من أجل مجتمع مدني في سورية ...

حوارات "منتدى الحوار الوطني"...

تحرير وتقديم رضوان زيادة

 

               من أجل مجتمع مدني في سورية

حوارات "منتدى الحوار الوطني"

تحرير وتقديم رضوان زيادة

2004 ‏‏

جميع الحقوق محفوظة

الناشر

اللجنة العربية لحقوق الإنسان

والمؤسسة العربية الأوربية للنشر Editions Eurabe

36 b Rue du Cotentin

75015 Paris- France

 

ISBN : 2-914595-20-4

EAN : 9782914595209

POUR UNE SOCIETE CIVILE EN SYRIE

Muntada al Hiwar al-Watani

 PREPARE PAR : RIDWAN ZIADEH

POSTEFACE : HAYTHAM MANNA

REFORME POLITIQUE ET DROITS HUMAINS

SERIE  PUBLIEES PAR

LA COMMISSION ARABE DES DROITS HUMAINS (ACHR)

5, Rue Gambetta  -  92240 Malakoff-France      

Fax 0033146541913

E. mail: achr@noos.fr

www.achr.nu

 

الإهداء

 

إلى أعضاء لجنة منتدى الحوار الوطني ...

إلى رياض سيف وعارف دليلة ووليد البني

وحبيب عيسى وفواز تللو

ما كان لربيع دمشق أن يزهو لو لم تكونوا هناك .....

 

 

 

"كلمة واحدة مليئة بالقوة ....عندها تبدأ الأرض بالتغيير "

عبارة بطل الفيلم الفنزويلي (ريشة كبير الملائكة )

 

 

"مشكلتي أنني أمثّل أناساً لا يستطيعون سوى الصلاة من أجلي ،أما التظاهر في الشوارع فهو أمرٌ لن يغفره النظام أبداً ،حتى لو علقت على عود المشنقة ،فإنهم لن يستطيعوا سوى البكاء عليّ "

من حوار رياض سيف مع مجلة نيوزويك 

Newsweek, April 23,2001.

 

منتدى الحوار الوطني

التكوين الاجتماعي والحراك السياسي

 

قصة "منتدى الحوار الوطني" هي قصة "ربيع دمشق" ذاتها، فعمره من عمر الربيع. كان الشرارة الأولى التي أطلقت الربيع، ثم مع إغلاقه في شباط/فبراير 2001 وتحويل المسؤول الأول عنه النائب رياض سيف للتحقيق معه بعد رفع الحصانة الجزئية عنه كانت بداية النهاية لربيع دمشق. ومع استئنافه مجدداً في أيلول/سبتمبر 2001 ثم اعتقال ثمانيِةٍ من أعضائه الناشطين في لجنته وفي حواراته كانت نهاية النهاية لذاك الربيع.

يمكن القول أن بذرته الأولى ابتدأت مع نهاية عام 1998 وتحديداً خلال الانتخابات التشريعية لمجلس الشعب في دورته السابعة [1999-2003] حيث عقد النائب رياض سيف خلال حملته الانتخابية المميزة عدداً من الحوارات الوطنية المتعددة الاهتمامات والواسعة الطيف في مقر حملته الانتخابية في منطقة الميدان ضمن مدينة دمشق التي ترشح سيف نائباً لفترةٍ ثانية عنها.

لقد أطلق على هذه الحوارات اسم "جلسات الحوار الوطني" واستمرت على مدى 9 جلسات بحثت في الشأن السياسي والاجتماعي والحقوقي والبيئي ضمن جرأةٍ نادرة وبنفس الوقت إدراكٍ مميز لحدود السقف الذي على هذه الحوارات أن لا تخترقه، وهو ما أسماه أحد الصحفيين البارزين حينها "حوارات تحت الخيمة الرئاسية" حيث كان الرئيس حافظ الأسد مازال على قيد الحياة، لكنه بدأ وبشكلٍ خجولٍ جداً "الالتفات" إلى الوضع الداخلي الذي تناساه تماماً لحساب السياسة الخارجية التي تحددت أيضاً وعلى مدى عشر السنوات الماضية في التفاوض مع إسرائيل، تلك المفاوضات التي كانت تتراوح بين الشد والجذب بحسب الحكومة الإسرائيلية وبحسب الإدارة الأمريكية أيضاً. مهما يكن فإن الرئيس الراحل حافظ الأسد نفسه كان قد توجه إلى المجلس التشريعي السادس بعد إعلان النتائج بخطابٍ يمكن اعتباره بمثابة الخطاب التدشيني لمرحلة التطوير والتحديث التي رعاها فيما بعد خليفته وابنه الرئيس بشار الأسد.

لقد انتقد الأسد الراحل الفساد والبيروقراطية علناً، وحمل على المسؤولين الذين أعطاهم ثقته ولكنهم لم يكونوا كفئاً لها، ولمّح وبقليلٍ من اللطف الزائد إلى ضرورة تطبيق الديمقراطية في مؤسساتنا، وأكثر من ذلك، فقد أشار علناً إلى عددٍ من القوانين التي يجب تحديثها وتطويرها سيّما قانون الإيجارات الذي مضى عليه أكثر من نصف قرن وخلق أزمةً اجتماعية لم يجر تدراك تداعياتها، وهكذا وكأن "الحوارات الوطنية" التي قادها سيف في "مضافته" وبيان عارف دليلة "الناري" كما وصفه البعض والمؤلف من عشر نقاط، قد أثمرت فعلاً وعلى لسان الأسد نفسه.

يمكن القول بعدها أن المجتمع السوري عاش ورشةً حقيقية وفعلية من النقاش السياسي لم يشهد لها مثيلاً من قبل، وقد زاد من حدة هذا النقاش عددٌ من الأحداث السياسية التي تسارعت، فشل المفاوضات السورية-الإسرائيلية بسبب عدم جرأة باراك على اتخاذ القرار الحاسم فيما يتعلق بترسيم الحدود، ثم إعلان استقالة حكومة محمود الزعبي بعد 13 عاماً من تشكيلها، وطرده من الحزب واتهامه مع نائبه ووزيره للمواصلات بالفساد، ثم لم يلبث أن لجأ الزعبي نفسه إلى الانتحار، ثم الإعلان عن المؤتمر القطري التاسع لحزب البعث الحاكم بعد 15 عاماً من عقد مؤتمره الثامن، وانطلقت فجأةً ألسنة السوريين التي عُقدت لفترة طويلة من الزمان وتحوّلت المحاضرات الأسبوعية لجمعية العلوم الاقتصادية السورية إلى جلسات نقاشٍ علنية وحادة حول جدوى السياسات الاقتصادية والمالية المتّبعة، ولا بأس أن يغمز أحد المعقّبين أو المداخلين من قناة الإصلاح السياسي نفسه سيّما وأن نجل الرئيس الدكتور بشار الأسد كان يحضر بعضاً من فعاليتها، الأمر الذي أكسبها أهمية استثنائية.

ثم تشكلت في آذار/مارس 2000 حكومةٌ جديدة برئاسة محافظ حلب السابق مصطفى ميرو أعلنت في برنامجها أنها ستقوم بشكلٍ رئيسي على إصلاح القوانين وتحديث المؤسسات وتحسين حاجة المواطنين المعاشية والاقتصادية. وفي ظلِّ هذا الحراك الصامت إذ لم ينعكس انفتاحاً في وسائل الإعلام الرسمية ولم يتواكب قانونياً مع عددٍ من القوانين التي من شأنها أن تشرعن حرية الرأي والتعبير بشكل حقيقي وفاعل مثل قانون المطبوعات أو قانون الأحزاب السياسية، فقد بَقِيَ هذا الحراك ضمن الثقافة الشفوية الغنيّة والثرَّة لدى السوريين، فجلساتهم الخاصة أصبحت اليوم ذات معنى وتدور حول مستقبل بلدهم وسياساته المتبعة، ولم تعد مملةً كسالف الأيام عندما يعلن الجميع براءته من السياسة عبر عديد الأمثال الشعبية الدارجة "ما دخلنا في السياسة" "لعن الله السياسة ومن يتحدث بها".

لقد اكتشف السوريون إذاً السياسة من جديد، ووعيهم الشعبي المستجد هذا كان على موعدٍ مع حدثٍ أضخم بكثير مما توقعوه، إنه وفاة الرئيس الذي لم يعرف ثلاثة أجيالٍ من السوريين سواه، فقد كان عدد سكان سورية يوم إعلان حركة الثامن من آذار عام 1963 ما يقارب السبعة ملايين نسمة، لكن هذا العدد أصبح عند وفاة الرئيس حافظ الأسد في حزيران/يونيو 2000 (17) مليوناً، وكأن (10) ملايين نسمة هم "جيل الثورة" بامتياز لم يتفتح وعيهم على رئيسٍ غيره، وهو ما زاد الأمر صعوبة، فالمعارضة كانت تتوزع بين المنافي والسجون، وأطروحاتها الأيديولوجية نفسها لم تعد مغرية لأصحابها أنفسهم فكيف بغيرهم، والسلطة بما هي جماع الحزب والمؤسسات الشعبية والجبهة الوطنية والمؤسسة العسكرية قد أُصيبت بتكلسٍ عطّل مفاصلها الرئيسية، إذ لم تعد قراراتها تُتخذ بحيويةٍ مستقبلية بقدر ما أصبحت تسعى قدر ما أمكن للحفاظ على الوضع القائم، وبدا المجتمع بين الطرفين كما ذكرنا هامشياً وخالياً من أيِّ حراكٍ أو طموحٍ سياسي أو اجتماعي، لقد كان يعيش فترة العزلة واللا فاعلية والخوف من المبادرة.

لقد وجد السوريون-رغم امتعاضهم من آلية انتقال السلطة-فرصةً لهم للتعبير عن خوفهم على مستقبل بلدهم، وقد استغلَّ المثقفون والناشطون بحكم حساسيتهم الخاصة تجاه التغيير الموقف للدفع باتجاه خلق فضاءاتٍ للتعبير الحر والمسئول، ومن هنا بالضبط انطلقت الشرارة الأولى باتجاه تشكيل "جمعية أصدقاء المجتمع المدني" التي عُقدت اجتماعاتها الأولى في منزل المخرج نبيل المالح وبحضور عددٍ من المثقفين ذوي الاتجاه اليساري من أمثال ميشيل كيلو وعارف دليلة ويوسف سلمان وياسين شكر وغيرهم وذلك قبل وفاة الرئيس حافظ الأسد تحديداً في 28 أيار/مايو 2000، ومع حضور النائب والصناعي رياض سيف لهذه الاجتماعات انبثقت فكرة تأسيس "جمعية أصدقاء المجتمع المدني" وصاغ المجتمعون مسودةً أولى ثم ثانية للجمعية أشارت إلى أن "المجتمع المدني كما نراه، هو مجموع التنظيمات المجتمعية غير الحكومية من جمعيات ونقابات وهيئات وأحزاب ومنظمات ووسائل إعلام حرة متعددة ومتعددة ونواد ومؤسسات، جوهره الخيار الديمقراطي، ولا يمكن للديمقراطية أن تتجسد إلا عبر نهوض المجتمع المدني بأنظمته ومؤسساته وخلق حال حوار نقدي بين المجتمع والدولة من أجل مصلحة الوطن، كما أن تفعيل مؤسسات المجتمع يُعتبر السبيل الوحيد لبناء دولة حقيقية للجميع وتحقيق حراك اجتماعي فاعل" وصولاً إلى الدعوة إلى "تأسيس جمعية أصدقاء المجتمع المدني في سورية، علّنا نقدم جهداً يُسهم في بناء مجتمع ديموقراطي متطور"[1].

وقد سعى النائب سيف في لقاءٍ مع نائب رئيس الجمهورية عبد الحليم خدام في أيلول/سبتمبر 2000 الحصول على ترخيص للجمعية، فكان ردّه "بأن ما تقومون به هو خطٌ أحمر" ويُعتبر "بمثابة البلاغ رقم واحد" وطالبه بالتمهل "لأن قانوناً للأحزاب والجمعيات سوف يصدر قريباً، وعندها بإمكانكم التقدم للحصول على ترخيصٍ رسمي" [2]فأكّد عليه النائب سيف بأن هذا الحزب لن يكون في إطار الجبهة الوطنية التقدمية التي تشكّل الإطار السياسي الرسمي والوحيد في سورية، فصدّق ذلك خدام وأخبره قائلاً "نعم، لن يكون عضواً في الجبهة الوطنية التقدمية".

هنا حدث افتراق بين خطين، ذلك أن مجموعة المثقفين السوريين التي استمرَّت في لقاءاتها وتطوّرت فيما بعد إلى ما يسمى "الهيئة التأسيسية للجان إحياء المجتمع المدني" في حين اتبع النائب سيف المعروف بديناميته وعمليته خطاً آخر[3]، إذ أعلن عن تأسيس "منتدى الحوار الوطني" متمتعاً بحصانته البرلمانية "النسبية" ومعلّلاً ذلك بأن من صلاحياته كنائب "أن يجتمع إلى المواطنين ويستمع إلى شكاويهم"، وقد افتتح المنتدى نشاطه في 13 أيلول/سبتمبر 2000 بمحاضرةٍ عن المجتمع المدني لشيخ المثقفين السوريين كما أصبح يُطلق عليه أنطون مقدسي، وقد أخذ هذا اللقاء اهتماماً سياسياً وإعلامياً مضاعفاً لاجتماع عدة مواقف أو مناسبات. إذ استبقت السلطات السورية افتتاح المنتدى بإرسال رسائل "تحذيرية" عبر صحيفة "المحرر نيوز" اللبنانية، عندها اتهمت "دعاة المجتمع المدني في سورية" بأنهم "يريدون اقتباس تجربة أوروبا الشرقية في الإطاحة بأنظمتها الحاكمة لتطبيقها على سورية" وتساءل "المصدر الوثيق الصلة بالنظام" على حد وصف الصحيفة عن "الهدف الحقيقي الكامن وراء نيّة تأسيس جمعية أصدقاء المجتمع المدني" إذ يسعون إلى "إقامة منتديات ثقافية وسياسية غير معلنة، ومن المرجح أن تكون أندية الروتاري الماسونية بينها"[4]، وبنفس الوقت كان أنطون مقدسي نفسه قد وجّه رسالة إلى الرئيس بشار الأسد عبر صحيفة "الحياة" بتاريخ 14 آب/أغسطس 2000، تُعتبر الأولى لجهة مخاطبة رئيس الجمهورية عبر وسائل الإعلام دون وسائط أو مبررات، إذ قال فيها بكل عفويةٍ وصراحةٍ وجرأة "الوضع العام، وباختصار يا سيدي: انهيار عام، سياسي واقتصادي وأيضاً ثقافي وإنساني"[5].

وقد أصدرت وزيرة الثقافة حينها مها قنوت وعلى الفور قراراً بفصله من موقعه كمديرٍ لمديرية التأليف والترجمة والنشر التي أشرف عليها على مدى سنواتٍ طويلة، وقد أحدثت رسالته تلك وردُّ الفعل عليها صدىً سريعاً لدى الوسط الثقافي السوري والعربي مما وضع حرية الرأي والتعبير على المحك مجدداً، وهكذا فباجتماع "منتدى الحوار الوطني" في منزل رياض سيف، وتقديم أنطون مقدسي ذاته محاضرة فيه وعن "المجتمع المدني"، بدا عندها اللقاء المرتقب أشبه بتجمعٍ للمعارضة لم تشهده سورية من عقودٍ طويلة.

لقد تصدّرت الدعوة لافتتاح "منتدى الحوار الوطني" مقولة الرئيس بشار الأسد في خطاب القسم في 17 تموز/يوليو 2000 التي يقول فيها "لا يُبنى المجتمع ولا يتطور ولا يزدهر بالاعتماد على شريحة أو جهة أو مجموعة، بل يعتمد على تكامل عمل الكل في المجتمع الواحد"، وتحت هذه العبارة كانت الدعوة صريحةً للجميع كي يُسهم في "الحوار السلمي والعلني والصريح" الذي يسعى إلى "الاقتراب ما أمكن من الحقيقة، التي ستنير لنا الطريق في مسيرتنا لبناء وطن القوة والمنعة والرفاه".

لكن وبقدر ما كان خطاب المحاضر أنطون مقدسي معتدلاً بقدر ما عبّرت مداخلات المشاركين عن رغبةٍ عميقة وحقيقية في الحوار وفي مناقشة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السورية بعد غيابٍ طويل، واستمرت جلسات المنتدى على مدى أربع أسابيع تحدث جميع المحاضرين فيها ضمن محور "إحياء المجتمع المدني" الأمر الذي خلق جدلاً في الأوساط السياسية والثقافية السورية ما يزال دائراً حتى الآن وهو مدى نيّة دعاة المجتمع المدني السوريين الحقيقية إلى إحياء هذا المجتمع ما داموا يتفيّون من وراء هذا الحديث الكلام عن السياسة بلبوس الثقافة، وهو ما دعا البعض إلى إلقاء غلالة المجتمع المدني بعيداً والتحدث بكل صراحة في السياسة السورية وعنها والمطالبة برزمة الإصلاحات السياسية والقانونية الضرورية التي تحدث عنها بيان المثقفين الـ 99 في 27 أيلول/سبتمبر 2000، بيد أن مثل هذا النوع من الخطاب تناسى أن المشهد السياسي والاجتماعي القائم في سورية والذي يعوم على توازنات حساسة وعلى تاريخٍ من أيديولوجيا الإقصاء لذا برزت دعوة المجتمع المدني كأطروحةٍ للمصالحة بين المجتمع والدولة ليس بوصفهما نقيضين وإنما بوصفهما شريكان متكاملان.

مهما يكن فإن "منتدى  الحوار الوطني" استمرَّ في نشاطه وفاعليته، وطرح محوراً آخر هو كان بمثابة إجابة عن السؤال (كيف نبني اقتصاداً وطنياً؟) ولقد تعددت الإجابة عليه من كافة الانتماءات الأيديولوجية عبر مشاركة أقصى اليسار المتمثل في الشيوعيين كما هي حالة محاضرة الدكتور نبيل مرزوق واليسار الاجتماعي كما هي حال الدكتور عارف دليلة واليمين الليبرالي كما هي حال محاضرة الدكتور رياض الأبرش، وهذا التعدد والتنوع في الإجابة عكس طبيعة المنتدى الوطني الواسع، وجعله مفتوحاً لكافة المشاركات من كلِّ الانتماءات الطائفية والأثنية والعرقية والأيديولوجية والعُمرية، إذ لوحظ حضوراً مكثّفاً من قبل شريحة الشباب، كلُّ هذه الصفات التي اكتسبها المنتدى من خلال تجربته شجّعت الآخرين على اقتباسها واستنساخها، وبدأت المنتديات تتكاثر كالعشب في الربيع على حد تعبير رياض سيف في أحد حواراته، وكان أبرز هذه المنتديات المنتدى الثقافي لحقوق الإنسان في صحنايا وفي منزل المحامي خليل معتوق، ومنتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي في منزل المرحوم جمال الأتاسي نفسه والذي اعتُبر محسوباً على التجمع الوطني الديمقراطي المعارض، التجمع السياسي الحزبي الوحيد والمعارض الموجود على الأرض داخل سورية وانتشرت المنتديات أيضاً في المحافظات السورية الأخرى بدءاً من حلب وحمص واللاذقية وطرطوس وانتهاءً بالقامشلي ودير الزور.

لقد نشّطت المنتديات الحراك الاجتماعي والسياسي في سورية بشكلٍ غير مألوف، لكن بقي "منتدى الحوار الوطني" الأكثر تعدداً وتنوعاً وبنفس الوقت الأكثر شهرةً رغم أنه مازال حتى ذلك الوقت يقوم على جهود سيف الفردية وحدها، بيد أنه أصبح وبلا شك مركز صنع القرار السياسي والإعلامي في سورية لفترةٍ من الفترات، فبعد أن كانت الأخبار تتدفق وحدها عبر مركز السلطة، فإن مكاناً آخر أصبح يضخُّ الأرقام والإحصاءات والتصريحات ويثير النقاش والاهتمام، لقد أصبح المنتدى كما وصفته مجلة (النيوزويك) الأمريكية "بداية حركة التغيير القادمة في سورية حتماً"[6]، ومع صدور بيان الألف في بداية عام 2001 والذي أعاد التأكيد على المطالب السياسية المعروفة كرفع حالة الطوارئ والأحكام العرفية وإطلاق سراح السجناء السياسيين وفسح المجال لحرية الرأي والتعبير وغيرها، أصبحت عجلة التغيير في سورية أشبه بكرة الثلج التي تتدحرج رويداً رويداً لكنها تكبر رويداً رويداً أيضاً مما دفع المثقفين والناشطين السوريين إلى الدفع باتجاه إحداث انفراجات سياسية مع ضمانات قانونية حقيقية وليس فقط على مبدأ النبضات أو الضوء الأخضر أو سياسة غض النظر، ولذلك بدأ النائب رياض سيف يفكّر بشكلٍ جديد في إعطاء "منتدى الحوار الوطني" "صيغة" مؤسسية وقد تجلى ذلك في تأسيس لجنةٍ تدير شؤون المنتدى أُطلِقَ عليها "لجنة منتدى الحوار الوطني" وقد تألفت من 14 عضواً من مختلف التكوينات الطبقية والتكوينات الأيديولوجية والانتماءات الطائفية والعرقية[7]، وقد ترافق ذلك مع فتح أحد الصحف الرسمية "الثورة" وبمبادرة من رئيس تحريرها الشجاع محمود سلامة رحمه الله لصفحاتها لمناقشاتٍ نظرية وسياسية واجتماعية عميقة حول مفهوم المجتمع المدني وعلاقته بالدولة أو موقفه منها وإشكالية التعارض والتكامل بين الطرفين وقد ساهم في هذه النقاشات عددٌ كبير من المثقفين السوريين، الأمر الذي أدى إلى طرد رئيس التحرير من عمله، لكن ذلك أعطى مؤشراً إلى إجماع الجميع في السلطة والمعارضة أن التغيير لابد أن يبدأ وإن اختلفت برامجه بين الطرفين.

لذلك سعت "لجنة منتدى الحوار الوطني" إلى فتح محورٍ جديد يتناول قضايا سياسية محددة وخاصة بالشأن السوري وقد كانت المحاضرة الأولى ضمن "محور الحقوق" كما أطلق عليه محاضرة الأستاذ في كلية الهندسة المدنية شبلي الشامي، وقد كانت بعنوان (حق القول) وقد أعطى الاهتمام الإعلامي والمكثف بالمحاضرة سواءً من قبل وكالات الأنباء العالمية[8] أو الفضائيات العربية والأجنبية التي قامت بتغطية مباشرة أو من قبل الصحف العربية والأجنبية، كلُّ ذلك عززَّ حضور المنتدى داخلياً وعربياً وعالمياً.

إذ أصبح بوابةً واسعة لمخاطبة الرأي العام المحلي والعربي، ثم أُتبعت هذه المحاضرة بأخرى أكثر تخصصاً بالشأن السوري وابتعاداً عن العموميات النظرية والحقوقية، وقد تركّزت حول "الإصلاح السياسي: معناه وحدوده" لأستاذ الفلسفة في جامعة دمشق يوسف سلامة، كلُّ ذلك جعل النقاش في المنتدى مركّزاً بشكلٍ عملي في تقديم أفكار وحلول نظرية وعملية للإصلاح السياسي والاقتصادي في سورية.

لقد تسارعت الأحداث وانتشرت الشائعات بشكلٍ غير مسبوق، إذ جاء الإعلان عن تأسيس "التجمع من أجل الديمقراطية والوحدة" كحزب سياسي معظم أعضاءه من قدامى الناصريين كمؤشر على قرب صدور قانون جديد للأحزاب السياسية في سورية، بعد أن كان الحديث يدور كثيراً عن قرب صدوره، كما جاء إعلان كريم الشيباني عن تأسيسه للحزب الوطني الديمقراطي في 18 كانون الثاني/يناير 2001 وعبر مؤتمرٍ صحفي ليُعطي مؤشراً وكأن القيادة السياسية السورية قد قررت توسيع هامشها السياسي والحزبي عبر استنساخ أحزابٍ شبيهةٍ بها، فأراد النائب سيف أن يضع السلطة أمام الأمر الواقع ويعلن عن تأسيس حزبٍ جديدٍ ليرى إمكانية أن ترخص له السلطة أم لا، وجاء الإعلان عن ولادة "حركة السلم الاجتماعي" في "منتدى الحوار الوطني" بتاريخ 31 كانون الثاني/يناير 2001 واستمرت نقاشاته الحادة على مدى يومين.

وكان ذلك قد ترافق مع بدء حضور "الرفاق البعثيين" لجلسات المنتديات وبتكليفٍ رسميٍ "لتنفيذ ما يُطرح وإظهار ثغراته وخلفياته" على حد تعبير عبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية[9]، وقد خلق حضورهم لجلسات "منتدى الحوار الوطني" ومشاركتهم في النقاش صدىً طيباً في البداية من جميع الحضور على أساس أن ذلك سيخلق حواراً ولو بشكلٍ غير مباشر بين المجتمع والسلطة أو المعارضة و"الحزب القائد"، بيد أن هذه المناقشات قد حادت في بعض الأحيان عن مسارها النقاشي الطبيعي والهادئ لتصبح تشكيكاً في وطنية وغاية "أصحاب المنتديات" كما أصبح يُطلق عليهم، مما استدعى في بعض الأحيان الرد من قبل بعض الحضور وهو ما وتّر الأجواء وحوّل النقاشات إلى حوارات ثنائية صاخبة وشخصية.

مهما يكن فإن تعجّل رياض سيف في الإعلان عن حركته وعدم توفقه في صياغتها الملائمة خلق ردة فعل سلبية للغاية خاصةً من المسئولين الرسميين كما ظهر ذلك في تصريحاتهم وأقوالهم[10]، وهو ما عجَّل بالبدء في كبح نشاط المنتديات وكبتها، إذ وجدت السلطات السورية في انتشارها بداية "لمقاومة سلمية وشعبية واسعة، كما وجدت في ازدياد شعبية سيف ونشاطه مؤشراً ينذر بتغيير مخيف سيّما وأن بعض الصحف العربية والأجنبية أصبحت تشبّهه فاليسا سوريا ودعوته إلى السلم الاجتماعي أشبه بحركة التضامن البولندية[11]، بيد أن  السلطات السورية تمهلت قليلاً وتريثت باتجاه النظر إلى مستقبل هذه الحركة ونهايتها.

