الجزء الأول
الثغرات والحدود
1–
الديمقراطية ليست وصفة جاهزة
ثمة ظروف نمرّ بها
جميعا يحتدّ فيها الشعور أننا، أفراد وأمم، مثل قطرات الماء التي يضخّها تيّار عاتٍ لا قبل
لأحد بالسيطرة عليه في
نهر اسمه التاريخ ...أنه لا حول لنا ولا
قوّة تجاه قوّى دفع هائلة آتية من أعماق الماضي وقوى جذب التي لا تقلّ قوّة تتصاعد من أعماق المستقبل ....أننا نتحرّك دوما في
اتجاه واحد نحو بحر اسمه الفناء . هذه
الصورة هي صورة لحظات الإحباط ونحن نتخبّط داخل التيار وفي أحسن الأحوال نطفو على
سطح الموج والزبد.
ثمة ظروف تتجدّد فينا قوى تحرّكنا، أهمّ خصائصها العناد
والتشبث والإصرار. هكذا تأتينا صورا أخرى تشحننا بالأمل
والتفاؤل ومنها تلك التي تسكنني منذ سنين عن دماغ جماعي يحرّك أمتنا قوامه لغة
الضادّ بكلّ ما تحتويه من آليات تفكير... بكلّ الكلمات والأفكار... بكلّ
القيم والتصورات التي تشكّل رؤيتنا للعالم وتفاعلنا معه... بكلّ ما تختزنه اللغة-
الوطن من عواطف ومشاعر وأحاسيس نتبادلها عبر أهازيج الأمّ وقصائد الشاعر وغناء الحدّاء ... بكلّ المشاريع التي
نحلم بتحقيقها.
تخيلوا معي أنّ هذا العقل الجماعي هو الذي يبحث
ويحلم ويفكّر ويجرّب على مرّ القرون عن أنجع السبل لبلورة أحسن ما فينا، عن أقصر الطرق
لرفعنا إلى أعلى مستويات إنسانيتنا، علما وأنه هو نفسه جزء من عقل أوسع وأعظم
وأبعد امتدادا في عمق الماضي: العقل الجماعي الإنساني.
لنتصوّر أن العقول الفردية المتتابعة في المكان
والزمان هي خلاياه
التي يجدّدها كما يجدّد الجلد قشرته السطحية... أن دورها أن تبحث به ومن أجله، أن
تقود تجاربه لتبلور أرقى حالات للوجود.
لا
شكّ في أفضلية صورة
الدماغ الجماعي على معنوياتنا من صورة النهر والقطرات التي يضخّها. ففي تشبيه
الدماغ، هناك إيحاء
قويّ بوجود تبادل حرّ بين مكونات النظام... تأثير
متبادل... تناسق وتناغم بينها ... ودور هامّ لكل الخلايا. لنتشبث إذن
بصورتنا كخلايا الدماغ الجماعي لا قطرات أعجز من تغيير مجرى النهر أو سرعة تدفقه، لأن الحفاظ
على ارتفاع معنوياتنا هو الشرط الضروري الأوّل لفعالية كل أعمالنا. هكذا سنقول أن اللغة شحنتنا نحن
الأدمغة الفردية بتراكمات أبحاث وتجارب
العقل الجماعي، أنّ هذه الأدمغة تضيف
القليل أو الكثير، الغثّ أو السمين. هكذا تتلقاها زمرة من العقول الفردية الأخرى
مهما تباعدت عنها
في الزمان والمكان، فتعيد تصنيع نتاجها
وضخّه في العقل الجماعي ليتلقاها ويقبل بها يواصل بها أبحاثه وتجاربه.... وهكذا
إلى ما لانهاية.
ثمة اليوم دعوة ملحة لكل خلايا التفكير داخل الأمة لتنتبه... لتعلن حالة الإنذار القصوى... لتبحث بكل جدية وحرية...
