4- الديمقراطية
التي يعدونها لنا
يبقي ، حتى من
يعرف جزءا بسيطا من تاريخ الحرب التي
شنّتها الإدارة الأمريكية على امتداد القرن الماضي ضدّ الديمقراطية خاصة في بلدان
العالم الثالث، مشدوها أمام وقاحة موقف
الرئيس بوش عندما خرج في نوفمبر 2003
وفبراير 2004 بأوامره العليّة بخصوص الإسراع في
الإصلاحات الديمقراطية في منطقتنا.
لذلك واجهت أغلبية الأمّة ولا
تزال هذا الادعاء بكثير من السخرية
لمعرفتها الوثيقة بإدارة لا تعرف عنّا الكثير رغم كثرة عملائها وكثرة الإنفاق
عليهم. نحن نعلم تاريخ هذه الإدارة على تنوّع من تحمل فيها المسؤولية، في التدخل
السافر بالانقلاب المنظّم ضدّ حكومات ديمقراطية في إيران سنة 53 19وغواتيمالا في
54 19 والكونغو في 1960 والاكوادور في 61 19 وبوليفيا في 64 19 واليونان في 67 19
وفيدجي في 87 19. كما نعلم أنها استعملت كل ما في جراب المخابرات، من تقنيات التخريب والاغتيال والتمويل السرّي
والتزييف والتضليل الإعلامي، للتحكّم في المسار الديمقراطي وتوظيفه في أكثر من
بلد. وعلى سبيل العدّ والحصر وانطلاقا مما
هو ثابت موثّق ومعروف
نذكر (1) : الفيليبين
سنة 1950 ، ايطاليا من 48
19الى 1970، لبنان في
الخمسينات، اندونيسيا في 55 19، فيتنام في
55 19، اليابان من 1958 إلى 1970، النيبال في 1959، لاوس في 1960 ،
البرازيل في 1962، جمهورية الدومينيكان
في 1962،
غواتيمالا
في 1963، بوليفيا في 1966،
شيلي من 1964 إلى 1970، البرتغال من
1974 إلى 75 19، استراليا في 74 19، جامييكا في 76 19، باناما
من 84 19 إلى 89 19، نيكاراغوا في 84 19
، هايتي في 87 19، بلغاريا في
90 19، روسيا في 96 19، منغوليا في 1996، البوسنة في 98 19.
وتمثّلت هذه
السياسة أيضا في التغطية على انتهاكات حقوق الإنسان للأنظمة الدكتاتورية الصديقة
ومساندتها مثل ما وقع طيلة عقود في التعامل مع كل نظام قائم وحتى العراقي، لمّا كان الحليف المدلّل ضدّ إيران. أضف إلى
هذا أن الإدارة الأمريكية تقاطع اليوم الرئيس العربي الوحيد
المنتخب ديمقراطيا وهو عرفات. وبالمقابل نراها تقدّم لنا نماذج الديمقراطيين
الذين تحبّهم : الفاتحون لبلدانهم على ظهر الدبابات
الأمريكية.
لنتصوّر لحظة أن الديمقراطية ،
الفعلية وليست تلك التي يدعو إليها بوش،
استطاعت بقدرة قادر الانتصاب غدا في إحدى أقطار الوطن الكبرى مثل شبه
الجزيرة أو مصر أو العراق . لقد أصبح واضحا
بالنسبة للشعوب العربية أن الاستعمار هو
استبداد خارجي والاستبداد استعمار داخلي وأن العلاقة بينهما جدّ وثيقة، لذلك هي ستضع في السلطة عبر الانتخاب الحرّ
والنزيه كلّ القوى الراغبة ليس فقط
في إنهاء ثلاثية الفساد والقمع والتضليل
التي تعرّف الاستبداد، وإنما أيضا القوى الداعية إلى الاستقلال الخارجي والسيادة على الثروات
الطبيعية ونصرة الشعب الفلسطيني بكل الوسائل العملية المتاحة. يعلم الكلّ
أن هذا سيؤدّي آليا إلى مجابهة مع الإدارة الأمريكية وأن
على أي بلد '' مارق'' تحكمه مثل هذه الديمقراطية، توقّّع حرب
شعواء سياسية واقتصادية قد تصل حدّ
إنزال القوّات العسكرية للدفاع .....عن الحرية والديمقراطية.
