20-من
التقليد إلى الإبداع
أقلّب
النموذج الذي جادت به مخيلة محكومة بالمنطق ومنطق جنح به الخيال، محاولا تصوّر كل
الاعتراضات التي يمكن أن يثيرها ، لا للردّ عليها بانفعال الواثق من أمره وإنما
لتكون المحكّ الأوّل للتثبت من جدّية الأفكار من قبل فكر يحاسب أفكاره بصرامة
الخصم اللجوج.
ثمة
اعتراض الساخر- البراجماتي- العملي : نحن ما زلنا بين
البراثن القذرة للوحش الاستبدادي وتضيع وقتنا في أضغاث أحلام . ليطمئن معارضنا أن
الوحش القذر مات في العقول والقلوب وأننا نعايش احتضاره على أرض الواقع والعملية قد تأخذ
سنوات لكنها ستنتهي بالمصير المحتوم. ولأن أنظمة المستقبل هي الأخرى تولد في
العقول والقلوب سنينا وعقودا إن لم يكن قرونا قبل أن تسوس وتحكم الشعوب والأمم ، فنحن لا نسبق الأحداث وإنما نمهّد لها.
وثمة اعتراض الناكر لما يعمي الأبصار
. وصول هتلر وشارون بالانتخابات ؟ الإشهار الرخيص
؟ التمويل المشبوه؟ الوعود الديماغوجية ؟ المقامرة على
مجهول ؟ مجالس تمثيلية ولا تمثّل ؟ الاستقالة المتعاظمة
للناخبين في جلّ البلدان الديمقراطية ؟ انهيار هيبة
السياسة والسياسيين؟ أين ترون مرضا ؟
صدق من قال أنه لا
أصمّ ممن لا يريد أن يسمع ولا أكثر عمى ممّن لا يريد أن يرى.
ثمة الاعتراض المنهجي والقائل بأن التحليل
سياسي في الظاهر، لكنه محكوم بعقلية
الطبيب الذي لم يستطع أو يرد التخلّص من آليات تفكير تحوم كلّها حول التشخيص
والعلاج. لكن فعالية هذا النوع من
التفكير تتوقف عند المجال الطبّي. إنه اعتراض لا يثبت لأنّ
النظام السياسي كائن
حيّ يولد ويهرم ويموت ويتجدّد
في أشكال أخرى وقد يولد أيضا بتشوهات خلقية مثل
الإنسان ويعرف أيضا أزمات جدّ شبيهة
بالأمراض منها
الشلل والعته . وبالتالي هو أيضا قابل لمنطق وآليات
التشخيص وإن اختلقت عن تلك المستعملة في طبّ الأجسام
البيولوجية. إن لم تكن الإصلاحات المتتالية التي يتمّ إدخالها باستمرار عليه في كل بلدان العالم علاجا فماذا تكون؟
ثمة
اعتراض المستسلم للقضاء والقدر. حقّا للنظام الديمقراطي
التمثيلي جملة من العيوب ولكنها من طبيعة كلّ نظام حيث الكمال للّه وحده. وعلى كلّ حال فهناك كلّ الإنجازات الرائعة التي تغطّي على هذه
العيوب والتي ستسمح لنا بالانتقال من النظام البدائي الذي نعرفه إلى
شيء أرقى منه بكثير. ولا اختلاف بخصوص النقلة النوعية، إنما التفكير كلّه محكوم بالخوف من أن تكون
العيوب سبب عودة الاستبداد من النافذة بعد
طرده من الباب.
ثمة اعتراض المرتاب. أليس كلّ هذا الهذر
لتبرير منع القوى الصاعدة أي أحزاب الإسلام
السياسي من استلام السلطة عبر آليات الانتخاب العددي؟ ولنسلّم
بأن الانتخابات ستوصل للسلطة هذه الأحزاب.
