذي تمّ اعتقاله معي في ذات الوقت حيث التقينا في المعتقل… هذا المهندس الشاب اللطيف الذي التقيته في منتدى الحوار الوطني يطرح أفكاره بهدوء وروية، خجول، يهتم بالوطن وقضية الديمقراطية والحوار.. تأثر كثيراً لاعتقال النائب رياض سيف حيث كان من الهيئة التأسيسية للمنتدى، كان متحمساً لأن يستمر المنتدى بأداء دوره.. فوجئت به معتقلاً، كما فوجئ هو..تعمقت علاقتنا في المعتقل، ظروف اعتقاله مماثلة لظروف اعتقالي.. كنت حقيقة أشعر أن هؤلاء الأخوة الأعزاء يحتاجون إلى صديق يقف معهم في محنتهم أكثر من حاجتهم إلى محام ، وكنت من ناحية أخرى قد عقدت العزم أن أحول قضيتهم من قضية دفاع عنهم إلى دفاع عن الوطن، دفاع عن الشعب، دفاع عن الحريات العامة، عن دولة الحق والقانون… لذلك فإن علاقتي بهم حتى لحظة اعتقالي كانت علاقة استعداد وإجراءات حيث كانت على الشكل التالي، وحسب الترتيب السابق:

 

48.    الأول، السيد مأمون الحمصي، تمكنت، وبعد عناء شديد، وتعقيدات    لا مبرر لها من تنظيم وكالة عنه، وبالتالي تمكنت من زيارته أكثر من مرة، وحضرت معه الاستجواب الثاني أمام قاضي التحقيق السابع بدمشق.. وأعترف أنني أعجبت بثباته على مواقفه المعلنة في بيانه، ورفضه التراجع.. وعندما حاولت بعض الصحف التشهير به وبموقفه القانوني وتقديم معلومات مغلوطة عن الدعوى، وجدت من واجبي أن أتصدى للدفاع عنه.. فقد اعتبرت محاولة النيل من سمعته وهو سجين معزول، عملاً غير أخلاقي، لذلك قررت إصدار بيان باسم هيئة الدفاع عنه، وهذا نصه الحرفي:

 

49 .                                           بيــــــــان

من هيئة الدفاع

عن عضو مجلس الشعب السيد محمد مأمون الحمصي

 

      عندما أعلن عضو مجلس الشعب السيد مأمون الحمصي مطالبه العشرة واعتصامه في مكتبه وإضرابه عن الطعام لمدة أسبوع اعتباراً من 7 / 8 / 2001 ، كان من المتوقع أن يتدخل السيد رئيس مجلس الشعب أو أحد المسؤولين لمفاوضة النائب المعتصم والبحث معه في طلباته والوعد بإجابة هذه الطلبات أو معظمها، ولكن فوجئنا أنه في صباح يوم 9 / 8 / 2001 تم إيقاظ عضو مجلس الشعب وإجباره على ارتداء ملابسه من قبل قوة مسلحة اقتادوه إلى القصر العدلي وتم توقيفه .

وقد تبرعنا في الحال لتشكيل هيئة للدفاع عن السيد محمد مأمون الحمصي ، ورغم المضايقات التي تعرضنا لها في البداية سواء بتنظيم الوكالة أو بالعراقيل التي وضعت لزيارته، فإننا وبعد الإطلاع على ملف القضية نبين ما يلي :

·      إن الإدعاء استند إلى البيان الذي كان السيد مأمون الحمصي قد علقه، في مكتبه ويتضمن المطالب التالية :

1 - المطالبة بقدسية الدستور والحد من حالات الطوارئ وإلغاء الأوامر العرفية .

2 - المطالبة بسيادة القانون وتعزيز سلطة القضاء والإصلاحات الضرورية له وضمان استقلاليته .

3 - المطالبة بإنهاء عمل الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش والتي أصبحت مصدر رعب وتصفية للحسابات وخرجت عن عملها القانوني المنوط بها .

4 - مطالبة الحكومة بالكف عن فرض الرسوم والضرائب ورفع الأسعار التي أنهكت المواطن وحطمت كل آماله ، متجاهلة أي زيادة تحقق الحد الأدنى من العدالة .

5 - المطالبة الدائمة بملاحقة الفساد والهدر بكل أشكاله .

6 – رفع أيدي بعض المسؤولين وأبنائهم عن خيرات هذا الوطن من أجل توزيع هذه الخيرات بالعدالة والمساواة لكل فئات الشعب .

7 - المطالبة بإلغاء عقود الخليوي لما ظهر فيها من خروج عن الدستور وتلاعب في العقود لمصلحة بعض المتنفذين وإضاعة الفرصة لدعم الخزينة حتى تنعكس بالفائدة على المواطن .

8 - المطالبة بالحد من تدخلات الأجهزة الأمنية في الحياة اليومية وأن يقتصر عملها على الأمور التي تخص أمن الوطن وأن يعاد ترتيبها على هذا الأساس ، وأن تحول أبنيتها المتعددة في كل المحافظات إلى جامعات من أجل أن ننزع الخوف من قلوب المواطنين ومن أجل أن نبني أجيالاً تمارس حقها في الحرية وتتعلم الديمقراطية بشكلها السليم .

9 - المطالبة بتشكيل لجنة برلمانية لحماية حقوق الإنسان وأن تمنح الحكومة التراخيص اللازمة من أجل إنشاء هذه اللجان .

10 -المطالبة بتفعيل دور مجلس الشعب وعدم المساس والتعرض للناشطين فيه وعدم قمعهم  وتغيير الأسلوب المتبع بالضغط عليهم داخل المجلس وخارجه والالتزام بالمادة ( 66) من الدستور المتعلقة بحصانة النواب ، وأن يلتزم رئيس مجلس الشعب بتطبيق النظام الداخلي بالشكل الأمثل .

 

·   رسالة تضامن من اللجنة العربية لحقوق الإنسان وجواب شكر من السيد الحمصي عليها  ونحن هنا لن نبحث في حيثيات القضية ودستورية توقيف موكلنا وصحة الإجراءات أو بطلانها ، فنحن على ثقة من أن القضاء العادل سينصف موكلنا في النهاية . ما يهمنا الآن هو حملة التشهير التي تشنها بعض الأقلام المجهولة النسب على الموكل وهو في موقف لا يستطيع الدفاع عن نفسه ، وتنسب إليه أفعالاً وممارسات لا وجود لها في ملف القضية الموقوف على حسابها ، لذا فإنه من الواجب أن نوضح للرأي العام ما يلي :

1 -          إن القضية الوحيدة مسار الإدعاء على السيد محمد مأمون الحمصي عضو مجلس الشعب ، هي البيان المشار إليه ، وبالتالي فإن هذا البيان هو أيضاً الموضوع الوحيد للدفاع .

2 -          إننا نقوم بواجب الدفاع عن السيد محمد مأمون الحمصي تبرعاً من قبلنا ودون أي مقابل  ونعتبر أن المطالب التي وردت في بيان عضو مجلس الشعب محمد مأمون الحمصي مطالب مشروعة من حقه بموجب الدستور والقوانين الإعلان عنها، بل ومن واجبه أيضاً .

3 -          لا علاقة لهيئة الدفاع ، ولا يوجد في ملف الإدعاء أي قضية أو مسألة سابقة . .  ونحن نتساءل عن سبب التشهير الذي يلحق بشخص السيد محمد مأمون الحمصي  وتاريخه ، ونحذر أنه من حقه قانونياً ملاحقة المشهرين به عندما يمتلك حريته في ذلك . . . ونتساءل أيضاً لماذا تثار الآن قضايا وشائعات تعود إلى عشرين عاماً أو خمسة عشر عاما،ً ولماذا السكوت عليها طيلة هذه المدة . . . مع أنه يتمتع بعضوية مجلس الشعب منذ عشر  سنوات ..؟!

ـ إن قضية السيد محمد مأمون الحمصي عضو مجلس الشعب كما هي في ملف القضية       1743 / 2001 هي قضية رأي ورأي عام . وهي كذلك في ملف الإدعاء حصراً، وهي كذلك أيضاً في مذكرات الدفاع . . . فالقضية لا تتعلق بشخص السيد محمد مأمون الحمصي وإنما تتعلق بمطالب محددة وردت في بيانه كما حرص السيد مأمون الحمصي على مناقشتها خلال فترة عمله كنائب في مجلس الشعب السوري ، وبالكيفية التي عالجت فيها السلطات هذه القضية وهو يعتقد أنه من حقه أن يطالب بها ومن واجبه أيضاً .. وإذا كانت وزارة الداخلية قد اعتبرت أن ذلك يشكل جرماً وأن ( أداة الجريمة ) هو هذا البيان فإن الكلمة الأخيرة للقضاء .

 

ـ إننا على ثقة بأن القضاء في بلدنا يمتلك قدرات وكفاءات ممتازة والمشكلة كامنة في أجهزة اعتادت أن تتدخل في كل كبيرة وصغيرة تتعلق بحياة شعبنا وفي عمل مؤسساته ودوائره القضائية والتشريعية والتنفيذية . .

 

ـالمطلوب الآن أن تعود تلك الأجهزة إلى قواعدها وأن تترك مؤسسات المجتمع تؤدي دورها بكفاءة واستقلالية، فهل تنتهي دولة المخبرين وتنهض دولة المؤسسات ؟ هذا هو الأمل ... لهذا فقد اعتبرنا إحالة قضية السيد محمد مأمون الحمصي إلى القضاء العادي فرصة تاريخية لمؤسسة العدالة في بلدنا قضاة ومحامين، وتفعيلاً لدور القانون ، أن نقف الموقف الذي يتناسب واللحظة التاريخية التي تمر فيها بلادنا .