ولمتسائل أن يتساءل مفتعلا الجهل أو السذاجة: كيف حاربت دولة ديمقراطية الديمقراطية بمثل هذه الإرادة
الحديدية وبمثل هذا التواصل والشمول ؟ والردّ البديهي الوحيد هو
: لأن الدولة الأمريكية غير ديمقراطية. وكأنني بالقارئ في هذا الموضع من النصّ - حتّى على شدّة ضغينته على سياسة بوش - يهزّ كتفيه. كيف ننكر أن هذه
الدولة تمارس وتخضع لآليات
الديمقراطية مثل حرية الإعلام
والانتخاب الحرّ والتداول على السلطة واستقلال القضاء ؟ كيف يمكن إنكار
مساهمة الدولة الأمريكية في نشر الديمقراطية عبر حروب مريرة، باردة أو ساخنة، أدّت إلى انهيار أكبر الأنظمة الشمولية التي
عرفها القرن الماضي في ألمانيا وروسيا واليابان؟
ليتقبّل
القارئ الفاضل بقية النظرية، علما وأن موضوعها ليس القدح في السياسة الأمريكية
بقدر ما هو التعمّق في فهم الديمقراطية،
وله سديد النظر في ما بعد. بداهة أنت لا تستطيع
أن تكون مسلما بالتعبّد ليلا للشيطان حتى ولو نطقت بالشهادة و وصمت ورتّلت آيات
القرآن بكرة وعشيا وصلّيت الخمس في أوقاتها. فعبادتك للشيطان تلغي عنك أي علاقة بالإسلام لا ينفع في
الأمر قيامك بطقوسه لما بينها وبين عبادة
الشيطان من تناقض جذري. من
يستطيع إقناع نفسه وإقناع الآخرين بأنه يجوز مع هذا تسمية عابد الشيطان مسلما إذا
صلّى وصام، فإنه يستطيع أن يقنع نفسه ويقنع الآخرين أن الإدارة الأمريكية
ديمقراطية بما أنّها تمارس وتخضع لكل طقوس الديمقراطية جهرا رغم أنها تمارس سرّا كل طقوس
الاستبداد من وراء ستار أصبح متزايد الشفافية. يلاحظ المتتبع لسياسة الدولة الأمريكية منذ نشأنها، أنّها تعمل بمقولة نيتشه '' على زاردوشترا أن يضع
تصرفاته فوق اعتبارات الخير والشرّ''. يعني هذا عمليا أن يستعمل القويّ
الخير بنفس البرودة التي يستعمل بها الشرّ لأنهما إستراتيجيتان متكاملتان في خدمة أهداف هي فوق الاعتبارات الأخلاقية. لقد كان هذا التوجه، وسيبقى، مفتاح فهم السياسة الأمريكية ويمكن تلخيصه في
شعار، كان وسيبقى شعار
كل الأرستقراطيات المخفية على مرّ العصور: ''بالقيم وبنقيضها مصالحنا ليس إلاّ''
نفهم إذن المنطق الخفيّ لدعم ديمقراطية ألمانية تحمي رأس المال الأمريكي
وتقف أمام الخطر السوفييتي، وتنظيم انقلاب
ضدّ محمد مصدّق المنتخب ديمقراطيا
من قبل شعبه لأنه تجرّأ على تهديد مصالح
الشركات البترولية الأمريكية والبريطانية في منطقة حسّاسة. إنّ المنطق السليم يغلّب في حالة
الازدواجية المفضوحة السلب على الإيجاب، فلا نقول عمّن يستعمل الخير والشرّ بنفس
الكيفية لتحقيق مصالحه أنه نصف خيّر ونصف شرّير وإنما ثمة اتفاق على أنه أخطر
أنواع الأشرار. السؤال ما هي إذن الطبيعة الحقيقية لهذه الدولة التي ننفي عنها صفة
الديمقراطية بنفس المنطق الذي ننفي بها صفة المسلم عن عابد الشيطان القائم بكل
فرائض الإسلام. تكمن الإجابة في تحديد الثمار التي تريد السياسة الأمريكية جنيها عندما تحاول زرع ما تسميه الديمقراطية في بلد
ما، أو على النقيض في تحديد ما تريد منعه وهي تتصدّى بالقوّة أو بالتآمر لتجربة
ديمقراطية مستقلّة في هذا البلد أو
ذاك.