بصراحة إنني أشفق على المجتمع وعلى الإسلام وحتى على'' المنتصرين'' من مثل هذا
النصر المبين . إن الاحتمال الأرجح لو ترك الحكم لجبهة الإنقاذ في الجزائر بدل ذلك الانقلاب المجرم هو إفلاس
سريع لجماعة لم تكن مستعدة لا سياسيا
ولا تقنيا لمعالجة مشاكل مجتمع
مشرف على الهاوية . إن ما ستجده أي حركة سياسية إسلامية تستفرد بالحكم
حتى عبر آليات الانتخاب التمثيلي مشاكل
سياسية تقنية هائلة التعقيد ولا
يمكن حلّها في إطار أحادية الرؤيا والمنهج والطرف المباشر لها. إنه الطريق الذي
انتهجته بنفس الغرور الأحمق الأحزاب الماركسية في العالم
والأحزاب العروبية في سوريا والعراق جاعلة من الوصاية
والإقصاء قاعدتي سياستها الانتحارية ، فكانت النتيجة ما نعرف وخاصة انهيار صورة وقيم
الاشتراكية أو العروبة . إن هذا بالضبط
ما ستعدّ له
قوى تحلم بالاستفراد بالحكم وهي لا تعلم أنها ستستفرد بإيجابياته وفي نفس
الوقت
بمسؤولياته وموبقاته وردود الفعل التي
ستتبع. يخطئ من يتصوّر أن علاقة المسلمين بدينهم أقوى من
علاقة
مسيحيّ القرون الوسطى
في أوروبا بالمسيحية
فالبشر هم البشر أينما كانوا. لقد خرج ثلثا المسيحيين من التدين على مرّ
الثلاثة قرون الأخيرة لأنّ الدين كان مطية القوى التي أرهقتهم بمحاكم التفتيش وحرق المفكرين
وتتبع العلماء والتغطية على الفساد والتعصّب واضطهاد الآخر المخالف في الرأي.إن
خطر الحكم باسم الدين، إذا
وصل الإسلاميون للحكم بالثورة أو
بالانتخاب ، يعني حشره في الفضاعات التي يفرضها التعامل الأحادي مع صعوبات
الحكم. والنتيجة أنهم سيبغضون الناس طال
الزمن أو قصر في
الإسلام السياسي وحتى في الإسلام .
ثمة
الاعتراض المتكبّر والقائل
بأن التشخيص قد يكون
صحيحا لكن الحلول فلكلورية. هذا بداية جيدة لأنّ المهمّ
ليس أن يصف ناقدي المحترم أفكارا جميلة كهذه بهذا النعت المحبط للعزائم
الطيبة، وإنما أنه اعترف بوجود مشكل وحتى بوجود حلول ليست
فلكلورية ما هي إذن؟ فلا أحد أكثر منّي شوقا لمعرفتها
ونقاشها وقبولها إن كانت فعلا علاج الأمراض التي لا شكّ لي في وجودها
وخطورتها. إن طموح هذا الكتاب، مرّة
أخرى، ليس تقديم وصفة جاهزة وإنما إشكالية
حقيقية يجب أن
تستفزّ فينا قدراتنا على الخلق والإبداع.
وثمة الاعتراض الأخير، أنه حتى لو كان التشخيص صحيحا والحلول متفق
عليها، فإنه لا مجال لتطبيقها لأننا لسنا أمام مريض منضبط واعي بما يتخبط فيه من
صعوبات ومستعدّ لبذل الجهد لاستعادة صحته. نحن أمام نظام
سياسي للعديد من الأطراف مصلحة في بقاءه بهذه الأمراض لا يهمّها أن خرّبت المجتمع. هي ستنقضّ على كلّ من يقترب من المريض لعلاجه إلى أن يأتيه الأجل المحتوم
ويومها سنرى. أضف إلى هذا إن إصلاحات جوهرية مثل هذه لا تفرض من فوق وإنما هي نتيجة وفاق
صعب يضمّن في دستور جديد. فمن سيصوغ هذا الدستور وكيف يطلب من الشعب الهلامي المصادقة
عليه وهو سيكون مبنيا على نوع من القطع مع هذا'' الشعب''؟
لننطلق من كون هذا الموقف ليس ناجما عن الكسل الفكري وتعب
قدماء المحاربين وإنما من الوعي بحجم
المهمة وصعوباتها . هنا لا بدّ أن نذكّر أصحاب الاعتراض
أنه لولا وعي النظام بأمراضه وظهور حاجته إلى العلاج لما كتبت هذه الأسطر ولما
تكلّف أحدا عناء قراءتها. نحن دوما حملة وعي يتجاوزنا
وهو الذي يأمر في وقت ما بأن ندير خطانا في هذا الاتجاه أو ذاك. معنى هذا أننا لا
نتعسف على واقع ما عندما نحلم بتغييره لأن الأحلام كما يثبت ذلك تاريخ التكنولوجيا
لا تبرز ولا تتكاثر
إلا عندما تتواجد شروط تحقيق الحلم. لقد وقع بكل بساطة إعلامنا من قبل العقل الجماعي أنّه آن الأوان لطرح هذه المشاكل
والتخاصم حولها والتجريب المتعثر لها.