لكن جاءت المحاضرة الأخيرة في "منتدى الحوار الوطني" بعنوان "المأزق السياسي وإشكالية التعثر الديمقراطي في سورية" لكاتب هذه السطور، وقد كانت أول محاضرة تُلقى في المنتدى تدخل في معالجة الوضع السوري مباشرة دون مقاربات عيانية عن الواقع العربي وما إلى ذلك، وقد شهدت اهتماماً إعلامياً لافتاً[12] سيّما لجهة طرحها لسيناريوهات التحول الديمقراطي المستقبلية في سورية، وزاد حضور البعثيين من فرع جامعة دمشق النقاش توتراً وسخونة الذي استمرَّ على مدى خمس ساعات متواصلة، كان يتقطع في بعض الأحيان نتيجة الحوارات الثنائية الحادة بين أحد البعثيين وأحد الحضور، وبحضور أحد الصحفيين الأمريكيين الذي طلب الكلام ليشكر التجربة السورية في هذه المنتديات، وليقول أن هذه التجربة لا نجد مثيلاً لها في الولايات المتحدة بحكم سيطرة وهيمنة وسائل الإعلام والشركات العملاقة، لكن-وبعنفٍ زائد-قاطعه الدكتور فيصل كلثوم (أستاذ النظم السياسية والقانون الدستوري في كلية الحقوق-جامعة دمشق وعضو سابق في قيادة فرع الحزب في الجامعة، وقد انتخب فيما بعد-ربما مكافأة له-عضواً في مجلس الشعب السوري عن حزب البعث وأصبح رئيساً للجنة الأمن القومي فيه) وتساءل فيما إذا كانت هذه المحاضرة مشيراً بيده إلى ورقة المحاضرة (المأزق السياسي وإشكالية التعثر الديمقراطي) تمثل ورقة وطنية أو أمريكية، وهنا علا صياح الرفاق البعثيين الآخرين مطالبين بطرد هذا الصحفي الأمريكي الجريء ومتهمين إيّاه بأبشع النعوت دون حتى أن يسمعوا شيئاً من كلامه الذي يتقاطع في النهاية مع ما يودّون أو يرغبون في التحدث عنه.

مهما يكن فإن ما حصل وبكثيرٍ من التحريف نُشِرَ على هيئة تقرير في صحيفة "الحياة" بعنوان (تساؤلات "بعثية" عن حضور دبلوماسيين وأجانب المنتديات)[13]، وقد كان هذا التقرير مستنداً لدى الكثير من المسؤولين السوريين للتذرع بأن المنتديات "مخترقة" من الخارج، كما أن التقرير نفسه اعتبره الرئيس بشار الأسد على أن المنتديات قد أصبحت واجهة لجهاتٍ خارجية[14]، وعلى الرغم من أن الصورة كانت مختلفة تماماً لما تحدث به التقرير و"تقارير أمنية" أخرى مغفلة، ذلك أن المنتديات كانت في عمومها مفتوحة للجميع، ويحق للقاصي والداني حضورها والمشاركة في نقاشاتها طالما أنها تتحدث في إطار السقف الوطني والمسؤولية الوطنية، ولذلك فإن مشاركة غير السوريين فيها كانت في مجملها تمثل إثراءً للتجربة، سيّما وأن تجربة المنتديات نفسها وهي تعتبر فريدة لجهة قدرة السوريين على خلق تجارب خاصة بواقعهم وتتحايل على الممنوعات أو الخطوط الأمنية الكثيرة التي تحاصرهم، وهي لذلك حظيت بنقاش عربي فريد سواءً في الفضائيات أو الصحف العربية[15].

في اليوم التالي للمحاضرة جرى الإعلان عن شروطٍ لتقييد نشاط المنتديات أو بالأحرى وقفها نهائياً، إذ طُلِبَ من المسؤولين عن تنظيم هذه المنتديات تقديم اسم المحاضر ونص المحاضرة وأسماء الحضور إلى غير ذلك وقبل 15 يوماً من موعد المحاضرة ثم الانتظار حتى الحصول على الموافقة[16]، الأمر الذي عنى حقيقةً وقف نشاط المنتديات وعبر توجيهٍ من فرع الأمن السياسي التابع لوزارة الداخلية، وترافق ذلك مع تعميمٍ من القيادة القومية لحزب البعث الحاكم تتهم فيه المثقفين السوريين بأنهم "عملاء ومرتبطون بالخارج"[17]، وقام أعضاء القيادة القطرية بجولة على المحافظات السورية للتحذير من الأطروحات التي تدعو إلى "المجتمع المدني"[18]، التي رأى فيها عبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية دعوة "لجزأرة سورية[19]، وكان عبد القادر قدورة رئيس مجلس الشعب السابق قد رفع الحصانة عن النائب سيف وذلك أثناء فترة عطلة المجلس وذلك للسماح بتحريك دعوى النيابة العامة ضده وذلك رداً على تأسيسه لحركة السلم الاجتماعي[20]، حيث مثل أمام قاضي التحقيق لعدة جلسات تمحورت معظمها حول خلفيةِ ورقته التي تدعو إلى "السلم الاجتماعي"، وعلى أثر هذه التقييدات المختلفة أعلن الكثير من المنتديات وقف نشاطه، بينما جرى استثناء "منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي"، وذلك لأنه يمثل الطيف الناصري القومي القريب من توجه القيادة السياسية السورية[21]، أما "منتدى الحوار الوطني" فقد أوقف برنامج محاضراته وأعلن النائب سيف لحوّله إلى "مضافة"[22]، قبل أن يُعلن نهائياً إغلاقه في بيان رسمي صدر في 12 آذار/مارس 2001 وذكر الضغوطات التي تعرض لها وأعلن أنه سينتظر الفرصة لاستئنافه مجدداً في ظروفٍ مشرّفة[23]، وعندها جرى الإعلان رسمياً عن نهاية "ربيع دمشق" كما ورد ذلك على لسان سيف في أحد حواراته مع وكالة الصحافة الفرنسية، ليصبح هذا المصطلح أشبه بالتعبير التاريخي الذي يُطلق لوصف مرحلة تاريخية مرّت بها سورية[24].

لقد انعكس وقف المنتديات مع عودة الملاحقات الأمنية المكثّفة واللجوء إلى سياسة الضغط على المثقفين عبر منعهم من إلقاء المحاضرات أو منعهم من السفر، انعكس كلُّ ذلك على حراك المجتمع السوري ونشاطه، بيد أن "لجنة منتدى الحوار الوطني" قررت اجتماع أعضائها أسبوعياً للنظر في الخطوات الضرورية في الأسابيع والأشهر اللاحقة، ومع تقدم "منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي" بطلبٍ رسمي إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل للترخيص وذلك في 18/4/2001، قررت "لجنة منتدى الحوار الوطني" الاتجاه في الخط القانوني نفسه مع اقتناعها التام بلا جدواه، غبر أنها رغبت في رفع الحرج القانوني عن المنتدى وإحراج السلطات الرسمية نفسها التي ادّعت أن هذه المنتديات غير مرخّصة قانونياً.

تقّدم "منتدى الحوار الوطني" بطلبٍ للترخيص إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في 3/5/2001 محدداً أهدافه في "فتح حوار شامل مع جميع أبناء الوطن فيما يخص قضايا الوطن والمواطن الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والقانونية، ودعوة الجميع للمساهمة في تعزيز وحدة الوطن وقوته من أجل تحرير أرضنا المحتلة وحقوقنا المسلوبة، والتي نرمي لتكريسها في النقاط التالية:

المساهمة الثقافية بهدف الارتقاء بوعي المواطن لتعزيز الإحساس بالمسؤولية.

لكل من لديه الإمكانات الفكرية والعلمية والمهنية للمساهمة في إبداء الرأي واقتراح الحلول العملية لمختلف المشاكل الحياتية".

واضحٌ أن طلب الترخيص لم يحتوي على أيّةِ كلمة تدل على رغبة "المنتدى" في النشاط السياسي، وليس ذلك تعففاً عن السياسة وابتعاداً عنها بقدر ما هو رغبة لجنة المنتدى في الانطواء تحت مظلة القانون عبر سحب أيّة ذريعة قد تستخدمها السلطة لعدم الحصول على الترخيص القانوني، وبالرغم من ذلك فقد جاء رد وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل سريعاً وبعد خمسة أيام فقط من تقديمه بردّ الطلب ورفض الترخيص بحجة أن ذلك ليس من اختصاص الوزارة و"لا تنطبق عليه النصوص القانونية المعتمدة" كما جاء في ردِّ الوزارة.

قررت لجنة المنتدى بعد ذلك التقدم بتظلّم إلى الوزارة اعتماداً على أن "الأسباب المنوّه عنها برفض الطلب تعتبر مخالفة صريحة للقانون /93/ لعام 1958 الذي يحكم منتدانا ذلك أن هذا القانون واللائحة التنفيذية له جعل من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل هي الجهة الإدارية المقصودة بمضمون المادة /10/ من القانون والمختصة بإجراء عملية الشهر والنشر بالجريدة الرسمية خلال (60) يوماً من تاريخ تقديم الطلب، وبالتالي فإن ما جاء بقراركم من  عدم اختصاص وزارتكم، جاء في غير محله القانوني ومخالفاً للقوانين والأنظمة النافذة.

لقد تم تقديم هذا "التظلم" إلى ديوان الوزارة بتاريخ 16 أيار/مايو 2001 وجاء الرد سريعاً أيضاً وبتاريخ 24 أيار/مايو 2001 برفض الظلّم مع التأكيد على "مضمون قرارنا بعدم اختصاص وزارتنا وعدم انطباق النصوص القانونية المعتمدة على طلبكم، لذلك نرفض تظلمكم، ويعتبر كتابنا هذا ردّاً على تظلمكم ووفقاً للمدة القانونية" كما جاء في ردِّ الوزارة، وهكذا دخلنا في متاهة قانونية[25]، يعلم الجميع أن إطارها ليس قانونياً وإنما سياسيٌ محض، ولذلك حزمت لجنة المنتدى أمرها وعزمت على استئنافه مجدداً بعد فشل جميع الخطوات القانونية المتبعة، وعاودت اجتماعاتها الأسبوعية الدورية، التي أصبحت فيما بعد كل أسبوعين منذ نهاية أيار/مايو 2001 وحتى أوائل أيلول/سبتمبر 2001، وقد كانت هذه الفترة حافلة بالتطورات الملحوظة على الصعيد السياسي والإعلامي في سورية، إذ استمرَّ "منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي" في محاضراته وكانت محاضرة رياض الترك الأمين العام للحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي هي الأبرز وذلك في آب/أغسطس 2001، وأعلن الإخوان المسلمون الموجودون في الخارج "ميثاق شرف وطني للعمل السياسي" في أيار/مايو 2001 يتمسكون فيه بالحوار والعمل الديمقراطي ويؤكدون على نبذ العنف، وجرى تأسيس "جمعية حقوق الإنسان في سورية" عبر بادرة كان ورائها ورعاها أربعون من المثقفين والناشطين السوريين، كما أصدرت الهيئة التأسيسية للجان إحياء المجتمع المدني" عدداً من البيانات كان أبرزها وثيقة "نحو عقد اجتماعي وطني في سورية: توافقات وطنية عامة" وذلك في نيسان/أبريل 2001، هذه الأجواء دفعت عدداً من المثقفين السوريين الناشطين في الخارج إلى تشكيل "مجموعة عمل" تهدف إلى مساندة المثقفين السوريين في الداخل والمشاركة على نحو مباشر وملموس وفاعل في النقاش الدائر حول إحياء المجتمع المدني في سورية[26].

كما برزت خلال الفترة ذاتها أيضاً "ظاهرة نزار نيوف" كما أصبح يُطلق عليها البعض، والتي وإن أدّت إلى انعكاسات سلبية خاصة فيما يتعلق بتشدد السلطات السورية تجاه المثقفين والمعارضين في الداخل، إلا أنها رفعت بشكلٍ ملحوظ سقف الحوار والنقاش الداخلي.

ولم يعد رياض سيف بعيداً عن هذه الأجواء التي دخلها من باب مختلف، عندما تبنى قضية عقود الهاتف الخليوي في سورية وبدأ يثير حولها الشكوك والتحقيقات بوصفها "صفقة فساد" تمت لحساب أحد الأشخاص المقربين من الحكم، ونجح في إثارة الموضوع داخل أروقة مجلس الشعب وقرر المجلس تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في هذا الموضوع، وأعدَّ دراسة مطولة ودقيقة حول الموضوع نفسه تُظهر وبالأرقام أن هذه العقود قد أضاعت على الخزينة السورية مبلغاً لا يقل عن (400) مليار ليرة سورية، بدا رياض سيف عندها وكأنه يدخل في حجر الأفاعي بنفسه ومسألة لدغهم إياه هي مجرد مسألة وقت، وهذا ما حصل بالفعل.

فعندما اعتقلت السلطات السورية النائب محمد مأمون الحمصي في آب/أغسطس 2001 بعد إعلانه إضراباً عن الطعام كي تتحقق أهدافه التي أعلنها في بيانه[27]، واعتقلت بعده رياض الترك في أول أيلول/سبتمبر 2001 بعد مشاركةٍ له في برنامج "بلا حدود" على قناة "الجزيرة" القطرية، أدركت لجنة منتدى الحوار الوطني مدى صعوبة استئناف المنتدى مجدداً في ظلِّ هذه الأجواء وشعرت أنها إنما تغامر بذاتها، وكان ما كان، إذ كانت لجنة المنتدى قد أصدرت في تموز/يوليو 2001 بياناً تُعلن فيه عن نشاط منتدى الحوار الوطني وذلك "مساهمة منها في تفعيل الحياة العامة ونشر ثقافة وتقاليد الديمقراطية التي تبدأ من قبول كلٍّ منا للآخر، عبر إفساح المجال أمام مختلف فئات المجتمع للمشاركة في حوار ديمقراطي بناء يهدف إلى البحث عن أفضل الصيغ والوسائل الكفيلة بتطوير حاضر البلاد ومستقبلها لما فيه خير جميع أبناءها" وأنهت البيان بدعوتها جميع السوريين "للمشاركة في حوار يعترف فيه كلٌ منا بالآخر ويحترم أفكاره وطروحاته، طالما أنها تنطلق من الحرص على الصالح العام، وتنظر بعينٍ ملؤها التفاؤل والثقة في مستقبلٍ أفضل، وبناء وطنٍ يوفر لكل أبنائه السعادة والاطمئنان في جوٍ محبب للعمل والإبداع، يجعل متعة العطاء بديلاً لكلِّ أنانيةٍ ضارّة".

وعلى الفور أذاعت معظم وكالات الأنباء والإذاعات الأجنبية والعربية نبأ استئناف نشاط منتدى الحوار الوطني، الأمر الذي دعا بعضهم للاستعجال بوصف هذا الاستئناف "عودة جديدة لربيع دمشق"، وقد جرى الاتفاق  بين لجنة المنتدى والمفكر السوري المعروف برهان غليون أن يأتي إلى دمشق خصيصاً من باريس كي يفتتح نشاط المنتدى بمحاضرةٍ عن "مستقبل الإصلاح والتغيير في سورية: نحو عقد وطني جديد"، وأقيمت المحاضرة في موعدها تماماً زماناً ومكاناً وبحضور ما يفوق عن 500 شخص غصَّ بهم منزل رياض سيف، المقر المعتمد لمنتدى الحوار الوطني، واستمرَّ النقاش لمدة 5 ساعات متواصلة حيث قدَّم أكثر من 30 شخصاً مداخلاتهم وتعقيباتهم، الأمر الذي دفع أحد البعثيين المكلّفين بالحضور إلى اعتبار هذه المنتديات بمثابة مكسبٍ للسوريين، وقد شعر جميع المشاركين بحيوية التواصل وإمكانيته بين السوريين جميعاً ومن كل أطيافهم وتلويناتهم وانتماءاتهم كما ظهر ذلك في عناقٍ حار بين المحامي حبيب عيسى الناطق باسم "منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي" وبين أحد الأساتذة الجامعيين من حزب البعث والمكلفين رسمياً بالحضور، وجرى تصفيقٌ حاد وطويل لهذه الخطوة التي كثّفت بامتياز معنى "المصالحة الوطنية" التي تحدثت عنه المحاضرة. شعر الجميع بعدها وخاصةً لجنة المنتدى أن خطوة الاستئناف المجدد للمنتدى قد نجحت بشكلٍ رائع، ولذلك توقع الجميع أن تبادر السلطات الرسمية إلى خطوةٍ رمزية باتجاه الاعتراف بالآخر عبر شرعنة المنتدى قانونياً، لكن كانت الخطوة التي اتخذتها السلطات مختلفة تماماً عما طمح أو أمل به الجميع، إذ قامت في اليوم التالي باعتقال النائب رياض سيف المسؤول الأول عن "منتدى الحوار الوطني" والناطق باسمه، وحرّضت جميع الصحف الرسمية على نشر مقالات تقذّع "بأصحاب المنتديات" وتصفها "بمنابر الشتائم" مدّعية على عكس الواقع تماماً، أن أي صوت معارض للطروحات المشبوهة كان أصحاب المنتدى يقومون بإسكاته[28]، علماً أن "الرفاق البعثيين" قد مُنحوا الوقت المضاعف لغيرهم للحديث والتعقيب في المنتدى، والطريف في الأمر أن أحد هؤلاء الصحافيين الذي استخدم كل ما في جعبته لاتهام "أصحاب المنتديات" بأبشع النعوت والأوصاف[29] وصف المنتديات بأنها "ظاهرة غير طبيعية أصبحت موجودة في كل بيت أو شارع أو حي"[30]، مما يعد مؤشراً "رسمياً" على مدى ما وصلت إليه المنتديات من انتشار وشعبية.

مع اعتقال سيف ردّت "لجنة منتدى الحوار الوطني" بشكلٍ سريع على ذلك عبر التنديد بهذا الاعتقال، وأكدت على استمرارها في نشاط المنتدى عبر بياناتها المستمرة، واستطاعت أن تحشد 14 جمعية ومنتدى مستقلاً وغير حكومي في مقر "منتدى الحوار الوطني" لإصدار بيان مشترك يستنكر الاعتقالات التي جرت ويطالب بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين السياسيين، لكن جاء الرد سريعاً مرة أخرى باعتقال خمسة آخرين ثلاثة منهم أعضاء في لجنة منتدى الحوار الوطني والآخران ناشطان في نقاشاته وجميعهم حضر المحاضرة الأخيرة وشارك بفعالية في النقاش حولها، وهم الدكتور عارف دليلة عميد كلية الاقتصاد سابقاً والدكتور وليد البني والدكتور كمال اللبواني وحسن سعدون وحبيب صالح، وترافق ذلك مع موجة تحريضية من الصحف السورية على المثقفين، لدرجة أنها تساءلت عن سبب التأخير في "تطبيق الإجراءات القانونية بحق مخالفي القانون والمسيئين إلى مسيرة تعزيز الحريات، وفي مقدمتها حرية التعبير"[31].

بالرغم من ذلك حضرت لجنة منتدى الحوار الوطني إلى مقرِّ المنتدى ومعها الكثير من المتضامنين والمؤازرين لتبحث الوسائل والخطوات الضرورية الواجب اتخاذها لكسب "معركة الحرية"، علماً أن فرع الأمن السياسي كان قد استبق ذلك بنشر لائحة تضم ثلاثين مثقفاً سيجري اعتقالهم، وقد ضمّت اللائحة معظم أعضاء "لجنة منتدى الحوار الوطني" أو الناشطين في حواراته[32]، فردّت السلطات السورية وفي اليوم التالي لهذا اللقاء باعتقال فواز تللو عضو لجنة منتدى الحوار الوطني وحبيب عيسى الناطق باسم منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي وذلك صباح 11 أيلول/سبتمبر 2001.

لقد كانت أحداث الاعتقالات المتكررة في سورية تتصدر نشرات الأخبار العربية وأحياناً الدولية، بحيث أن الإعلام لعب دوراً بارزاً في إعطاء الصفة الحقيقية لهذه الاعتقالات بوصفها  "اعتقالات رأي" وليست "خرقاً للقانون"، كما ادّعت السلطات السورية، ولكن مع عصر اليوم نفسه وقد جرى في نيويورك وواشنطن وفي 11 أيلول/سبتمبر 2001 ما جرى، تحول اهتمام الإعلام بشكلٍ مطلق وتام عن الأجواء السياسية الصاخبة في سورية، بحيث بدا وكأن هذه الأحداث قد خدمت الحكومة السورية خدمةً لا توصف عبر تخفيف العبء الإعلامي الثقيل الوطأة على كاهلها، وهو ما أشعر المثقفين والناشطين السوريين أن الورقة الرابحة الوحيدة في أيديهم وهي "الإعلام" الخارجي حصراً وتحديداً، بحكم منعهم من أية وسائل أخرى كالتجمع أو التظاهر أو استخدام وسائل الإعلام المحلية أو الاعتصام أو غير ذلك من أنشطة أصبحت تعتبر من البديهيات في العالم المعاصر، ومع خسارة المثقفين لهذه الورقة انكفأ الجميع نحو متابعة ما يجري من آثار لهذا الحدث الدولي الضخم، وبنفس الوقت لمراقبة فصول المحاكمات التعسفية التي أجريت للنشطاء، حيث جرى تحويل النائبين محمد مأمون الحمصي ورياض سيف إلى محكمة الجنايات وحكمت عليهما بخمس سنوات سجناً بعد اتهامها بتعطيل مؤسسات الدولة عن القيام بدورها، وإشاعة أنباء كاذبة من شأنها أن توهن نفسية الأمة في زمن الحرب، ومحاولة تغيير الدستور بطرق غير مشروعة[33]، أما النشطاء الثمانية الآخرون فقد جرى تحويلهم إلى محكمة أمن الدولة الاستثنائية فحكمت عليهم وبالتهم السابقة نفسها أحكاماً تتراوح بين العامين والعشرة أعوام في ظل ظروف محكمة أقلّ ما يوصف فيها بأنها "غير عادلة"[34].

لقد كرست هذه الاعتقالات حقيقةً النهاية الرسمية لربيع دمشق الذي راهن عليه العديد من المثقفين والناشطين السوريين والمراقبين الدوليين على أن ينمو مناخاً جديداً من الحقوق والحريات في سورية بعد أن كان مفقوداً منذ عقود، إلا أن هذا الرهان قد سقط للأسف بالنظر إلى آلية عمل النظام السياسي في سورية التي لا تحتمل الانفتاح أو التغيير وتصرُّ على الإمساك بجميع مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية والإعلامية[35].

تلك كانت باختصار مكثّف أبرز المفاصل الرئيسية التي مرَّت بها تجربة "منتدى الحوار الوطني" بوصفها أحد التجارب الفاعلة وذات أثر في الحياة السياسية السورية، وأعطت لربيع دمشق وهجه وألقه الرئيسي، وإنها إذ تعتذر أنها أغفلت عدداً من النشاطات والخطوات الجريئة الهامة والضرورية في مسيرة "ربيع دمشق" فلأنها تقيّدت بالتأريخ لمسيرة "منتدى الحوار الوطني". والتأريخ لمسيرة "ربيع دمشق" يحتاج إلى وقفةٍ أخرى أكثر طولاً وتأملاً.

إن هذا الكتاب يضم بين دفتيه جميع المحاضرات ومعظم النقاشات التي دارت في أروقة وتحت سقف "منتدى الحوار الوطني"، وهي تعكس بشكلٍ حقيقي أحد الوجوه المشرقة لسورية التي تفكّر بعيداً عن الرقيب أو السجّان، كما أنها تكشف أحد صور "ربيع دمشق" التي لابد أن تتكامل صوره وتجتمع حتى يُثمر الربيع ويُزهر مستقبلاً جديداً ومختلفاً لسورية. سورية التي يحب الجميع أن ينتمي إليها انتماءً ملؤه الفخر والوطنية كبلد يحفظ كرامة الجميع، لأن الجميع كرامتهم من كرامتها.

لابد في النهاية أن أُجزيَ الشكر مضاعفاًَ للدكتور هيثم مناع الذي لولا اندفاعه العفوي والوطني ما كان لهذا الكتاب أن يرى النور، والشكر كلُّ الشكر أيضاً للسيد حسام شحادة الذي حفظ لديه وبكلِّ ثقةٍ وأمانة الكثير من أرشيف وأوراق منتدى الحوار الوطني، وكان لجهده وصبره الدءوب دوراً لا يُذكر بالكلمات في إخراج هذا الكتاب إلى حيّز الوجود.

د. رضوان زيادة

 

ضرورة المجتمع المدني*

أ.انطون مقدسي**

 

أشكركم على حضوركم للحديث عن المجتمع المدني وآمل أن أكون عند حسن ظنكم بي.