سنة 1984،أسّس
الكونجرس وكالة أطلق عليها اسم National endowment for democracy لتطوير
الديمقراطية . لكن مهمتها ، التي كانت تقوم بها وكالة
الاستخبارات من قبل، لم تتجاوز كما يقول'' وليام بلوم'' (1) توزيع الأموال على ما لا يحصى من
الجمعيات المدنية في العالم ''للدراسات أو للتدخلات التي من شأنها تحسين الصلة بين
العمّال وأرباب العمل أو محاربة الاشتراكية أو الدعوة لاقتصاد السوق''. ظاهريا كانت الدعوة إذن موجهة للدفاع عن
الديمقراطية، وفي العمق كان المقصود
الترويج لإيدولوجيا لليبرالية. يتدخّل هنا
محامي الشيطان ليتساءل: وهل
هناك تناقض بين الليبرالية* والديمقراطية ؟
أليستا وجهي نفس عملة النقد ؟أليست الديمقراطية الوجه السياسي للّيبرالية والليبرالية الوجه الاقتصادي
للديمقراطية، أليستا
أكمل تعبير، كلّ في
مستواه، للقيمة المشتركة الأولى: الحرّية.
إن القول بمثل هذا الرأي لا يأتي إلاّ من خادع أو مخدوع، فالليبرالية صادرت مفهوم
الحرّية كما صادرت الشيوعية مفهوم العدالة،
فضاعت الحرّية هنا
وضاعت العدالة هناك. شتّان بين الدولة
الديمقراطية والدولة الليبرالية.
حتّى يتضح الفرق لنستحضر أهمّ خصائص الأنظمة السياسية المتنازعة حاليا على قيادة الشعوب. وفي
البداية لا بدّ من الاتفاق على المفاهيم والتذكير بأن الاستبداد هو كلّ
نظام ، أيّا كان الشكل الذي يتخّذه (ملكي، جمهوري، جملكي، إسلامي ، قومي أو
وطني)، يعتمد في تسيير شؤون الدولة
والمجتمع على إخضاع الأغلبية لإرادة الشخص والمصالح الخاصّة عبر آليات
المراقبة والتأطير والقمع. أمّا النظام
الديمقراطي فكلّ نظام، أيّا كان
الشكل التي يتخذه (ملكي أم جمهوري) يعتمد على إخضاع إرادة الشخص للإرادة العامة عبر
ممارسة الحريات والتقييم الدوري للحاكم .
*ثمة
اختلافات هامة في فهم مصطلح ليبرالي حسب البلدان رغم القاسم المشترك الذي هو
التمسك باقتصاد السوق. ففي أوروبا يطلق الاسم على كل ما هو محافظ سياسيا بينما تلتصق
بالمفهوم نكهة تقدمية وحتى يسارية في أمريكا. وفي هذا النصّ يتّخذ المفهوم بعدا
آخر حيث يعرفها بالنظام المبني المتشدّد بخصوص الحقوق السياسية للإعلان العالمي
لحقوق الإنسان والمناوئ
للحقوق الاقتصادية والاجتماعية منها عندما تتناقض مع مصالح الأرستقراطيات المالية
التي تسيّر النظام برلماني أم رئاسي)
قد
يعطي هذا الجدول فكرة أوضح عن أهمّ الاختلافات العملية بين النظامين.
النظام الاستبدادي النظام الديمقراطي
الواجب
لا الحق
الحق والواجب
الإنسان لا عقلاني وخطير الإنسان عقلاني قابل
للتحسّن.