   لهذا فإن هيئة الدفاع تتمنى على الجميع التقيد بحيثيات الدعوى وموضوعها حصراً . . ونحن من جهتنا ننطلق من اعتبار المطالب التي تقدم بها السيد محمد مأمون الحمصي في بيانه هي بحد ذاتها الأداة التي نعتمدها في الدفاع .

ولا حول ولا قوة إلا بالله .

دمشق في 19 / 8 / 2001                          هيئة الدفاع

                                                عن عضو مجلس الشعب السيد مأمون الحمصي  

 

50.         الثاني، الزميل المحامي الأستاذ رياض الترك، أوضحت أنني لم أتمكن من استلام الوكالة عنه، ولم يُسمح لي بزيارته، وقد أصدرت بياناً بصفتي ناطقاً رسمياً باسم منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي، قمت بتلاوته في جلسة المنتدى بتاريخ 2/9/2001 استنكرت فيه اعتقاله، وطالبت بالإفراج عنه، وهذا نص البيان:

 

بيان ناطق رسمي

 

قامت الأجهزة الأمنية يوم السبت الأول من أيلول – سبتمبر – بملاحقة المناضل المحامي رياض الترك إلى طرطوس حيث تم إلقاء القبض عليه رغم ظروفه الصحية الدقيقة، واقتادته إلى جهة مجهولة.

لقد اعتبرنا ذلك اليوم يوماً حزيناً آخر في تاريخ سورية، ذلك أننا كنا نأمل أن تكون هذه الممارسات التعسفية للأجهزة الأمنية قد أصبحت من الماضي، وذلك كمقدمة ضرورية لا بدّ منها لتنهض دولة العدل والقانون والمواطنية الحقة.

إننا في منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي تنتابنا مشاعر خاصة من جراء هذا التصرف اللامسؤول، ذلك أن النشاط العام الأخير للمناضل رياض الترك تمثّل في تلك المحاضرة الهامة التي ألقاها في منتدانا عن الديمقراطية ومستقبل الديمقراطية في بلادنا.. ورغم أننا في المنتدى نقف على مسافة معينة من الأفكار التي يتم تداولها في منتدانا ونتداعى جميعاً محاضرين ومستمعين ومتداخلين إلى الكلمة السواء، فإننا قدّرنا عالياً تلك الروح السامية السمحة التي دعا من خلالها في الفصل الأخير من محاضرته إلى النظرة المستقبلية وإلى الاتفاق والتعاقد الوطني والحوار المفتوح والتطوير الإيجابي للمجتمع ومؤسساته القانونية والتنفيذية والتشريعية.. وكان الأمل يحدونا أن تصل هذه الدعوة إلى جميع من يهمهم الأمر في البلاد لنشترك جميعاً ودون استثناء، ودون اصطفاء ودون إقصاء، في بناء وطن هو من البداية وإلى النهاية وطننا جميعاً.

إننا بقلوب تنبض بالحزن والأسف، تلقينا نبأ اعتقال هذا المناضل الكبير من قِبَل أجهزة أردنا أن نصدّق أنها قد أُعيدت إلى أدوارها واختصاصاتها بعيداً عن التدخل في حياة المواطنين في بلدنا وما يجب وماذا لا يجب أن يقال.

إننا لا نقول ذلك دفاعاً عن رياض الترك رغم أننا جميعاً على استعداد أن نفتديه في أية لحظة. ولكننا قبل ذلك وبعده، نقوله دفاعاً عن وطن آن له أن ينهض، ذلك النهوض المرهون أولاً وأخيراً بنهوض دولة المؤسسات الحقيقية والشرعية. وهذا كله يتوقف على وضع حد حاسم للتعسف الذي تمارسه الجهات الأمنية.

إننا في منتدى جمال الأتاسي نأمل ممن يهمهم مستقبل هذا الوطن أن يتكاتفوا لإطلاق سراح رياض الترك فوراً.

· الحرية لسجناء الرأي في سورية.

· الحرية للمنفيين في العودة إلى الوطن

· الحرية لرياض الترك

                                                             الناطق الرسمي

المحامي حبيب عيسى

 

51.    الثالث، السيد رياض سيف، عضو مجلس الشعب الذي اعتقل على خلفية إعادة افتتاح منتدى الحوار الوطني في منزله، وقد كان من الطبيعي أن أصدر بياناً باسم منتدى جمال الأتاسي تضامناً مع منتدى الحوار الوطني حيث استنكرت اعتقال النائب رياض سيف، وهذا نص البيان:

 

 

تصريح الناطق الإعلامي حول اعتقال النائب رياض سيف

 

تلقينا مساء يوم الخميس 6/9/2001 نبأ اعتقال السيد رياض سيف عضو مجلس الشعب ومنظم منتدى الحوار الوطني.

إننا إذ نستنكر بشدة هذا الاعتقال الذي يعتبر مخالفاً لأبسط الحقوق، وانتهاكاً لحقوق الإنسان، واعتداء على الحق الدستوري لعضو مجلس الشعب، وعلى الحصانة التي يتمتع بها،  نطالب بالإفراج الفوري عنه.

إن اعتقال السيد رياض سيف في اليوم التالي لاستئناف منتدى الحوار الوطني نشاطه، وعلى أثر الندوة الوطنية التي عقدها المنتدى حيث تداعى الجميع إلى عقد وطني، والى التكاتف من أجل تطوير الحوار الديمقراطي في بلدنا، يؤكد أن هناك قوى خفية لا تتورع عن أي فعل لمقاومة قوى التطوير والإصلاح والديمقراطية في بلادنا.

لقد سبق لنا في منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي أن نبهنا إلى خطورة التضييق على المنتديات في نيسان الماضي، وأعلنا أننا جزء لا يتجزأ من هذا الحراك الثقافي والاجتماعي والسياسي، وأن زهرة لا تصنع ربيعاً، وأننا لن نتوقف عن نشاط منتدانا، وأننا سنصمد في مكاننا إلى أن يعود الجميع إلى أماكنهم، وعندما أعلن الأستاذ رياض سيف استئناف نشاط منتدى الحوار الوطني في الخامس من الشهر الحالي، استبشرنا خيراً. وعندما حضرنا الندوة والحوار الوطني المسؤول، اعتبرنا ذلك مقدمة لأن تعود كافة المنتديات لاستئناف نشاطاتها، وأن تعود واحات الحرية للزحف على التصحر في الواقع، وفي العقول أيضاً. لكن اعتقال الأستاذ سيف جاء ضربة أخرى للأحلام التي أردنا أن تترجم واقعاً ملموساً.

إن اعتقال الأستاذ رياض سيف عضو مجلس الشعب بعد استئنافه لنشاط منتدى الحوار الوطني، بعد اعتقال المناضل المحامي رياض الترك على أثر إلقاء محاضرة في منتدانا، وبعد اعتقال عضو مجلس الشعب مأمون الحمصي لمجرد أنه أصدر بياناً بمطالب الشعب في قدسية الدستور والحد من تدخل الأجهزة في شؤون البلاد والعباد.. إن ذلك كله يؤكد أن القوى المعادية للإصلاح والحوار والديمقراطية قد بدأت حملتها، ولا نعرف إلى أين يمكن أن تصل، ولا أين يمكن أن تتوقف.

لذا فإننا نطالب جميع من يهمهم الأمر بمستقبل مزدهر لبلادنا في الحرية والكرامة والديمقراطية أن يتكاتفوا لمواجهة المخاطر، والعمل الجاد لإطلاق سراح سجناء الرأي والحرية.

إننا في منتدى جمال الأتاسي نعلن تضامننا التام مع منتدى الحوار الوطني، ونأمل الإفراج الفوري عن الأستاذ رياض سيف وكافة سجناء الرأي في بلادنا.

دمشق في 6/9/2001

                                                                               الناطق الإعلامي

                                                                                 حبيب عيسى

 

وقد تمكنت من زيارته مرة واحدة، وذلك قبل اعتقالي بيوم واحد، ولم أتمكن من حضور استجوابه.

 

52.    السادة (من 4 إلى 8): د. كمال اللبواني، د. وليد البني، د. عارف دليلة، السيد حسن سعدون، السيد حبيب صالح، فقد تمّ اعتقالهم قبل اعتقالي بثلاثة أيام فقط.. طلبت من المحكمة الأذن بتنظيم وكالة عنهم، لكن اعتقالي تمّ قبل الحصول على هذا الإذن... أما السيد فواز تللو فقد اعتُقل بالموازاة مع اعتقالي في يوم واحد، والتقينا في الزنزانة معاً في فرع تحقيق الأمن السياسي.

هذا هو باختصار شديد واقع المعتقلين، وعلاقتي الحقوقية بهم…

 

53.    السؤال هو: هل تجاوزت علاقتي بالموكلين تلك العلاقة المفترضة بين المحامي وموكليه..؟ وهل هذه العلاقة هي التي أدت بي إلى السجن..؟! لا أريد على الإطلاق أن أنفي ذلك.. لكن هل في هذه العلاقة جرم ما، وعلى أية درجة..؟!