مدني نسبة إلى مدينة، وأول سؤال يطرح هل كل من يسكن المدينة مدني؟ وهل كل مدينة تشكل أو يمكن أن تشكل مجتمعاً مدنياً؟ كان في برامجنا لسنوات خلت مادة اسمها (معلومات مدنية) عرضها يعطيكم فكرة واضحة وأولية عن المجتمع المدني، فقد كان فيها تعريف بالمؤسسات السياسية الجمهورية، اتحاد الجمهورية، الوزارات، ومن ثم المؤسسات: المؤسسة التعليمية، المؤسسة الصحية، القضاء،…الخ، والعلائق المدنية من مثل أن لا ترفع صوتك بعد الساعة العاشرة ليلاً كي لا تزعج جيرانك، دخول البعض إلى الدور، آداب السلوك في الشارع،…الخ، وكمثال على ذلك: أنا أسكن في حي الشعلان في بناء يتألف عملياً من طابقين وطابق أرضي وراجع يعني أربع طوابق، منذ حوالي 35 سنة لم نتمكن نحن سكان هذه البناية من الاتفاق على شطف الدرج، أترك التدفئة والأمور الأخرى.. أما في البلاد الأوروبية وفي بناية كبيرة كانت أم صغيرة، هناك ميثاق يُتفق عليه بين الجميع، على التدفئة، على النظافة، إلى آخره، هذا الاتفاق هو المجتمع المدني بكل بساطة، الغريب في الأمر أن بعضهم رأى في الحديث عن المجتمع المدني ما يشبه حصان طروادة يدخل في قلب الحكم لتفكيكه من الداخل، إذا كان الاتفاق على شطف الدرج يفكك الدولة … المجتمع المدني يتبدل بتبدل المدن، فلكل مدينة مجتمعها المدني أو يغيب عنها المجتمع المدني، أذكر على سبيل المثال ثلاثة أنواع من المدن نتعرف بها عملياً على الملامح الكبرى للمجتمع المدني كما بدأ في التاريخ وتطور المدينة الإغريقية أولاً، المدينة الأوروبية ثانياً، المدينة العربية ولو كان حديثي إليكم بعد خمس سنوات لأضفت مدينة رابعة…التي هي عبارة عن تجمع مدني غير أن الحديث عن هذا الموضوع سابق لأوانه.

مدينة الإغريق في بلاد اليونان مؤلفة من مدن كثيرة من شاطئ آسيا الصغرى إلى حوض البحر الأبيض المتوسط أو في جزر بحر ايجه وأخذت شكلها النهائي شبه المستقر في القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد، والمدينة الإغريقية بالذات وخاصة في عهد المسرحيين في القرن الخامس وفي عهد الفلاسفة سقراط وأرسطو، هذه المدينة كانت السيادة فيها للمواطنين، ديمقراطية مباشرة، وكل قانون كان يعلق مباشرة في الساحة (الآغوره)، ويأتي المواطنون ويصوتون ليس على القانون فقط بل على الوظائف الكبرى، قائد الجيش مثلاً، القاضي، حاكم المدينة، ويُعطي فرصة للقيام بمهمته، سنة، سنتين أو نصف سنة، أقل أو أكثر، يقول أرسطو أن فضيلة المواطن هي الأمر والطاعة، يعني عندما يوضع في مركز الآمر عليه أن يأمر وعندما تنتهي مهمته عليه أن يعود إلى صفوف المواطنين ويطيع، هذا أول نموذج للمدنية في المجتمع المدني.

ديمقراطية مباشرة، تصويت، وسيادة القانون بالدرجة الأولى، المثال على ذلك، سقراط حُكم عليه بالموت لأسباب فيها الكثير من الدس والدسائس وحكم مع ذلك وأعطي المجال كي يترك أثينا على الأقل كي لا ينفذ حكم الإعدام فيه وقدمت له عدة عروض ليتجنب حكم الإعدام فأبى وقال يجب أن أطيع قانون المدينة، فإذاً ديمقراطية مباشرة، حكم مواطنين، وفكرة المواطنة هي فكرة أرستقراطية، عندما وضع أرسطو القانون قال انه كان لديه 150 دستور بلون الإغريق، هذه عناية بالقانون تسترعي الانتباه، لكن المدينة الإغريقية لها حدودها، وأولاً أُقرت العبودية وكانت هذه أول مرحلة كان العبد فيها بمثابة أجير، وثانياً كان المواطنين فيها بعدد محدود، أرسطو وأفلاطون في الجمهورية كانوا يرون أن عدد سكان المدينة في الجمهورية يجب أن لا يزيد عن 30 ألف، الحقيقة عدد المواطنين كان أكثر فالتاجر والغريب والحرفي هؤلاء ليسوا مواطنين، وهذه من المآخذ على المدينة الإغريقية، المواطنون هم الأرستقراطية الفكرية والزراعية، أما النموذج الثاني الأقرب إلينا فهو نموذج المدينة الأوروبية، المدينة الإغريقية انبثقت من البربر (ما يسمى بالمجتمع البربري)، كلمة بربر يقابلها في اللغة العربية الأعاجم.

المدينة الأوروبية انبثقت من قلب الإقطاع، إذ كان الذين يتركون الإقطاع، يتجمعون في مكان معين من هنا أتت كلمة برجوازية، برجوازية تعني ساكن المدينة، تطورت تدريجياً البرجوازية حتى الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، هذه الثورة التي تمت في إطار الثورة الصناعية الأولى أو ثورة الثلاثين المعروفة، البرجوازية استلمت الحكم واستبدلت الأرستقراطية في الدم بالأرستقراطية الثانية.

الثورة الفرنسية كشفت المفهوم الارستطالي على المواطن، البلد مؤلف من مواطنين متساويين في الحقوق والواجبات وأمام القانون، المفهوم الثاني الذي كشفته هو مفهوم الأمة، ففي اليونان لم تكن الأمة موجودة بل كان هناك مدن، ثالثاً الاقتراع المباشر، التصويت العام لكل المواطنين بنفس السوية والأكثرية تؤلف البرلمان، هذه المفاهيم التي أتت مع الثورة الفرنسية، ثم تفاوت في الطبقات الذي تحدث عنه كارل ماركس … هذه المفاهيم: المواطنة، المساواة أمام القانون، الاقتراع لاختيار ممثلي الشعب هي الأطر التي تكون بها المجتمع المدني، المجتمع المدني لم يظهر في الغرب إلا في أواخر القرن التاسع عشر وقام على نظام إقامة البلديات، البلدية هي حكومة المدينة وإذا تضخمت المدينة قسمت إلى إمارات، مدينة باريس 20 حارة وكل حارة لها بلديتها التي تنتخب رئيسها الرمزي بالمناسبة نحن لا نزال نأخذ بنظام البلدية العثماني مع أن تركيا تركته)، المجتمع المدني إذاً يقوم على البلدية، بلدية منتخبة مباشرة من الشعب، فرئيس البلدية والبلدية ليسوا موظفين بل أعضاء في المدينة لهم دور سياسي، المحافظ له وظيفة، مدير المنطقة له وظيفة، أما البلدية فليست وظيفة، هي كيان سياسي، وهذا هو بالضبط المجتمع المدني، كيان سياسي ينظم كل أمور المدينة، المدارس، الطرق، المواصلات، علاقات الناس ببعضهم وكل ما يخص الناس هو من تنظيم هذه البلدية. وهذا هو النموذج البرجوازي الذي لا يزال حتى الآن معمولاً به.. لذلك في أوروبا لانتخاب البلديات من الأهمية ما لانتخاب البرلمان.    

أنتقل رأساً بعد ذلك وبلا إطالة إلى المجتمع العربي، فالعربي بفطرته تاجر، بدوي تاجر بقي يتمدد طولاً وما يزال ما بين النظام العشائري ( نظام البادية) حيث العلاقات شخصية، والمدينة حيث النظام يقوم على القانون، والأمثلة على ذلك:

في الماضي، الأحكام السلطانية من القرن الخامس للهجرة (الثاني عشر الميلادي) تقول أن الجنود كانوا مرتبين كلٌ حسب قبيلته، ابن خلدون في القرن الثامن الهجري (الخامس عشر الميلادي) في أوائل النهضة الأوروبية كان أول من تكلم عن المجتمع، أو عن الاجتماع البشري والعمران، وكان يرى أن الدولة تكون قريبة في البداية من العصبية القبلية وعندما تنتقل إلى المدينة تزول، هذا قول لأكبر عالم اجتماع عربي، إذاً ما تزال البادية حاضرة. فالمدينة العربية تشكو من تأرجحها بين بقايا العشائر القديمة والحياة في المدينة، وهذا التأرجح كما سنرى هو الذي أفادت منه السلطات وهذه أول نقطة ضعف في المدينة العربية. النقطة الثانية أن الحلفاء في الحرب العالمية الأولى وعملياً فرنسا وبريطانيا وبالدرجة الأولى بريطانيا جزأت البلاد العربية بعد أن كان مجال التاجر العربي يمتد حتى أيام العثمانيين من بلغاريا ومكدونيا في البلقان إلى المغرب (كان أحد الشعراء يقول لابد من صنعاء وإن طال السفر). هذا المجال ضاق وأصبح بحدود القطر العربي السوري.

القطر العربي السوري كيان جديد، سورية قديمة، لكن هو كيان جديد عمره (42-55) سنة ليس له تقاليد، تقاليده تتكون الآن، وكثيراً تهمنا نواة المجتمع المدني في بلادنا، فالقطر العربي السوري بتر منه فوراً بعد الحرب العالمية الأولى، ديار بكر والأردن، ديار بكر أعطيت لكمال أتاتورك ليكون بجانب الغرب، الأردن، يقول تشرشل في مذكراته أننا أنشأنا في شرق الأردن ثكنة لجيش من البدو وأكثره ضباط إنكليز وهو خط دفاع عن قناة السويس، كما أن تشرشل يقول في مذكراته: حيث يوجد بئر بترول سأبني دولة، وهذا كلام خطير، فالأنظمة العربية متضاربة جداً.

إذاً، نقاط الضعف في المدينة العربية:

بقايا العشائرية أولاً، وهذه الكيانات المفتعلة ثانياً، فالأردن افتعل كي يكون ثكنة تدافع عن القناة، وأيضاً سورية اقتطع منها خمس أقضية وضمت إلى لبنان حتى تنشأ دولة لبنان الكبير كما كانوا يسمونها، وفي عام 1936 جرت مظاهرات وإضراب استمر ستة أشهر احتجاجاً على الانتداب الفرنسي، ودخلت فرنسا بالتفاوض مع الكتلة الوطنية وذهب الوفد برئاسة هاشم الأتاسي وأنشد له أهل حمص:( هاشم بيك يا عزيز يلّي رايح على باريز، أنت بتعرف شو بدنا، بدنا الوحدة السورية) يعني استرجاع الأقضية، بعد ذلك مرت الأيام وأصبح الأمر طبيعي، نسينا البقاع، طرابلس وراشيا وحاصبيا، هذه مناطق سورية، فلواء اسكندرون أعطي للأتراك حتى تقف تركيا على الحياد في الحرب العالمية الثانية أو أن تسير إلى جانب الحلفاء، وهذه كلها تدابير سياسية، فهذا نظام يفتعل من بقايا البادية وشعب في طريق التكون، أما الآن فالشباب منكم يجدون سورية وقد أصبحت الآن حدودها بالنسبة لهم شيء طبيعي، أما بالنسبة لي ولجيلي فهذه ليست سورية، وهذا ما جعل سورية تنتقل بشكل عفوي من سورية إلى الأمة العربية.

أعود إلى المسألة التي ذكرتها وهي إدخال المعلومات المدنية في التربية السياسية، المعلومات المدنية كانت في الإعدادي وهي فعلاً كانت تعطي صورة عن المجتمع المدني وعن آدابه، تربية سياسية تمتد 11 سنة من الثالث الابتدائي حتى السنة الثانية في الجامعة وكل من درس في الجامعة يعرف ذلك، أذكر أنه أتاني يوماً إلى وزارة الثقافة ضابط في الجيش برتبة لواء، وهذا قبل 15 سنة، إذ كان مشرفاً على التربية السياسية في سورية، فسألني هل يمكن أن نقوم بتنسيق بين مادة الفلسفة والتربية السياسية على اعتبار أني اشتهرت بوضع برنامج الفلسفة في الثانوي، فقلت له يا سيادة اللواء أطرح عليك سؤالاً واحداً فأرجوك أن تجيب عن سؤالي أولاً وبعد ذلك نتفق على التنسيق: ما الفرق من حيث المضمون الحقيقي في التربية السياسية بين الصف الثالث الابتدائي والسنة الثانية الجامعية؟ فسكت وانسحب، يعني التربية السياسية هي تلقين تلاميذ الابتدائي والإعدادي والثانوي وطلاب الجامعة أيديولوجية الحكم بكل بساطة وهذا شيء واضح تماماً، تلقين أيديولوجية الحاكم، الآن إذا سألت أنا: هل دمشق مجتمع مدني؟ سؤال جوابه عندكم، ومن الذي يحكم دمشق، من الذي يحكم ويسير الأمور في مدينة دمشق، إن كل فئة اجتماعية تكون أمة سواء أكانت حزب أم منظمة سياسية أو اجتماعية، مجموعة قوى، والحكم إدارة هذه القوى، هذه القوى تفسر عملياً بالسلطات، فما هي السلطات الحاكمة في البلاد العربية الـ22؟ أعددها: سلطة عرفية انقلابية، سلطة دينية، سلطة عشائرية، سلطة ثقافية، وبالنتيجة سلطة مدنية، المدنية تقريباً ليس لها وجود، إذاً التساؤل من يحكم مدينة دمشق؟ السلطة المدنية غائبة تماماً، لا يوجد سلطة مدنية، المحافظة، المحافظ وظفوه، السلطة المدنية لا تتألف من موظفين، السلطة المدنية هي المدينة التي تنتخب حكامها، في البلدية والعمدة وهذا منصب سياسي، إذاً تحكمها السلطات التي ذكرت وأترك لكم الإجابة، فالسلطة هي عرفية انقلابية، سلطة دينية، سلطة عشائرية، سلطة ثقافية، أما السلطة المدنية فغائبة.

عام 1983 بمناسبة مرور مئة عام على وفاة كارل ماركس، دعت اليونسكو إلى لقاء عالمي تشترك فيه كل أمم العالم، الشيوعيون كانوا أقلية قدموا مداخلات كثيرة، وفي الهيئات الاجتماعية، طُلب منا نحن الموجودين أن نجيب على السؤال التالي: إذا افترضنا أن ماركس عاد حياً اليوم ما الذي يقوله إلى مدينتكم أو أمتكم؟ وأعطي لكل من يود الحديث دقيقتين حيث كان هناك حوالي خمسون متحدث، فقلت أنا بدوري: ارفعوا أيديكم أيها الدول العظمى عن بلدي وعن البلدان التي يقولون عنها دول العالم الثالث، فالشعوب قادرة على أن تتطور بفعل قواها الذاتية، وخطر بذهني سؤال آخر سكتّ عنه لكنه بقي في رأسي حتى الآن، هو يا سادة كل دولة من دول العالم الثالث أنتم طغاة ارفعوا أيديكم عن هذا الشعب كي يتمكن لا من تحقيق المجتمع المدني فحسب بل من التقدم، الانتقال من التخلف إلى التقدم، المجتمع ظاهرة من مظاهر الحياة في هذا القرن وفي القرون الأخرى.. طالما الشعب تحت الوصاية، فالحاكم يعتبر الشعب قاصراً وعليه أن يلقنه ما يقول، ومن جملة ما يلقنه لا فصول المجتمع المدني ولا المعلومات الأدبية بل الأيديولوجية التي يعتقد أنه يحكم أو التي توفر له المسوغات العقلية والفكرية والأخلاقية حتى يحكم وطالما الحكم على هذا الشكل وطالما أن الشعب يعتبر قاصراً فينتهي كل شيء وكل عمل يجب أن يقوم على تحرير الشعب والمجتمع المدني أو المطالبة بالمجتمع المدني وهو خير وسيلة من جملة هذه الوسائل.        

التعقيبات والمداخلات

أ. محمد المالكي: أبدأ من حيث انتهى أستاذنا الكبير انطون مقدسي أستاذ الأجيال المتعاقبة.. قلتم للدول الاستعمارية ارفعوا أيديكم عن الشعوب، أنا لا أقول للدول الاستعمارية ارفعوا أيديكم عن الشعوب، بل أقول لحكامنا العرب في الأرض العربية حيثما وجدوا ارفعوا أيديكم عن شعوبكم وأوقفوا السياط التي تضربوا بها الشعب من خلال القوانين والأنظمة التي تتحكمون فيها في كل حق من الحقوق المشروعة.. لا أريد أن أطيل ولكن كيف لي أن أقول ما أريد والسياط فوق رأسي لا في دمشق ولا في حلب فحسب وإنما على امتداد الوطن العربي، هذه ظاهرة تحرم الشعب العربي من كافة مزايا الحقوق الإنسانية الطبيعية في الإبداع والعطاء والتعبير عن الرأي، وأنا أذكر مثالاً بسيطاً: الأول، وكما تعلمون تحدث أستاذنا عن المجتمع المدني الإغريقي الأول، وكما تعلمون الديمقراطية تأثرت بأفكار مجموعة من الأدباء والمفكرين لا نزال نتندر بأفكارهم كأرسطو، وفي المجتمع الإغريقي كان نظام الحكم في جبال الألب يختلف عما كان عليه في مدينة أثينا، لاحظوا أن رئيس وزراء الألب كان يتردد في بعض الأيام على بعض الغابات، وبما أن النظام كان نظاماً عسكرياً فقد تتبعته الأجهزة الأمنية المعروفة بمهامها التقليدية، ولاحظته يقف أمام شجرة كبيرة ويقول ما يتناقض مع مخلفات الأنظمة والقوانين واغتصاب حقوق المواطنين، فألقي عليه القبض وجيء به إلى الأمير، وقيل له هذا يفشي أسرار الدولة بحكم موقعه فهو يعرف من قتل ومن سرق ونهب، فقال له الأمير انت خنت الثقة والأمانة، فقال له يا سيدي لكل إنسان طاقة وصبر ويقدر على السكوت إلى حدود معينة لكن إذا امتلئ قلبه فلابد أن يجد شجرةً صماء بكماء يفش قلبه لها كي يحييه وأنا أقترح أن يجد كل مواطن عربي شجرة صماء بكماء كي يفش لها قلبه، والسلام عليكم.

 

د. عارف دليلة:  الأستاذ أنطون يسعدنا أن نلتقي ونسمع حديثك عن المجتمع المدني ،ولكن توقفت عند السلطة التي تملي أيديولوجيتها على المجتمع وأظن أن ربما نكون متفقين على أن جميع الدول العربية تجاوزت مرحلة الأيديولوجيا، ففي المرحلة الأولى لصعود أي نظام يأتي بإيديولوجيا ويحاول إملائها، لكن هذه المرحلة تنتهي عند ذروة معينة وتبدأ مرحلة الركود ثم مرحلة التفسخ والانهيار والتشبث بالمواقع والامتيازات والمصالح، ففي كل الأنظمة العربية انتهت من مرحلة  إملاء الأيديولوجيا، إذ لم يعد لديها شيء يسمع، تجاوزت مرحلة الأيديولوجيا إلى تشبث القائمين على مراكز النفوذ والقوة وخاصة في المجال الاقتصادي وتشبثهم بمراكزهم ودفاعهم عن هذه المراكزأصبح بدون أيديولوجيا وبدون أي شيء غير خطاب فاقد لأي معنى وأي مضمون، وبالتالي ألا ترى معي أننا وصلنا إلى مرحلة من الاستقطاب الخطير، بحيث أنن المتشبثين بمواقعهم مستعدين للدفاع عنها ولو كلف ذلك حياة شعب بأكمله، لو مات شعب بأكمله من الجوع فهم متشبثون بمواقعهم، يدافعون عنها بكل ما أتوا من أسلحة ومن قوة، بالمقابل في الجانب الآخر الذي لم يعد يرى شيئاً قابلاً للحوار مع المتشبثين بمواقعهم سيحصل أيضاً استقطاب من نوع آخر وهذا سيؤدي بالمجتمع إلى الانحطاط، ربما كل بطريقته.. يومياً ألتقي بموظفين وعمال من مختلف المستويات، في الشركات والدولة، في مواقع معينة واسمع منهم حديثاً يشيب له الرأس عن تصرفات بالمال والمصالح العامة التي لا يضبطها رقيب أو حسيب وأتساءل من يسائل من، من في دولتنا يحاسب من، عندما يقول بعضنا أن لابد من وجود مؤسسات مجتمع مدني توقف هؤلاء أو ترفع صوتها يومياً في وجه هؤلاء، يتهمون بأنهم مرتبطين بالصهيونية والماسونية وقوى الاستكبار العالمي وإسرائيل ولا ادري بمن، أما المتشبثون بمواقعهم والمدافعين عن هذه الممارسات فهم الوطنيون والمخلصون والاشتراكيون الذين لا ينام لهم جفن، برأيكم هذا الاستقطاب إلى ما سيدفع المجتمع، هل سيأكل بعضه بعضاً، أم ستأتي إسرائيل وتتسلمنا جثة هامدة على طبق من فضة ويكون أصحاب الامتيازات قد نقلوا ما استطاعوا نقله من مئات مليارات الدولارات ليقدمونها هدية للمصارف الصهيونية، هذا هو السؤال إلى أين سيفضي بنا مثل هذا الاستقطاب، الذين لا يقبلون أي حوار، لا يقبلون أي حل وسط على الإطلاق، وشكراً.

 

أ. نجاتي شوقي: أولاً أقول أننا استمتعنا بما قدمه الأستاذ انطون حول المجتمع المدني، حيث عرفه تعريفاً جميلاً ومختصراً، سؤالي هو هل يمكن اعتبار نظام الإدارة المحلية السائد في سورية بديلاً عن المجتمع المدني؟ وهل يمكن تطويره ليكون بديلاً عن دور المجتمع المدني؟

أ انطون مقدسي: الإدارة المحلية ليست بديلاً عن المجتمع المدني، وأنا لم أقل شيئاً من هذا، الإدارة المحلية أملتها عدة حاجات، أولاً اللامركزية في الحكم، فمركزية الحكم صعبة قليلاً لكن تبقى مركزية الحكم موجودة، هناك أمور يجب ان تدرك فانا قلت ان الإدارة المحلية يكون عندها موظفون سواء أكان محافظاً أو مديراً للمنطقة أو رئيس للبلدية أو مختاراً، بينما المدنية تقوم على ان تكون إدارة المدينة من قبل المدنية فإذا كانت المدينة كبيرة تقسم إلى أحياء، مدينة دمشق في أواسط الثلاثينات لم تكن مدينة، بل كان يوجد أربعة مدن: الشيخ محي الدين والمهاجرين والقصاع والميدان وحتى الخمسينات عندما كان ينزل شخص من المهاجرين ويركب تروماي يقول لأصدقائه ماذا تريدون من المدينة، هذا في الخمسينات، المدينة كانت المرجة والحميدية والسنجقدار، هذه المدينة تعترضها صعوبات دمج المواطنين في وحدة مدنية،  قلت ان البعض يعتبرون أن المجتمع المدني وكأنه حصان طروادة لقلب نظام الحكم، لا، فنحن نطلب اقل من ذلك بكثير، ان ننهي عهد التهديد وندخل في حوار، وهذا ما نطلبه، وهذا باعتقادي يكون إذا امتلك المثقفون الجرأة في الحديث، لأن نقطة الضعف سكوت المثقف عن الكلام حتى لا يثيرون السلطة، فعلى المثقف إذا تكلم في دائرة محدودة ان لا يمدح ولا يردح.

 

د. يوسف سلمان: أود أن أضيف في هذا المجال بعض النقاط التي ربما تحمل بعض التساؤل. المجتمع المدني هو طبيعة مدينة حضارية نفتح حوار عقلاني وهادئ بين أطراف متعددة ومختلفة، في المجتمع هناك شرائح اجتماعية مختلفة وطبقات مختلفة وبالتالي الغرض الأساسي من المجتمع المدني ان ندخل في حوار مجدي وهادئ بين الأطراف المكونة للمجتمع والدولة، وعندما يأتي للأسف أي طرف من الأطراف ليصم الآذان عن الدخول في هكذا حوار يكون الغرض منه بصورة رئيسية وأساسية إخراج المجتمع من الأزمة، ونحن نعتقد ان هنالك أزمة في كل قطر عربي، لذلك علينا ان نخرج منها بصورة سليمة ديمقراطية هادئة، بعيدة عن الاقتتال كي لا تصل الأمور إلى أزمة لا مخرج منها، يجب أن نفتح أبوابنا وندخل في حوار عقلاني لصيغة المجتمع المدني لنصل إلى النتائج المرجـوة، وفي هذا الإطار نحـافظ على تطـور المجتمع المدني ودوره في بناء الدولة الحديثة.

فحبذا لو يلخص لنا الأستاذ مقدسي ولو باختصار شديد مواصفات وسمات الدولة الحديثة، وهل نحن في ظل هكذا دولة حديثة، أم أننا ننشد حواراً من أجل الوصول إلى هكذا دولة حديثة، أرجو من الأطراف كافة سواء السلطـة التشريعيـة والتنفيذيـة وشرائح المجتمع سواء أكانوا داخل السلطة أو خارجها أن يعتمدوا حواراً عقلانياً هادئاً لنصل إلى الدولة الحديثة .

نحن لا ندعو إلى الطائفية والعشائرية إطلاقا، نحن نريد من خلال هذا الحوار أن نصل إلى منطق الدولة الحديثة التي  تتجاوز الطائفية والعشائرية والانغلاق الحزبي، هذا غرضنا الرئيسي والمطلوب. 

أ. أنطون مقدسي : إن دولة كما هي في سورية وبقية الأقطار العربية حديثة كانت أو قديمة يوجد فيها تيار هجين بعوامل داخلية أو خارجيـة، لكن المهم أن نكتشف طريقة للحوار.

فما هو الحل، وكيف يتم تحويل المجتمع العربي إلى مجتمع مدني عبر الحوار مع الأقوى الذي لم يشارك في الحوار؟ هناك نموذجان أتاتورك وتحويل الدول العثمانية إلى دولة حديثة، ونموذج محمد علي باشا الذي استطاع أن ينتمي للدول الحديثة.

العربي منذ فجر التاريخ تاجر، والسـوري تاجر أكثر من العربي مثل الفينيقي لكن هذا التاجر ليس برجوازي، المجتمع البرجوازي نشأ في مصر خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر ومحمد علي باشا سـهل هجرة كبار الملاكين في الريف إلى المدن، وهؤلاء الملاكين تحولوا تدريجياً إلى برجوازيين.

أما البرجوازية في سورية فقد نشأت بالضبط عام 1943 من قبل المالكين الوسط، وهم عبارة عن حركة شعبية تطور وضعها بعد عام 1943 حيث تم الاتفاق على تقسيم العالم وجاء رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك إلى الإسكندرية وجمع حكام المناطق العربية ومنحهم (كوتا)، فهذا البلد العربي يستطيع أن يشتري من أمريكا سلفاً بمبالغ كائنة قدرها.. وذلك البلد بمبالغ قدرها.... وجميعها مجانيـة والحقيقـة أنه لا يوجد شـيء مجاني، فالحلفاء سـددوا مصاريف الجيش الأمريكي والأسترالي والكندي عن طريق اللعب بالأوراق المالية.