الطاعة هي ركيزة النظام المسؤولية الحرّة هي ركيزة
النظام
القوّة ركيزة النظام ضامن تواصله التعاقد الحرّ
مصدر الشرعية
الدكتاتور مصدر الشرعية الشعب
الناس رعايا
الناس مواطنون
الحقوق منّة الدولة الحقوق واجب الدولة
منسوب الظلم مرتفع
منسوب الظلم منخفض
منسوب العنف لاجتماعي مرتفع منسوب العنف منخفض
تضخّم نفوذ الأمن والجيش ضمور هذا النفوذ
لا
تداول سلمي على السلطة تداول سلمي على السلطة
مصادرة الحريات إطلاق الحريات
زيف المؤسسات التمثيلية
مصداقيتها
في خدمة أرستقراطيات فاسدة
في خدمة الصالح العامّ
السلطة بيد
العصابات السلطة
بيد المؤسسات
القانون في خدمة المصالح الخاصة
في خدمة المصالح العامّة
الولاء قبل الكفاءة في تقلد المناصب الكفاءة قبل الولاء
عدوانية
في العلاقات الخارجية منحى مسالم فيها
لنقارن الآن بين خصائص النظام الديمقراطي والنظام الليبرالي كما هو في
أمريكا. إن أوجه الشبه كثيرة وهي أساسا:
-اعتماد الشعب كمصدر للشرعية
-التداول
سلمي على السلطة
-إطلاق
الحريات الفردية والعامة
- بناء المؤسسات التمثيلية
- ارتفاع
فعالية الأنظمة الثانوية.
- ترجيح مبدأ
الكفاءة قبل الولاء في تسييرها.
لكن
أوجه التناقض هي الأخرى كثيرة بل و بالغة الأهمية.
النظام
الديمقراطي النظام الليبرالي
السياسات
في خدمة الصالح العامّ في
خدمة الصالح الخاص
السلطة
الفعلية بيد المؤسسات بيد الأرستقراطيات
القانون
في خدمة المصالح العامّة في خدمة المصالح الخاصة
مستوى منخفض من العنف الداخلي مستوى مرتفع
سلمية السياسة الخارجية عدوانيتها
لنذكّر
هنا إن
الدور الطبيعي لكل دولة هو تخفيض منسوب العنف لكن طبيعة الدولة الليبرالية تمنع
شيئا كهذا، فالإدارة الأمريكية
تتعهّد العنف على الصعيد العالمي بالتطوير الدائم للصناعات العسكرية
الضخمة التي تجعل منها أوّل وتاجر للسلاح في العالم. هي تتعهّده داخل
أراضيها بالتشريع
ل''حرية'' امتلاك السلاح.
لقد أدّت هذه '' الحرّية''السنة الماضية إلى مقتل إثني عشر ألف طفل بالرصاص '' المدني''. كلّ هذا لأن
الأسلحة في الداخل وفي الخارج تجارة رابحة يترك للسوق حرّية تصريفها لمصلحة البائع
والشاري دون أن يكون للضحّية رأي في الموضوع خاصّة وأن نظرية السوق لا تعترف هنا أصلا
بوجوده. ليس من باب الصدفة أيضا أن تتشارك الولايات المتحدة مع ''
السعودية'' والصين، في احتلال المرتبة
الأولى عالميا في نسبة المحكوم عليهم بالإعدام على عدد السكّان، أن تكون صرامتها
في تطبيقه لا تقلّ عن صرامة هاتين
الدكتاتوريتين، فعقوبة الإعدام من أهمّ المؤشرات على تململ المجتمع وعنف الدولة
وسياستها الإرهابية في إخضاع الجزء
المتضرّر منه.على العكس سنرى العقوبة تختفي شيئا فشيئا في مجتمعات ودول ديمقراطية لم تعد بحاجة
إليها.