إنّ
السياسة في
مستواها الراقي أحلام حلمها الحالمون وسير في طريق رسمه المفكّرون. هي أيضا
تجريب متواصل لأفكار ومؤسسات تحاول المجتمعات البشرية من
خلالها وضع أحسن النظم الممكنة لتصريف شؤونها. ومن هذا
المنظور يمكن أن نفهم تعدّد النظم السياسية والاجتماعية وتضاربها لأنه لا توجد
حلول جاهزة وقابلة للتطبيق. هذه الحركة هي التي نعيش اليوم فصولا منها ستتواصل
بعدنا كما يتواصل سيلان الأنهار لأنه لا نهاية للتاريخ كما يدّعي ''فرانسيس
يوكوهاما''. فللتاريخ
كالقلب نبض، له كالعضلة شدّ وارتخاء وله كالبحر مدّ وجزر.
إن مسؤولية المفكّرين الديمقراطيين أن
يؤشّروا على ثنايا لا تؤدّي إلاّ
إلى الأنفاق والمستنقعات، أن يستبقوا الأحداث كالكشافة الذين
يفتحون الطريق ليضمنوا أنّه خال من
المطبّات، أنّ رفاق الطريق لا يركضون وراء السراب. نحن لا نفعل شيئا آخر ونحن نطلق صرخة إنذار حول البديل المغشوش أي
خطر كلّ ديمقراطية :
- تجهل أن وظيفتها الأساسية لتأدية
دورها كبديل للحرب توسيع
رقعة المتمتعين بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
- ترتكز على التمثيل فقط أو أساسا ( علما وأنّه يجب أن يفهم المصطلح أيضا
بالمعنى المسرحي للكلمة) و تبني
آلياتها على طقوس انتخابية تتحكّم فيها وتوظّفها
الأرستقراطيات المخفية .
- تحمل لسدّة الحكم أناسا و برامج سوّقت وفق تقنيات
الإشهار ولا دليل على جدّية البرنامج وكفاءة المترشّح غير حلاوة المظهر والخطاب
وموهبة المناورة وعبقرية عقد الصفقات المريبة.
- ترمي انتخاباتها الإشهارية بهيبة السياسة والسياسيين في الحضيض ولا تفرز إلا أداة تستهلك جلّ طاقاتها
في الصراع الداخلي والباقي لتسير أنظمة الصحة والتعليم والاقتصاد التي تبقى في
مهبّ الريح.
-تجهل أن خاصيتنا
الثقافية الأولى كشعوب مسلمة تفرض فصل
الديمقراطية عن اللائيكية
....والخاصية التاريخية الأولى لشعوبنا
كشعوب أخضعت للاستبداد باسم الدين ، تفرض
فصل الممارسة السياسية عن الممارسة الدينية ،وإن خاصيتنا الاجتماعية الأولى
كشعوب فقيرة مستغلّة تفرض علينا فصل
الديمقراطية عن الليبرالية.
- تنسى أن
تطوّرها وحتّى بقائها رهن بتوسّع رقعة
المواطنة عبر المشاركة الحقيقية كلّ في
مستواه وأن كل شخص هو الممثل الشرعي والوحيد
للوطن والمجتمع بل للإنسانية ...أنه الأداة والهدف
لكل تغيير ...أن هذا التغيير
لا يحصل إلا به وعبر أرقى أنواع المشاركة.
لا يبقى
أمامنا إذا قبلنا هذه الأفكار التي أوحت لنا بها تجاربنا وتجارب الآخرين سواء الإبداع والتجدّد
. نحن مطالبون ببلورة نظام سليم يبلغ نقطة توازنه ويعود إليها بعد كل اختلال
ويتمثل في بناء مجتمع، الحرية فيه
ليست تسيبا، والمساواة ليست تسطيحا والقوة ليست عنفا، و الحزم ليس
تشدّدا ، والتسامح ليس
تساهلا، والحركة ليست جموحا، والاستقرار ليس ركودا.
وقد يكون واجب
الذاكرة أهمّ واجبات المثقفين الديمقراطيين اليوم وغدا. نحن شعوب قصيرة الذاكرة لذلك علينا أن نتذكّر
ونذكّر الأجيال المقبلة بتاريخنا السياسي
المظلم وما زخر به من فساد وقمع
وشخصانية فجّة وتضليل وتعذيب وقضاء فاسد.
بدون هذه الذاكرة الحيّة لن ننجح في تعهّد الأجسام المضادّة الفكرية والأخلاقية
والمؤسساتية لحماية
أمتنا من وعكة صحية جديدة يوم يهاجمها فيروس قاتل تحمله في كلّ
خلاياها. وبعد واجب الذاكرة هناك واجب
الذكاء. لقد آن الأوان
للديمقراطيين العرب ليبلوروا مشروعهم وليس
فقط الاكتفاء برفض المشروع الأجنبي. آن الأوان ليكون
لنا مشروع ورؤيا
لديمقراطية تضيف ولا تقلّد، تحرّر ولا تضلّل
نفرضها على أنفسنا ولا يفرضها علينا أي وصيّ، كلّ هذا حتى لا تصادر الأحلام من جديد، حتى
لا يتمخّض الجبل فيلد خازوقا، حتى لا تصبح الديمقراطية تغطية على الاستبداد الجديد
ومدخلا لعودة الاستبداد القديم.