شكري القوتلي عاد إلى سورية وجمع أصدقائه الملاكين وتم إنشاء الشركة الخماسية والمغازل ومن هنا كانت بداية البرجوازية السورية.

و بالرغم من أن الوضع معقد فأنا لا أعتقد أن في البلد أزمة، لأن الحاكم لا يريد أن يكون هناك أزمـة، تريدون زيادة الرواتب فيطبع أوراق نقدية جديدة.

على كل إنسان أن يسأل نفسه يا ترى هل قمت بالحد الأدنى من واجبي للمصلحة العامة، أنا من موقعي كمدرس أو موظف أتساءل كيف يمكن أن يتحول كل ما يطرح من الخاص إلى العام ويجب أن لا نخدع أنفسنا بالكلمات الكبيرة، على المثقفين أن يفكروا بدورهم ويحاولوا قليلاً قليلاً الدخول بالحوار 

 

حسين الشرع : النظام البلدي هو المجتمع المدني ( البلديات ) كما فهمت، وعلى المثقفين أن يتجاوزوا النظام المدني في البلاد العربية إلا أن هذه النظم أو السلطـة بالأحرى هي التي تقرر النظام البلدي وتقرر الصحافة وتقرر السينما.

المثقفون في البلاد العربيـة نوعان: نوع يتكلم بوجهـة نظره وتصل نسبة هؤلاء ما بين 5 % و6 % وقد فقد هؤلاء وظائفهم وأحياناً حياتهم، والقسم الآخر استهوته السلطة وبذلك أكلوا البيضة وقشرتها 

في عام 1972 كنت عضو مجلس محافظـة وبالإضافـة لذلك فأنا اقتصادي وكنت أعمل في وزارة النفط، وخلال عملي في مجلس المحافظـة وجدت أن هناك ثلاث سـلطات تتصارع فأولاً هناك سلطـة فرع الحزب وهناك سلطة المحافظة وأخيراً سلطة الإدارة المحلية وهناك أيضاً الجبهة الوطنية التقدمية، أنا لو جئت وناقشت الأمور بإطار عملي لرأينا أننا لا نستطيع أن نفصل السلطة عن أي موقع من مواقع المجتمع بدءً من مختار القرية وحتى رئيس الوزراء، وإذا ما أردنا أن نحدث تجمع مدني فهناك صناديق الاقتراع، والأمر يسـتدعي أولاً القيام بالإصلاح الاقتصـادي والسياسـي والثقافي والدستوري وتعديل وإصلاح القوانين، ولا بد أن يكون الدستور يمثل رأي الشعب، يجب أن تُؤخذ مؤسسات الإدارة المحلية من مجلس القرية إلى المدينة إلى المحافظة إلى مجلس المحافظة إلى مجلس الشعب إلى رئاسة الوزارة بواسطة صناديق الاقتراع.

 وأنا لا أتصور أن هناك ديمقراطية و133 عضواً من أعضاء مجلس الشعب يتم تعيينهم.

 حدث في السنوات الأخيرة بعض لمسات التجميل حيث دخل عدد من الصناعيين والتجار وصرفوا الملايين للفوز بمقعدٍ في مجلـس الشعب، وأستغرب أن يصرف عضو في مجلس الشعب (20) مليوناً لكي يتقاضى راتباً من مجلس الشعب لا يتجاوز السبعة آلاف ليرة، فكيف سيحصّل هذا النائب الفرق فيما دفعه لدعايته الانتخابية وراتبه في المجلس؟.

برأيي أن العرب ليسوا تجاراً، وإنما العرب مجرد سـوق وأفواه تأكل ما ينتجـــه الغرب، حتى الخبز نســتورده وعندما كنت مستشاراً في مجلس رئاسة الوزراء كنا نستورد الشعير ثم يتم طحنه وإطعامه للمواطنين، هذا هو مجتمعنا، المجتمع المدني هو مجتمع يعطي الحرية، وإن لم تكن هناك حرية فلا يوجد مجتمع مدني.

 

عبد الله حنا : هل بالإمكان قيام مجتمع في مشرقنا العربي في ظل الظروف الاجتماعية الراهنة التي أدت إلى تدمير القوى الاجتماعية التي كان  يمكن لها أن تحقق المجتمع المدني، إن هذه القوى دمرت بفعل عوامل كثيرة أدت إلى زوال الطبقة العاملة وتبعثر الفلاحين وانحسار البرجوازية الوطنية المنتجة الصناعية وتحوَل قسم كبير من المجتمع إلى فئات طفيلية، وهبطت فئة أخرى إلى الأسفل مهمشة، في ظل هذه الظروف، هل يمكن إقامة مجتمع مدني؟.

إن الأستاذ مقدسي وكلامه ثمرة من ثمار عصر النهضـة حيث بلغت أوجها وكان من أهم شعاراتها العقلانيـة والعلمانيـة والدعوة لتحرير المرأة والديمقراطية وبناء المجتمع والقضاء على التخلف، وهذه النهضـة العربية والمجتمع المدني جزءٌ من تلك النهضـة، فالمجتمع مرَ بأربع مراحل هي العهد العثماني وعهد الانتداب الفرنسي وعهد الاستقلال ومنذ الستينات بدأ المجتمع المدني يتراجع ليحل محله قوى أخرى كثيرة ترافق معها دمار المجتمع، ففي ظل هذه الظروف هل يمكن التطور للأمام.

في ظل ظروف النهضة العربية في الخمسينات قامت في بلدة ديرعطية التي أنتمي إليها، وكان عدد سكانها لا يتجاوز ستة آلاف نسمة، قام هناك تجمع مدني أسسته رابطة المثقفين عام 1951 بالاتفاق مع رئيس البلدية فأقيمت المدارس وشقت الطرقات وتم تأمين المياه ومن هنا نجد أن المجتمع المدني لم يكن حكراً على المدن بل في القرى أيضاً ويمكن أن يكون المجتمع مدنياً عندما يكون هناك قوى اجتماعية حية.

 

أ. أنطون مقدسي : البلاد العربيـة في الثلاثينات كانت عبـارة عن شعب يكافح، ولا أريد هنا أن أعرض تاريخ سوريـة ولكن أقول أن اليأس في الإنسان أكبر خطيئة، فأنا عندما كنت مدرساً كنت أدخل قاعة الصف مبتسماً مهما كانت الظروف.

 

د. سمير التقي: هل التنمية في مرحلتها الراهنة تفتح مجالاً للتنمية على أساس شمولي، وتسمح بإقامة مجتمع مدني، إن الديمقراطية أصبحت ضرورة موضوعية تفرضها المرحلة.

 

حزامي العلي : أذكر أن معظم الدول العربية تحوي على حي اسمه المدينة، هذا الحي يعني أن هناك حضارة عريقة لهذه المدن، فهل يمكن أن أتصور من خلال الحديث عن المجتمع المدني أن النظام العربي قد كان أحد الأسباب في تعميق العشائرية والقبلية في مدنٍ كانت قبل ذلك مدنية ومتحضرة.

أذكر أيضاً بأن ما قلتموه من مثال حول قيم الفردية واللامبالاة التي منعت سكان بناء من الاتفاق على شطف الدرج والتي هي مثالٌ على تفكك المجتمع المدني، هذا الشعب نفسه هو الذي تحوَل لشعب منظم خيري في حرب تشرين.

 

صادق جلال العظم: الثورة الإسلامية في إيران الآن تجد نفسها أمام صراع كبير حول مبدأ ولاية الفقيه من جانب ومبدأ الانتخاب الجمهوري من الجانب الآخر، ماذا يعني هذا التطور الذي يحدث، وهل يقول لنا شيئاً، وهل ممكن أن نستخلص شيئاً من تطور هذه الأحداث، لدينا نحن نظام ولاية من نوع آخر.

 

أ. أنطون مقدسي : سؤال الدكتور والصديق العزيز صادق وجيه كثيراً، من وجهة نظره وجود خاتمي في الحكم سبقته مظاهرات طلابية، والطلاب دفعوا ثمناً بدمهم، فالطلاب دفعوا ثمناً ومازالوا يدفعون، أما عندنا فعندما طلب سعيد حورانية مني أن أقول كلمة باسم النضال وكان سعيد حورانية في التجهيز الأولى ( جودت الهاشمي )، قلت له وكان الطلاب مثل النمور ودفعوا ثمناً لذلك، فعندما يضرب سجين في دمشق كانت سوريـة كلها تُضرب، أما الآن فقد حدث تحول اجتماعي يجب أن نتغلب عليه.

 

د. ريمون معلولا : القوى والسلطات الحاكمة في المدينة العربية ومنها دمشق، هي قوى انقلابية عرفية دينية عشائرية ثقافية، هل لي أن أقترح قوىً أخرى مثلاً قوى فلاحية، فالمدينة العربية شهدت ما سمي بعملية ترييف المدينة نتيجة الهجرة الريفية الكثيفة إلى المدينة العربية خلال فترات زمنية قصيرة جداً وموجات متلاحقة من الفلاحين لم تستطع أن تندمج في المجتمع المدني، تشكل الآن سمة من سمات المدينـة العربيـة حيث نقل هؤلاء قيمهم وثقافتهم وتقاليدهم وعاداتهم، نراهم هنا، ونحن في الحقيقة منهم، ألا يمكن أن نقول أن هذه العقلية الفلاحية يمكن أن تكون أيضاً سلطة من السلطات الموجودة، على الأقل من الناحية الأدبية، أيضاً سلطة أخرى أقترحها إن وافقتم التجارية، السلطة التجارية والتاجر العربي هو تاجر تابع ينتمي إلى شريحة عالمية من التطور، إنه تاجر أبوي والفلاح هنا أيضاً  أبوي، أقترح القول أن العلاقات الأبوية التجارية والفلاحية هي السائدة والمسيطرة، ومن هنا ينشأ شكل الحكم ونموذجه الذي نشاهده.

في سؤال آخر، إذا كنا نقول في السابق نريد قطع طريق التطور الرأسمالي ونبني مجتمعاً جديداً.

أممنا وعملنا إصلاح زراعي، وبالنتيجة أقمنا حكومات شمولية بلون واحد أفرغتها الشعارات من محتواها. ووصلنا في الحقيقة إلى طرقٍ مسدودة. المجتمع المدني انبثق في المدينة الأوربية، آليته وليدة الثورة الصناعية الأولى، ومع ذلك موجود كي يتطور، هل نحن بحاجة إلى فترة تطور طبيعي حتى يتم طبيعياً، أي نعود إلى قوانين التطور الطبيعي، أي نسلك طريق التطور الرأسمالي كي نصل إلى المجتمع المدني أم أننا، وهذا طبعاً إشكالية، نحن لا نستطيع أن نسلك هذا الطريق لأن المرحلة التاريخية اختلفت، وبالتالي هل البرجوازية والرأسمالية التابعة والتي نحن منها قادرة على إنشاء مجتمع مدني.

 

أ. أنطون مقدسي  : المجتمع المدني نسبة إلى المدينة، هل كل إنسان في المدينة مدني، هجرة الفلاحين أوصلت الوضع العربي إلى حالة معقدة، وأصبح المجتمع بحاجة إلى إعادة دمج الفرد في المجتمع، هذه مراحل على طريق المجتمع المدني، هل الرأسماليـة قادرة على إقامـة مجتمع مدني؟ أذكر في حديث مع الشيوعيين وكانوا يقودون حركة ضد الرأسمالية، ما هي الرأسمالية؟ إنهم يفسروها كيف يستثمرون الأموال، لكن من الصعب القول أن نختار الطريق الرأسمالي أو لا نختاره، مرةً أخرى أقول إذا استطعنا أن نشق طريقاً للحوار، أي نفتح ثغرة صغيرة في الحكم المغلق على حاله فهذا شيء جيد كثيراً، وهذا بحاجة لمن يدفع الثمن، الطلاب في إيران حتى الآن يدفعون الثمن.

 

د. عمر أبو زلام : ماذا يجب أن نفعل كي يكون المجتمع حضارياً، فأنا أخالف الأساتذة الكرام في هذه التسمية، فالمجتمع الحضاري هو الذي طبَق في تاريخنا ولا يجوز أن نستنسخ معاصره من الفكر الرأسمالي الغربي. في الأوقاف المسيحية والأوقاف المحمدية كانت تُمارس كل وجائب المجتمع المدني الحضاري، بينما الخليفة أو الحاكم كانت مهمته الدفاع عن الدول أو النظام ونشر الدعوة، وما تبقى هو من مسؤولية هذا الشعب الذي يتنادى كي يكوّن جمعيات ومنظمات خيرية للنهوض بالمجتمع، الكل يعرف لو عدنا إلى التاريخ أن المجتمع لم يكن يوجد فيه فقير، وإنما يوجد فيه منتج ويوجد فيه رعاية للمسنين والشيوخ في الأوقاف الإسلامية.

من كل الذين استمعت منهم أو قرأت لهم لم أجد توصيفاً دقيقاً للمجتمع الذي يسمونه مجتمع مدني، حتى الآن لم أجد نظاماً مقترحاً كي نتبناه أو نتخاطب فيه أو ننفذه تطبيقياً، لهذا نعتبر هذا الاجتماع بمثابـة محاولة كي نتنادى نحن كمتخصصين في مختلف العلوم في أحيائنا ونبادر للتطوير،  لضر على الصعيد النسبي والمعرفي، والصعيد  النفسي نعني الإنسان الشجاع الذي يعرف ويمارس ما يعرف، قد نكون نعرف شيء ولكن أغلبنا لا يمارس هذا الشيء، فمن الضروري أن نأخذ الإنسان بعين الاعتبار، عارف دليله تحدث عن المتشبثين بالسلطة ولم يتحدث عن الناس الذين أُخذت حقوقهم.

 

د. حسين حمادة : لي بعض الملاحظات على ما سمعت، أريد القول أن المجتمع المدني يحتاج إلى المدنيين حتى يتم.

أتمنى أن لا أكون ذلك الطير الذي يغرد خارج السرب، أستذكر وبمرارة شخصية أحبها وأحترمها، الباحث الدكتور سعد الدين إبراهيم، رئيس مركز دراسات ابن خلدون الإنمائية.

بدأنا من موضوع الحديث عن العنف تجاه المرأة، وانتقلنا إلى موضوع حق المرأة في التطور، وإلى اعتبار مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية في مصر، وأن الأقباط هم مجرد أقلية في المجتمع المصري، وهذا نموذج من نماذج الجمعيات الأهليـة غير الرسميـة التي لا أصادر ولا أقول أن الخيار يمكن أن ينسـحب عليها، ولكنها قضية مثارة وبقوة، فالولايات المتحدة الأمريكية قامت من خلال وزارة الخارجية الأمريكية بالدعوة والإصرار على الرئيس حسني مبارك لإطلاق سراح سعد الدين إبراهيم كما جرى، أرجو أن لا أكون بهذه الاستطالة قد شاغبت على من سبقوني.

نعلم أن النظام الشمولي كان قائماً في الاتحاد السوفييتي يمنع منعاً باتاً قيام مثل هذه الجمعيات الخاصة أو الجمعيات الأهلية، وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي نرى أن فيه (65) ألف جمعية أهلية، وأتسـاءل الآن هل المجتمع الآن في الاتحاد السوفيتي من خلال التأمين الصحي والاجتماعي والتأمين العلمي وسوى ذلك من الأمور التي كان يحتاج إليها المواطن أفضل مما كان في زمن الاشتراكيـة، أنا لا أقول أن المجتمع الاشـتراكي مجتمع منزّل من السـماء، له ما له وعليه ما عليه ولكن أقول ماذا تصدّر الدول الاشتراكية إلى دول الخليج وإلى الدول الأوربية بالنسبة للفتيات وللكثير من الأمور التي لا أريد أن أذكرها. 

المجتمع المدني ليست قضية شطف درج في بناء، فهذا تبسيطٌ للأمور، فالقضية أكبر بكثير من خلال ما نراه في المجتمعات المدنية القائمة الآن في كثيرٍ من الدول، نحن الآن في موضوع الفكر القومي العربي نتعامل مع صالح مجموع الأمة بكل تناقضاتها وخلافاتها ماذا يُراد لنا بالنسبة لموضوع الوحدة العربية والبلاد العربيـة، ولنبدأ بالوحدة السورية ولا يمنع أن نُصبح في يوم من الأيام ونسمع عن الأقلية العربية في هذا المجتمع العربي الذي نعيش فيه، دعونا لا نبسط الأمور، إن هذه المجتمعات المدنية ستنقلنا من موضوع حماية المستهلك إلى الحديث في أمور تتعلق بمصائر الأوطان وبمسار كافة شرائح المجتمع.

سؤال ولا أقول ببراءة، هل المجتمع المدني يعني إضعاف للدولة، المجتمع المدني يعني توازن بين قوة الدولـة والمجتمع، ولكن وكأنني أسـمع وكأن الدولـة في جانب والمجتمع في جانب آخر، الدولـة والمجتمع صفان مترادفان متعاونان متآزران لما يمكن أن يقوم في المستقبل، وعملية التفريط بهذه الصورة فيها مجازفة خطيرة إلى أبعد الحدود.

هل المجتمع المدني يعني الانتقال من رأسمالية الدولة إلى رأسمالية المؤسسات والجمعيات والأفراد،

ثم، ما مصدر التشريع والقوننة والتجديد للمجتمع القادم، هل هو التحليل العقلاني بكل توجهاته. ما أريد أن أقوله أن هذه الديمقراطية الواقعية تحتاج إلى اقتصاد قوي وليس أغنياء أقوياء يفيضون بالديمقراطية، بؤس الفقراء والمعوزين،  وأستذكر مثالاً هو الولايات المتحدة الأمريكية وجارها المكسيك، في الولايات المتحدة الأمريكية يوجد 2 مليون جمعية أهلية ماذا عملت هذه الجمعيات بالنسبة إلى المكسيك وفقر المكسيك.

 

مصطفى الأحمد : بولونية تزوجت من شاب سوري، وبعد فترة طلبت الطلاق منه، فقال لها لماذا؟ قالت له نحن يوجد لدينا نظام شمولي ولكن لدينا ما نأكله، أما أنتم فليس لديكم ما تأكلوه، وفضلاً عن ذلك فالحذاء في أفواهكم.

 

 

المجتمع المدني في إطار تطور الدولة والمجتمع*

 

د. أحمد برقاوي**

 

يجد المرء نفسه أمام مسؤولية مركبة عندما يتحدث أمام نخبةٍ مسئولة وعلى سوية عالية من الثقافة، وهذا يعني أن الخطاب يجب أن يرتقي إلى مستواكم، سنحاول جاهدين أن نقدم أطاريحنا حول مسألة في غاية الصعوبة في الوطن العربي. أولاً: ما هي العلاقة بين الدولة والمجتمع؟ وعندي أولاً أن الدولة هي سلطة تنظيم وإكراه لأنها تنطوي على مفهوم السلطان والسلطان يفرض التبعية له ويفرض مبدأ الطاعة، هذه العلاقة بين الدولة والشخص علاقة شبه ضرورية إن لم نقل ضرورية، فمن العبث تصور مجتمع بلا دولة، بلا سلطة، على الرغم من هناك نفراً من الذين يعتقدون أن الدولة سلطة، ويمكن أن يكون المجتمع البشري في غنىً عنها، لكننا لا نوافق هذا الرأي.

السلطة ثمرة تناقضات، مختلف أشكال التناقضات، وبالتالي فإن علاقة من الاختلافات تقوم بين الدولة والمجتمع. وهناك درجة من الاختلاف تصل أحياناً إلى التناقض المطلق، وما أن يصل البشر إلى وعي التناقض هذا بينهم وبين الدولة حتى تغدو السلطة متناقضة على مستوى تطورهم وتغدو غير معبرة عن خياراتهم الحرة، عندها يصل التناقض إلى حد التضاد.

أنطلق من الفرضية التالية: أن الدولة في الوطن العربي تقع في تضاد مع المجتمع، أو أن تطور المجتمع العربي في مجمل بناه الاقتصادية والثقافية والاجتماعية صار أكثر تقدماً من بنية الدولة نفسها، وبالتالي صارت الدولة قميصاً أضيق بكثير من المجتمع. يضاف إلى ذلك أن هناك واقعة مستمرة حتى أوائل القرن العشرين ألا وهي أن أمة واحدة غدت مجموعة من (الدول) و (السلطات)، وأنا أقول دول بين قوسين، فأنا أميز بين الدولة من جهة وبين السلطة من جهة أخرى، إن شئتم فإن الوطن العربي لم ينتصر فيه مفهوم الدولة، فكل دولة تفرض سلطة، ولكن ليس بالضرورة كل سلطة هي دولة.

إن الطبيعة الأساسية للسلطة في الوطن العربي هي التي تشكل "دولة"، دول مختلفة في عدد السكان، مختلفة في المساحات، مختلفة في مستوى الدخل، مختلفة في التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ودولة تحترم في بعض حقوقها المرأة، في حين بعض الدول لا حق للمرأة فيها، ناهيك عن أن الوطن العربي يحتوي على كل أنظمة الحكم التاريخية من نظام الحكم الاستبدادي-السعودية، إلى نظام حكم جمهوري استبدادي نموذجه العراق، مروراً بنظام ملكي دستوري نموذجه المغرب، أو جمهوري ديمقراطي نموذجه لبنان. وهناك دول ما زالت في أقصى درجات التبعية ودول تحاول جاهدة بمعزل عن نظامها السياسي أن تفك تبعيتها للغرب، وهناك دول ما زالت فيها القبلية هي البيئة الأساسية للمجتمع، ودول تجاوزت الانتماء القبلي كمصر مثلاً، ودول ما زالت تعامل الأفراد والعرب كأفراد دول أجنبية، ودول تفتح حدودها دون تأشيرة دخول لهم على الأقل لأراضيها.

السلطة العربية بالأساس ثمرة بنى متخلفة وإذا كانت السلطة ثمرة بنى متخلفة فمن الضروري أن تكون الدولة على شاكلتها، هذا في الأساس، فإذا أخذنا السعودية والأردن والمغرب فهي أقطار استمرت فيها السلطات العائلية مع الاختلافات بين هذه الدول التي يعود بعضها إلى القرن الثامن عشر ويعود بعضها إلى الربع الأول من القرن العشرين، ومن المنطقي والتاريخي أن السلطة التي أنتجها القرن التاسع عشر والعشرين لم تعد متطابقة مع المجتمع، فالبنى التقليدية والعشائرية والإقطاعية وضعف الفئات المدنية التي أنتجت السلطة المطابقة لها أصابها الترهل، إلا أن السلطة حافظت على بنيتها، وهذا هو جوهر التناقض بين مجتمع تطور بفعل التطور التاريخي، أما البنى التي أنتجت السلطة فما زالت قديمة، والسلطة المُنتجة من هذه البنى القديمة ما زالت مستمرة أنفاً عن هذا المجتمع. لنأخذ نموذج السعودية مثلاً التي أخذت المنطقة بسكانها لقب العائلة المنتصرة وانتقلت من مجتمع بدوي ورعوي وقروي وزراعي وبيئة متخلفة ووعي محلي ضيق إلى دولة نفطية ريعية يتراكم فيها رأس المال لدى العائلة الحاكمة ولدى فئة من رجال الأعمال الجدد ويفيض رأس المال فيها على مجموع عدد السكان، لقد تم بناء المدارس والجامعات وتوحدت القرى والمدن عبر شبكات الاتصال وعبر شبكات الطرق وظهرت فيها مؤسسات المجتمع المالي، الشركة، السوق، العلاقات الاقتصادية مع الدول الرأسمالية، فتغيرت بنية المجتمع الطبقي وظهرت فئات وسطى وظهر التجار وظهر المثقفون والمبدعون.

كل هذا ولَد التعرف على منتجات العالم ورغم ذلك فهذا البلد يحتفظ بنمط السلطة وجوهرها، ملكية، اوتوقراطية، فنظامها السياسي الذي نشأ قبل مئة عام ما زال، والسلطة بهذا تقع في تناقض مع التطور الموضوعي والضروري، فالمقولة النظرية تقول أنه يجب أن تتغير السلطة بما يتوافق مع تطور المجتمع.

ولكن لماذا استمر الأمر على ما هو عليه، لماذا بقيت السلطة ملكية اوتوقراطية وما زالت العائلة المتصرف الأوحد بمقدرات البلد، إن هذا التناقض لم يرفع حتى الآن بسبب استمرارية آلية السلطة ضد التاريخ الواقعي ولأسباب كثيرة سأشرحها فيما بعد، فالسلطة المتناقضة مع تغير البنى الاجتماعية لا يمكنها أن تستمر إلا بآلات قهر واستبداد حتى حدود القهر والاستبداد القصوى. فكلما ازدادت حركة المجتمع نحو الأعلى، أي نحو التقدم ازداد تعسف الدولة ذات البنية المتخلفة بسبب خشيتها من الجديد، وهذا الأمر يتطلب تقوية لجهاز الدولة القمعي بكل أشكاله، الحرس الملكي، الأمن العام، سلطة رجال الدين، قوانين الحد من الحريات، استمرار الايدولوجيا المذهبية الدينية أي الوهابية كايدولوجيا سلطة ووحيدة، يُضاف إلى ذلك بقاء العلاقات القبلية القديمة عن طريق شراء الزعامات التقليدية، أي أن هذه الدولة كي تستمر يجب في شكل من أشكال أن تعيد إنتاج العلاقات القديمة، وأن تحافظ على البنى القديمة التي أنتجتها لكي تجد شروطاً لاستمرارها. وهناك دول، وهذه مفارقة تاريخية، تحولت فيها العائلة-السلطة إلى طبقة، فيما الحركة الطبيعية للتاريخ تشير إلى أن  الطبقة تتحول إلى سلطة. ففي كل تاريخ البشر، الطبقات هي التي تتحول إلى سلطة، لكن هنا العائلة تحولت إلى طبقة، فالنفط نقل الشيوخ من مجرد زعماء تقليديين بحكم السلطة الناتجة عن السن والعلاقات الخارجية إلى طبقة تتحكم بالسوق، إنها الآن المالكة لرأس المال فحوّلت أقطارها إلى مجرد أسواق وتقوم هي بوظيفة شهبندر التجار، فالبنوك والوكالات وعمليات الوساطة بين السوق المحلية والسوق العالمية كلَُ ذلك ممتلكٌ أساساً من العائلة التي تحولت إلى طبقة، والعائلة الطبقة لكي تستمر سلطة سياسية وسلطة اقتصادية لابد لها من إبقاء القطر في بنيته السياسية من جهة وإبقاء القطر منفرد أيضاً عن بقية المجتمعات العربية، وبالتالي تعتبر كل انفتاح هو إقلال من السيادة المحلية. وهكذا نشأت وتطورت السلطة من حيث هي ملكية شخصية شأنها شأن أي سلطة كانت فلم تعد السلطة سلطة مجتمع بل سلطة ضيقة ووسيلة خاصة لفئة محددة من الناس. ولكننا هنا نتحدث عن واقع فيه نوع من المفارقة وهذه الحالة (التناقض) بين بنية السلطة المتخلفة وتطور المجتمع ما كان يمكن أن تستمر إلا كما قلنا بسبب آليات القمع من جهة ومن جهة ثانية بسبب الثروة، ومن جهة ثالثة، بسبب أن هذه الثروة لم تخلق بعد تلك القوى الاجتماعية السياسية التي تحول دون نشأتها عوامل الكبح والضغط.