ولقائل
أن يقول أننا بالتركيز على نقط الخلاف الأخيرة، نختزل عن جهل أو عن سوء نية النظام الديمقراطي في طبعته الاشتراكية
كما هو الأمر في السويد،والحال أن هناك طبعة ليبرالية لا تقل ديمقراطية عن الأولى، وإن اختلفت عنها في الخيارات الاقتصادية
والاجتماعية. لكن قراءة
متمعنة لطبيعة الدولة الليبرالية تظهر أن
القضية أعقد من هذا بكثير لأن الدولة في السويد لا تمتلك أي من خصائص الدولة
الاستبدادية بينما هذا هو حال الدولة الليبرالية. ففي الحالتين نجد أن السياسات تخدم
مصالح الأرستقراطيات الفاسدة أي الأقليات المستترة والتي لا يأتي إدعاء
التميز من العمل والعبقرية والأخلاق وإنما من المال الجشع والمضاربات والقوة
والخديعة.
أنّ القانون في خدمة
المصالح الخاصة ، أنّ السلطة بيد أقليات، أن مستوى العنف الداخلي مرتفع أن هناك
تضخّم غير طبيعي في المؤسسات الأمنية والجيش وأنّ هناك منحى
عدواني في العلاقات الخارجية
قلّ
من ينتبه إلى
الدلالة العميقة للمفارقة الغريبة التي
تجعل رائدة الحرية في الخارج و راعيتها في
الداخل كما تدّعي الإدارة الأمريكية هي نفس
الدولة التي تعرف أكبر نسبة سجناء في العالم حيث يعيش مليوني أمريكي في سبعة آلاف
سجن بني منها ثلاثة آلاف سجن في العشرين سنة الأخيرة.
ألا يعني هذا الحرب الأهلية الصامتة بين المنتفعين بالليبرالية
وضحاياها. ثمّة ظاهرة المتاجرة بعمل
السجناء وبناء السجون وتعهّدها وهذا آخر
مورد لليبرالية متوحشة لا يهمّها من أين تعتصر الدولار. قلّ من يعرف أيضا أن بريطانيا التي تعتبر
قلعة من قلاع الديمقراطية هي اليوم أوّل بلد في العالم في ميدان المراقبة الالكترونية حيث تحصي مليوني
كاميرا تحرّكات المواطنين دون أن يستطيع
أحد معرفة حجم المراقبة الأخرى التي أصبحت
التكنولوجيا الحديثة تسمح بها.
يخطئ
من يتصور أن التضييق المتزايد على الحريات الذي تشهده أمريكا اليوم بحجة حماية المجتمع الأهلي وحتى الدولي من الإرهاب هو نتيجة أحداث 11 سبتمبر فقط (وهي عملية
إرهابية مرفوضة جملة وتفصيلا). حقّا
انكمشت بهذه المناسبة الضمانات الدنيا
للحريات الفردية والجماعية وعومل المشتبه فيهم كالحيوانات وتسلّحت الإدارة
الأمريكية بقوانين لا تحسدها عليها أي من الدكتاتوريات العريقة. لكن المراقبة اللصيقة لحرية المواطنين الأمريكيين كانت دوما جدّ
نشيطة وما أغرب هذه الحرّية التي تتشدّق بها الليبرالية وهي حرّية الحركة تحت
أنظار المخبرين والكاميرا.