بدايةً، يشرفني أن يجمعني بهؤلاء ذلك الشعور الذي انتابنا جميعاً دون سابق معرفة في أغلب الأحيان، ودون اتفاق في الأحيان كلها.. أنه آن الأوان أن نخرج من الحالة البهيمية والسلبية، أن نعرّض أفكارنا وأحلامنا وهمومنا للنور، للشمس.. أن لا نورّث الأبناء حالة التعفن التي نحيا، أن نساهم في تحصين الوطن ضد الفتن بكل صورها، وضد التوحش بأشكاله كافة، من أي مصدر جاءت، أو أتى… فأين الجرم في هذا…؟ هل في صحفكم القانونية مادة قانونية تجرم المواطن إذا أراد أن يكون مواطناً بحق، إنساناً بحق، يحلم بالحرية لأمته وللإنسانية جمعاء، ثم بعد ذلك لنفسه..؟

 

54.    لقد دعونا، وندعو إلى ميثاق شرف وطني قومي نحرّم فيه استخدام العنف على المجتمع من أي مصدر كان، بل أن يوجه العنف حصراً لمواجهة العدوان على أمتنا المتمثل بالعنصرية الصهيونية والهيمنة الأجنبية أياً كان مصدرها.. ونحن نعتقد بكل إخلاص وصدق، أن كافة الخلافات والصراعات داخل المجتمع العربي حول الماضي والحاضر والمستقبل، يجب أن تُحَلّ عن طريق الحوار والتصادق والكلمة السواء والاحتكام للشعب وللعقل وللعلم وللتراث الإيجابي المجيد… باختصار شديد، ندعو لتصحيح هذه المعادلة المقلوبة الآن في الوطن العربي، والمتمثلة بإدارة كافة الخلافات والصراعات الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية والاقتصادية بالعنف العنيف داخل المجتمع العربي، باستخدام كافة الأسلحة المتاحة، بأيدي القوى المتصارعة والمختلفة، وكأنه      لا تجمعها لغة مشتركة ولا تاريخ مشترك، وفي الوقت ذاته إدارة الظهر للعدو الصهيوني يفتك بشعبنا ذبحاً وتقتيلاً وتهجيراً، وإدارة الظهر للإمبريالية الدولية تنهب الثروات، وتتحكم بالحكام، وتقيم قواعد العدوان على أرض الأمة، ثم استجداء ما يسمونه (السلام) بعد إراقة الدم والكرامة والشهامة والمروءة.. إن هذه المعادلة المقلوبة آن لها أن تجد من "يعدلها" على لهجة إخواننا في مصر.. أن يعيدها إلى وضعها الطبيعي، وأن نتعاقد على اعتماد الوسائل الديمقراطية، والارتقاء بالحوار، والاحتكام إلى الرأي العام وإلى صندوق الانتخابات في إدارة شؤوننا، وحل كافة القضايا الداخلية بالحوار، ووضع القضايا الخلافية على الطاولة بدون مواربة ولا زيف ولا تكاذب، نعمل فيها الرأي والعقل والمشورة، ولا نتركها تتعفن في عقولنا، شائعات، وأكاذيب، وبدع مدسوسة… هل في هذه الدعوة ما يضير..؟! ألا تستحق أن يدافع عنها المدافعون، وهل في الدفاع عنها جرم ما..؟! وهل تمّ اعتقالي كي لا أقول في هؤلاء الرجال، الرجال، الذين تنادوا للحوار والنقاش وفتح صفحة جديدة من الحوار بلا عند ولا أحقاد.. كلمة حق، هي بعضٌ متواضع مما يستحقون..؟! على أية حال يبقى السؤال مشروعاً: ترى، أين انقطعت تلك الشعرة التي حدثني عنها من نقل إلي التحذير مساء ذلك اليوم الحزين الذي شهد تلك الاعتقالات..؟ وهل كانت موجودة أصلاً، أم كانت مقطوعة قبل ذلك بزمن بعيد..؟

 

55.    من مراجعة دقيقة ومتأنية لنشاطي خلال الساعات الثمانية والأربعين السابقة على اعتقالي، تبين لي أن هذا النشاط اقتصر على اجترار الأحزان، والردّ على وسائل الإعلام التي حاصرتني بالأسئلة تستوضح عن الموقف القانوني للموكلين، والتعسف الذي جرى خلال عمليات الاعتقال.. وأتساءل الآن أمامكم: هل كان يجب أن لا أجيب حتى لا أُعتقل؟ هل كان علي أن أقدم معلومات كاذبة؟ أو أن أراوغ وأنافق لتبرير عمليات الاعتقال..؟ هل كان علي أن أحنث بالقسم وأخون شرف المهنة، وأخذل شعار "الحق والعروبة"..؟ عندما قلت ذلك لأحد الأصدقاء في حينه.. قال: أفق من أحلامك.. لقد ولى عصر الشعارات... أجبته: لا لم يولِّ، نحن الذين ولّينا الأدبار هرباً من كل ما هو حقيقي وإنساني وقومي.. وقد آن الأوان أن نعود إلى الساحة… المهم، هل تمّ اعتقالي كي أُحرَم من شرف الدفاع عن هؤلاء الرجال، الرجال…؟!

 

56.    إن هذه المسألة بالغة الأهمية، وهي عندي فوق كل اعتبار، ذلك أنه مع بداية عمليات الاعتقال الأخيرة كنت أدرك المخاطر الناجمة عن أن قوى معينة في وطننا لا يروق لها ما يجري من حوار مفتوح في المنتديات، ولا يروق لها تصعيد المطالب لتحقيق الحريات العامة والديمقراطية والتعددية السياسية.. وأنها ستحارب هذه الظاهرة بكل ما تملك دفاعاً عن مواقعها، لإجهاضها والقضاء عليها.. وبالتالي فإنني مع بداية حملة الاعتقالات وتواتر الأخبار بأن المعتقلين يصرون على أن أكون وكيلاً للدفاع عنهم، فإنني وجدت نفسي أمام واحد من هذه الاحتمالات:

ا- أن أعتذر عن التوكيل عنهم دفعاً للمخاطر عن شخصي الضعيف والمحاصر أصلاً.

2- أن أقبل التوكيل، لكن مع مراعاة "الخطوط الحمراء" التي يتحدثون عنها بحيث ترضى كل الأطراف، أي أن أقف موقفاً وسطاً بين السجان والضحية.

3- أن أتبرع متطوعاً لتبنّي قضية المعتقلين، والجهر بما أعتقد أنه الحق، وأن تكون قضيتهم هي قضيتي، وتحمل كل ما يترتب على هذا الموقف من نتائج.

 

57.    قلت أنني كنت أمام ثلاثة احتمالات، ولم أقل خيارات، ذلك أنني، وفي حقيقة الأمر، كنت قد حددت خياراتي قبل الاعتقالات بزمن طويل.. فهؤلاء، بما يتعلق بموضوع الحريات العامة والديمقراطية حصراً، هم أنا، بالضبط أنا، وهذه قضيتي.. وهذه مسألة محسومة للنقاش، وليست خاضعة للنقاش، ولا لوجهات النظر.. وبالتالي فإنني تصديت لتحمل الأعباء كاملة، بما يمليه علي الواجب والضمير المهني والوطني.. وكنت أعرف منذ اللحظة الأولى أنني في سباق مع الزمن، وكان السؤال الذي يتحداني في كل لحظة، حتى لحظة اعتقالي: هل سأتمكن من قول كلمتي بما يجري، أم سأُحرم من ذلك..؟ وعندما كانت وسائل الإعلام تتصل بي لتستوضح عما يجري، فإنني كنت أحاول قدر الإمكان أن أضبط أعصابي، وأتصنّع الهدوء، وأدعو إلى التعقل، وأن الاعتقالات لا تحلّ المشكلة، وإنما تعقدها.. كنت أريد أن أصل إلى ساحة القضاء كي أقول كلمتي الحاسمة… لكنني رغم ذلك لم أصل للأسف..! المهم، أنني لم أتردد بنقل الصورة بموضوعية، دون تزييف.. لا تهوين.. ولا تهويل… ومرة أخرى كنت أمام أكثر من احتمال:

- الأول: أن أمتنع عن الردّ على الأسئلة التي توجهها وسائل الإعلام عن الوضع القانوني للموكلين، وبالتالي أترك لوسائل الإعلام هذه أن تقول وتحلل بأن المحامي في سورية لا يجرؤ على الكلام عن الوضع القانوني لموكليه، وبالتالي أتركها تتساءل: كيف إذن سيجرؤ على الدفاع عنهم..؟

- الثاني: أن أقوم بتزييف ما يجري، فأقوم بتوصيف الاعتقالات التعسفية بأنها توقيف قانوني، وأصف الإجراءات الباطلة بأنها إجراءات قانونية، وأكتفي بمحاولات التبرير وأطلب الشفقة والرحمة بالمعتقلين…

- الثالث: أن أقول الحقيقة كما هي، كما هي بالضبط، لا زيادة ولا نقصان، وأن أتحفظ على الإجراءات، وأطالب بالإفراج عن المعتقلين، والعودة عن الإجراءات التعسفية الباطلة…

 

58.    ومرة أخرى، لم أكن أمام خيارات فقد اخترت الطريق الثالث دون تردد لأنني اعتقدت، ومازلت، أن اللجوء إلى أحد الاحتمالين الأول أو الثاني يشكل جرماً حقيقياً يسئ لسمعة البلاد، ويسئ لمؤسسة العدالة، إضافة إلى، وقبل، أن يسئ إليّ شخصياً… فهل هذا الموقف هو الذي قطع الشعرة، وبالتالي أدّى إلى اعتقالي، علماً أنني لم أبادر للاتصال بأية جهة إعلامية، وإنما تلك الجهات الإعلامية هي التي بادرت للاتصال عن طريق مكاتبها المعتمدة رسمياً في سورية…؟!

إذا كان ذلك كذلك، فهل يمكن تحت أي اعتبار أن يُنسب إلي جرم ما..؟! ولهذا السبب بالذات، وهو المتعلق بما قلته لوسائل الإعلام..؟!

أنا شخصياً أميل إلى عدم التصديق أن هذا هو السبب الجوهري وراء اعتقالي، وإن كنت أميل إلى أنه ربما قد يكون سبباً من الأسباب… لكن من الناحية القانونية، هذا سبب متهافت لا يمكن الاستناد إليه قانوناً… فدعونا إذن نتابع ملاحقة الأشباح علنا نصل إليهم، وإلى سبب أكثر إقناعاً.