في الغرب مثلاً، الوضع مختلف على الرغم أن هناك أيضاً دولة ملكية، فالسلطة التقليدية نشأت في المغرب فواجهت معارضة شديدة قابلتها السلطة بأعنف درجات القمع كاختطاف المهدي بن بركة مثلاً، غير أن تطور المجتمع السياسي وتطور المجتمع المدني حال دون وجود فراغ يحكم الملك من خلاله دون أن يأخذ بعين الاعتبار الاتجاهات السياسية والقوى الشعبية والطبقات الاجتماعية. ورأت السلطة الحاكمة أنها ستبقى مقطوعة الجذور عن القوى السياسية الفاعلة إن هي سارت في طريق القمع الأقصى. نموذج المغرب وهو نموذج ممتاز للدراسة، يشير إلى أن مستوى تطور المجتمع المغربي انعكس بقوة على مستوى أداء السلطة السياسية فإذا كانت السلطة الملكية قادرة لفترة زمنية أن تتجاهل حركة التطور هذه، لكنها لا تستطيع إطلاقاً أن تتجاهل إلى الأبد هذه القضية، لأنها لا تستطيع أن تملأ الفراغ في السعودية أو الخليج، هذه الدول تستطيع أن تملأ الفراغ بأشكال متعددة من الشراء والبذخ وتحسين حالة المعيشة، أما في المغرب، فهذا من الصعب أن يحدث. وبهذا فشل الملك في تهميش القوى السياسية كما فشلت عمليات القمع، وأنا عندما أتحدث عن عمليات القمع التي مارسها المغرب، أتحدث عما لا يمكن تصوره، لم تستطع هذه الدولة-السلطة أن تتغير، فنشأ نوعٌ من التطابق بين المجتمع وتطوره. هذه مسألة كبيرة ومهمة في عالمنا العربي، الفرق هنا بين درجات التطور، نحن هنا لا نستطيع أن نناقش المسألة في الوطن العربي على سوية واحدة، فالمجتمعات التي شهدت تطوراً تاريخياً في منتصف القرن التاسع عشر والتي شهدت (النهضة) جرت في طريق مختلف عن الطريق التي سارت عليه تلك الدول التقليدية القبلية في دول الخليج العربي خاصة في السعودية.

فبلاد الشام والعراق ومصر والمغرب ذات تاريخ مختلف كلية عن تاريخ تلك الدول، وبالتالي إذا كان الطلاق ما بين المجتمع والدولة ما زال راهناً، وإذا كان الوطن العربي عموماً وبدرجاتٍ مختلفة ينطوي على هذا التناقض بين صيرورته الاجتماعية التاريخية وبين بنية الدولة فإننا نشهد أنه كلما ازدادت هذه الحركة الاجتماعية الطبقية والثقافية والسياسية والقيمية، ازداد الاستبداد السياسي أو بالعكس ضعف الاستبداد السياسي. يزداد الاستبداد السياسي عندما يكون المجتمع راكداً، والمجتمع الراكد هو المجتمع الذي لا ينطوي على أي قوى اجتماعية طبقية حية قادرة على طرح مشروعها السياسي، هذا هو المجتمع الراكد، رغم ما يظهر في صورته العامة أنه مجتمع رفاه وثروة وانترنت وما شابه ذلك، يمكن أن يظل هذا المجتمع راكداً، وفي المجتمعات التي تنطوي على قوى فاعلة فإن عملية تصالح بين بنية الدولة مع المجتمع تكون أكثر. من هنا نفهم لماذا كانت الدولة في لحظة ظهورها كانعكاس للقوى التقليدية أقل استبداداً من الدولة في مراحلها اللاحقة، لماذا؟ لأنها متطابقة مع البنى، لأنه عندما تنشأ دولة قبلية في مجتمع قبلي لن يكون هناك تناقض بين المجتمع والدولة وبالتالي لا حاجة لاستعمال القمع الأقصى وهكذا تبدو بالنسبة للإنسان العربي في نهاية القرن الواحد والعشرين، أن السلطة القديمة أرقى بكثير من السلطة الجديدة، وهي ليست أرقى بالمعنى التاريخي، وبعضهم يترحم على الحكم الملكي، وبعضهم يترحم على الحكم القبلي ببساطة كان هناك نوع من التطابق بين النسبتين، عندما جرى نوعٌ من الخرق لهذا التطابق كان لابد أن تظهر السلطة الاستبدادية، هذا يعني أن السلطة المعاندة للتاريخ في الوطن العربي لا تستطيع أن تُلغي التاريخ الواقعي. لماذا لأن هناك حركة موضوعية أقوى من السلطة، لكن بما أن هذه السلطة تكبح شيئاً فشيئاً الإدارة الفاعلة للبشر عن قمع أي محاولة تغيير سياسي أو مدني فإنها تبدو متحكمة في الظاهر في العملية التاريخية إلا أنها غير متحكمة بها بشكل فعلي، لذلك لا تخلق حالات سياسية، لأن الفاعلية السياسية تتحرك ضد مجهول لكن رد الفعل يتحرك وفق آلية تدمير، من هنا نفهم أن الحركات الأصولية هي من قبيل هذه الحركات ذات رد الفعل غير الواعي التي تنطوي على نزعة التدمير لأنه في ظل الفراغ السياسي لا يبقى إلا النزعة النكوصية. وهذا يخلق لدى السلطة نوعاً من الخوف الواقعي وغير الواقعي من أجل تبرير استمرار السلطة السياسية خاصة في الوطن العربي، وغالباً ما نتحدث عن خطر يهدد الدولة القطرية وبخاصة الخطر الخارجي. أي أنها تهيب بالمجتمع أن يتوحد في إطار الخطر على تفتيت الدولة القطرية، لكن التفتيت هو سوسة قائمة في قلب الدولة، وليس خارجها، وإذا كان هناك من عامل خارجي فلن يكون أكثر من عامل مساعد. ولهذا فهي لا تكتفي بأعلى درجات القمع ولا باستخدام الوسائل الاقتصادية والسياسية والإعلامية فحسب، بل تعوّل على جهاز أيديولوجي رسمي لتأكيد ذاتها ثقافياً وهذه أيضاً مشكلة ذات خطورة شديدة على بنية المجتمع. الآن إذا ميزّنا ضمن المجتمعات بين مجتمعات نشأت تاريخياً من بنى تقليدية متخلفة وأنتجت دولتها المشابهة لها كدول الخليج، ومجتمعات سارت في طريق التقدم التاريخي ثم انقطع هذا التقدم، وهذا ينتج شكلين من الوعي، وعي تناقض الدولة مع المجتمع في الحالة الأولى، قد لا يكون هذا الوعي بالتناقض إلا من زاوية وعي السلطة في العالم أي من روح العالم المسيطرة والتي تفرض بأن العالم أي الدولة والمجتمع، فيكون الوعي هو وعي نخب سياسية وثقافية. هذا الوعي يعبّر عن نفسه بأشكال متعددة. في الحالة الثانية وعي النخب يتطابق ووعي البشر فلا تعيش النخبة حالة منفردة عن واقعها وإنما تعبر عن إجماع تاريخي لتطور هذه البلدان كبلاد الشام والعراق ومصر، ومن هنا تطرح فكرة بنية الدولة، ما الذي نريدها من الدولة؟ وما هي صورة الدولة التي نريدها؟ نطرح القضية على مستوى الوطن العربي على نحو شامل! لكن لنطرح الصورة التالية في تلك البلاد التي قطعت شوطاً طويلاً في طريق التقدم، أقصد إقامة الدولة الوطنية الديمقراطية، الحكمة من ذلك إيجاد سلطة متطابقة مع المجتمع.

السلطة التي تعبّر عن تطور سلطة المجتمع ستكون مختلفة عن تلك السلطة التي تتناقض مع تطوره، من هنا فالدولة الوطنية الديمقراطية هي التي نطرحها. أي دولة المواطنة، نقصد بالمواطنة انتصار الخيارات الحرة للأفراد داخل الوطن. وبالمواطنة تتحقق مصالح المواطنين، والقصد بالديمقراطية طريق اختيار المواطنين للنظام السياسي، دولة كهذه من شأنها أن تقطع العلاقة بين السلطة وملكية السلطة وتقضي على دولة الرعية. في دولة المواطنة حيث الحرية حق فاعلية الأفراد، ينتصر مفهوم التربية السياسة، وفي دولة الرعية يسود مفهوم الترويض، في دولة المواطنة تنتصر الوطنية مقابل دولة الرعية. والمواطن في دولة المواطنة لن يخسر شيئاً إطلاقاً إذا فقد دولته القطرية في دولة أعم من دولته القطرية، ففي دولةٍ أعم تتحقق مصالح مادية ومعنوية مرتبطة بالكرامة الشخصية أكثر بكثير من دولة أخرى قطرية.

هل هناك إمكانية لتحقيق دولة وطنية ديمقراطية كمشروع في الوطن العربي أو في أغلب أرجاء الوطن العربي، إن بنية المجتمع الآن متطورة وأنا أميل إلى أن الوطن العربي مختلف كلية الآن عن الماضي. التمايز الطبقي أكثر من قبل، ومتبلور أكثر، القوى المناهضة للواقع المعيشي أكثر اتساعاً وأكثر وعياً من مرحلة الخمسينات والستينات.

الآن البشر أكثر وعياً من الماضي، على الأقل هم يعرفون بالضبط الآليات التي تجري في الوطن العربي، وأكثر إطلاعاً وأكثر فهماً. وأعداد الفقراء في تزايد ملحوظ وبخاصة في المدينة العربية، فالقوى الهامشية تنطوي على إمكانية الثورة والهامشيون بفعل غياب الحركة السياسية، بالمناسبة الحركة السياسية يمكن أن توحد أهدافها الطبقية بوعي سياسي، هذه القوى الهامشية عرضة لشتى أنواع التشكل وقابليتها للعمل السياسي ضعيفة حتى الآن لاسيما العمل السياسي التحرري، واندراج أجزاء منها بأشكال الاحتجاج الديني دليل على قابليتها للفاعلية، وأكثر هذه القوى الآن مندرجة في إطار الاحتجاج الديني وهو أقوى أشكال الاحتجاج وهذا مفهوم.

ولن ندعي كما يدعي البعض أن الفئات الوسطى قد فقدت فاعليتها، ومن الخطأ أن نعتقد، كما كنت أعتقد أنا مخطئاً، أن فشل المشاريع الكبرى هو فشلٌ للفئات الوسطى، لأن المجتمع يعيد إنتاج الفئات الوسطى دائماً والفئات الوسطى هي قلب المجتمع الحي، وحتى الآن في الوطن العربي نجد أن الفئات الوسطى هي حاملة المشروع السياسي والثقافي والتحرري، فبعد انتهاء عزلة القرية عن المدينة، وانخراط الكثير منهم في الجامعات ومؤسسات الدولة، أصبحت قوة شبيهة بالقوى التي نشأت في المدينة وهذه الفئات يمكنها أن تتحول إلى قوة طبقية حاملة لمشروع وطني. فكل المشاريع السابقة هي مشاريع الفئات العربية الوسطى، المثقفون بتوسع هائل وقوة حيوية في المجتمع. ناهيك عن أن البرجوازية الصناعية في الوطن العربي والتي تنمو ببطء ذات مصلحة حقيقية في توسيع سوقه، وبهذا المستوى الطبقي الممكن القائم للفئات السائدة في الوطن العربي يمكن القول على المستوى النظري أنها قادرة على إنجاز مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية. وهناك تمايزات في فاعلية تلك الفئات، إن تمويل الوعي الممكن الصامت لا ينفصل عن الممارسة السياسية. البعض يقول لكي نجعل هذه الطبقات تصل إلى شكل من أشكال وعي الشخصية السياسية لابد من دولة ديمقراطية، الدولة الديمقراطية تنتج عن ذلك، لكن هناك ظاهرة الاحتجاج الصامت أو الثورة بكل أنحاء الوطن العربي عبر آليات الرفض الشعبي وعبر الوعي الممكن والقائم يتنامى الوعي بضرورة التجانس، إذا نظرنا عملياً لذلك فإنني أطرح ما يلي: إن أي تغيير في إطار مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية لا يمكن أن يأتي من حركات عنفية أصولية أو غير أصولية بل على العكس. لا أمل بانقلابات عسكرية وإعادة إنتاجها فهذه التجربة تعود إلى الماضي. وبالتالي لا تعول على أي شكل من أشكال الانقلابات العسكرية بالوطن العربي. ولا أعتقد أن هناك إمكانية لثورات كبرى جاهزة كالثورة الفرنسية أو الثورة البلشفية. فعصر الأيديولوجيات الكبرى انتهى. وقد يقول البعض وماذا عن النموذج الإيراني وهو نموذج خاص وأنا لا أحبذه على النحو الذي هو عليه من حيث الحركة التاريخية مع أنه من حيث الضرورات الوطنية والعملية شيء مهم.

العصر الراهن ليس عصر العمل السري، فوسائل الاتصال والإعلام وقدرة الدولة على شمّ كل شيء أصبح كبيراً كما أن حجم المشكلات أكبر من حجم الحركات السرية.

إن أي تعويل على عنصر خارجي لإحداث تغيير في بنية السلطة هو نوع من الخيانة الوطنية، لذلك فإني أرى أن المعارضة العراقية التي تجتمع في أمريكا هي معارضة خائنة، على الرغم من رفضها للنظام السياسي الدكتاتوري القائم الآن في العراق.

هنا يطرح المجتمع المدني، فهل هو وسيلة سلمية لتحقيق نوع من التصالح بين بنية المجتمع من جهة وبنية الدولة؟

قيل في المحاضرة الماضية الكثير عن المجتمع المدني، وإذا عرّفناه من زاوية رؤيتنا للمجتمع المدني على أنه مؤسسة اجتماعية وطنية حرة ذات شكل وآليات عمل منظم ينخرط فيها الأفراد استناداً إلى أشكال الانتماء الطبقي أو الفكري أو المهني أو الأيديولوجي، هذا المجتمع المدني هو مجتمع فاعلية إن صح التعبير، وطرح المجتمع المدني الآن في الوطن العربي بمضمونه هو تعبير عن احتجاج على بنية الدولة. وأكثر من ندوة عُقدت منذ سنوات حول المجتمع المدني. المجتمع هذا هو الأثير لدينا ولدى أغلب الماركسيين في الوطن العربي، فإذا كان هذا المجتمع وسيلة إيجاد التصالح بين المجتمع والدولة وطريقة لتنظيم التناقض بينهما فإنه لا يقوم على نفي متبادل، أي لا الدولة تنفي هذا المجتمع المدني ولا المجتمع المدني عملياً قادر على نفي الدولة. فالعلاقة هنا علاقة اعتراف بوظيفة كل طرف، ويعتقد البعض أن المجتمع المدني شيءٌ والمجتمع السياسي الفاعل شيءٌ آخر. لا وجود لمجتمع طوعي حر قادر على إنجاز سلطة متطابقة معه، وبهذا المجتمع كظاهرة متطورة في المجتمع البرجوازي هو موضوع هيمنة من المجتمع السياسي (الدولة- الحزب السياسي) أشكال الممارسات كما عرفها المجتمع المدني موضوع هيمنة سياسية، إذا هيمنا على المجتمع المدني سياسياً نستطيع أن نهيمن على سلطة الدولة. السياسة هي التي تلعب الدور الأساسي.

على المستوى الواقعي، المجتمع المدني بأشكاله ابتُلع من قبل الدولة في الوطن العربي وبالتالي صار جزءاً من آليتها، نحن لا نقول أن المجتمع المدني خارج الهيمنة السياسية ولكن مع الهيمنة السياسية يظلُّ المجتمع المدني معبراً عن أولئك الذين ينخرطون فيه، بمعنى أن الحزب الشيوعي الفرنسي يمكن أن يسيطر على النقابات الفرنسية وتصبح قوى سياسية في يد الحزب الشيوعي الفرنسي لكن تظل معبرة عن الطبقة العاملة الفرنسية في إطار الدولة الديمقراطية. لهذا فان المجتمع المدني ليس بديلاً عن المجتمع السياسي إطلاقاً، إذا انتصرت الدولة الوطنية الديمقراطية يزدهر المجتمع المدني وتزدهر أشكال الهيمنة عليه من القوى السياسية، لكن الهيمنة عليه لا تلغي وظيفته ويجب أن لا تلغي وظيفته.

هل يثير المجتمع المدني إشكالات في الوطن العربي؟ نعم، لأنه لا يُطرح في إطار النظرة السياسية الأيديولوجية، لم نقل الدولة الوطنية الديمقراطية، بالنسبة لمجتمعاتنا هذه ذات أهمية كبيرة جداً.بعض دول الوطن العربي أعطت هامشاً للمجتمع المدني والسياسي ليتطوروا، مثلاً الأردن أساساً دولة وظيفية في خدمة إسرائيل والسلطة في الأردن على هذا النحو لم تتغير وظيفتها، هذه السلطة سمحت بالمجتمع المدني وبأشكال ديمقراطية، لكنها هي دولة غير وطنية وديمقراطية فوقعت الشبهة بالمجتمع المدني فكأن الشبهة لا تجمع الوطنية والديمقراطية فكلما كان المجتمع ديمقراطياً كان وطنياً لا، الخيار هو الوطني الديمقراطي، ليس هناك تناقض بين الوطني والديمقراطي.   

 

التعقيبات والمداخلات

*عادل المعلم: عشت في القاهرة وعدت منها منذ أشهر، وعشت هناك العلاقة بين الدولة والمجتمع وكانت علاقة تنافر مطلق على كافة المستويات السياسية والاقتصادية، إلا أن هناك حيوية في المجتمع المصري، ولكن الخصخصة هناك زادت من أعداد الفقراء وزادت من أعداد المختلسين، فأموال الخصخصة أُعيد اختلاسها، الحركة السياسية في مصر وعلى الرغم من وجود أحزاب فإنها ضعيفة، فهناك عزوف عن الخطاب السياسي وهناك إيمان بالتمايز وهناك تناقض بالرغم من معارضة المجتمع للتطبيع. ما مدى علاقة السلطة وتفاعلها مع حركة المجتمع المدني؟.

 

*جاد الكريم الجباعي: أخشى أن يُظلم المجتمع المدني بوصفه محاولة لتدمير الدولة، أنا اعتقد أن هذا الكلام غير صحيح، ليس هناك تناقض بين المجتمع المدني والدولة، ولكن هناك تماثل بين المجتمع المدني والدولة مهما كان المجتمع متخلفاً أو متأخراً لأن الجماعة المتأخرة عندما تنشئ وجودها السياسي إنما تقوم بإنتاج أفضل ما لديها وأرقى ما لديها بدليل أن الجماعات البدائية أنتجت قوانين وأديان وأساطير، إن تناقض الدولة مع المجتمع أميل إلى تسميته تعارض في إطار وحدتهما الجدلية، الوضع لدينا لا يصب في خانة تعارض الدولة والمجتمع لأن هناك شيء أخطر وهو تخارج الدولة والمجتمع وهذا يعبر عن نفسه في انقطاع الصلة بين الحاكم والمحكوم، وهذا يؤدي إلى التخارج وممارسة الحرية خارج إطار الدولة، عندما نقول تعارض ثم تكامل بين الدولة والمجتمع تصبح فكرة الحرية داخل الدولة، فكرة الحرية لدينا منذ القديم خارج إطار الدولة مما يؤكد أهمية الدولة بأوضاعها الراهنة، المثقف العربي والسياسي العربي إذا خيّر بين الدولة واللا دولة فعليه أن يختار الدولة وعليه أن يختار الدولة القوية والحديثة المعبّرة عن البنية الاجتماعية التي يرى كل مواطن صورته السياسية فيها. علاقة السلطة بالمعارضة في كل مكان هي مسألة فرعية منبثقة من علاقة الدولة بالمجتمع، فعندما تكون علاقة المجتمع صحيحة وتكون علاقة المعارضة بالسلطة من هذا القبيل. وهذا ما يمكن أن نسميه وحدة السلطة والمعارضة الجدلية.

من أهم ميزات المجتمع المدني أنه حقل سياسي مشترك بين جميع أطرافه وفئاته وطبقاته وأحزابه، هذا الحقل السياسي المشترك بين الجميع هو التعبير عن الوحدة الوطنية، فلا معنى للوحدة الوطنية إذا لم يكن هناك حقل سياسي للجميع، تتجادل فيه وتتقاطع وتتداخل وتتحاور أيديولوجيات مختلفة، فالحقل السياسي هو العلامة الفارقة بين المجتمع المدني وما قبل المجتمع المدني، قال الدكتور برقاوي أنه لا وجود للمجتمع المدني خارج المجتمع السياسي، لأن المجتمع السياسي محكوم بالمجتمع المدني.

 

*د. أحمد برقاوي: أنا لم أتحدث عن تماثل بين السلطة والمجتمع في أي مجتمع من مجتمعات الأرض وفي أرقى درجات الدولة الديمقراطية الأوروبية، أنا لم أتحدث عن ذلك وإنما تحدثت عن إطلاق المجتمع بشكل الدولة، وبشكلٍ خاص يوجد شي اسمه مجتمع مدني مختلف عن المجتمع السياسي، فالمجتمع المدني لا يخلق المجتمع السياسي، ولا المجتمع السياسي هو الخالق المجتمع المدني، كلا المجتمعين هما نظرة تاريخية للعملية الاجتماعية، ما قبل الدولة البرجوازية لم يكن مجتمعاً مدني، تحوّل الأفراد في إطار هذه الأوضاع إلى واعين لمصالحهم الخاصة مما منع فكرة الحرية، وقد كوّن المجتمع آليات كبح لسلطة الدولة عبّر من خلالها عن طموحاته ومصالحه - وليس كل مصالح المجتمع المدني هي مصالح سياسية-هناك مصالح غير سياسية للمصالح النقابية التي هي بالأساس مصالح غير سياسية، ومصالح جمعية المكفوفين مصالح غير سياسية وهي من صلب المجتمع المدني، عندما تتعسف الدولة في تحقيق مصالح البشر يتحول المجتمع المدني إلى وسيلة من وسائل المطالبة بتحقيق ذلك، المجتمع السياسي في أرقى درجات تطوره تعبير عن المجتمع ككل يخلق معه مجتمع مدني.

 

*جاد الكريم الجباعي: الدول العربية نشأت بعد الحرب العالمية الثانية في فترة الأربعينات، ونشأت بمحاكاةٍ للغرب كنموذج للدولة-الأمة أو الدولة القومية. كما هو الحال في بلاد الشام والعراق والأردن وشمال أفريقيا ما عدا مصر لذلك الشاه الإيراني قال أن هناك ثلاث دول حقيقية في المنطقة هي إيران وتركيا ومصر وما تبقى هي دول خلقت من جديد، لقد وضعت اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 وقسمت بلاد الشام وخلقت إسرائيل أيضاً ككيان يهودي، هذه الدول لم تمر بمرحلة الدولة الأوروبية التي مرت بمراحل تاريخية منها كما قرأنا في العلوم السياسية نشوء الدولة، هذه الدولة كانت عبارة عن كبار الملاك وكبار التجار الذين ركبوا الثورات الوطنية، في سورية مثلاً سلطان باشا الأطرش يُعتبر قائد الثورة التحررية مثل ماوتسي تونغ الذي وصل إلى السلطة، لكن سلطان باشا الأطرش لم يصل إلى السلطة، في الخمسينات كان هناك مجال لمحاكاة النظام الفرنسي بأن تقوم مجموعة من الأحزاب كانت تتوزع بين البرجوازية الصغيرة والحزب الشيوعي وحزب البعث وحركة القوميين العرب، أو في حركات بين المعلمين والمثقفين، فلم تستطع الدولة في الوطن العربي أن تتطور وتأخذ منهج التطور الذي حصل في أوروبا، لذلك نشأ عندنا الدولة التي ركبت موجة العسكر لأنه لا يوجد قوى سياسية تقف بوجه العسكر الذين دخلوا إلى السلطة في مصر وسورية والعراق والجزائر وليبيا والسودان، وهؤلاء باعتبارهم القوى الوحيدة المنظمة في المنطقة، الجيش هو القوة الوحيدة والأحزاب كانت عبارة عن تجمعات ليست منظمة وكانت تُضرَب بين الحين والآخر وبالتالي لم يتح لها أن تأخذ بعدها التنظيمي، والبرجوازية الصغيرة هي فئة متذبذبة غير قادرة على قيادة الدولة والمجتمع، والتجربة على ذلك أن البرجوازية الصغيرة تنشدُّ إلى السلطة عندما تلوّح لها السلطة بالمغانم والمكاسب وتنجذب إلى صفوف المعارضة إذا اضطهدتها السلطة، هذا بالنسبة لنشوء الدولة في الوطن العربي أما بالنسبة لنشوء المجتمع المدني أنا أقول أن الدولة هي انعكاس طبيعي وتاريخي ويقال "كما تكونون يولى عليكم"، باعتبار أنه لا يوجد قوى سياسية عربية، مثلاً بعد وفاة عبد الناصر وبعد 18 سنة من الحكم تغير خط عبد الناصر نهائياً، بعد ستة أشهر من وفاته الاتحاد الاشتراكي عمل مجموعة من الأحزاب السياسية في الانتخابات الأخيرة لم يصعد أي منها إلى المجلس، أما الحزب الحاكم فهو الذي نجح، وكذلك الأمر في الأردن. عندنا نقابة المعلمين والعمال يطالبون برفع مستوى المعيشة، اتحاد الفلاحين نفس الشيء جميع النقابات تطالب بنفس الشيء، لكن رئيس اتحاد العمال هو نفسه منذ 20 سنة.