في سنة 2001 وأنا محروم
من السفر والهاتف والعمل والنشر وسيارة البوليس السياسي ترابط أمام بيتي أشهرا وتتبعني في كل تحركاتي، أبلغت
بحصولي على'' جائزة الكتاب المضطهدين'' وتحمل اسم جائزة '' هامت'' و''هلمان''. كم
كانت دهشتي كبيرة وأنا أكتشف
منقبا عن تاريخ كاتبين لم أسمع بهما من قبل، أنهما أمريكيان
تعرّضا في أمريكا الثلاثينات لما
يتعرض له كل كاتب عربي حرّ من حبس وملاحقة
وبنفس التهمة: معارضة النظام. وفي كتاب شيّق للأمريكية ناتالي روبنس (2) يجد القارئ تاريخا
غريبا للاضطهاد والمراقبة اللصيقة التي خضع لها طوال عقود كبار الكتاب الأمريكيين
مثل همنجواي وترومان كابوت وويليام فولكنر
وبيرل بيك وأرثور ميلر وارزا
باوند. وإبان الفترة الماكرثية في أواخر
الأربعينات تطوّر الأمر من المراقبة
والمضايقات إلى
الاستجواب والتشهير والمنع عن العمل والسجن والتهجير كما حصل لشارلي شابلن، الذي لم تغفر له الأرستقراطيات
المخفية وصفه للعمل في مصانع –محتشدات الليبرالية المتوحشة. لا غرابة في استهداف
الكتاب والفنانين لأنهم قادرون وحدهم على فضح المسكوت عنه وهو انعدام الديمقراطية
في الدولة الديمقراطية وحقيقة السلطة وطبيعة الماسكين بها. وبما أن تضليل الرعايا
جزء من إستراتجية البقاء في سلطة الظلّ فلا أخطر على السلطة من المفكّرين الأحرار.
هكذا استهدفوا في أمريكا مثلما استهدفوا في روسيا الشيوعية
وألمانيا النازية لكن بطرق أقل فجاجة وأكثر خبثا إذ كانت الأرستقراطية المخفية
بحاجة لوجودهم لإشاعة الوهم بوجود حرية غير حريتها. في نفس الوقت كان لا
بدّ لها من مراقبة هذه الحرية حتى لا تشكّل تهديدا لمصالحها. وراء كلّ هذه
الملاحقة الشرسة لكلّ ما يشتمّ منه نفس المعارضة كان هناك رجل اسمه ادجار هوفر
وخاصة الجهاز الذي يرأسه: مكتب التحقيقات الداخلي الأمريكي. في الوقت الذي كان أربعة رؤساء يتتابعون بمعدّل
رئيس جديد كل أربع أو
ثماني سنوات و يحاسبهم الشعب على الكبائر والصغائر، كان إمبراطور
المخابرات ثابتا في موقعه يقود السياسة الحقيقية
ولا يحاسبه أحد. بل كان يبتزّ هؤلاء الرؤساء
ومنهم جون كنيدي ويساهم في تعيينهم كما وقع مع صديقه الحميم ليندون جونسون.
أمّا الأغلبية الساحقة للشعب الأمريكي
فكانت تجهل وجوده، ولم يتضح حجم سلطانه
وفساده إلا ....للمؤرخين.
إن أجهزة المخابرات الداخلية والخارجية
التي تلعب دورا مركزيا في الولايات المتحدة
هي من علامات تواصل النظام
الاستبدادي لأنها تعني ضرورة بقاء جزء من
الفضاء السياسي تلفه العتمة ولا يخضع إلا
ظاهريا للقانون والقيم الرسمية. وفي هذه الجيوب المظلمة تتواصل قيم وممارسات الاستبداد
تحرك الخيوط من وراء الستار بانتظار أن تؤدي رئاستها إلى منصب رئيس الدولة كما وقع في حالة جورج بوش الأب أو في روسيا، هذا البلد الليبرالي الواعد الذي
لم يجد بالصدفة من يقوده إلا ضابط مخابرات شيوعي سابقا اسمه
بوتين.
إن ما تفضحه ردود الفعل
الهستيرية على أحداث
11 سبتمبر شهادة بليغة على
قاعدة تسنّ على أنّه بقدر ما تكون الظروف السياسية والاقتصادية
والأمنية سهلة، بقدر ما ينجح الشكل في
التغطية على الجوهر، وبقدر ما تشتدّ
المصاعب الاقتصادية والسياسية والأمنية بأسرع ما تطفو على السطح الطبيعة الحقيقية للنظام وتسقط الأقنعة
الجميلة. فللأرستقراطيات التي تحكم من
وراء ستار المؤسسات التمثيلية خطوطها الحمراء لا يجب تجاوزها وإلا ثمة من يصفّر
انتهاء حصّة اللعب.