 

59.    سأعود قليلاً إلى الوراء، فبعد أن بدأ منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي ممارسة نشاطه، قررنا في الهيئة التأسيسية للمنتدى حصر العلاقة بين المنتدى وأجهزة الدولة، بما في ذلك الأجهزة الأمنية، بأحد الأخوة أعضاء الهيئة، نظراً للظروف الدقيقة التي تمرّ فيها البلاد، ولحساسية الموقف، وتفادياً لأي خطأ أو سوء فهم.. لكنني فوجئت بهاتف يدعوني بإلحاح، لكن بلطف شديد، لشرب فنجان من القهوة، فأجبت: هل الموضوع يتعلق بمنتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي؟ وكان الرد بالإيجاب.. فقلت: إن المنتدى قام بتسمية الأخ /فلان/ ليكون صلة الوصل بين المنتدى وبينكم، وهذا رقم هاتفه، وعلى كل حال، سأقوم بالاتصال به لإبلاغه ضرورة الحضور لمراجعتكم، أما أنا فإنني غير مخول، ليس لي صفة للحديث معكم، ثم أن تنظيم العلاقة بهذه الطريقة يزيل أسباب سوء الفهم بين المنتدى وبينكم، ويحدد المسؤوليات… لكن الإلحاح تواصل، كما تواصل إصراري على هذا الموقف من جانبي، والحقيقة أنه لم يكن وراء موقفي أي دافع بالتحدي – لا سمح الله – وإنما كان الدافع فقط هو تنظيم عمل المنتدى، وتوزيع المسؤوليات، بحيث تنتظم العلاقة بين المنتدى وبين كافة الجهات تفادياً لأية أخطاء… ثم وفي فترة لاحقة، أُعيد الاتصال أكثر من مرة، واستمر إصراري على الموقف، ثم تلقيت اتصالاً صريحاً يطلب إلي وقف نشاط المنتدى في الحال، فأجبت أن هذا فوق طاقتي، ذلك لأنني لا يمكن أن أغلق هذا المنتدى بيدي.. قال: ما هو الحل؟ قلت: أن تغلقوه بالقوة، أرسلوا دورياتكم وامنعوا رواد المنتدى من الحضور.. قال: هذا يثير "شوشره".. قلت: لا تغلقوه إذن...

 

60.    ثم، وبعد ذلك تمّ إبلاغي أن السيد رئيس مكتب الأمن القومي لدى القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي يدعوني للقاء به.. فسألت: هل الموضوع  يتعلق بالمنتدى، وكان الجواب بالإيجاب، فاعتذرت لذات الأسباب، قال لي الذي حمل الدعوة، الداعي الآن ذو صفة سياسية وليس صفة أمنية، قلت: أنا ليس لي أي صفة سياسية وأنا غير مخول من المنتدى بتمثيله.. وإنني سأبلغ مندوب المنتدى لحضور هذا الاجتماع، وهكذا كان…

لقد تناهى إلى سمعي بعد ذلك، أن تلك الجهات امتعضت من موقفي: ومن يكون هذا.. الكذا.. كذا.. الذي لا يهرول لتلبية مثل هذه الدعوة… وأنا هنا، وبعد مرور كل هذا الوقت، لا أريد الاعتذار عن هذا الموقف، أريد حقيقة أن أؤكده، لكن في الوقت ذاته أريد التأكيد أنني لم أتخذ هذا الموقف من باب التحدي على الإطلاق، وأنني شخصياً يشرفني اللقاء بالجميع دون استثناء سواء كانوا مواطنين مساكين على شاكلتي، أم مسؤولين كبار.. ولكنني فقط كنت ألتزم حدودي، وحدود التفويض المخول به من الهيئة التأسيسية للمنتدى لا أكثر من ذلك، ولا أقل…

فهل كان هذا الموقف هو السبب الكامن وراء اعتقالي، أو ضمن الأسباب التي ساهمت في ذلك..؟ مرة أخرى لا أجده سبباً مقنعاً على الإطلاق، ومن باب الدعابة، أقول لكم    لم أعثر على مادة في قانون العقوبات تجرّم من لا يشرب القهوة.. على أية حال لنتابع البحث علنا نعثر على سبب أكثر إقناعاً..؟

61. تلقيت اتصالاً هاتفياً من مكتب صحفي معتمد رسمياً في دمشق، يقول لي أن الصحفي الأمريكي /مارك ماثيوس/ من صحيفة /البالتيمورجين/ الأمريكية يطلب إجراء حديث صحفي معي، وعندما حاولت الاعتذار ألحّ علي، ولو بلقاء سريع لمدة دقائق، فوافقت مضطراً، وكان حديثاً ذا مغزى، فللمرة الأولى أواجه ماكينة الإعلام الأمريكية المعادية، وكان موقفي حاسماً إلى درجة كبيرة، أحسست بعدها أنني لم أقل في السياسة الأمريكية كل ما أريد قوله، لكنني أشفقت على الصحفي الذي اضطربت ألوانه وأحاسيسه، وسمع كلاماً لم يعتد عليه.. وهو ضيفي على أية حال، فشعرت بالأسف، وقلت له في نهاية اللقاء، كنت أتمنى أن تكون سياسة بلادكم مختلفة لننعم معاً بلقاء إنساني لطيف… المهم أنني بعد المقابلة بساعات قليلة تلقيت اتصالاً هاتفياً يقول بالحرف الواحد: "أنت وطني يا أستاذ حبيب"، شكرته، ولم أسأله عن السبب الذي أدّى به إلى هذا الاكتشاف.. لكنني سعدت أن الأجهزة الأمنية تتابع الأمور بدقة… وهذا هو النص الحرفي للمقابلة، فقد حرصت على تسجيلها كلمة بكلمة:

 

62.    نص الحوار الذي أجراه السيد مارك ماثيوس، مراسل منطقة الشرق الأوسط لصحيفة البالتيمورجين التابعة للتايمز الأميركية مع السيد حبيب عيسى، الناطق الرسمي باسم منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي بدمشق، وذلك في الساعة /21/ مساء يوم الأربعاء 3/5/2001. قام بترجمة الحديث السيد جورج بغدادي من مركز الشام للصحافة.

 

المراسل : لقد حضرتُ إلى دمشق لتغطية زيارة قداسة البابا لدمشق، وبما أنني هنا فقد أحببت أن أستغل الفرصة كي أعرف ما هي التغييرات التي حدثت في سورية منذ أن استلم الرئيس بشار الأسد رئاسة الجمهورية، وما هو إحساس الناس هنا ؟ وأريد أن أسألك تحديداً عن منتدى جمال الأتاسي، ما هي الأهداف ؟ وماذا حصل في الأيام الأخيرة ؟

السيد حبيب : أولاً أرحب بالسيد مارك في بلادنا، وأنا كمواطن عربي يلتقي للمرة الأولى بشخصية أمريكية، أشعر بالأسف الشديد لأن حكومة دولة الولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ فترة طويلة تقود جميع معارك العدوان على الأمة العربية.. نحن أرضنا محتلة في الجولان، والأسلحة التي تحتل الجولان هي أسلحة أمريكية.. العراق ضُرِب ويُضرَب بأسلحة أمريكية.. لقد كنت في بغداد منذ أيام، شاهدت الجريمة التي ارتكبها جيش دولة الولايات المتحدة الأمريكية.. لقد اختنقت برائحة شواء الأطفال في ملجأ العامرية ببغداد، أكثر من أربع مائة طفل.. لماذا..؟ شاهدت التشوهات على أطفال العراق. في فلسطين يُقتل أطفالنا وإخوتنا أيضاً وبأسلحة أمريكية. نحن نستغرب لماذا تقف دولة الولايات المتحدة ضد أمتنا بهذه الطريقة.. نحن لسنا بائعي نفط، نحن نصدّر حضارات.. قداسة البابا قادم إلى هنا إلى مركز الحضارة. لماذا يُضرب مركز الحضارة بهذه الوحشية. من حقنا أن نعيش وأطفالنا حياة أفضل.. إننا لا نستطيع أن نتحدث عن حقوق الإنسان قبل أن نتحدث عن حقنا في تقرير مصيرنا. إن كل المظالم التي تقع على شعوب العالم الثالث تشترك دولة الولايات المتحدة الأمريكية فيها، حتى بتفصيلات الاعتداء على حقوق كل إنسان في الوطن العربي، حتى النظم التي تعتدي على حقوق الإنسان في الوطن العربي هي من صناعة دولة الولايات المتحدة الأمريكية.. هل نموذج دولة المملكة العربية السعودية هو النموذج الديمقراطي الذي تريد أن تفرضه دولة الولايات المتحدة على العرب ؟

ضمن رؤيتنا الشاملة هذه نحاول في سورية أن نتطور وأن نصل إلى صيغة مع شعبنا، مع حكومتنا، لتحسين أوضاعنا، وإطلاق طاقات شعبنا، وتحسين الأداء للمؤسسات الأهلية في المجتمع.

أريد أولاً أن أخبرك أنني كنت بين مجموعة من المحامين أصدرنا بياناً ضد اعتداء دولة الولايات المتحدة على العراق عام 1991، وأنني كنت ضمن الجموع الشعبية التي هاجمت سفارة دولة الولايات المتحدة الأمريكية بدمشق عام 1998. إننا نرغب أن تكون دولة الولايات المتحدة الأمريكية دولة داعية لحقوق الإنسان، ومدافعة عنه، وأن لا تكون هي المعتدية عليه.

نحن هنا سنعرف كيف سنتدبر أمورنا، ونأمل أن يكفّ الملحق الثقافي في سفارة دولة الولايات المتحدة الأمريكية بدمشق عن التدخل في شؤوننا. في هذا المجال فإن منتدى جمال الأتاسي قد وُلد ضمن الحملة التي بدأت في سورية منذ حوالي عشرة أشهر لبناء مؤسسات أهلية في المجتمع. حركة كبيرة لمنتديات عديدة تأسس ضمنها منتدى جمال الأتاسي للدفاع عن الثقافة العربية، وعن حقوق الإنسان العربي، ومقاومة العدوان الصهيوني، وحق عرب فلسطين في كل فلسطين، وحق اليهود العرب في أن يعودوا إلى بيوتهم في دمشق وبغداد والرباط، وحق اليهود المرتزقة الذين استقدمهم المستعمرون من الخارج في العودة إلى البلدان التي جاءوا منها في روسيا وبولندة وأوروبا وأمريكا وسواها. باختصار شديد، حق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم مقابل حق اليهود بالعودة إلى ديارهم أيضاً، لا أكثر من ذلك ولا أقل.