وعبر هذا النظام نحن سنعيد
صياغة ملامح الوطن الذي خربه الاستبداد.هذا الوطن الذي نحلم به عبر حلمنا بنظام
ديمقراطي سليم ليس قطعة من الجغرافيا تسيّج بمعاهدات
سايس بيكو وتقسّم بين الإقطاعيين وتسهر الذئاب
فيها على عدد ورفاهة النعاج والخرفان الذين تسميهم الدعاية الغبية مواطنون.
هذا وطن يجب إلقاءه
في المزبلة لأنه كطعام تجاوز كلّ تواريخ الاستهلاك و أصبح عفنا صرفا. لقد أصبح بديهيا أنه لا وجود للوطن إذا غاب
المواطن....أن رفعة الوطن في رفعة المواطن أنّه إذا غابت المواطنية انتهت
الوطنية واستسلم الحرس الجمهوري البارحة
في العراق وغدا في كلّ قطر لأن
السلاح لم يكن مجنّدا يوما للدفاع عن الوطن وإنما عن الوحوش الآدمية التي استنزفته ودمّرته. إن الوفاء، الذي يجب أن نربيه في عقولنا وفي قلوبنا والذي يجب أن نتركه
لأطفالنا، ليس لمراعي القطيع مهما كان جمالها الكاذب أو المخيّل وإنما لوطن يتجسّد في أكبر نابغة،
في أبسط فلاّح وعامل، في معاق، في كلّ مجرم عتيّ،
في كلّ مسكينة مظلومة تدعى عاهرة
لأنّ خللا اجتماعيا رهيبا لم يكفل لها أولى شروط الكرامة الإنسانية. نعم يجب أن يكون وطننا متجسدا لا على الخريطة وإنما على
كل جسد شعارنا ''كل واحد منا هو الممثل
الشرعي والوحيد للوطن''. يومها ستنعكس مواسم الهجرة و تصبح الأرض التي ولدنا فوقها
ويرقد في عمقها الأجداد
، المكان الذي نهرب إليه وليس المكان
الذي نهرب منه.
لا شكّ كذلك
أنّ الديمقراطية هي أيضا أداتنا لفتح طريق واعد حتى تتّحد الأمة وتحتلّ المكان
الجدير بها بين الأمم.
إن حكمنا على
واقعنا ،ومنه أيماننا أننا أمة فشلت في تحقيق أهدافها، مجرّد دوما
من اعتبار أهمّ عامل في الحكم على
مصير الأمم: العمق الزمني. ننسى أن
الزمن أزمان منه زمن
الأفراد و يقاس بالعقود،
زمن الدول ويقاس بالقرون، زمن الحضارات
ويقاس بآلاف السنين، زمن الأجناس الحيّة
ويقاس بملايين منها، زمن الكواكب والشموس ويقاس بمئات الملايين وأخيرا زمن الكون ويقاس بمليارات السنين. لا
تستطيع أن تكون نافذ
الصبر لا مع الشموس لتلد لك الكواكب ولا مع الأمم لتتقدّم وفق سرعة نفاذ حياتك.