 

*د.أحمد برقاوي: الدولة فعلاً في الوطن العربي هي دولة حديثة نسبياً، والتاريخ الدرامي لتطور الدولة العربية وحتى في مصر، بدون استثناء أحد، هو نفسه، فالبرجوازية العربية تكونت في منتصف القرن التاسع عشر ، بالمناسبة زوال الدولة العثمانية أحدث كيانات وهذه الكيانات بفعل عاملين وليس بفعل عامل خارجي وحسب بل بفعل عوامل داخلية وبنى داخلية أيضاً في الوطن العربي تحولت إلى سلطات في الوطن العربي، ففي الدول الأكثر تقدماً ورثت البرجوازية السلطة وراثة فأرادت أن تكوّن مجتمعاً ودولة جديدة مع استخدام هذه السلطة في توسيع وتسريع عملية التطور لأن الدولة الحديثة بحاجة لمجموعة كبيرة من المهندسين والمعلمين والأطباء والمحامين والجيش فوسّعت وسرّعت بشكل هائل إنجاز أعداد هائلة من الطبقات المتوسطة المدنية والفلاحية والفقيرة، ومع دخول هذه الفئات إلى مؤسسة الدولة وتوسعها ترافق مع بروز الأيديولوجيات القومية والماركسية والأيديولوجيات الاشتراكية فنشأ لدى هذه الفئات الوسطى الفلاحية والفقيرة وعي طبقي ضد البرجوازية والإقطاع فوحّدت صفوفها وقضت على الدولة البرجوازية إيماناً منها بأن الدولة أداة تسليح للمجتمع، وبعد أن توحّد هذا الجسم الطبقي عملياً عاد إلى صراعه مع السلطة ليتغنى في بناء قوى هي قائمة أساساً في المجتمع وليست خارج المجتمع. فالحزب الشيوعي عندما كان يريد شتم القوميين أو الأمة العربية كانوا يصفونهم بأنهم قوميون وبرجوازيون صغار ما زالوا في إطار الفكرة القومية، والأحزاب الشيوعية نفسها في الوطن العربي تفتت على أساس بنى أثنية، لماذا انتصرت الفكرة الأثنية على الفكرة الأممية؟ هذا ما جرى في المنطقة لكن مع استمرار التطور فإن نفس القوى باتت تتعنت فصار الوعي أرقى، لذلك عندما كان يُعلن عن إلغاء الدستور كانت الناس تصفق، أما الآن فالناس تطالب من أجل الدستور في الوطن العربي وهذا هو المأزق الثاني أي غياب التراكم التاريخي، أي أن المرحلة الاستثمارية قضت على التراكم التاريخي الذي بدأ من منتصف القرن التاسع عشر، حركة التحرر الوطنية قضت على التراكم التاريخي الذي أججته البرجوازية العربية في مصر وبلاد الشام، ففترة ما بعد السادات قضت على مرحلة التراكم التاريخي للمرحلة الناصرية فكان تاريخنا بلا تراكم وتاريخ بلا تراكم لا يمكن أن يُنجز شيئاً إيجابياً في تاريخ المجتمعات، ومن هنا البدء من نقطة الصفر، وهذه تجربة مهمة لدى التطور اللاحق للمجتمعات العربية لا يجوز أن يُلغي التطور التاريخي ففيه استمرار التاريخ.

 

*محمد زاهر القدسي: هل يمكن تبديل بنية السلطة أو بنية الدولة بدون تغيير السلطة ذاتها، وإذا كانت السلطة والدولة في المجتمع العربي قد ابتلعت المجتمع المدني فكيف نطالب هذه السلطة ذاتها بمنع هيمنتها عليه؟.

 

*د.أحمد برقاوي: عندما نقول أن السلطة متناقضة مع بنية المجتمع فنحن نحتاج إلى سلطة متطابقة، القوى الأساسية مازالت غامضة مجهضة عبثية أحياناً، ولا مبالية أحياناً أخرى، المشكلة ليست باستبدال سلطة بسلطة قد تكون المعارضة أكثر تخلفاً من السلطة لأن المشكلة ليست على هذا النحو، طرحنا فكرة إنتاج المجتمع لسلطة متطابقة وهذا يحتاج إلى فاعلية سياسية اقتصادية اجتماعية فما زالت الدولة في الوطن العربي قوية في صورتها الراهنة، والسبات الطويل للمجتمع لا يُنتج يقظة نشطة وتراكم الانهيارات لا ينتج انتصاراً هائلاً، فالمشكلة ليست في استعجال التغيير في العالم العربي، إذ يمكن للمجتمع المدني أن يتحرك لابتلاع السلطة لكن لوحده لا يستطيع، وأنا لا أعول على المجتمع المدني، فقوة المجتمع المدني بقوة المجتمع السياسي وضعفه بضعف المجتمع السياسي، السلطة قوة الجماعة وعندما تتنازل كل القوى لصالح قوة واحدة فلا يمكن أن نفكر إطلاقاً بأن جمعية ما قد تخلق مجتمعاً. المجتمع المدني تعبير عن عجز الإدارة الفاعلة.

 

د.وليد البني: هاجمت وسائل الإعلام بشدة على فكرة صغيرة نشأت عند بعض المثقفين تتعلق بفكرة إنشاء جمعية لأنصار المجتمع المدني، وبعد الهجوم الشديد الذي تعرضتم له من قبل بعض المثقفين كنت أتمنى لو علق الدكتور برقاوي على ذلك، هل كان هؤلاء الناس سيئين إلى هذا الحد ليتعرضوا لهذا الهجوم. ومن ناحية أخرى تحدثتم عن الدولة الوطنية الديمقراطية، فهل يمكن لديمقراطية حقيقية أن لا تكون وطنية؟ أليست الديمقراطية هي التي أفرزت ذلك الشعور الرائع الوطني أثناء ثورة الجزائر؟ ثم في الفترة التي كان فيها هامش من الديمقراطية في سورية هو ما دفع بالناس إلى التبرع بمجوهراتها من أجل العدوان في 1956؟ وهل يمكن للديمقراطية أن لا تكون وطنية إذا كان فيها شعور حقيقي وتعبير عن شعور الشارع والشعب؟ أنا أعتقد أن كل ما مرَّ به الشعب السوري يعبر عن تراكم حقيقي إذ لم تقض التحولات التاريخية التي مر بها على التراكمات السابقة، ولكن المجتمع السوري كغيره من المجتمعات العربية عبارة عن مجتمعات حديثة التشكيل حديثة التعامل مع الدولة الديمقراطية لذلك لم تستطع أن تقف في وجه الديكتاتوريات التي مرت على المنطقة، ولكن عندما كانت تضعف هذه الديكتاتوريات كان المجتمع المدني الحقيقي وكل منظمات المجتمع المدني تظهر لتدافع عن مصالحها، وهذه ضمن عمل المجتمع المدني.

 

*د.أحمد برقاوي: الدولة الوطنية تأتي كنقيض للدولة التابعة التي هي فاقدة لسيادتها الوطنية  ولا تملك قراراتها الداخلية، دولة كبيرة في الوطن العربي سكانها 60 مليون ولا تمتلك قرارها السياسي حتى لو اتخذت قرارها فهو من وحي خارجي.

الدولة الوطنية المستقلة يجب أن تكون ديمقراطية لكن عندما أرى أن الدولة تعطي هامشاً ديمقراطياً وهي غير مستقلة ومستبد بها فما هي هذه الدولة الديمقراطية المُستبد بها من الخارج هذه ليست دولة خاصة إننا لسنا بمراحل تطور اجتماعي، لا زلنا بمراحل استقلال وطني ومازالت الصهيونية وإسرائيل والاستعمار موجودين، أنا أكنَُ العداء المطلق لأوروبا وأمريكا كدول، ولو قالوا لي الآن سأرسل لكم الآن عشر مفاعلات ذرية لإنتاج الكهرباء سأسأل لماذا؟ ما هي مصالح أوروبا في المنطقة؟ إن التجربة التاريخية مع الغرب والولايات المتحدة خلقت مثل هذه الحساسية.

أقصد التراكم التاريخي أن عبد الناصر قام بثورة طبقية عام بالمعنى الحقيقي عام 1953، ولكن مصر كانت تعيش تجربة ديمقراطية عمرها عشرات السنين، قضى عبد الناصر على هذه التجربة الديمقراطية وقضى على مؤسساتها وأعاد إنتاج النظام السياسي على غرار آخر وبالتالي قدَم وكوّن تراكماً اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً في مصر، ثم جاءت المرحلة الساداتية فقضت على التراكم الاقتصادي والثقافي وبيع في المزاد العلني كل نتاجات المرحلة الماضية، لا شيء يُطبع في التاريخ فالتاريخ ينتقم لنفسه آجلاً أم عاجلاً دائماً.

 

*رياض سيف: اسمح لي أن أعلّق على الدولة الوطنية الديمقراطية، ففي محاضرة حضرتها لأحد كبار المفكرين الأمريكيين عن العرب والديمقراطية، قال هذا العالم الأمريكي بأن عدم وجود ديمقراطية في البلاد العربية يعود إلى خمسة أسباب، السبب الأول والأهم هو أنها تتعارض مع المصلحة الأمريكية بالذات، وذكر مثالاً بسيطاً فعندما قررت أمريكا أن تأتي إلى الخليج لحرب العراق وإخراجه من الكويت في عام 1990 وتأتي بخمسمائة ألف عسكري بكل معداتهم ومشروباتهم، فلو كان هناك نظام ديمقراطي في السعودية لتعذّر مجيء الأمريكيين، أو على الأقل لاحتاج الأمر إلى ستة أشهر بين مداولات الأحزاب والبرلمان والموافقة، بينما قُضِيَ الأمر بستة دقائق وعبر الهاتف، وفي اليوم التالي كانت القوات بطريقها للسعودية، وهكذا وبالضرورة فكل حكم ديمقراطي هو وطني.

 

د.احمد برقاوي: كل الغرب ضد الديمقراطية في الوطن العربي قولاً واحداً ولا مصلحة لهم بها.

 

*أ. الناعم: تحدث الدكتور برقاوي عن التناقض الذي بدأ يظهر بين بنية السلطة وبنية المجتمع، بمعنى أن السلطات في الوطن العربي لم تواكب التطور الاجتماعي، وكان واقع الحال هو أن هذه الدول في بنيتها عندما نشأت كانت مطابقة للبنية الاجتماعية، والذي أراه أن أشكال أنظمة الحكم هذه جاءت مستوردة ولم تنشأ أساساً من بنية المجتمع وذلك بسبب الفهم التاريخي المترسب في المجتمع العربي خاصة بالنسبة لمفهوم السلطة والدولة الذي يُفهم وكأنه مشروع إلهي (وأطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم) بدليل أن كل أشكال الدولة في المجتمع العربي، من الأنظمة الملكية حتى الأنظمة الجمهورية التي رفعت شعارات الديمقراطية، استخدمت نفس الوسائل والأساليب في تثبيت سلطتها، لم يكن هناك في البداية أي تعارض بسبب غياب الحراك الاجتماعي الذي سيفرز فيما بعد طبقة جديدة لها مشروعها الخاص، أنا أتساءل فقط هل كان غياب التناقض في البداية بسبب عدم غياب التضارب بين بنية الدولة والمجتمع أم بسبب غياب الطبقات الاجتماعية التي تفرز مشروعها؟

أما بالنسبة لمؤسسات المجتمع المدني في الوطن العربي، فقد تحدثت عن دور هذه المؤسسات وعلاقتها مع السلطة فقط، لكن ما هو دور هذه المؤسسات في علاقتها مع البنية الاجتماعية؟

 

د.احمد برقاوي: لا يوجد مجتمع بلا بُنى إطلاقاً، إما أن تكون البنى تقليدية، حديثة، قبلية، طائفية، عشائرية، رأسمالية، لا مشكلة، المهم أن هناك بنى، فالدولة في الأربعينات والخمسينات كانت متطابقة مع تلك البنى التقليدية التي أنتجها المجتمع، ومن الصعب أن تتخيل أن المجتمع لم ينتج تلك البنى، يوجد عامل خارجي، هذا صحيح، ولكن العامل الخارجي من الصعب أن يتحكم تحكماً مطلقاً في إنتاج سلطة غير متطابقة مع بنية المجتمع العربي.

في الجزيرة العربية الحجاز كان يمثلها الهاشميون وآل الرشيد في نجد وآل سعود في الدرعي، مجتمع عشائري كان يحكم والحروب كانت قبلية، والحرب التي خاضها ابن سعود كانت حرب قبلية ضد قبائل أخرى دمرها ووحّد المناطق تحت حكمه، من الطبيعي أن تنتج السعودية دولة مطابقة لهذا التكون القبلي، بعد مئة سنة من تطور السعودية بقيت هذه الدولة نفسها التي انتصرت قبل مئة عام وهذا تناقض تاريخي بين المجتمع والدولة، فعندما نقول إرث تاريخي فإن هذا الإرث جزء من بنية هذه المجتمعات، سواءٌ أكان هذا الإرث التاريخي نظري أم واقعي أم اجتماعي، عندما قلت أن المجتمع المدني هو ثمرة انتصار البرجوازية أردت أن أقول أن المجتمع المدني هو تعبير عن مجتمع حديث، ما قبل المجتمع الحديث فيمكن أن نتحدث عن مجتمع أهلي، فالمجتمع الحديث ينتج مجتمع مديني، إذا أردت إقامة مجتمع مدني في اليمن، وأنا قد عشت في اليمن، فإن هذا لا يمكن أن ينطبق على المجتمع إلا بالاسم فقط،لأن هذا المجتمع في بنيته لا يمكن أن يكون مدنياً، لماذا؟ لأن العنصر الأساسي في المجتمع اليمني هو القبيلة، الانتخابات التي تجري في اليمن تتم على أساس قبلي، الحرب التي قامت في جنوب اليمن بين جناحي الحزب الاشتراكي تحولت إلى حرب قبلية، بصراحة في كتابي "العرب بين الأيديولوجيا والتاريخ" بحثت لماذا بقيت الأيديولوجيا هشة وقشرة خارجية لبنى أقوى منها، ببساطة حزب اشتراكي ماركسي لينيني يقود حرب قبلية، هزمت الايدولوجيا ليس بسبب بنيتها وإنما بسبب أن علاقتها بالتاريخ كانت ضعيفة جداً، كان هناك آمال لدى ميشيل عفلق بقيام أمة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج وهو صادق، لكن القوى كانت أقوى منه ومن أنطون سعادة ومن زكي الأرسوزي ومن خالد بكداش، ونفسه خالد بكداش كان خاضعاً للقوى، المعادلة معقدة أكثر من ما نتخيل. 

 

*صبحي سعيد: التحدث إلى أستاذ فلسفة صعب، فلم يُطرح سؤال إلا وناور عليه وبرره، لتأكيد وجهات النظر الحادة تقريباً، كل إنسان ينظر إلى الواقع من رؤية خاصة ومنظار خاص لتبرير وجهة نظره، وأنا أتساءل وأقول أنه لا يمكن أن يكون هناك تاريخ واقعي أو تاريخ سريالي، هناك تاريخ واحد وكل إنسان ينظر إليه من منظاره الخاص وعبر علاقاته الخاصة، وأعتقد أنك أطلقت أحكام مطلقة حول السلطة، المجتمع، النظرية النسبية هي المرجعية كما أعتقد عند التحدث عن السلطة، ففي السعودية تمثل السلطة طبقة مهما كانت بدائية وتطورت ضمن ظروف موضوعية، وأعتقد أن عبد الناصر لم يقض على التحول الديمقراطي، وهل من المعقول القول أن مصر في المرحلة الاستعمارية كانت ديمقراطية، هذا كلام خطر، أما التناقض بين السلطات والمجتمع، فأعتقد أن الإنسان لا يتناقض مع نفسه وإنما يغير رأيه لأن الحياة تتغير.

أعود إلى دولة محمد علي باشا وإبراهيم باشا، لماذا لم تأخذ طريقها في التاريخ؟ لأن هناك ظروف تاريخية كبيرة، الحكومة التركية ظلت لفترة طويلة معلقة لأنه لا يمكن أن نتحدث عن سورية الا ضمن ظرفها التاريخي ونتاج عشرات العوامل الخارجية.

 

*مظهر جركش: الوعي الشعبي يفرض على الحكومة أن تنفذ ما من شأنه الحفاظ على كينونة التطور الاجتماعي في ذلك المجتمع، أقول هل الشعب العراقي هو أدنى تطوراً من الشعب المغربي؟ وهل هو الذي فرض على نفسه ما هو فيه الآن؟ وإذا كانت الحركات التحررية كما طَرَحت المحاضرة،  تتكون غالباً عن طريق الحركات الأصولية، فالسؤال، هل الأصولية في العراق هي أدنى مما هي عليه المغرب؟

 

*د. أحمد برقاوي: في العراق مجتمع انتقل من السلطة العثمانية إلى سلطة آل هاشم وبدأت تتكون الدولة في العراق، كما أن تثبيت السلطات التي جاءت بعد الاستعمار استدعت النموذج الأوروبي في النظام السياسي، النموذج الأوروبي في النظام السياسي وجد صعوبة في البنى المتخلفة في العراق، مجتمع عشائري لذلك فالمدينة في العراق لم تنتصر انتصاراً حاسماً. وأي تطور خارج تطور المدن هو تطور غير حداثي، فمنذ أيام النظام الملكي الذي استعار النموذج الديمقراطي نشأ النموذج الأوروبي في النظام السياسي في السلطة العربية، وكل السلطات في الوطن العربي، نشأت عبر الحكم العسكري وتوالت الانقلابات العسكرية والصراعات على السلطة، وتوجهت بأن تحولت السلطة معتمدة على السلطة ذات الأيديولوجية القومية، العراق، الأيديولوجية الرسمية للدولة هي الأيديولوجيا القومية، وهذه عصبية، كل سلطة تحتاج عصبية، سواء كانت عصبية طبقية أو دينية أو أيديولوجية أو مناطقية ، .. ، الخ، السلطة تحتاج عصبية هاجس الاستمرار في السلطة فأعاد في العراق السلطة القبلية المناطقية فالعراق محكوم بعصبية ضيقة، لا يوجد خيار إلا الديكتاتورية ببساطة، فيما السلطة في المغرب (بالمناسبة، العائلة الحاكمة في المغرب عائلة مقطوعة الجذور) شريفة واستخدمت النسب الشريف، وأذكركم أن الثورة اليمنية التي قادها عبد الله السلال هي ثورة القبائل ضد الأشراف، الأشراف في أي منطقة كانوا ضعافاً لأن عصبيتهم تستمد من الإرث النبوي، وعندما تحولت العصبية من هذا الإرث إلى إرث قبلي مناطقي صارت أكثر تخلفاً وأقوى، هناك تعقيدات كثيرة بالنسبة لهذا التاريخ الواقعي بمعنى أن التاريخ الواقعي هو الذي حصل وليس التاريخ المتخيل الذي نقصّه على هوانا، التاريخ لا يُقص.

الأصولية في المغرب أضعف منها في العراق، والأصولية ضعيفة في كل الأنظمة الملكية لأسباب كثيرة، في العراق كان هناك حركة الإخوان المسلمين وأحزاب دستورية وحزب شيوعي كان قوياً وقاب قوسين أو أدنى من أن يستلم السلطة، نشوء حزب الدعوة الإسلامي في العراق كأنه شكل من الأشكال المعارضة الطائفية للنظام الذي له طابع سيئ، بمعنى من المعاني، فتفجرت التناقضات المختلفة في المجتمع العراقي الذي كاد أن ينتقل إلى مستوى أرقى، وهكذا وبالعودة إلى الوراء عبر التاريخ نلحظ أنه كانت لدينا نهضة، ثم نكوص، ثم بوادر نهضة سرعان ما انتهت، وهذا يدعو إلى التأمل  وتلك قضايا حساسة تحتاج إلى تعمق وتحليل دقيق لا مجال له الآن.

 

*فاتح جاموس: شكراً على ما قدمه الدكتور أحمد برقاوي في محاضرته، ولكن في الواقع جعلني في حالة من الالتباس الشديد، تحديداً حول النموذج الأكثر التباساً الذي تحدث عنه في مداخلته، الطبقة الوسطى ونموذج الدولة، الدولة الشمولية ونموذج الطغيان الذي يمكن مشاهدته في النموذج الطبقي البيني إن صح التعبير، وكم كنت أرغب أن يستمر في فك التباسات هذا النموذج، فكّها بالمعنى النظري والتاريخي، والإتيان بنماذج أكثر عيانية إن صح التعبير من النموذج التاريخي، الذي يمسك بكل تلابيب المجتمع، صغائر المجتمع نسبة إلى المجتمع المتطور بمعنى البنية العصرية والفلسفة التقنية والأيديولوجية، لا ليمسك بأصغر صغائرها وإنما بأكبر كبائرها، هناك عين، هناك أذن، هناك بندقية ربما أحياناً، هناك قبضة وضغط حراري في كل مكان، هناك تدخل عندما تحاول أي مجموعة أو أي حالة فردية حل مشاكلها بذاتها. المدنية في الفعل السياسي، أيضاً التباسات هذا النموذج وأخطرها، فكيف يمكن للقوى الصادقة بالمعنى الديمقراطي أن تفكّر بصورة صادقة في المجتمع المدني لتخلق حالة فكاك بين المجتمع المدني الذي أمسكت السلطات الشمولية فيه وضمته إلى ذاتها وانصهرت بداخله تماماً، هذا التباس هائل وخطير، عدم الافتراض النظري الدقيق وعدم الاعتراف بالممارسة الصحيحة والعينية والديمقراطية التي تمثل بأفضل وسائل العصر بالمعنى الأخلاقي والحضاري، هناك صعوبات كبيرة أمام أي حركة ولكن للأسف هناك نكوص في الممارسات العامة، كيف يمكن أن نقترب من حل هذه المسألة - الالتباس، هذه الدولة جمعت كل أشكال التناقضات في قلبها، وللأسف وضعت الوطن في لحظات كثيرة على حافة أخطر المخاطر كما جرى في أكثر من مرحلة في سورية، هناك إشكالية كبيرة بسبب نسف المجتمع بكل تفاصيله ويمكن أن يخلق مخاطر كبيرة من داخل ومن خارج الدولة، نحن الآن في مرحلة انعطافة من التطور التاريخي والزمني إن صح التعبير، فكيف يمكن أن نجري هذا الانفتاح بين المجتمع المدني والدولة التي التصقت به والتصق بها دون إرادته بالتأكيد، وإنما بإرادتها، نحن مقدمون في سورية خلال هذه المرحلة الانتقالية القصيرة ويجب أن نوظف مشهداً رائعاً بالصدق والحرص على أهم القضايا الصحيحة والتي تُثار لأسباب غير صحيحة وللأسف تكون حياناً خطيرة، ما هي هذه القضايا التي تُثار أحياناً لتعارض بين الديمقراطية وبين المجتمع المدني، وتُثار أحياناً مسائل مثل أن هناك تعارض ما بين المجتمع الديمقراطي والمجتمع ذو البنى المتخلفة وأعتقد أن تراجع العصبيات الأيديولوجية لصالح العصبية الطائفية من قبل الدولة أصاب النسيج الوطني، تُثار أحياناً قضايا العامل الخارجي الأكثر ضيقاً هذا موضوع صحيح وهذه قضايا ربما تكون أحياناً صحيحة لكنها تُثار لأغراض سيئة جداً وورائها مصالح، وأرغب شخصياً أن نتعظ من بعض التجارب، أولاً ندخل في تنافس حضاري راقي وأخلاقي لا أحد يريد إسقاط سلطة الدولة أي أن كل ما يريده البشر تغيير طابع السلطة من طابع شمولي إلى طابع ديمقراطي عصري وأخلاقي، والسلطة تتحرك أحياناً وأداتها الدولة، لكن الدولة لكل المجتمع، تعالوا نجرب وندخل في تنافس لنقنع السلطة أننا نريد تغيير، ليصبح هناك توافق مع بنية المجتمع، ثانياً لنفكّر كيف يمكن جعل المسألة الوطنية مسألة مركزية في بدايات تحركنا نحو صيرورة مجتمع مدني، تعالوا لنفكّر بالتنافس كي نكون مواطنين من الدرجة الأولى بعد ما انتهكت حقوقنا وربما غدونا مواطنين من الدرجة الثالثة بالمعنى الوطني.

 

*علي وراد: هناك تمفصل وتناقض بين السياسي والديني في مجتمعنا العربي، هذا التمفصل شكّل جوهر الأزمة تاريخياً في المجتمع العربي، هل ترى أن هذا التمفصل هو جوهر للأزمة أم لا، أنا أرى أن هذا التمفصل يُعاد إنتاجه منذ قرون عدة وحتى اجتماعنا هذا الذي يُراد له أن يخرجنا من الشرعية الثورية وأنت محق، لكي يمكننا من الدخول في حوار سلمي، عقلاني، علني، دينامي يلفُّ كل شرائح المجتمع من داخل السلطة وخارجها.