المراسل : في العشرة أشهر الأخيرة كيف تطور منتدى جمال الأتاسي ؟

السيد حبيب : نحن مازلنا في مرحلة التأسيس. هناك حضور جماهيري لافت للمحاضرات التي يقيمها المنتدى.. يتمسك الحاضرون والمحاضرون بالثوابت الوطنية والقومية للأمة العربية. أرجو أن تعلم بدقة أن مسألة حقوق الإنسان في وطننا لا يمكن فصلها عن مسألة رفع الهيمنة الأمريكية والصهيونية عن الوطن العربي. باختصار شديد نقول : بقدر ما ترتفع الهيمنة الأمريكية الصهيونية عن الوطن العربي بقدر ما نأخذ نحن كبشر حقوقنا على الأصعدة كافة.

المراسل : منذ حوالي أيام كان من المفترض أن يُعقد اجتماع لمنتدى جمال الأتاسي لكن السلطات دعت إلى منعه، ما السبب في ذلك ؟

السيد حبيب : يوم الأحد الفائت 29/4/2001 لم يكن اللقاء لمنتدى جمال الأتاسي، كان اللقاء لمجمل المنتديات في سورية، حوالي /20/ منتدى من كل أرجاء سورية.. السلطات في سورية منعت هذا اللقاء، ربما لخطأ في إدراك طبيعته. كان الهدف من اللقاء هو أن تبحث هذه المنتديات بتقييم مرحلة الأشهر العشرة المنصرمة.. أين كان الخطأ..؟ أين كان الصواب..؟

المراسل : الخطأ من مَن ؟

السيد حبيب : من كل الأطراف. لكننا سنواصل الدعوة، وأعتقد أننا سنصل إلى صيغة لعقد هذا اللقاء في المستقبل القريب.

المراسل : هل ستشارك في هذا اللقاء ؟

السيد حبيب : نحن الذين سندعو إليه.

المراسل : ما هو عدد الحضور ؟

السيد حبيب : الدائرة المستديرة كانت ستضم حوالي /20/ منتدى، وكان هناك عدد كبير من المراقبين سيحضر.

المراسل : إذن ما هو العدد الإجمالي ؟

السيد حبيب : بين الـ 50 والـ 70 شخصية.

المراسل : هل كان هناك بيان محدد ؟

السيد حبيب : كان هناك جدول أعمال : البحث في واقع المنتديات ومستقبلها، والبحث في السبل الممكنة لتطوير الأداء.

المراسل : بالنسبة للواقع، ولمستقبل المنتديات، هل كان لديكم فكرة ستطرحونها على المنتديات ؟

السيد حبيب : كانت الفكرة الأساسية هي البحث في وضع هذه المنتديات تحت سقف القانون، وأن تتحول هذه المنتديات إلى حاضنة لحوارات جدية في سورية بين مختلف فئات شعبنا لإنتاج الحياة السياسية المناسبة لمجتمعنا.

المراسل : وضع المنتديات تحت سقف القانون، هل هذا يعني تحويل تلك المنتديات إلى أحزاب سياسية ؟

السيد حبيب : لا، هناك فرق بين المنتديات والأحزاب السياسية.

المراسل : لقد قلت أن الفكرة الأساسية هي وضع المنتديات تحت القانون لإنتاج حياة سياسية.

السيد حبيب : المنتديات تنتج حياة سياسية، وليست هي الحياة السياسية. المنتديات تبحث في أصول الثقافة والفكر، بينما الأحزاب تحمل نظريات محددة. نحن هنا في سورية نسعى لأن تكون هناك حرية أحزاب، ومنتديات، وجمعيات، وإلخ.

المراسل : إذن، أنتم لا تريدون تأسيس حزب، وإنما تسعون فقط لتنظيم   موضوع المنتديات ؟

السيد حبيب : نعم.

المراسل : بطريقة رسمية؟

السيد حبيب : نعم.

المراسل : حتى الآن هذه المنتديات يُدعى إليها داخل البيوت، هل يمكن أن تحدث هذه اللقاءات في أماكن عامة ؟

السيد حبيب : عندما سنحصل على تراخيص قانونية سيصبح هذا ممكناً، سيكون لهذه المنتديات مقراتها ومكاتبها.

المراسل : الاجتماع الذي كان مقرراً يوم الأحد 29/4/2001، هل كان هو الأكبر، هل كان الوحيد الذي سيجمع المنتديات ؟

السيد حبيب : نعم، كان هذا اللقاء هو المحاولة الأولى لجمع هذه المنتديات، ذلك أن أحد أهداف تأسيس منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي بدمشق أن يكون واسطة تنسيق بين المنتديات.

المراسل : هل تشكّل حضرتك أي تهديد للسلطة ؟ وهل السلطة تظن أنك تشكّل تهديداً عليها ؟

السيد حبيب : عن الشق الأول من السؤال، أقول لا أظن أنني أشكّل تهديداً لأحد. عن الشق الثاني من السؤال، فلتسأل السلطة.

المراسل : من هي الجهة التي تظن أنها هي تحديداً التي منعت ذلك اللقاء، والتي تحدّ من نشاط  المنتديات ؟ هل هي المخابرات ؟ هل هي القيادة السياسية ؟

السيد حبيب : لا نعرف.

المراسل : هل أنت الذي تلقيت أمر منع هذا اللقاء ؟

السيد حبيب : لقد تمّ تبليغ ممثل المنتدى لدى الجهات الرسمية بذلك.

المراسل : من مَن يتألف منتداكم ؟

السيد حبيب : مجموعة شخصيات مستقلة، وربما بعضهم ينتمون إلى أحزاب مختلفة، وينتمون إلى ثقافات وأيديولوجيات مختلفة..

المراسل : أيضاً وجهات نظر سياسية مختلفة ؟

السيد حبيب : نعم.

المراسل : ما هو البرنامج الذي يعتمده منتدى جمال الأتاسي ؟

السيد حبيب : المنتدى يهدف إلى حرية العمل السياسي، وحقوق الإنسان، وحرية الصحافة والنشر، والديمقراطية والانتخاب.. كل هذا ضمن إطار الدفاع عن الوطن في مواجهة الصهيونية، وتحرير أرضنا في الجولان، وتحرير فلسطين، ورفع الحصار عن أهلنا في العراق، والدعوة إلى الوحدة العربية.

المراسل : أنا أفهم الديمقراطية على أنها تعبير الناس عن نفسها إذا كنت مختلفاً معهم أم لا.. وأن لهم الحق أن يقولوا رأيهم سواء كنت أحبهم أم أكرههم. هل هذه نظرتك إلى الديمقراطية كما ترغب أن تحدث في سورية ؟

السيد حبيب : نعم، ولكنني على قناعة أن الشعب العربي لن ينعم بالديمقراطية طالما أن دولة إسرائيل موجودة. إن وجود دولة إسرائيل هو الذي يحرمنا حقنا في الديمقراطية والحياة الكريمة.

المراسل : بغضّ النظر عما يجري في سورية، تعتقد أن الديمقراطية لن تتحقق طالما أن إسرائيل موجودة ؟

السيد حبيب : الديمقراطية بالمفهوم الشامل الذي تحدثت به أنت، لن تتحقق ونحن تحت الاحتلال. نحن كعرب الآن نشعر أننا تحت الاحتلال.. نحن في مرحلة تحرر وطني.. شركات النفط الأمريكية ودولة إسرائيل يحتلون وطننا، ويحولوننا إلى عبيد.. ومن الصعب أن ينعم العبيد بالديمقراطية.

المراسل : شركات النفط الأمريكية ودولة إسرائيل يستعبدونكم ؟

السيد حبيب : نعم، نحن ثرواتنا منهوبة، ويجب أن نبقى تحت الضرب بكل الوسائل ليستمر ذلك النهب.

المراسل : بالنسبة للحكومة الحالية في سورية هل هي متأثرة بالسياسة الأمريكية ؟

السيد حبيب : المنطقة كلها تتعرض للعدوان الأمريكي.

المراسل : هل تعتقد أن الولايات المتحدة تعمل لإجهاض الديمقراطية في سورية ؟

السيد حبيب : نعم.

المراسل : كيف ؟

السيد حبيب : أنا كمراقب أرى أن كل أشكال العدوان، ليس على الشعب العربي فقط، وإنما على كافة شعوب العالم الثالث، وجميع الممارسات التي تمّت ضد الشعوب وحريتها وديمقراطيتها، تمّت بفعل مباشر أو غير مباشر من قِبَل الولايات المتحدة الأمريكية         أو أجهزة مخابراتها.

المراسل : كيف تمارس أمريكا هذه السياسة على سورية ؟

السيد حبيب : سورية الآن في حالة حصار، أرضها محتلة، ومهددة بعدوان إسرائيلي في أي وقت.. في ظل هذه الظروف لا نستطيع أن نمارس حياتنا الطبيعية، وفي ظل الظروف الاستثنائية، تتغير الأولويات.. وعندما تتحرر أرضنا سيأخذ الحديث عن الديمقراطية مكانه البارز في مجتمعنا، وسيأخذ منحى حقيقياً. ورغم العدوان فنحن نحاول أن نستعيد حياتنا الطبيعية، وأن نمارس حريتنا وديمقراطيتنا.

المراسل : هل هذا يعني أن حرية الكلام ستزدهر ؟

السيد حبيب : نحن نحاول ذلك، ونرى أن الظروف أفضل، ونحن رغم حالة العدوان نبحث عن طريقة ما لأن نكون أكثر مقدرة على الحرية والديمقراطية.