ثمة إذن فرق كبير خلافا لما
يتوهم البعض وما يخادع به البعض الآخر،
بين الدولة الليبرالية والدولة الديمقراطية. فهذه الأخيرة هي دولة الخدمات
التعليمية والصحية والضمان الاجتماعي والحريات.
الفردية
والجماعية التي لا تراقبها عشرات وكالات الاستخبارات
والتجسّس. هي دولة ترتبط بالمجتمع بعلاقات
تعاون لا تخشاه ولا يخشاها، ناهيك على كونها تخضع للقانون الدولي ولا تعتد على أحد. هذا ما يسمح بالقول أن الدولة الليبرالية هي دولة استبدادية بغطاء ديمقراطي تتستّر به كما تتستّر الدول الرجعية بالإسلام.
يتبادر إلى الذهن هنا اعتراض قويّ. أليس القول بإمكانية الجمع بين الحريات والاستبداد كالقول بإمكانية
الجمع بين الماء والنّار؟ كيف يمكن
لمؤسسات ديمقراطية غير مزيفة كالتي نعرفها في بلداننا أن تغطّي على
الاستبداد ؟ أليست قادرة على فضحه بالرأي الحرّ وكنسه بالانتخاب النزيه الخ ؟ حذار من
البديهيات فهي تخفي دوما واقعا أعقد من ذلك الذي تصفه الدعاية والإيديولوجيا.
إن ما
يفضحه النظام الليبرالي هنا أمران لا يحبّ الديمقراطيون التعرّض لهما.
- عجز آليات
الديمقراطية الحالية عن مواجهة استبداد قادر على التأقلم و تطويق هذه الآليات بل
واستعمالها لصالحه.
- الصورة القبيحة للشعب وعلى وجه التحديد
لما يسمّى الأغلبية الصامتة. يا ما ألّهنا
هذا الشعب وأحطناه بكل هالات التقديس
وافترضنا دون أدنى حجة أنه سيختار العدل والخير
والجمال إن وضعت آليات القرار بين يديه . ويبدو أن
الليبرالية أكثر فهما للطبيعة الحقيقية لجماهير لا ترهب وتضلل وتخدع فحسب وإنما
تشترى بمستوى معيشي معيّن ، دون أن يعنيها أنه في الواقع
رشوة مقابل سكوتها عن نهب العالم وتعميق هوّة الفقر بين من يملكون ومن لا
يملكون والأرباح الخيالية والسلطة المطلقة التي تتمتع بها الأرستقراطيات الفاسدة
وحتى تقييد الحريات الجماعية.
لو نظرنا
بالتدقيق لتركيبة المجتمع
الأمريكي من الناحية السياسية لاكتشفنا أنه يتشكّل في ثلاث مجموعات:
-الأرستقراطيات التي تدير البلاد ،
منها التي يعرفها الشعب، وأغلبها تلعب دورها من وراء الستار وتستغلّ أحسن استغلال
آليات الديمقراطية التمثيلية.
- أغلبية انسحبت من اللعبة مؤقتا وقد
غنمت من الديمقراطية حقها في وضع أنفها في مشاكلها الخاصة من دون تدخّل من قبل الأرستقراطيات مع
الحصول على بعض فتات الوليمة الاقتصادية الكافي لكي لا تتمرّد. هذه الأغلبية
الصامتة والمستقيلة هي من أين تشعر ولا تشعر رعية الدولة الديمقراطية لأنها سلّمت
لقوى فوقية حق التصرّف في الشأن العامّ الذي هو في الواقع في الشأن الخاصّ للأغلبية.
-
أقلية من المواطنين تمارس المواطنة بالمعنى الأثيني القديم للكلمة أي التدخّل المتواصل في السياسة بما هي
أداة تسيير الشأن العامّ.
لا غرابة أن يكون المجتمع المدني في أمريكا هو حارس
الديمقراطية داخل الدولة الليبرالية وأن تظهر في الأفق ملامح الحرب بينهما فالمجتمع
لن يقبل إلى الأبد بأن يتشكّل من
ملايين الخدم والحشم في خدمة حفنة من أصحاب المليارات الذين يدمّرون العالم باسمه
ويستعدون عليه كل شعوب الأرض. ومن
رموز هذا الصراع اليوم أشخاص
مثل ناحوم شومسكي(3)
و ليندون لاروش ورامزي كلارك ومايكل مور والقسّ جسّي جامس و رالف نادر
الخ...
