وضعا في الإطار  وتفاديا لكل سوء فهم

 

نادرا ما يعي العرب، الذين يقرنون آليا بين الديمقراطية والغرب، بضراوة الحرب التي أعلنت على الديمقراطية في أوروبا الغربية   طوال فترة امتدت من منتصف القرن التاسع عشر إلى نهاية الحرب العالمية الثانية . لقد بلغت هذه الحرب ذروتها بين الحربين العالمتين –وفي أعقابها-  باستتباب  الفاشية الإيطالية بقيادة موسوليني والألمانية بقيادة هتلر والفرنسية بقيادة بيتان والأسبانية بقيادة فرانكو

والبرتغالية بقيادة سالازار،  وكلّها أنظمة قامت على اغتيال تجربة ديمقراطية سابقة.

 قل من يعلم أيضا أن الفاشية في الغرب اليوم ، مثل النار تحت الرماد تنتظر الظروف السانحة لتلتهب من جديد.

ومن المعروف أن الفاشية تستمدّ  إيدولوجيتها وسياساتها من رفض  للاشتراكية  وخاصة من كره دفين   للديمقراطية، ينطلق  من عيوب مؤسساتها ونواقص الساهرين عليها   للتصدي للقيم والمشروع.

إنه لمن الطريف أن تجد اليوم في كتابات اليمين الإسلامي المتطرّف كل التهم (باستثناء الانتماء إلى الغرب) وأحيانا بنفس الجمل و العبارات التي استخدمها اليمين الغربي المتطرّف طوال قرن لمحاربة للمشروع الديمقراطي. نحن نجد في مستوى  القيم  نفس  الاحتقار للحرية كقيمة  ونفس تغليب الواجب على الحق ونفس الأولوية للبعابع الكبرى (الدين هنا، الأمة أو العرق هناك)  واعتبارها وحدها  مصدر كل شرعية ومحل كل تقديس. نجد نفس الإيمان بدور القوة تجاه الخارج  والقمع في تطهير المجتمع من ''الشوائب'' و''الانحرافات''.  نجد نفس  التهكّم   والازدراء للنظام  التمثيلي والسياسة والسياسيين وألاعيبهم وفسادهم الخ.....

ثمة قراءة إيجابية لنتيجة المواجهة  في الغرب  وهي تغلّب الديمقراطية على الفاشية بالضربة القاضية مما يعني  أن في قيمها  ومؤسساتها وسياساتها، رغم ما فيها من عيوب،  أفضلية على قيم ومؤسسات وسياسات الفاشية.

ثمة قراءة متشائمة  وهي أن عيوب الديمقراطية، أساسا في مستوى المؤسسات،  تلعب دور الخرقة الحمراء في وجه الوحش الفاشي النائم بعين واحدة داخل كلّ ثقافة لأنه التعبير عن الجزء المظلم والغرائزي المكون – لا العابر – في الإنسان. 

معنى هذا أن  مستقبل  المشروع الديمقراطي الثقافة  العربية الإسلامية – وربما حتى في الغرب على الأمد الطويل -  رهن بقدرته على  تقديم حلول  تحافظ على جوهر القيم الديمقراطية لكن في إطار مؤسسات تتعلّم وتتجاوز الأخطاء التي كانت دوما إحدى ذرائع الفاشية للعودة إلى  ممارسات كلفت وستكلّف الأشخاص والشعوب والإنسانية الثمن الباهظ تلو الثمن الباهظ.

هذه القراءة النقدية للتجربة الديمقراطية مساهمة متواضعة في طرح إشكالية تطوير التجربة الديمقراطية انطلاقا من دروس التجارب التي أصبح العالم بأسره مسرحا لها.

ومن نافلة القول أنها  نابعة من داخل انخراط كامل في قيم الديمقراطية وأهدافها لاعتقاد راسخ أنها، إلى حدّ الآن، أفضل النظم السياسية التي ما انفكّت الإنسانية تجربها عبر التاريخ بحثا عن أحسن الحلول لإدارة شؤون  المجتمعات الإنسانية.

ومن حسن الحظّ أنه ليس للديمقراطية نصوص مقدسة تكبلها وتمنع تجديدها.هي عمل يعترف بإنسانيته ومن ثمة بنواقصه مما يجعل الإصلاح والمراجعة والترميم ممكنا. لكن مراجعة المؤسسات دون إعادة تأسيس الدعامات الثقافية التي تنتصب فوقها وتستمدّ منها متانتها بمثابة ترميم قصر أثري عائم فوق الماء والطين. إن ما لا يجب أن ننساه أبدا أن الديمقراطية قيم قبل أن تكون مؤسسات وأن معضلة  زرعها في أي ثقافة  -ولو كانت الغربية- معركة  كل لحظة.

واليوم ونحن في الوطن العربي  بين  مطرقة الدكتاتورية  الجاثمة وسندان  الدكتاتورية التي تترصّد، مطالبون بالبتّ في نوع النبتة التي نريد زرعها في نفس الوقت الذي  نحن مطالبون بتهيئة أرض قاحلة حتى ولو لم تكن بورا. وإن لم ننجح في معركة القيم والمؤسسات فإن أي نظام ديمقراطي أو شبيه به لن يكون إلا  بمثابة محطة استراحة عابرة بين دكتاتوريتين.

                                                           ***