المراسل : ماذا ستفعلون ؟

السيد حبيب : نحن ندعو إلى الحوار بين كافة الأطراف.. نتمسك بأصالتنا ووطننا وحقنا في الحياة الكريمة.

المراسل : ماذا تفعلون لتحقيق ذلك في منتداكم ؟ وما هي المواضيع التي تطرحونها ؟

السيد حبيب : نحن حتى الآن نقدم ما نراه ضرورياً لمواجهة قصف إعلامي مكثف دولي.. وللأسف فإنه قادم أيضاً من بلادكم.

المراسل : أنا أفهم وجهة نظرك تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، لكن سؤالي : ك يف ستتابعون عملكم لتحقيق أهدافكم بعقد اجتماع للمنتديات بسورية، ذلك الاجتماع الذي رفضته السلطات ؟

السيد حبيب : نحن لدينا برنامج.. سندعو لهذا اللقاء مرة أخرى، سنحدد له موعداً، ونرجو أن تكون الظروف قد أصبحت أفضل لعقده.

المراسل : هل يا ترى هناك حوار بين المنتديات والسلطات ؟

السيد حبيب : نحن لا نعرف ما تقوم به المنتديات الأخرى، لكننا نحاول أن نكون على علاقة بجميع المنتديات.. وأعتقد أن الحوارات مستمرة بين كل الأطراف، بما في ذلك الحوار بين المنتديات والدولة للوصول إلى صيغة ما للتعامل الإيجابي.

المراسل : وهل تعتقد أن المنتديات الفردية ستستطيع العمل بمفردها ؟

السيد حبيب : المستقبل مفتوح لكافة الاحتمالات.

المراسل : هل سيواصل منتداكم القيام بنشاطاته ؟

السيد حبيب : نعم، يوم الأحد القادم 6/5/2001 سنقيم ندوة عن القضية الفلسطينية، وسيتحدث في هذه الندوة د. نديم البيطار وهو أستاذ في جامعات أمريكا، وكذلك الأستاذ رجا ديب ووليد المبيض، وستجري حوارات مفتوحة حول ذلك.

المراسل : هل ترى أنه في سورية تقدم أكثر نحو الديمقراطية.. حتى الآن ؟

السيد حبيب : نعم هناك آمال.. نحن دائماً نتفاءل بحياة أفضل..

المراسل : هل لديكم توقعات معينة بشخص الرئيس بشار الأسد أنه سيعمل حريات   أكثر ؟

السيد حبيب : نأمل ذلك.

المراسل : هل لديكم توقعات معينة وخابت ؟

السيد حبيب : حتى الآن مازالت الأمور مفتوحة للاحتمالات.. نحن الآن بوضع أفضل من السابق.

المراسل : كنت تتوقع الأفضل، أليس كذلك ؟

السيد حبيب : نحن نتحرك ضمن المساحة التي نرى أن الحركة فيها ممكنة، ونحاول أن نوسعها.

المراسل : قبل خمس سنوات هل كان يمكن لهذه المنتديات أن تكون قد أُسست ؟

السيد حبيب : كانت الظروف صعبة.. اعتقد أنه الآن يوجد قطاعات كبيرة في الدولة والمجتمع ترى أن هناك حاجة لتطوير الحياة الثقافية والسياسية.. ونحن سنمارس هذا بمنتهى الهدوء وبالحكمة الممكنة، لأن ظروف العدوان الواقع على بلادنا لا تحتمل هزات عنيفة في المجتمع.

المراسل : يعني أنتم لستم مع ثورة من الداخل طالما هناك عدوان من الخارج ؟

السيد حبيب : نحن سنوجّه كافة طاقاتنا للدفاع عن الوطن، وضد أي عنف في الداخل.. نحن أرضنا محتلة.. ماذا كنت ستقول لو أن جزءاً من دولة الولايات المتحدة الأمريكية كان محتلاً ؟

المراسل : لكنك من الواضح أنك تسعى إلى الديمقراطية ؟

السيد حبيب : ليس أنا فقط.. شعبنا كله.

المراسل : موضوع مختلف.. هل تعتقد أن سورية تساعد الفلسطينيين ؟

السيد حبيب : نعم، إلى حد ما.. أنا قومي وحدوي، وبالتالي لا فرق لدي بين الجولان وفلسطين.. القدس وحيفا ويافا هم بأهمية الجولان تماماً. وأنا عن نفسي سأقاتل حتى تحرير كامل فلسطين وكامل الوطن العربي.. نحن من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي أمة واحدة، لها الحق في تقرير مصيرها.. وعندما نفعل ذلك سنقيم دولة قومية ديمقراطية حقيقية، ربما يتعلم منها العالم كله.. نحن صدرنا رسالات هامة إلى العالم، وأعتقد أن ديانتك أنت من عندنا، وأن قداسة البابا قادم إلى هنا، إلى هذا المنبع.. لو احترمتم هذا المنبع للحضارات، فسنكون في عالم أفضل.

المراسل : هل هناك بعض التغيرات في المنحى الاقتصادي ؟ ما رأيكم بالتقدم   الاقتصادي ؟

السيد حبيب : نحن نأمل أن تتسرع عملية التقدم.. وسنعود إلى المسألة الأساسية.. نحن  لا نستطيع أن ندخل عصر العولمة ونحن أمة مجزّأة، نحن سنكون فريسة لهذا العالم.

المراسل : هل تتكلم عن سورية أنها مجزأة ؟

السيد حبيب : لا، أنا أتكلم عن الأمة العربية المجزأة.. مصر والسودان ولبنان والأردن المغرب.. نحن بهذه الأجزاء سنكون لا شيء.. ستستمرون في أكلنا وأكل ثرواتنا.. لذلك يجب أن تكون الخطوات الاقتصادية مدروسة. نحن نبحث عن نوع من العدالة الاجتماعية في سورية، ونحن لا نثق باقتصاد السوق والرأسمالية.. الاقتصاديون في سورية يبحثون عن برامج تحقق نوعاً من التقدم، وتحافظ على خصوصياتنا الوطنية.

المراسل : إذن أنت قلق من عملية العولمة ؟

السيد حبيب : نعم. هناك أمريكيون أيضاً قلقون من العولمة.. كما حدث في سياتل مثلاً..

المراسل : أنا لم أكن قلقاً.

السيد حبيب : هذا شأنك.. نحن ديمقراطيون هنا.

المراسل : هل اجتماع المنتديات كان سيضم منتديات من مختلف أنحاء سورية ؟

السيد حبيب : نعم، وبعض ممثلي هذه المنتديات حضر إلى دمشق لأننا لم نتمكن من تبليغهم بقرار الإلغاء.

المراسل : أين يوجد منتديات هامة خارج دمشق ؟

السيد حبيب : في جميع المدن السورية توجد منتديات هامة.

المراسل : أشكرك شكراً جزيلاً.

السيد حبيب : أنا أيضاً أريد أن أرحب بك مرة أخرى في بلادنا، وأن أشكرك.. وأريد أن أخبرك أنني ترددت كثيراً قبل استقبالك.. لا أعرف لماذا تقوم دولة الولايات المتحدة الأمريكية بكل هذا العدوان على أمتنا.. نحن كبشر يمكن أن نكون أصدقاء، وأنتم الآن القوة الوحيدة في العالم.. لماذا تلوثونه بهذه  الطريقة ؟ لماذا تعتدون عليه بهذا العنف ؟ أين الحكماء في دولة الولايات المتحدة الأمريكية ؟ أنتم تخطئون كثيراً هذه الأيام، مع أنفسكم أولاً. على أية حال، أتمنى لك إقامة سعيدة في سورية.. نحن نعتزّ بمحبة الناس واستضافتهم.. نحن لا نسعى إلى عداء أحد.

 

دمشق 3/5/2001

 

فهل في هذا اللقاء ما أزعج البعض..؟ دعونا نتابع البحث عن الأسباب..

 

63.    ثم أن مكتب جريدة المجد الأردنية طلبت إجراء لقاء معي بعد الحديث الذي نشرته الجريدة عن اللقاء برئيس الجمهورية، والكلام الطيب الذي صدر عن سيادته بخصوص منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي.. فكان لقاءً شاملاً يلقي الضوء على نشاط المنتدى، وهذا هو النص الحرفي الأصلي للحوار، حيث أن جريدة المجد، لأسباب تتعلق بها، لم تنشره كاملاً:

 

60.                      حوار مع المحامي حبيب عيسى

الناطق الإعلامي الرسمي لمنتدى جما ل الأتاسي في سورية

 

س 1 :      أريد أن أعلم منك صراحة هل أطلعتم كهيئة منتدى على محاضرة رياض الترك قبل إلقائها …؟

ج1  :       بصراحة شديدة أقول لك أننا كهيئة منتدى لم نطلع على نص المحاضرة قبل إلقائها ولم نطلع على أي محاضرة ألقيت في المنتدى قبل أن تُلقى ، ذلك أن هيئة المنتدى تنطلق من مبدأ حق التعبير والرأي والاختلاف ، وليس من حق أحد كائناً من كان أن يمنع أحداً من إبداء رأيه مهما كان اتجاه هذا الرأي . هذا هو المبدأ العام ، أما بما يتعلق بمحاضرة الأخ المناضل رياض الترك ، فإنني لا أعتقد أن من حق أحد في بلادنا أن ينصب من نفسه رقيباً على ما يقول ، ذلك أنه دفع حوالي 18 عاماً من عمره ليس من أجل الدفاع عن حقه في التعبير ، وإنما دفاعاً عن حق المواطنين في بلدنا عموماً أن يمارسوا إنسانيتهم بالتعبير عما يجيش في صدورهم .