لتتبادل التجارب والخبرات والرؤى والأحلام والمشاريع حتى لا يكون المستقبل صورة
مملة رتيبة لكل ما في الماضي من إخفاق وفظاعة ودوران في نفس الحلقات المفرغة.
والثابت اليوم
أن العقل الجماعي فهم بعمق
لماذا تاهت الأمّة
في الطرق الفرعية، لا يسلمها تقاطع
طريق مسدود إلاّ إلى تقاطع طريق مسدود آخر. لقد أصبح واعيا أنّ السبب الأخطر
(حتى وإن لم يكن الأوحد) في المأزق الذي
تتخبّط فيه هذه الأمّة هو الاستبداد ....أنّ أهمّ عامل في تفوّق
الغرب علينا لم ينطلق ولم ينبن
على أي تفوّق تقني أو
أخلاقي وإنما كان نتيجة تفوق نظامه السياسي على نظامنا ...أن
النظام الاستبدادي، الذي
وضعنا على وجهه البشع كلّ أنواع المساحيق الإيديولوجية نفس النظام بظلمه وقبحه وفساده وعجزه عن إدارة شؤوننا، سواء أسميناه وطنيا أو قوميا أو اشتراكيا أو إسلاميا. .. ...أنّه هو الذي
قادنا إلى ما نحن عليه من حالة مزرية... أنه مرض الأمّة
العضال....أنّه القيد في يديها ورجليها ودون كسره لا
مستقبل لها ولا
حاضر. كم تخاصمنا حول طرق الخروج من هذه الحالة التي أسميناها '' التخلّف'' والتي هو أكبر أسبابها وأجلى
مظاهرها، نجرّب ولا نعلم أننا نجرّب، نخطئ
لا نعلم أننا نخطئ إلا بعد فوات الأوان. هكذا جربنا للشفاء من المرض المخجل المشين وصفات متعدّدة: ''الوطنية هي الحلّ ''،
''الاشتراكية العلمية هي الحلّ ''،
''الوحدة هي الحلّ''، ''الإسلام هو الحلّ''. و دفعت الأمة كل مرّة ثمنا باهظا
للتجربة دون أن نبرأ وإنما نزداد بتطبيق
كل وصفة مرضا على أمراض.
إن الهاجس الذي يجب أن
يسكننا اليوم ونحن أمام كلّ الخراب الذي
تركه الاستبداد : التأسيس فالتأسيس ثمّ
التأسيس.
ألسنا اليوم في وطننا العربي مثل من يسكن
مدينة مرّ من تحتها الزلزال ؟ وسواء كنّا أفرادا
وشعوبا، فإننا نعيش فوق ركام من القيم، وفوق ركام من الأفكار، وفوق ركام من المؤسسات.. سبحان من يريد أن يبني
على مثل هذا الخراب نفس البيوت بنفس الأساليب، وكل في الأمر أن
يكون لنا استبداد مؤمن بدل الاستبداد الملحد،
وكأن على المؤمن أن يلدغ من نفس الحجر ألف مرّة فلا يتعّظ ولا يتعلّم. سبحان من يريد بناء بيتنا الجديد وهو يشاهد تصدّع ديار من بنوا
وفق نفس الهندسة المعمارية.
ها نحن اليوم
أمام '' دواء'' جديد بل قل أمام إغراء جديد: أن الحلّ هذه المرّة، ما تسميه وسائل الإعلام،
الديمقراطية وحقوق الإنسان كأنهما شيئان
مختلفان والحال أن سوء الفهم هذا لا يدلّ
إلاّ على انطلاق مسلسل الأخطاء من البداية.