 

*د. أحمد برقاوي: أعتقد أن أي تحليل للوضع في المنطقة العربية يجب أن لا ينسى مسألة هامة هي أن الصراع السياسي ليس دائماً ذو أسباب طبقية واجتماعية واقتصادية، السلطة نفسها بالمناسبة موضع صراع من أجل السلطة، السلطة هيبة، السلطة قوة، ثروة، قرار،..، والانتقال من الصراع السياسي الطبقي إلى استلام السلطة هو مهمة جديدة في تاريخ السلطة وهناك مهام كثيرة تؤديها السلطة لكنها عجزت عن إنتاجها، لأن الصراع تم داخل السلطة السياسية، فكان الهدف الأساسي هو كيف يتم الحفاظ على السلطة وهذا ما أدى إلى الكثير من المشكلات اليومية... وهذا مأزق الوطن العربي والمأزق الخليجي بالمناسبة وليست أزمة نظام بعينه، ولو أردنا أن نفكر كيف نفك العلاقة بين السلطة والملكية، وفك العلاقة بين السلطة والثروة وفك العلاقة الطبيعية بين السلطة والمجتمع، كيف السبيل؟ الكثير لا يعرف كيف السبيل؟ ما هي الآلية؟ يا زملاء طرح الأهداف مسألة مهمة، آلية تحقيق الأهداف مسألة أهم، لذلك فالسؤال المطروح من عشر سنوات وحتى الآن في الوطن العربي من مثقفين ومفكرين ومن سامعين وقارئين هو (ما هو الطريق) أليس كذلك، ما هو الطريق الموصل، ثورة، تنمية، حل ديمقراطي، أما لو كان لديّ طبقات صاعدة تاريخية (مجتمع مدني) كالبرجوازية الفرنسية، والطبقة العاملة الروسية، فالطبقة الوسطى هي الحل ولكن ليس لدينا هذه الطبقات فمن أين نأتي بها.


 

دور الجمعيات الأهلية في التنمية*

الدكتور محمد سعيد الحلبي**

 

رياض سيف (تقديم )

صدر أمس بيان موقع من 99 مثقفاً سورياً وأديباً ومفكراً وفناناً يطالبون فيه بالحريات السياسية، وهذا يعطينا هامشا عريضا ودعما لهذا المنتدى الذي يعتبر مشاركة متواضعة في الطريق لبعث المجتمع المدني ومشاركة الشعب في البناء والتنمية وتكمن أهمية البيان من حيث أنه صدر من مفكرين وسياسيين ومثقفين مقيمين في سورية وله صفة العلنية والصراحة، وهذا الشيء كان محظوراً سابقاً.

(المحاضرة)

منذ أكثر من عشر سنوات وأنا على صلة وثيقة وفعالة بالعمل الأهلي التطوعي من خلال ثلاث جمعيات هي:

ـ جمعية تنظيم الأسرة السورية.

ـ جمعية أصدقاء دمشق.

ـ جمعية العلوم الاجتماعية والاقتصادية.

ـ ومؤخراً انتسبت إلى منظمة الهلال الأحمر السورية.

عرفت من خلال تلك الجمعيات شروط وأسس ومبادئ وأهداف العمل التطوعي الأهلي ودوره في المشاركة المجتمعية في تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية إلى جانب مؤسسات وهيئات الدولة الرسمية.

وكذلك عرفت من خلال تلك الجمعيات العوامل الإيجابية والعوامل السلبية التي من شأنها تحقيق أو عدم تحقيق أهداف العمل التطوعي.

ومن خلال عملي لسنوات طويلة في هيئة تخطيط الدولة في مجال التخطيط المركزي، ومشاركتي في العديد من أنشطة وفعاليات المنظمات الشعبية وخاصة منظمتي الاتحاد النسائي واتحاد شبيبة الثورة، وعملي لسنوات طويلة لدى عدة منظمات تابعة للأمم المتحدة في سورية واليمن ومصر والسعودية وتونس.

جعلتني أومن إيماناً راسخاً بأهمية دور المشاركة المجتمعية للجمعيات والهيئات الأهلية التطوعية في تنفيذ أهداف وبرامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبأنه لابد من تحقيق شرطين أساسيين هما:

1ـ المشاركة الشعبية لمختلف شرائح المجتمع.

2ـ الشفافية بين أجهزة ومؤسسات الدولة والجمعيات والهيئات الأهلية التطوعية.

وذلك في تصميم وإعداد وتنفيذ وتقييم مختلف برامج وأهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
مقدمة: تزداد أهمية التنظيمات والهيئات الأهلية بازدياد حاجة المواطنين للخدمات، نتيجة للتقدم الاقتصادي والاجتماعي فهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتقدم الحضاري للمواطنين وسعيهم الحثيث لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومشاركتهم الإيجابية للجهود الحكومية في التنمية ومهما تعدد أشكالها وأنواعها فإن فلسفتها الأساسية تقوم على الآتي:

1ـ تكملة دور الحكومات والتنظيمات الرسمية في تقديم برامج الرعاية والتنمية.

2ـ السعي لحل مشكلات قائمة في المجتمع.

3ـ القيام بمبادرات ذاتية للنهوض بالمجتمع ورعاية أفراده.

4ـ تقديم أساليب ونماذج يمكن أن تتبناها الحكومات بعد إثبات نجاحها.

5ـ الاستفادة من الخبرات المتاحة لدى أعضاء تلك المنظمات والهيئات.

6ـ تفجير الطاقات الكامنة لدى الأفراد، وتوظيف الخبرات التطوعية بصورة جيدة.

7ـ الاستفادة من القدرات الذاتية واستثمارها لخدمة المجتمع.

8ـ تنظيم الجهود التطوعية في أعمال جيدة ومفيدة ومنظمة.

9ـ تحقيق مبدأ الاعتماد على الذات والتسيير الذاتي والتمويل الذاتي كلما أمكن ذلك.

10ـ تحقيق رؤية مستنيرة ومعبرة نحو المستقبل.

وانطلاقاً من تلك الفلسفة والأسس التي تقوم عليها التنظيمات والهيئات الأهلية التطوعية فقد برزت أهمية دور العمل الاجتماعي الشعبي التطوعي كوسيلة فعالة للنهوض بالمجتمع لتحقيق طموحاته وأهدافه المنشودة للدولة والشعب على السواء.

ولقد أصبح العمل الاجتماعي الشعبي التطوعي كأحد أهم مرتكزات تنفيذ أهداف واستراتيجيات الخطط التنموية في شرق الأرض وغربها وف البلدان المتقدمة والنامية على السواء.

ولقد برزت في علوم الاجتماع والتنمية مصطلحات عديدة حول المشاركة الشعبية والتطوع مثل: المشاركة المجمعية، الجهود الذاتية، الخدمة الاجتماعية، الاعتماد على الذات وغير ذلك من المصطلحات.

وأصبحت هناك علوماً تهتم بدراسة وتقييم أعمال التنظيمات والهيئات الأهلية التطوعية من خلال معايير وأسس علمية تهدف إلى تصحيح مسارها وضمان تحقيق أهدافها وفق أفضل الأساليب.

كما تدرجت تلك التنظيمات من محلية على مستوى الحي أو القرية إلى وطنية (قومية) إلى إقليمية إلى دولية وبرز العديد من التشريعات لتنظيم ذلك.

واستناداً إلى ذلك فقد اعتبر علماء الاجتماع والتنمية بأن تلك التنظيمات والهيئات محور الارتكاز لتنمية المجتمع والرافد الهام والأساسي لجهود الدولة في تنفيذ أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهي الوسيلة الفعالة للاستفادة من الطاقات البشرية بشكل بناء وصحيح لما تقوم به من أعمال جليلة ذات نتائج وكفاءة عالية، كما أنها ذات أثر كبير في تقليل الاعتماد على موازنة الدولة وتحويل فئات من المجتمع إلى مؤسسين وقادرين على تحويل طموحاتهم البسيطة إلى واقع فعلي سواء كان ذلك على مستوى تنمية المجتمع المحلي أو الوطني أو الإقليمي أو الدولي.

وسنتناول بشيء من التفصيل المرتكزين الذين تقوم عليهما مختلف أشكال وأنواع التنظيمات والهيئات الأهلية الشعبية وهما:

ـ مفهوم المشاركة الشعبية (الاجتماعية).

ـ مفهوم العمل التطوعي الذاتي.

ثم سنتناول واقع التنظيمات والهيئات الأهلية التطوعية في الجمهورية العربية السورية بشكل عام وتوزعها بين مختلف المحافظات. راجياً أن يكون هذا البحث بمثابة ورقة عمل للندوات والمؤتمرات الخاصة لرسم سياسات واستراتيجيات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في وطننا الحبيب.

الشروط التي يجب توفيرها في عمل الهيئات والمنظمات الأهلية التطوعية

1ـ أهمية وضوح أهداف وغايات الجمعية أو الهيئة.

2ـ تخطيط جيد لتحقيق الأهداف، واتفاق على المشروعات، ووضوح لقواعد العمل وخطوطه، والتزام الأعضاء بتنفيذ ما يتفق عليه.

3ـ تنظيم جيد لأعمال المتطوعين خاصة ما يتعلق بالعضوية الاشتراكات ـ الاجتماعات ـ توزيع المسؤوليات سلطة الإشراف ومتابعة أعمال العاملين واتخاذ القرار وغير ذلك.

4ـ تحديد الأدوار بين العاملين المتطوعين.

5ـ توصيف وظيفي للعاملين، وتحديد لحجم العمالة وفق الأعمال المطلوبة.

6ـ تحديد المسؤول المتطوع (رئيس ـ سكرتير عام) للإشراف على العمل.

7ـ وضع نظام للرقابة الداخلية والالتزام بالتطبيق على الجميع بدون استثناء.

8ـ وضع لوائح داخلية تنظم إجراءات العمل وما يتعلق بتعيين العاملين وعقودهم ونظام الترقي بجانب نظام مالي محكم يحدد المسؤوليات.

9ـ إعداد التقارير الورقية عن الإنجازات.

10ـ وضوح في عملية اتخاذ القرار.

وبذلك تتهيأ الفرص لعمل تطوعي منظم، ينمو وينجح في تنفيذ الأهداف، وتكثر الموارد، وتشجع التمويل الذاتي والمجتمعي، وتتسع قاعدة التطوع ويستمر الأداء في اتساق ونجاح.

بعد ذلك ـ من هو المتطوع إذاً؟

المتطوع هو شخص إيجابي يؤمن بفكر معين، واقعي النظرة، متعايش مع ظروف بيئته ومجتمعه، يحس بإحساس الجماهير، يقدس العمل العام، لديه الاستعداد للمشاركة الإيجابية في رفع المعاناة، يسعى من خلال التعاون مع أقرانه لدراسة الاحتياجات وتوفير الإمكانات للتغلب على المشكلات، وبذا يحقق ذاته ويسهم في توفير حياة أفضل في مجتمع أسعد.

التنظيمات والهيئات الأهلية التطوعية في الجمهورية العربية السورية

أولاً ـ تطور التنظيمات والهيئات الأهلية في الجمهورية العربية السورية:

تباينت اتجاهات وأنواع وأغراض المنظمات والهيئات الأهلية في الجمهورية العربية السورية تبعاً لطبيعة وخصائص المراحل التاريخية التي مرت بها.

1ـ مرحلة ما قبل الاستقلال بدأت على شكل نشاطات أهلية يقوم بها أفراد بدافع ذاتي وعلى أساس من الشعور بالواجب وعمل الخير، ولقد ساهمت تلك المنظمات والهيئات بتقديم المعونات والمساعدات الخيرية لتخفيف الآلام والبؤس عن أولئك الفقراء والمحتاجين والمرضى والمواساة المعنوية والمادية ولقد بقيت خدمات الجمعيات الخيرية في غالبيتها (خلال مرحلة ما قبل الاستقلال) مطبوعة بالطابع الفردي أو مقصورة على فئات معينة ولمجالات محدودة. كما كان أغلب الخدمات موجهة لحل المشكلات الطارئة أو لمعالجة بعض الأوضاع في بعض الأحياء أو القرى.

وقد تأسس في تلك الفترة العديد من الجمعيات والنوادي الخيرية لمساعدة وتحسين مستوى بعض الأحياء والقرى والطلاب والنساء والمهنيين وغيرها.

2ـ مرحلة ما بعد الاستقلال الوطني: تطور عمل المنظمات والهيئات الأهلية تبعاً للتبدلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث ظهرت تيارات واتجاهات تنادي بالإصلاح الاجتماعي ووضع أنظمة التكامل والتكافل الاجتماعي، ومن بينها مسألة الرعاية والخدمة الاجتماعية وقد نادت هذه التيارات والاتجاهات بضرورة اعتبار رعاية الفئات المحتاجة والمعوقين بالذات واجباً وطنياً. كما طالبت بضرورة تطوير وتعديل تشريعات وأنظمة الضمان الاجتماعي، وبناء على ذلك فقد طلبت الحكومة السورية من مكتب العمل الدولي في عام 1957 تقديم مساعدة فنية في موضوع الضمان الاجتماعي.

وتمت دراسة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في سورية وبتاريخ 6/4/1959 صدر قانون التأمينات الاجتماعية رقم (92) الذي اعتبر في حينه السبيل الأفضل للتكافل الاجتماعي. وقد أقرت الحكومة آنذاك الأخذ بنظام التأمينات الاجتماعية وتطبيقه على مراحل، ثم تتابعت القرارات والمراسيم التي تنظم موضوع التأمين الصحي وتأمين الشيخوخة والعجز والوفاة ومراسيم وقرارات تحدد المستحقين للمعونات المالية والتعويضات وقواعد إنشاء مؤسسات الرعاية الاجتماعية للمعوقين جسدياً واجتماعياً.

وبناء على تلك الأنظمة فقد تأسس العديد من الجمعيات والمؤسسات الخيرية التي قام بها الأهلون بدافع ذاتي للقيام بأداء خدمات اجتماعية لا يقصد من ورائها الربح المادي. وقد تتابع الجمعيات والمؤسسات الخيرية، وازداد عددها وتعددت أدوارها ووظائفها وتوزعت على مختلف أنحاء القطر بشكل متفاوت من حيث العدد والأغراض والأهداف وذلك نتيجة لعدة اعتبارات تتعلق بصورة أساسية بطبيعة البنى الاقتصادية والاجتماعية السائدة في تلك المناطق.

3ـ مرحلة الإشراف على مختلف نشاطات وأعمال الجمعيات والمؤسسات الأهلية وتقديم الدعم والتوجيه لها لضمان استمراريتها في تقديم خدماتها جنباً إلى جنب مع المؤسسات الرسمية ويتم هذا الإشراف من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل من خلال مؤسسات رسمية أحدثت لهذا الغرض لمتابعة كافة نشاطاتها وأعمالها.

وفي عام 1974 تحددت أنظمة الجمعيات والمؤسسات الأهلية في ثلاثة عشر بنداً تضمنت الإطار الذي يتوجب على الجمعيات والمؤسسات الأهلية العمل بموجبه.

ومما لابد من الإشارة إليه بأن تلك التنظيمات والمؤسسات الأهلية قد أسهمت خلال مراحلها الثلاثة في تقديم العديد من الخدمات على مستوى الأفراد والأسر وبعض القرى والأحياء وعلى المستوى الوطني حيث أقامت العديد من أبنية المساعدة الخيرية الصحية والتعليمية والخدمية كما رفعت البؤس والشقاء عن فئات لا بأس بها عن المواطنين.

وكان هدف من أنتظم بتلك التنظيمات والمؤسسات عمل الخير والإحسان وليس الربح المادي. لذلك يمكن اعتبارهما بمثابة راقد ومكمل لما تقوم به الدولة من خلال مؤسساتها الرسمية لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

المنظمات غير الحكومية التابعة للأمم المتحدة:

لقد حرصت الأمم المتحدة كل الحرص على ربط علاقات متينة ووثيقة مع المنظمات غير الحكومية من خلال المجلس الاقتصادي والاجتماعي ومن خلال الوكالات المتخصصة.

فقد قام المجلس الاقتصادي والاجتماعي بتشكيل لجنة خاصة تقترح على المجلس أسماء المنظمات غير الحكومية التي تستحق الصفة الاستشارية وتنقسم هذه المنظمات إلى فئات ثلاثة:

ـ الفئة الأولى: هي ذات النشاط العام الذي يغطي اهتمامات المجلس كافة، وهي ليها حق حضور الجلسات وهيئات المجلس المتفرعة عنه، وإدراج بنود في جدول الأعمال، والتدخل في المداولات لعرض آرائها، وكذلك تقديم مقترحات كتابية للمجلس، وتوزيعها على الدول الأعضاء وأمثلة على هذه الفئة الغرفة الدولية للتجارة والكنفدرالية الدولية للنقابات الحرة، والرابطة الإسلامية الدولية وغيرها.

ـ الفئة الثانية: فهي التي تختص بمجالات معنية، ولها حق حضور جلسات المجلس، وعرض آرائها كتابة، والمشاركة في بعض الحالات بالمداولات.

وأمثلة على هذه الفئة منظمة العفو الدولية واتحاد الحقوقين العرب، جمعية القانون الدولي، المنظمة العربية لحقوق الإنسان وغيرها.

ـ الفئة الثالثة: ويعبر عنها بالفئة المدرجة في السجل (Roster) فهي تلك الفئة التي يتوقع أن تساهم في تقديم العون للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، وأن لها صفة استشارية في إحدى الوكالات المتخصصة للأمم المتحدة، وليس لهذه الفئة حق الحضور والاشتراك في المداولات، وإنما يجوز دعوتها حين الحاجة.

وأمثلة على هذه الفئة الاتحاد الدولي للقضاء، الفدرالية الدولية للصحفيين الأحرار، مجموعة حقوق الأقليات وغيرها.

ويبلغ عدد المنظمات غير الحكومية من الفئة الثالثة المبينة أعلاه والتي لها صفة استشارية في الوكلات المتخصصة قرابة الـ /270/ منظمة.

ولا تعامل المنظمات غير الحكومية بصفة عامة ومن وجهة نظر القانون الدولي معاملة المنظمات الحكومية حيث لا يتمتع موظفوها بالامتيازات والحصانات التي يتمتع بها الموظفون الحكوميون وممثلوا الدول لدى هذه المنظمات إلا أن بعض الدول تمنح تسهيلات خاصة لبعض المنظمات غير الحكومية ويحدد اتفاق المقر في الغالب نوعية وحجم التسهيلات التي تقدمها دولة المقر للمنظمة.

المنظمات غير الحكومية التابعة للجامعة العربية:

إن المواطن العربي حاول كثيراً وعبر سنين طويلة العمل من خلال مؤسسات العمل الأهلي التطوعي بكافة أشكالها.

وقد ساهمت هذه المؤسسات إلى درجة كبيرة في أن تكون رافداً هاماً وشريكاً أساسياً في حركات التحرر الوطني والاستقلال.

وقد صدرت تشريعات تلو التشريعات من قبل العديد من الدول العربية لتشكيل العديد من المنظمات ذات العمل العربي المشترك.

ولا يوجد أدنى شك لدى الباحث في المنظمات العربية المشتركة بأنها نشأت بأهداف نبيلة، وأغراض سامية، لخدمة طموحات الأمة العربية بتحقيق التقدم والاستقرار والعدالة.

فقد نصت غالبية الدساتير والأنظمة الأساسية لتلك الجمعيات والتنظيمات على أن هدفها الاستراتيجي هو الوحدة العربية، وأن منطلقاتها وبواعث وجودها إنما جاءت لوجود أرضية وقناعة مشتركة بأن البعد القومي هو أساس وجودها، وأنها تسعى فيما تسعى إليه إلى ترسيخ أفكارها الوحدوية عن طريق الممارسة الجادة. ولعل الأمر هنا لا يرتكز فقط على المؤسسين فحسب، ولكن هناك العديد من المنظمين لهذه الجمعيات والتنظيمات لازالوا يستمرون ويؤمنون بهذا الاتجاه على أساس أنه هدف استراتيجي وليس بنداً من البنود. وبالتالي فإنه لا مجال للتشكيك بالنوايا ـ حسب تصورنا ـ ولا مجال للتقليل من الإنجاز. ولكن المسار لم يكن سهلاً على الإطلاق، بل أن مسار تلك الجمعيات في سبيل تحقيق الهدف وما تصبو إليه كان كتقلبات الجو السريعة.

ولا زال الدور الذي تقوم به الجمعيات الأهلية على المستوى العربي ـ مع استثناءات بسيطة ـ دون مستوى الطموح الذي سطرته، لوائحها، ودساتيرها، وأنظمتها الأساسية، وهو السعي نحو ترسيخ الممارسة الفعلية لسلوك الوحدة عبر التنظيمات الأهلية العربية.

المداخلات والتعقيبات:

عقبة الناعم: لماذا الإصرار على تسمية الجمعيات الأهلية التطوعية والابتعاد عن مصطلح مؤسسات المجتمع المدني؟ , الواقع أن هذا المصطلح تعًرض بوقفة نقدية واضحة، فمنذ بضعة أشهر أقامت جامعة دمشق ـ قسم الدراسات الفلسفية ـ في كلية الآداب ندوة حول المجتمع المدني والمشروع القومي, وقد حضر هذه الندوة عدد من الباحثين من سورية والوطن العربي، الواقع أنه لم نجد لدى كل الباحثين مفهوم نظري واضح لتعريف مؤسسات المجتمع المدني وعلاقة هذه المؤسسات مع الدولة. البعض يرى أنها تعمل خارج نطاق عمل الدولة تماماً، والبعض يراها تعمل كمتممة لعمل الدولة والبعض الآخر يراها تقوم بدور المراقب لأداء الدولة الواقع أنه وحتى الآن هذه المفاهيم غير واضحة.

وسؤالي هو في حال عدم استجابة الدولة لما تطرحه مؤسسات المجتمع المدني أو الجمعيات الأهلية وفي حال وجود تعارض أو عدم موافقة من الدولة وافتراق بين السياسات العامة للدولة وبين ما تطرحه هذه الجمعيات والمؤسسات ماذا يجب على هذه الجمعيات أن تفعل؟

محمود قيسانية: أنا غير مثقف، أنا فلاح من حران العواميد, ولديً سؤال: قبل أن نبدأ بالجمعيات وغيرها, هل الإنسان في الوطن العربي مواطن أم رعية؟، إذا كان مواطناً فيحقًُ له أن يؤسس جمعيات وأن يفعل ما يفعل، أما إذا كان رعيًة فأعتقد أنه لا يحق له أيً شيء.

مظهر جركش: أنا أقول أن أهم دافع للإنسان كي يتعاون مع أخيه الإنسان هو الدافع الإيماني, لذلك نرى أن معظم الجمعيات في العالم هي جمعيات خيرية إيمانية جاءت استجابةً لطلب من السماء, ففي الإسلام يقول الرسول عليه السلام( الإيمان بضع وسبعون شعبة أقلًها إماطة الأذى عن الطريق)، وكذلك (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه)، إن الإيمان هو الدافع الأول والأخير والوحيد ليحرًض الإنسان كي يقوم بعمل خير دون أن يسعى منه لمكسب أو ظهور ، كنت أتمنى لو أشار السيد المحاضر إلى الدافع الديني, فقد أغفله رغم أهميته الكبرى.

أما قضية التأمينات الاجتماعية والتأمين والمعاشات فأرى أنها باتت مؤسسات تجارية, فالعامل يقتطع من راتبه 7% عدا الضريبة ويدفع رب العمل 14% من راتب العامل فيكون المجموع 21% وفي نهاية الخدمة يعطى العامل 10%, وأرى أنه لو أعطي ما أقتطع منه ومن رب العمل دفعة واحدة لقام بمشروع ما واستغنى عن الراتب التقاعدي ولعاش بحال أفضل من الحال الذي كان يتقاضى فيه راتبه وهو على رأس عمله.

د. عارف دليلة: الجمعيات هي إحدى تنظيمات المجتمعات الحديثة, وقد كان هناك سابقاً جمعيات التعاون في مواجهة أخطار الطبيعة مثل الكوارث والتعاضد للخروج من مأزق أو كارثة إلخ, في المجتمعات المدنية تم تنظيم هذا التعاون، وقدازدهر المجتمع الرأسمالي بمقدار ما كان النشاط التعاضدي يتعمًق وينتصر ويتسع ويتطور، لماذا؟, ردأً على إهمال النظام الرأسمالي للإنسان، فقوانين الرأسمالية أدت إلى تهميش الأغلبية الساحقة من الشعب والناس والبشر, وأدت إلى تحويل الإنسان إلى آلة إنتاج, وبدأ البشر يتضافرون من أجل المساعدة المتبادلة, ولذلك نشأ الفكر التعاوني في القرن الماضي على أيدي عظماء المفكرين الاشتراكيين وغيرهم0 أول جمعية نشأت في هذا الإطار كانت في بريطانيا التي أصبحت الآن إمبراطورية اقتصادية ضخمة, إلا أنها إمبراطورية رأسمالية في جوهرها بنهاية المطاف، اجتمع الأعضاء لحل مشاكلهم إلا أنهم كانوا مجبرين في إطار النظام الرأسمالي أن يكيًفوا نظام عملهم وفق قوانين هذا النظام, وإلا لن تكون هناك حياة لهذه التنظيمات التعاونية0 حالياً نلاحظ هَبةٌ جديدة في المجتمع الرأسمالي من خلال الوعي لدى الناس, فبالأمس واليوم شاهدتم على التلفزيون المظاهرات الصاخبة في براغ، هذه هي عولمةُ نقيض العولمة التي كنا نتخوف منها ـ العولمة الأمريكية (الأمركة)- هذه عولمة الشعوب حيث يجتمع أبناء مختلف الشعوب لمحاصرة ممثليهم في هذه المنظمات الدولية التي تعتدي على حقوق الإنسان في كل مكان وهذه هَبةٌ جديدة من الوعي, لنقل أنها جانب آخر للعولمة، الجانب الخير من العولمة ، و بالطبع فأرباب العولمة لم يكونوا يخططون لذلك ولم يكن ينتظرون ذلك، فعندما يقوم أبناء العالم الرأسمالي ويرفعون شعاراً رئيساً اسقطوا الديون عن العالم الثالث ف\لك شيْ لم نكن نتخيله، كنا نقول سابقاً أن الرأسمالية تقوم برشوة شعوبها من أجل نهب الشعوب الأخرى, ولذلك خمد الصراع الطبقي بمجتمعاتها0 الآن أبناء المجتمعات الرأسمالية استطاعوا أن يقوموا بذلك ونحن غافلون عن مصالحنا، نحن لا نطالب بإلغاء الديون وهم يقومون ويحاصرون أرباب الرأسمالية العالمية ويطالبون القوى الرأسمالية الغربيةمن أجل إلغاء الديون عن الدول والشعوب الفقيرة.