نحن أيضا أفراد أو أمم ، كائنات حيّة مثل الفئران التي
توضع في الأنفاق فتبقى تبحث عن المخرج وقطعة الجبن إلى أن يأتيها الموت. إن الخاصية الأولى للحياة هي الإصرار على
البقاء وذلك عبر
الصمود في كلّ وجه النوائب وتجريب كل الحلول الممكنة للتمتع بحياة أفضل. كل هذا يمرّ باستثمار
التجربة والتعلّم من الأخطاء والبدء من نقطة الصفر بعد كلّ كارثة. معنى هذا أن التخبّط رغم ثمنه الباهظ جزء من البحث والتجريب
وليس فشله كما يبدو لملاحظ سطحي ومتسرّع. إن من يقرأ تاريخنا المعاصر بهذه العقلية مكتشف لما في بحث
أمتنا عن مستقبل أفضل من حيوية وإصرار واستعداد لدفع الثمن مهما كلّفها الأمر.لقد
رأيناها على امتداد ماض استهلك خمسة عشر قرنا من التاريخ المدوّن والقابل للتذكّر
والتخيّل، تجرّب
بإصرار وعناد وترفع كلّ التحدّيات، فتنجح مرّة وتخفق مرّات. هكذا سيراها التاريخ
طوال ما سيأتي من القرون، شأنها في هذا شأن الإنسانية التي هي خلية من خلاياها، تتقدّم وتتخلّف، تبدع وتكرّر، تحرّر
وتستعبد. كم من مرّة ستموت وكم من مرّة ستبعث، لكن في أشكال جديدة لا قبل لنا بتصورها.هذا ما يجعلني أهزّ الكتفين أمام نواح النائحين على أمّة
يقولون أنها أمة ضحكت من جهلها الأمم. هم
لا يعون أن لها نسق وزمن غير نسق وزمن الأفراد، أنّها نهر جبّار يشقّ طريقه في حاضرنا بدفع هائل آت
من أعماق الماضي وبجذب أكثر قوّة
آت من أعماق المستقبل .هذا
المستقبل هو الذي يستفزّ فينا الإصرار على الحلم والعمل لأن أولى خصائص الحياة،
تبلورت في جنس أو في أمّة أو في شخص هو الإصرار الذي يستثمر التجربة ولا يكرّر أخطائها . ها
هو إصرار الحياة يدفعها اليوم إلى الوعي بالتحدّي الجديد: أن تقضي على
الاستبداد أو أن تتركه يقضي عليها.
و أيا كان نجاح الجهد أو فشله
فلا قبل لأحد بالتعرّض للقوانين الثلاث التي تحكم صيرورة التاريخ.
-لا توجد قوّة في العالم قادرة على منع الأفكار
–المؤسسات من الدفاع عن وجودها بكل الضراوة الممكنة ومنها أفكار –مؤسسات
الاستبداد.
-لا توجد قوّة في العالم قادرة على منع
الأفكار-المؤسسات من التحجّر والموت طال الزمان أو قصر ومنها أفكار-مؤسسات
الديمقراطية.
-لا توجد قوّة في العالم قادرة على منع ولادة الأفكار-المؤسسات الجديدة
ومنها الأفكار- المؤسسات المجدّدة لكل أشكال الاستبداد والمجدّدة لكلّ
أشكال الديمقراطية.
هذه الأفكار هي إذن
جزء من الحركة التي لا تنتهي،
ولدت من رحم المعاناة والحاجة لتجاوز وتطوير التجربة
السياسية. هي ترمى اليوم في خضمّ الحياة السياسية والفكرية على أمل المساهمة في بلورة واقع
يصنعه على الدوام الفكر والحلم والخيال
وأحيانا الجنون والهوس. وككل الكائنات الحية أكانت من الأجناس المحسوسة مثل الثدييات أو من
الأجناس غير المحسوسة مثل ''الفكريات''، فإنها ستلقى صعوبات كبيرة في البقاء والتأثير.
سيبقى مصيرها رهنا بقدرتها على شقّ طريقها في إطار
التنافس الشرس للفكريات المتقاتلة من أجل التحكم في الفضاء الرمزي للبشرية. سيبقى
المصير رهن بقدرتها على إثبات جدارتها
بالبقاء أي بقدرتها على تقديم حلول ناجعة لعقل جماعي يبحث بلا كلل عبر كلّ من
يتحدّث من خلالهم عن الطريق إلى أفضل المدائن إن استحال الوصول
إلى المدينة الفاضلة.
تبقى القاعدة الأزلية: كل الأحلام
لا تتحقق ولكن كلّ الإصلاحات
كانت يوما ما أضغاث أحلام إن الخطير والمنعش في وعينا الجديد أنه لم
يعد لنا وهم حول حتمية الوصول إلى جنة الاشتراكية أو جنّة التقدّم أو جنّة
الديمقراطية. فالتاريخ فضاء مفتوح الفشل فيه وارد وكذلك
النجاح، النجاح فيه محتمل، لا يقلّ عنه الفشل احتمالا. يعني هذا إن مشروعنا للتحرّر بفصله الجديد، كباخرة ما زالت بعيدة عن المرفأ والرياح التي
تدفعها إلى الأمام هي نفس الرياح التي تدفعها إلى عمق البحر . إن هذا المرفأ هو ديمقراطية
متجدّدة وحقوق إنسان متجذرة في خدمة العروبة والإسلام .. عروبة وإسلام في خدمة
الإنسان والإنسانية. فهل سيجيد الربّان
والملاحون استغلال الريح والموج أم هل سيبتلعهم هم
وأحلامهم في آخر الأمر سمك القرش ؟
***
المنفي – نوفمبر 2004