لو
قارنا بين هذه التركيبة وهيكلة المجتمع تحت النظام الاستبدادي لما وجدنا إلا
اختلافا كميا. فالنظام الاستبدادي هو الآخر مشكّل من
أرستقراطية ورعايا ومواطنين. لكن عدد المواطنين لا يكاد
يذكر وبالتالي ليس لهم القوّة الكافية لفرض الحدّ الأدنى من الحقوق والحريات بينما
عدد المواطنين لحسن الحظ من الكثافة بمكان داخل أمريكا. نفهم
لماذا يسعى النظام الاستبدادي في كل مكان و بكل قواه لمنع تكاثر عددهم وتشجيع
تكاثر الرعايا. لا تحدث النقلة الحقيقية التي تنقل
النظام من الاستبداد إلى الديمقراطية إلاّ عندما يصبح الرعايا هم الأقلية
والمواطنون هم الأغلبية. لكن العملية يمكن أن تسير في الاتجاه المعاكس وهذا ما
نشهده اليوم في الغرب. إن الانسحاب المتزايد من عملية
الانتخاب والتسليم بالعجز عن تغيير الأمور عبر ورقة التصويت،من بوادر تدهور النظام
الديمقراطي وانتقاله تدريجيا إلى نظام استبدادي أكثر ذكاء وأتقن تغليفا من
الاستبداد البدائي الذي نعاني منه.
لا
يمكننا إلاّ أن نتعاطف مع القوى الديمقراطية داخل أمريكا ولا بدّ أن نراهن عليها
هي لا على الإدارة الأمريكية . هل نحن بحاجة للتأكيد بأنه لا مجال للخلط بين معاداتنا لليبرالية المتوحشة
ومعاداة الشعب الأمريكي، مثلما لا مجال للخلط بين معاداة
الصهيونية ومعاداة السامية.
هل
نحن بحاجة للتذكير بأن
عدائنا لسياسة إدارة بوش لا علاقة له بأي عداء
للشعب الأمريكي بصفة خاصة وللغرب بصفة عامّة ؟ هل نحن بحاجة للتذكير مجدّدا بضرورة التعامل
مع هذا الأخير كطيف لا ككتلة أي التفريق داخله
بين القيم الحضارية والأنظمة السياسية والمجتمعات المدنية. وبخصوص الأولى
لا يمكن أن تكون لنا أي مشكلة معها، فالأخذ بأحسن ما فيها ودمجها وهضمها من شروط
تجددنا. أما المجتمعات المدنية فهي حليفتنا ضدّ استبدادهم واستبدادنا. وبقدر ما نطوّر العلاقات مع هذه المجتمعات بقدر ما نحدّ من خطر
أنظمتها علينا. معنى
هذا أننا لسنا في إطار صراع حضارات أو قيم وإنما في صراع مع الدولة الليبرالية
المركزية التي تريد فرض دول ليبرالية محلية تحت ستار الديمقراطية لتجعل منها
وكالات محلية لتصريف شؤونها ومصالحها. هذه السياسة مرفوضة داخل الدولة المركزية من
الأمريكيين أنفسهم الذين يدركون يوما بعد يوم أن تلاقي مصالحهم مع مصالح
النومكلاتورا الليبرالية لا يقلّ كذبا وهشاشة عن تلاقي مصالح الشعب الروسي مع
مصالح النومنكلاتورا الشيوعية يوم كان يرزح تحت الفاشية الحمراء.
*****
1-
William Blum
Rogue state: a guide to the world only superpower common
courage press 200
2-Nathalie Robins
Alien Ink . The FBI’S war on freedom of expression )
William Morrow and company
3-Noam Chomsky : Deux heures de lucidité- ed Les
arènes -2002