لماذا تشهد تلك المجتمعات هبًة جديدة من الوعي بينما في مجتمعاتنا لا يستطيع البشر أن يدافعوا عن حقوقهم التي تنتهك من القوى المحلية والإقليمية والدولية صباح مساء، نحتاج إلى تفسير هذه الغيبوبة، إن السيد المحاضر لم يربط بين تغير نشاط هذه الجمعيات وتطور نشاط الدولة، فالدولة التي أرادت أن تغًير البشروتبعدهم عن مسؤولياتهم لفترة طويلة من الزمن, فحلًت الأجهزة الحكومية، ثم أرادت أن تقنع البشر بأننا نحن الأفضل00نحن المسؤولين في الأجهزة الحكومية الأفضل في خدمة وتحقيق أماني وطموحات وتحسين ظروف الشعب, لكن الآن لم يعد ممكناًالدفاع عن مثل هذه النظرية التي تقول بأنه يمكن للدولة أن تحل محل المجتمع, وبالتالي لا يمكن للمجتمع أن يبقى غائباً لأن الدولة فشلت في حل مشاكل المجتمع بل أصبحت هي السبب الرئيسي في المأزق الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه الجماهير. كيف يمكن أن تعود حالة من الاعتراف بالآخر, فالمجتمع يعترف بدور الدولة ولا يمكن إلغاء هذا الدور، أيضاً على الدولة أن تعترف بالمجتمع بدلاً من محاولتها ابتلاعه أو الحلول محله,  فيجب أن نعطيه كل ما يحتاجه من دعم ليعود الربيع مزهراً ويعود المجتمع لحياته ونشاطه.

في سورية 550 جمعية و17 مليون نسمة 0هذا أمر لا يذكر ، لماذا 550 جمعية فقط؟ كم عدد الأعضاءفيها؟ ما هي الخدمات التي تقدمها؟ يجب أن يكون هناك5500 جمعية, بدلا من 550جمعية, لأنه منذ زمن طويل صدرت توجيهات, بالرغم من وجود قانون سار وصدرت تعليمات غير مكتوبة وغير معروفة المصدر تعطل القانون كما تم تعطيل بعض مواد الدستور وأوقف العمل بها.

قانون الجمعيات ينص على أن أي جماعة تريد إنشاء جمعية فيجب أن تضع نظاماً داخلياً وفقاً لنص القانون وتتقدم به لديوان وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل, وخلال 30 يوماً, إما أن يصدر قرار الترخيص الرسمي أو لا يصدر وتعتبر الجمعية وفقا لذلك مرخصة قانونياً وهذا القانون ساري المفعول حتى الآن، ومع ذلك حاولنا تأسيس جمعية قبل سنوات عدة وقمنا بتنفيذ كل الشروط القانونية ووضعنا النظام الداخلي وسجلناه في ديوان وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وقابلنا الوزير ولم يرد علينا أحد, ونحن بحكم القانون نعتبر أنفسنا مرخصين غيرأننا فعلياً ممنوعين من العمل. نحن بحاجة إلى إصلاحات جذرية في موقفنا من العمل الأهلي والتطوعي0لقد شوهت أهم حركة تعاونية في سورية، شوهت تشويهاً فظيعاً عندما حولت لأجهزة بيروقراطية تدار من قبل مديريات ووزارات وموظفين، فالجمعيات التعاونية الآن يفر منهاالمجتمع وكذلك الجمعيات السكنية والزراعية إلخ . . نفروا منها لأنها بدلاً من أن تكون قادرة على حل المشكلات التي يعانوا منها أصبحت عبئاً عليهم وامتصت كل مدخراتهم وتسلط عليها مجالس إدارة قامت بنهب مدخرات الناس, والجمعيات الفلاحية الزراعية تسلط عليها أيضاً مجالس إدارة حولت القروض من المصرف الزراعي إلى قلة من الأعضاء وحرم الآخرون، هناك الآن نكسة ضخمة جداً للعمل الأهلي  والجمعيات التعاونية والسبب الرئيسي لهذه النكسة, كما قلنا, الهيمنة الزائدة عن الحد للبيروقراطية الحكومية التي أخمدت التعاون الفطري لدى الناس, وبالتالي قالت لهم أجلسوا في بيوتكم, نحن نقوم عنكم بكل ما هو مطلوب, وبدلاً من أن يقوموا بما هو مطلوب قاموا بعكس ما هو مطلوب, نحن نحتاج إلى وعي جديد أولاً وموقف جديد من قبل السلطة من كل أشكال العمل الأهلي لإحياء النفوس الميتة بسبب التراكمات على مدى سنوات طويلة.

جلال نوفل: الواقع أن الدكتور الحلبي تحدث عن تفصيلات مهمة عن الأمم المتحدة وعلاقتها بالجمعيات الأهلية والجمعيات المحلية والجمعيات غير الحكومية، المشكلة هو في إشراف الدولة على هذه الجمعيات في سورية، وعندما بدأت الدولة بالإشراف على الجمعيات نشأت مشكلتان : الأولى تهميش الجمعيات وبالتالي تهميش كافة مؤسسات المجتمع المدني ونتحدث الآن عن إحياء مؤسسات المجتمع المدني فهل سيكون هذا الإحياء من خلال الدولة؟, والمشكلة الثانية ما هي الجمعيات الطوعية التي كانت موجودة ومن خلال الاشراف عليها تم تهميشها لصالح أجهزة الدولة, لم تتحول إلى جمعيات أهلية وإنما تحولت لأشكال كثيرةمن النهب. لم نعرف حتى الآن ما هو الإطار التي وضعته وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لها؟ قد يكون هذا الإطار موجود قانونياً, ولكن لا علم لنا به ولكن في الوقت نفسه هذا الإطار قد قيد عمل الجمعيات، فجزء من الشروط والمعوقات التي تحدث عنها المحاضر هي لا تتكلموا لا تتجاوزا الخطوط الحمر.

إن آلية التدخل في عمل الجمعيات وتمويلها وتحويلها لأجهزة هذا الشيءهو الذي يجب التوقوف عنده وعدم تجاوزه.

الدكتور وليد البني: قد لا تكون المحاضرة ملبية لطموحات الناس بغض النظر عن فائدتها, الناس جميعاً يريدون مناقشة المجتمع المدني في سورية. وهل هو موجود أو غير موجود، كيف نستطيع أن نفعل هذا المجتمع؟.

من خلال المحاضرة استمعنا إلى لمحة تاريخية عن المنظمات الأهلية والمجتمع المدني في سورية وغيرها وأردت أنا أن يكون هناك مقارنة بين علاقة شكل النظام مع جمعيات المجتمع المدني وتطورها ونموها، ونسأل هل استطاعت تلك الجمعيات أن تؤدي الأغراض التي أرادها لها المجتمع المدني؟ هل كانت الجمعيات الأهلية في سورية بهذا الخمول الموجودة فيه الآن قبل عام 1958 عندما كان هناك هامش ديمقراطيي مقبول،  هل ضعفت فاعلية هذه الجمعيات عندما وضعت  تحت إشراف الدولة وتحت وصايتها, هل كان هناك خلط بين الدولة والسلطة؟ أن إشراك الدولة لم يكن بالأمر الجيد، أليست الدولة هي مجموع السلطة زائد مؤسسات المجتمع المدني من جمعيات أهلية وأحزاب ومنظمات أخرى؟..

أصلان عبد الكريم: ما العلاقة التي يجب أن تكون بين الحقلين الاجتماعي والسياسي؟, وهل ما يقوم به الحقل الاجتماعي هو فقط ما تتخلى عنه آليات الحقل السياسي وتعجز عنه فتتركه وتتخلى عنه أم على العكس تماماً؟, يجب بناء المجتمع المدني بآليات تشكل نواة لبنى المدارس وأنشطة الإدارة والعمل وصولاً إلى الإدارة الذاتية على صعيد المجتمع ككل، لابد من وجود أداة تعبر بالضبط عن الناس والدولة أياً تكن هذه الدولة ومهما تكن ديمقراطيتها ولو كانت في أحسن حالاتها مثل السويد والنرويج وفلندا, لابد لها أن تذهب المذهب التاريخي في نهاية المطاف.

هناك ملاحظة هي حرب المصطلحات التي نسمع بها, يقول بعضهم أن من يتحدث عن المجتمع المدني لا يَعرفه ولا يُعرفه ونريدالوصول إلى تعريف محدد له وعلينا أن نأخذ بعين الاعتبار المسافة الفاصلة بين منظمات وجمعيات قامت ما قبل الرأسمالية وبين منظمات واتحادات قامت فيما بعد الرأسمالية.

هل يمكن القيام بنوع من المقارنة أو المشابهة أو المماثلة بين العضوية البيولوجية والعضوية الاجتماعية؟ وأقول مشابهة وليس مماثلة وبالتالي ما الذي يمكن أن تقدمه مؤسسات المجتمع المدني للمجتمع؟ وأخيراً العلاقة بين المركزية واللامركزية, ففي العقود الأخيرة بنيت  العلاقة بين السلطة والمجتمع على المركزية ونحن نعلم جيداً أن المجتمعات الحديثة التي تكون فيها المتجمعات المدنية قد تطورت ونمت ووصلت لأرقى الدرجات هي بالضبط تلك التي بدأت تتجه نحو اللامركزية كفرنسا وألمانيا وسويسرا وإيطاليا

ثائر سلوم: طرح الدكتور المحاضر عدة قضايا, جميعها تثير أشياء كثيرة جداً، أنا أعتقد أن المحاضر تناول موضوع الجمعيات الأهلية ودورها في التنمية مع أن عنوان المحاضرة يشير بشكل واضح وصريح الىدور هذه الجمعيات من أجل التنمية, والتنمية هي شعار سياسي واقتصادي بنفس الوقت, ولا نستطيع أن نعزل دور هذه الجمعيات عن الأهداف التنموية كونها قد تسد فراغات معينة في المجتمع.

 وما دامت المسألة تعتمد على التطوعع بمعنى أن الإنسان الذي يقوم بمهامه في الجمعية الأهلية يمتلك عملا آخر يستطيع أن يكسب لقمة عيشه منه. ولكن في وضع اقتصادي صعب حيث المواطن يعمل دائما عدة أعمال وكل ساعات وقته مشغولة، فانه لا يملك وقتا للفراغ كي يقوم بهذا الدور الذي تتحدث عنه, والسؤال بشكل مباشر كيف نستطيع أن نفعل دور الجمعيات الأهلية في ظل وضع اقتصادي كهذا, نستطيع أن نتحدث عن أفكار يمكن أن تطرح فأنا أعتقد أن المنظمات الشعبية في سورية بعيدة عن النشاط السياسي الذي نعرفه جميعا, ودورها الاجتماعي مطروح في إطار التنميةوتحديداً  هي تمارس هذا الدور بشكل أو بآخر, لكنها تعتمد في عملها على الشرائح الذين هم في سن المراهقة ومازالوا بعيدين عن المسؤوليات العامة,فهل نريد جمعيات أهلية لمراهقين أم نريد جمعيات أهلية لها أهداف حقيقية ؟في الحقيقة أن الذي ذكره المحاضر عن الجمعيات الأهلية في سورية قد أثارني وفاجئني فعدد الجمعيات الأهلية توقعته أقل بكثير من ذلك. فما هو الدور الذي تقوم به هذه الجمعيات؟ هل قامت بأعمال معينة؟ هل سدت فراغات معينة في المجتمع؟ هل فعلاً قد حققت أدوارها التنموية؟.

رياض سيف: لابد للعمل الطوعي أن يعتمد على الحاجة الفطرية عند الإنسان التي تكمن في العطاء فالعطاء حاجة فطرية يمكن أن تحفز وتحرض بفعل المحيط الاجتماعي والمعتقدات والعادات والتقاليد، لكن الذي نتوقع منه العطاء, لابد أن يملك على الأقل شعورا بذاته فالإنسان الذي يجب أن يعطي يجب أن يحترم نفسه أولاً فهو يعطي فائض ما يحتاج0 فلا يمكن أن أكون محتاجاً لرغيف خبز وأنا أعطي الرغيف. إن العطاء بتصوري بحاجة إلى مناخ ديمقراطي من حرية التعبير والحريات السياسية, وهذا ضروري وبحاجة أيضاً لمجتمع منظم, فأنا عندما أريد أن أعطي يجب أن أعرف أن العطاء ذهب إلى المكان الصحيح أي أن لا يذهب إلى غير الهدف الموضوع له.

وأركز على ناحية الصدقات، وفعل الخير شيء جميل جداً تحرض عليه وتدعو له الأديان, لكن يجب أن لا يكون بالنتيجة مصدر إذلال لفقير نحن أفقرناه بالذات، أنا بالأساس قبل أن أعطيه صدقة أقول له أي نوع من الصدقات تريد, وهذا لابد أن يترك عند المتلقي نوعا من الدونية، فأنا قبل أن أعطي الصدقة علي أن أعطيه حقوقه كاملة, وبعد ذلك لا أقدم له صدقة إذا لم يكن هناك عجز أو ظرف طارئ أو حالات قاهرة0 نحن نعطيه معونة وهذا حقه في مجتمع متضامن, أما في كثير من الأحوال فالصدقات تتحول إلى نوع من الإذلال وهذا طبعاً شيء نرفضه جمعياً حتى الأديان ترفض هذا النوع من الإذلال للإنسان الذي كرمه الله.

محمد سعيد الحلبي: الجمعيات هي عنصر من ضمن قائمة عناصر أخرى تكون المجتمع المدني, الدكتور برهان غليون يقول وأنا معه أن عناصر المجتمع المدني هي النقابات والنوادي والعشائر وتجمعات أهالي الحي فكلها عبارة عن مكونات تسهم في المجتمع المدني، وهناك نقطة حساسة جداً يدور حولها الجدل, وهي هل الهيئة غير الحكومية تلغي دور الدولة أو تسهم وتكمل دور الدولة، يعني عندمانقول هيئة غير حكومية فيجب أن تكمل تحديداً دور الدولة، الدولة تتناول المهام الأساسية العامة ويساعدها تكوينات المجتمع المدني وهياكل المجتمع المدني بما تتوافر لديه من إمكانات مالية ومعنوية وخدمية, قد يخالفني من يعتبر الدولة في جهة, وهذه المكونات والتشكيلات في جهة أخرى, وأنا أعتقد أنه يجب أن يكون هناك تشخيص واقعي للجمعيات.

ذكر أحد الحضور أن المواطن يفعل ما يشاء في الدولة العصرية وأنا لا أوافق علىهذا القول, وأساساً لا يوجد منطق يسمح أن أفعل ما أشاء في الدولة العصرية, وإلا فسنعود إلى القرون الغابرة حيث الكل يتصرف على هواه.

يجب أن لا يغيب عن ذهننا أننا  في سورية ومنذ عام 1963 اتخذنا نظام هيكلي يعتبر أن الدولة هي كل شيء في حياة الناس وذلك لأسباب ومعايير وفلسفات وتقاليد ننتهجها الآن.

كان التخطيط من القمة للقاعدة في هيئة تخطيط الدولة وكنا في الأعوام67ـ68ـ69ـ70ـ71 وراء مكاتبنا في الهيئة نضع ماذا يدخل وماذا يخرج وكل يعمل في اختصاصه, ثم ظهرت الحاجة لمشاركة المجتمع, فالنظام الشمولي لا يعترف بأهمية الجمعيات ومن هنا جاء البديل وكانت المنظمات الشعبية البديل لهذه التشكيلات التي نحيي ذكرها الآن.

في بداية المرحلة وخلال عملي في هيئة تخطيط الدولة كان لهذه المنظمات نبض بنقل أحاسيس ومتطلبات الفئات التي تمثلها المنظمات وترفد خطة الدولة وأهدافها وسياساتها إلا أنه بعد فترة تحولت هذه التنظيمات إلى مرتبةأعلى من الدولة ولم تعد تحتل مرتبة تستطيع الدولة من خلالها أن تعرف رغبات الناس وأحاسيسهم ومتطلباتهم وظروفهم وذلك لسبب أو لآخر فقبل 25 سنة لم يكن هذا الحديث وارداً على الساحة لأن هناك تنظيم للدولة وهي المخولة بالحديث أو المساهمة بمثل هذه الأشياء0 عندما كانت توضع الخطط كان يجلس ممثل المنظمة (عمال، فلاحين، طلبه،إلخ) لينقل رغبات الشريحة التي يمثلها، وعندما كانت للجمعيات في الخمسينات دور المنظمات كان لها دور فعال بحسب مهامها، كان المجال الخيري الذي له صفة المساعدة والمواساة هو الغالب على أشكال الجمعيات وأعتقد أن هذه المسؤولية هي مسؤولية الدولة وتحولت هذه المهمة فعلاً للدولة وأصبحت الدولة تمنح هذه الجمعيات إعانات مالية تتراوح ما بين 100 و200 ألف ل.س توزع حسب قرب الجمعية من وزير الشؤون الاجتماعية والعمل وحول المركزية واللامركزية فقبل قرن كانت الحاجة ماسة لقوة الدولة والسلطة القوية وحالياً توسع دور الدولة وتوسعت مهامها وأصبحت هي المسئولة والراعية والموجهة وتضخمت مهام الدولة وأقول أنه في الستينات كان عدد سكان سورية ما بين 5ـ6 ملايين نسمة فكانت قيادة الخمسة ملايين تختلف عن قيادة الـ 17 مليون حيث تمتلك الدولة نمطاً سياسياً في الحكم يمكنها بكل سهولة ويسرمن توجيه المتطلبات الحياتية للناس, وكانت الدولة تقود هذه العملية براحة أما فيما بعد ومع زيادة رغبات الناس لأنماط لا حدود لها وزيادة طلباتهم بأكثر مماتستطيع الدولة أن تعطي قامت تشكيلات تساعد الدولة في أداء مهامها وأدوارها في كافة النواحي الاقتصادية والمعاشية.

إن أكثر الجمعيات فاعلية هي الجمعيات التي لها نفس ديني فصندوق العافية له إنجازات نفخر بها وتعجز عنها وزارات بكاملها أوحتى أكثر من وزارة، فبحس ديني تقوم مجموعة متطوعة بالاتفاق مع أطباء ومستوصفات ومشافي لمعالجة الفقراء من خلال هذا الصندوق-الجمعية، وأعتقد أنه مثل هذه النشاطات يجب أن تشجع من أجل رفد جهود الدولة والحكومة لتنمية المجتمع بشكل عام.

 

 

مشكلات الجمعيات الأهلية العربية في إطار العولمة*

محمد جمال باروت**

 

رياض سيف: في البداية أودُّ القول أننا نقف بانفعال لما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأنا عاجزٌ عن التعبير عما يجيش بداخلي وبداخل كل إنسان من غضب وشعور بالاستغلال واستباحةٍ الكرامة بإصرار من قبل كلِّ القوى العظمى، إذ إنه عندما يتمُّ الحديث عن وضع الشعب الفلسطيني فإن كل المعايير والموازين عندهم تختلف، فالطائرات والدبابات والجنود والبنادق تتصدى لمواطنين عُزَّل يقاومون بالحجارة. وحتى الآن لا أحد يحرك ساكناً، حتى الدول العربية لم تتحرك بالشكل الذي يُمليه واجبها، ونتمنى أن تتحرر الشعوب العربية وتمتلك إرادتها، فالشعوب وحدها القادرة على إصلاح هذا الخلل، فالشعب المكبّل لا يستطيع أن يقدّم أيَّ شيء، فما نشاهده داخل الأرض المحتلة من اندفاعٍ نحو الموت رغم سيل الدم يعكس بإصرار النتيجة التي تقول أنه لابد من تحرير فلسطين. إن الشعب الفلسطيني الذي عانى أكثر من أي شعبٍ آخر لا زال يتحلّى بالإرادة والإصرار على الصمود في أرضه وتحريرها من المحتل، وبهذه المناسبة نقرأ الفاتحة على أرواح شهداء فلسطين، ونتمنى أن يكون النصر حليفهم، وأن يكون كلُّ عربيٍ ومسلم نصيراً وسنداً لهذا الشعب بكل ما يستطيع.

محمد جمال باروت: سأدخل في الموضوع مباشرةً مُثيراً مسألة العلاقة ما بين عمل الجمعيات الأهلية في المجتمع العربي وبين الحديث عن المجتمع المدني، وقبل ذلك لابد من التوقف عند هذا المفهوم قليلاً في محاولة نصف أكاديمية لا تُخفي الهم الجوهري لهذه المحاضرة في التطلع إلى وجود مجتمع مدني حقيقي وفعال ونابع من إرادة وطنية مستقلة تقوم على مبدأ الخير العام الحقيقي. إن هذا المفهوم حتى نُزيل السحر عنه نُشير إلى عدم وجود تعريف عالمي له، وتشكلّه في تاريخ الفكر السياسي قبل القرن الخامس عشر يدلُّ على طابعه المفتوح، وبالتالي ليس أمامنا سوى أن نسلّم بالدلالة الملتبسة والمتناقضة والمفتوحة لهذا المفهوم، وأنه ليس معطىً مرة واحدة بل هو مفهوم تاريخي صرف يمكن التدخل فيه أو تغييره أو إصلاحه وحتى التلاعب به، فهل المجتمع المدني يساوي المجتمع الحديث، أو بشكلٍ أدق المجتمع البورجوازي الذي يقوم على الاندماج القومي أو الأموي (نسبة إلى الأمة) أو ما يسمى بالعلوم الاجتماعية بتكامل الأمة. أم أن لكلِّ مجتمع مجتمعه المدني الخاص به، ما طبيعة العلاقة ما بين العائلة والدين من جهة وبين ما نسميه بالمجتمع المدني؟ هل تُعتبر البيئات  والروابط العائلية مجتمعاً مدنياً أم أنها تقع خارجه؟، هل هناك إمكانية للحديث عن مجتمع مدني في مجتمعات ما قبل الحداثة؟، أم أن الأمر لا يعدو في تلك الحضارات سوى مجتمعاتٍ أهلية كما يفترض البعض، تقوم على الروابط العامودية والتاريخية والعائلية والعشائرية والجهوية، في حين أن هذه الروابط المدنية في الرؤية السوسيولوجية والمحدودة والفقيرة أفقية طبقية، لو شئنا أن نمضي في سلسلة التساؤلات والإشكالات هذه لوجدنا أنفسنا أمام قائمةٍ طويلة منها لا تُفضي بالضرورة إلى التيقن بقدر ما تُفضي إلى مزيدٍ من الالتباس، ولعلَّ هذا الالتباس ما يفسر الاستخدام الكثيف لهذا المفهوم من قبل فاعلين اجتماعيين مختلفين ومتعددين ومتناقضين، فيستخدمه إسلاميون مثلاً كالتونسي راشد الغنوشي وماركسيون جدد وليبراليون وقوميون وخلافيون وموظفون حكوميون وحكومات، حتى أن الجنرالات الجزائريين يستخدمونه أيضاً، كما يستخدمه في بعض البلدان منظّرون للفساد والاستبداد بمعنى عكسي أي بمعنى النقيض، وتُعطي مضامين الاستخدام لهذا المفهوم من قبل كلِّ الفاعلين وظائف ملموسة تتصل بوظائف المفهوم نفسه أكثر مما تتصل بالمفهوم بحدِّ ذاته، مما أعطى المفهوم صفة الأسطورة الأيديولوجية التي تشعُّ بقيمٍ ذهبية دينامية، ومن ناحيةٍ تاريخية صرفة فإن استخدام المفهوم في الفكر الغربي نفسه قد انحسر بين عام 1850 ونهاية الحرب العالمية الأولى إلى أن أحياه غرامشي بمضمونٍ مختلف كلياً عن المضامين التقديرية، ويقوم بشكلٍ مكَّثف ومختصر على نقل المفهوم من الفضاء الاقتصادي إلى الفضاء الأيديولوجي.

إثر انهيار المنظومة السوفيتية وانهيار الحرب الباردة أُعيد تنضيد هذا المفهوم، أو حاولت الإدارة الأمريكية إعادة تنضيد هذا المفهوم في إطار السياسة الليبرالية الجديدة أو في إطار العولمة، أما في المعجم السوسيولوجي والسياسي العربي فُتشير تتبعاتي إلى أن هذا المصطلح ظلَّ غائباً عنه حتى نهاية السبعينات على الأقل، باستثناء الإشارات المحددة في كتايات ياسين الحافظ، مع أن الحافظ يستخدمه بمعنى المجتمع البورجوازي أو المجتمع القوموي أو الأموي، ولعل استخدامه وبكثافة قد تمَّ في أواسط الثمانينات في كلٍّ من تونس ودمشق، ففي تونس استُخدم المفهوم ليدلَّ على التحول من فضاء الحزب الواحد الذي احتكره الحزب الدستوري إلى فضاء التعددية السياسية إثر تغيير 1987 الذي أتى بزين العابدين إلى السلطة، أما في دمشق فتكثَّف استخدامه في إطار مشروع "قضايا ومشاهدات" الذي صدر منه ستة أعداد، وكان لي شرف المساهمة في جميع أعداده، ولم يكن استخدامنا لهذا المفهوم في إطار مشروع قضايا ومشاهدات على خلفيتنا اليسارية والماركسية السابقة متصلاً بأيِّ دعوى من الدعاوي الليبرالية الجديدة بقدر ما كان متصلاً بمفهومٍ نقديٍ جديد للماركسية يربط ما بين الديمقراطية والاشتراكية، واستخدمه البعض بمن فيهم أنا جزئياً وفي تلك الفترة كمفهومٍ أداة في مواجهة الأصولية الإسلامية، ومن ثمَّ تحوّل هذا المفهوم إلى مجالٍ للتلاعب الأيديولوجي والسياسي من قبل فاعلين متناقضين ومختلفين، مهما يكن من التباسٍ في هذا المفهوم، فإننا