 

س 2 :      لكن ألا ترى معي أن المحاضرة تجاوزت الخطوط الحمراء المتعارف عليها في سورية …..؟

ج 2 :       هل تستطيع أن تحدد لي أنت أو أي أحد في سورية أين تقع هذه الخطوط الحمراء بالضبط …..؟ هل يستطيع أحد أن يخبرنا في حال وجود هذه الخطوط العربية فعلاً … من وضعها ، واستناداً إلى أية قواعد أو معايير ….؟

يا أخي آن لنا أن نتجاوز تلك الخطوط الوهمية التي فُرضت على عقولنا وحركتنا بعوامل الخوف والتخويف والاستبداد ، هذا وطن ، وكل مواطن شريك في الحقوق والالتزامات ، وهذا الوطن الذي نحلم بأن يكون نظيفاً من كافة أشكال الخطوط وألوانها ، إنه وطن على مستوى واحد لمواطنين أسوياء ، الخطوط ليست في داخله ، الخطوط على حدوده الوطنية إن شاء البعض وعلى خطوطه القومية المتسقة مع حدود الأمة كما يقول الكثيرون وأنا منهم ، لكن أن يحمل البعض هذه الخطوط إلى قلب الوطن يقسمونه مستويات ويفصلونه على مقاسهم صعوداً أو هبوطاً ، ويجعلون من الحديث عن تصرفاتهم ، أو مجرد إبداء الرأي في أفعالهم محرمات دونها خطوط حمراء أو سوداء …. فهذا ما لا يمكن أن نقبل به أو نعترف ،  نعم الثوابت الوطنية والقومية ينبغي التمسك بها والإصرار عليها ….. أنت تحضر منتدانا منذ ميلاده ….. هل لاحظت يوماً أحداً من الحاضرين أو المتداخلين أو الحضور يدعو إلى التفريط بشبر واحد من أرض الوطن ؟ هل صادفت كلمة واحدة تنتقص من الانتماء الوطني والقومي للمواطنين في بلدنا ؟ … لم يحصل ولن يحصل ، إنني لا أقول أننا أكثر حرصاً من غيرنا على هذه الثوابت ، لكنني أقول أن كافة المواطنين في سورية سواء في هذا الحرص …… لكن أن يصبح الاختلاف بالرأي حول طريقة الإدارة أو الحكم ،  أو الاختلاف بالرأي حول مناهج تطوير البلاد وانعتاقها مما يقيد تقدمها ، أو أن مجرد ذكر شخص أياً كان ، أو مرحلة أياً كانت من المحرمات ….فهذا ما لا يمكن القبول به ….. ورغم ذلك يا أخي فنحن عبرنا أكثر من مرة عن أننا لا نذكر الماضي بهدف التجريح      أو تصفية الحسابات أو الأخذ بالثأر وإنما بهدف الانعتاق من الأثر السلبي لقيود تكبل مجتمعنا وتمنعه من الحركة الإيجابية الفاعلة لمواجهة أخطار قوى معادية تتربص بنا وبأمتنا . 

 

س 3 :      هل تعرضتم في المنتدى لمضايقات بعد المحاضرة ؟

ج 3 :       لا أبداً .

 

س 4 :      كيف تقيمون ذلك ؟

ج 4 :       نحن أولاً نقيم ذلك إيجابياً ، لكن مجرد طرح السؤال والأسئلة التي تلاحقني حول هذا الموضوع منذ يوم المحاضرة وحتى الآن حيث أتلقى الهواتف باستمرار للاطمئنان ….. إن هذا بحد ذاته يحمل دلالات لا تخفى عن مدى الخوف الذي يمتلك الناس …. أليس غريباً ألا يصدق  المواطن في بلدنا كائناً من كان يمكن أن يعبر عن رأيه المختلف دون أن يناله الأذى الآن نرجو أن تختلف هذه النظرة ، وأن تزول هذه الصورة المشوهة تماماً عن أذهان الجميع …… وما زال الوقت مبكراً على أية حال .

س 5 :      أريد أن أسألك سؤالاً صريحاً ارجو أن أتلقى جواباً صريحاً عليه . ما رأيك أنت بمضمون محاضرة رياض الترك وتوجهاتها ……؟

ج 5 :       نحن في المنتدى حاضنة للأفكار والآراء التي تطرح ولسنا منتجين لتلك الأفكار والآراء …. وبالتالي فنحن على مسافة واحدة من تلك الأفكار …. لنأخذ مثلاً الندوة الأخيرة للمنتدى التي تضمنت محاضرة المناضل رياض الترك وردود الأفعال عليها نجد أن الندوة تضمنت أربعة اتجاهات رئيسية :

 1 – المحاضرة ذاتها .

2 – ردود أفعال مؤيدة لما ورد فيها وزادت عليها .

3 – ردود أفعال مناقضة لما في المحاضرة وتطرقت في نقدها والرد عليها .

4 – ردود أفعال توفيقية بين المعارضين لأفكار المحاضرة والمؤيدين لها .

   نحن في المنتدى نقف على مسافة واحدة من تلك الاتجاهات ، وسننشرها كما هي دون زيادة أو نقصان ، وسنضع عليها العنوان الثابت : ( إن الأفكار والآراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المنتدى ) وأنا أعتقد أن منتدانا استحوذ على مصداقيته من مواقفه هذه ، أما إذا كنت تسأل عن رأيي الشخصي بالمحاضرة فأنت يا أخي تجري هذا اللقاء معي بصفتي ناطقاً باسم المنتدى ، لذا سأحتفظ برأي الشخصي إلى مكان آخر حتى لا يحصل أي لبس بين موقف المنتدى ، وموقفي الشخصي .

 

س 6 :      لكن ما هو رأيك في الدعوة التي وجهها أحد البعثيين في المنتدى للتهدئة والحوار الهادئ ، وإلا فإن المنتدى سيتعرض للإغلاق …..؟

ج 6 :       أولاً أنا أقدر تقديراً كبيراً هذه الدعوة وأعرف عن قرب الصديق العزيز د . كامل عمران الذي وجه هذه الدعوة ، وأعرف أنه وجهها من باب الحرص على المنتدى ، أكثر من ذلك أعرف أن البعض قد فهم هذه الدعوة فهماً خاطئاً فتصور أن الدكتور عمران يهدد بإغلاق المنتدى فحصلت بعض ردود الأفعال التي نعتذر عنها ….ونحن يا أخي قلنا أكثر من مرة أننا نسعى بكل ما نملك إلى الكلمة السواء ، وإلى التوافق على الحق والعودة عن الباطل ، وبالتالي فإننا ضد الآراء المتطرفة هجوماً كانت أو دفاعاً ….. نحن نبحث عن الموقف الوطني الموضوعي ، ونواجه الاستفزاز بالدعوة للحوار لكن علينا أن نعترف      يا أخي أن الأمور لا تجري دائماً كما نريد ونتمنى ، ذلك أن سنوات طويلة من الصمت ، سنوات طويلة من العجز عن التعبير بحرية جردت البشر في وطننا من المقدرة على الحوار نحن الآن في مرحلة إعادة تأهيل أنفسنا لممارسة هذا السلوك الإنساني الراقي الذي أسمه الحوار والذي يتمثل بالمقدرة على الاستماع للرأي المخالف حتى النهاية دون تشنج  أو  انفعال ، وأعتقد أن الإصرار على الحوار  واتساع دوائره  هو السبيل الوحيد لذلك ، وصدقني أنني أحلم أن تتسع دائرة الحوار في منتدى جمال الأتاسي لتصل إلى حدود الوطن شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً …وعلينا أن نعترف أن هناك من يعتبر الرأي الآخر ممنوعاً إلى درجة التحريم وهناك من يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة والحق المطلق ، وأن من يخالفه الرأي يستحق الرجم …. لقد آن الأوان لتجاوز هذه المرحلة ، وأن نتنادى جميعاً للكلمة السواء ، وأنت ترى يا أخي رغم حساسية الموضوع ، فإن الرأي الغالب في النهاية كان الدعوة للمصالحة وللحوار والتعاون لإيجاد مسالك مشتركة للتقدم بالوطن وبمواطنيه باتجاه العدالة والمساواة والتحرر والمقاومة .

 

س 7 :      لاحظنا أنك أعلنت بابتهاج واضح عودة منتدى الحوار الوطني بمنزل النائب رياض سيف ، فما هي دوافعك إلى ذلك ؟

ج 7 :       إن هذا يتفق مع الثوابت التي أعلنا أننا نتمسك بها منذ اللحظة الأولى لميلاد منتدانا، لقد أعلنا أننا جزء لا يتجزأ من الحراك الاجتماعي والثقافي والسياسي في بلادنا ، ومع إعادة الحيوية والفعالية لمجتمعنا عبر المؤسسات والمنتديات ، وعندما تم التضييق على المنتديات ، أعلنا بوضوح أننا نتضامن مع هذه المنديات ، وأن زهرة لا تصنع    ربيعاً ، وأننا لسنا بديلاً عن أحد ووصل هذا التضامن إلى حد دعوة المنتديات في بلادنا كلها للتضامن فيما بين بعضها البعض ، وفتحنا أبواب منتدانا للجميع دون استثناء  وقد تمكنا بالفعل بفضل الاحتضان الدافئ من قبل رواد منتدانا أن نصمد مكاننا ، وقلنا أننا سنبقى في مكاننا إلى أن يعود الجميع إلى أماكنهم وكان من الطبيعي بعد كل هذا وفي سياقه العام أن نرحب بعودة منتدى الحوار الوطني في منزل الصديق العزيز النائب رياض سيف كما رحبنا بعودة منتدى حقوق الإنسان في منزل الصديق المحامي خليل معتوق ، وكذلك ترحيبنا باستئناف منتدى عبد الرحمن الكواكبي نشاطه في حلب وكذلك المنتدى الوطني في حمص، كما كان من الطبيعي أن نحيي المنتديات التي استمرت مثل منتدى الحضارة في منزل الأستاذ عمر أبو زلام عافاه الله وشفاه ، وكذلك منتدى اليسار في جرمانا وإلى آخر  ما هنالك ….. كما كان من الطبيعي أن نرحب بميلاد جمعية حقوق الإنسان في سورية وبرئيسها الذي كان حاضراً المنتدى الصديق العزيز المحامي هيثم المالح .

  نحن يا أخي لا نشعر تجاه الجمعيات الأخرى بشعور التنافس ، وإنما نشعر تجاهها بمشاعر التكامل والإخاء ووحدة الهدف المتمثل باستعادة هذه الحيوية الإنسانية الإيجابية التي يتمتع بها شعبنا وبالتالي فإننا نسعد بميلاد أي جمعية أو منتدى لأي سبب كان ، فبهذا وبهذا فقط يقوى مجتمعنا وبهذا يتحصن لمواجهة كافة الأخطار .

 

س 8 :      دعنا نعود إلى البدايات ، كان السيد رئيس الجمهورية قد أشار إلى استثناء منتداكم من إجراءات تنظيم المنتديات وقد تكرر موقف سيادته الإيجابي من منتداكم بحديثه للصحف الفرنسية إبان زيارته لباريس … فلماذا هذا الاستثناء بنظركم ، وأين أصبحت قصة إشهار المنتدى ؟

ج 8 :       نحن في منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي نقدر الموقف الإيجابي الذي ورد على لسان رئيس الجمهورية من منتدانا الثقافي ، ولا شك أن لدى سيادته الأسباب الحقيقية التي بنى عليها هذا الموقف الإيجابي من المنتدى . وأعتقد أنه ليس من حقنا أن نتحدث عنها ، لكننا في الوقت ذاته كنا نأمل أن يشمل هذا الموقف الإيجابي كافة المنتديات في بلدنا على مختلف أشكالها وتوجهاتها ذلك أن منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي قد أعلن ومنذ لحظة ميلاده أنه يعتبر نفسه جزءاً لا يتجزأ من هذا الحراك الثقافي والسياسي والاجتماعي الذي شهدته بلادنا في الآونة الأخيرة ، وأنه لم ولن يتمكن من تأدية دوره الإيجابي إلا ضمن هذا الحراك وهذا التنوع لإعادة إنتاج حياة ثقافية واجتماعية وسياسية حقيقية . و نحن حقيقة ومن باب التفاؤل بالمستقبل لم ننظر إلى موقف السيد رئيس الجمهورية من منتدانا على أنه استثناء ، كما لا نعتقد أنه كان يقصد التعبير عن موقف سلبي من المنتديات الأخرى في بلدنا ، وإنما كان القصد يتعلق بإجراءات مؤقتة نرجو أن تزول أسبابها – إن كان لها أسباب – وأن تعود ساحات الحوار للانطلاق بكامل طاقتها .. وهاهي المنتديات تعود إلى ممارسة نشاطها الواحد تلو الآخر وهذا بحد ذاته يدعو للتفاؤل ، أما فيما يتعلق بإشهار منتدانا فإن مؤسسات الدولة مازالت أسيرة الظروف السابقة للأسف الشديد فهي إما عاجزة عن القيام بدورها وإما ممنوع عليها القيام بهذا الدور ، ونحن نعتقد أن بقاء مؤسسات الدولة على هذه الحال يعني أن عجلة الإصلاح لن تتقدم خطوة واحدة للأمام ليس على صعيد المنتديات وحسب وإنما على الصعد كافة ، ولهذا فإن قضية إشهار منتدانا مازالت معلقة بدون حل .

   نقول هذا أولاً ، من زاوية رؤيا تشمل الوطن  بمواطنيه وحكامه ، ونعتقد أننا أشد ما نكون حاجة إلى الكلمة السواء التي لا يمكن أن نصل إليها إلا بالحوار والتصادق ونعتقد أن شعبنا أثبت أنه شعب راشد جدير بتحمل المسؤولية في أحلك الظروف ، ونعتقد أن مناخ الحوار هو المناخ الوحيد الذي يحصن مجتمعنا وشعبنا في مواجهة أخطار لا تخفى على  أحد .

   ونقوله ثانياً لنحذر من المنافقين الذين لم يرق لهم أن تتطور حالة الحراك الاجتماعي والثقافي والسياسي لأنهم ولسنوات طويلة امتهنوا النفاق صناعةً للتعيش على حساب   الشعب ، وإشاعة أجواء الفساد والخوف والتخويف ، أنهم وعبر التاريخ فتكوا بالنظم التي نافقوها أكثر من الفتك بالشعوب .

   إن تلك الكائنات الفتاكة بمجتمعنا لا تعيش إلا في الظلام ولا تنمو إلا بممارسة العنف على المجتمع ، لذلك فقد استفزتها أجواء الحوار والحرية التي بدأت ترتقي من خلال التفاعل البناء بين أفكار كانت لسنوات طويلة حبيسة ذوات أصحابها .

   أنت يا أخي عاصرت حركة منتدانا ورافقتها وكذلك كنت شاهداً على حركة كثير من المنتديات … ألم تلاحظ كيف كان الحوار يرتقي بالناس وبالمتحاورين  ألم تلاحظ كيف كانت الأفكار المتشددة من البعض بمواجهة البعض الآخر كانت تنحسر من ندوة إلى أخرى لتتسع دائرة الذين يتداعون إلى الوفاق والاتفاق .

   ألم يكن من الواجب أن يتم التعامل بالكثير من الإيجابية مع العديد من المحاورين الذين قضوا سنوات طويلة في السجون والذين لم يحضروا إلى ساحات الحوار طلباً للثأر ولا لتصفية الحسابات ، وإنما كانوا دعاة حوار .. ومصالحة وطنية واسعة ؟؟

   هل يمكن أن تواجه هذه الحالات الإنسانية السامية ، أو تلك الحوارات الهادئة الهادفة بتلك الإجراءات المبالغ فيها ؟؟

   من أول إغلاق بعض المنتديات إلى آخر التضييق على طرح أفكار واجتهادات لتطوير الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية .

   يقولون أن هناك من أخطأ ، يقولون أن هناك من يدعو إلى التغيير والتجديد والتصويب والهجوم على ممارسات وظروف وأوضاع سادت لفترة طويلة …

            طيب ….. لماذا الدعوة إلى التغيير والتجديد إذا كان كل شيء على ما يرام …؟

   نحن لا نعتقد أن كل شيء على ما يرام ، وبالتالي فإن الدعوة إلى التغيير والتجديد مشروعة .

   لقد تعاقبت أجيال من شعبنا على الحياة في ظروف استثنائية وممارسات استثنائية وطوارئ وقوانين عرفية حتى أن هذه الأجيال لم تذق طعم الحياة الطبيعية فلنفترض أن هناك ظروفاً فرضت كل هذا …. لكن هل يعقل أن تستمر الممارسات الاستثنائية بعد انقضاء ظروفها ….؟

   نحن يا أخي دعاة حوار هادئ وهادف بعيداً عن التشنج والتعجل والانفعال ونحن على ثقة أن القوى الخيرة في مجتمعنا من كافة الأطراف ستتوصل عن طريق الحوار والجدل الاجتماعي البناء إلى حلول لكافة المشكلات التي يعاني منها شعبنا والوصول إلى صيغ قانونية يحتكم الجميع إليها وتحكمهم جميعاً في نهاية المطاف .

لهذا كله نأمل أن إجراءات التضييق على المنتديات والجمعيات ذات النفع العام والشخصيات الثقافية والعامة كانت مؤقتة وأن تزول لنعود جميعاً إلى الحوار والاحتكام إلى المنطق فالأفكار الصحيحة يمكن أن تواجه وتنتصر على الأفكار الخاطئة بينما العنف والتضييق والتخويف ينمي الأفكار الخاطئة ويحولها إلى خطيئة كبرى ، ويحاصر الأفكار الصحيحة ويعطل فاعليتها .

 

س 9 :      ما الأهداف الأساسية لمنتداكم ؟ وهل تعتقد أنكم تسيرون على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف ..........؟؟

ج 9 :       عن الشق الأول من السؤال أقول أن الأهداف الأساسية لمنتدانا بصيغتها النهائية ما زالت قيد الصياغة النهائية ذلك أننا نتعلم من الحوار الإيجابي الذي يجري داخل المنتدى لكن من حيث المبدأ فإن أحد أهم أهداف المنتدى هو الغوص عميقاً إلى جذور مجتمعنا ثم الصعود خطوة خطوة إلى أن يورق ويزهر ويثمر ، فنحن متيقنون من أننا ربما اقتربنا من نهاية الليل الطويل الذي ظلل أمتنا لسنوات طويلة وأن مرحلة المخاض الراهنة ستفرز الأصيل والعظيم على كافة الصعد الفكرية والثقافية و الحضارية والإنسانية ونحن نطمح حقيقة أن يكون منتدانا حاضنة نموذجية لحوار إيجابي ، ومراجعة إيجابية ، وبالتالي يسهم بإنجاز إيجابي للمستقبل العربي ، وهذا يعني أن منتدانا سيحتضن ثقافة المقاومة لكل أشكال التخريب والتغريب والتصهين والأمركة كما سيدفع باتجاه المراجعة والتأصيل والتأسيس والتحصين لثقافة الأمة وهويتها ورسالتها .

   وهكذا فإن أهدافنا متداخلة شاملة ما هو وطني وما هو قومي وما هو إنساني ، وأعتقد أن قدر هذه الأمة هو أنها لا يمكن أن تنهض إلا برؤيا شاملة وبالتالي فإن مواجهة الطغيان الأمريكي الصهيوني يتلاقى تماماً مع جوهر الرسالات الحضارية التي حملتها الأمة العربية عبر تاريخها ، إنه الدور الذي جاب العالم وأعتقد أنه عاد ليستقر هنا مرة أخرى ........ نرى بذوره في حركة المخاض القومي والوطني التي تلف الوطن العربي والأمة العربية .