لا غرابة أن
تدخل كلمة الديمقراطية في تشكيل الفضاء الصوتي العامّ الذي يتحرّك داخله الخطاب السياسي
العربي وأن يعلو الصراخ بها والترديد إلى درجة الإزعاج. لا تفتح اليوم إذاعة، أو فضائية، أو جريدة،
إلا وأنت قي مواجهة الكلمة البعبع، وقد أشهرت في وجهك أحرفها التسعة ومعانيها الملتوية
ومقاصدها الخفية واستعمالاتها المتباينة
وكل ما يحوم حولها من قيل ومن قال. إنها على كلّ الألسن، ومع هذا لن تجد فهما واحدا
لها وإنما اشتراكا في بعض الشعارات التي تأوّل بألف طريقة. أضف إلى هذا التشويش
المتعمّد الآتي من محاولة التفويض من قبل النظام الاستبدادي نفسه أو من قبل الإدارة الأمريكية أو إسرائيل. والقاعدة التي يعرفها علماء
اللغة جيدا هي أنه كلّما توسّع استعمال مصطلح وعمّ ،
كلما أصابه ما يمكن تسميته بالنزيف المعنوي. فالكلمات التقنية، لأنها محدودة
الاستعمال، ''ملآنة'' بالمعنى إذ لا يمكن أن تعني الشيء ونقيضه، على
خلاف المصطلحات الفضفاضة مثل التقدم والحرية والسعادة والاشتراكية ... أو الديمقراطية.
كلها مصطلحات ينتهي بها المصير أن تعني كل شيء ولا تعني شيئا، فالألفاظ كالأحذية،
تبلى وتقلّ صلاحيتها من فرط الاستعمال ....وخاصة من فرط سوء الاستعمال.
*
لا أحد يعرف
تأثير كل هذا اللغط، وكل هذا التشويش والتشويش المضادّ على فهم العرب للمصطلح ومدى
تشبعهم به ...
خاصة مدى استعدادهم لنقله من حيز النقاش النظري إلى نظام سياسي يغير واقعهم التعيس ذلك لأن
ضبابية الرؤيا، بالرغم أو لأجل شدّة اللغط، هي القاعدة في كل المستويات. حتى وحدات الاستكشاف المتقدمة من المناضلين السياسيين عاجزة عن تصوّر مراحل انتقال
نظامنا السياسي القديم إلى النظام الديمقراطي: هل
سيقع تدريجيا، سلميا أو بالعنف، مع الغرب أم
ضدّه
؟ مع الإسلاميين أو بشرط القضاء عليهم ؟ نحن لا نعرف لحدّ الآن من
سيقود المشروع الديمقراطي العربي إلى خاتمته السعيدة ؟ هل
يمكن تصوّر حزب طلائعي ديمقراطي يقود العملية في كل قطر كما قاد الحزب الشيوعي
بناء ''الاشتراكية'' في روسيا وحزب البعث الدولة القومية في سوريا والعراق وجبهة
التحرير الدولة ''الوطنية'' في الجزائر؟ أين تقف حدود ما يمكن أن نسميه بالتيار الديمقراطي؟ هل يمكن أن يشمل جزءا من الإسلاميين؟ وفي مثل هذه الحالة هل
نحن متأكدون من فهم مشترك يجمع بين تيارات إيديولوجية متنافسة؟ إن ما يزيد من
ضبابية الأمر هو أنّ الديمقراطيين أنفسهم، الذين يقترض فيهم بلورة وتطبيق
المفاهيم، ملل ونحل. هناك جماعات لحقوق الإنسان تفهم الديمقراطية كحركة أخلاقية
طوباوية مهمتها الفضح والاحتجاج
والمطالبة مع التوقف عند خطّ أحمر وهو العمل السياسي. هذه
المدرسة غير قادرة إلا على انتظار الإصلاح من أنظمة لا تصلح ولا تصلح. أما الطبقة
الثانية فتتشكّل من التائبين وهم كلّ من جاءوا إلى الديمقراطية من الاشتراكية
والقومية والوطنية بعد
أن غرقت كلّها في وحل الاستبداد على أمل
إحياءها بجرعة من الديمقراطية ... لكن بخلفياتهم ومرجعياتهم وآليات تفكيرهم
القديمة. معنى هذا أن هذه الأخيرة شكلت بالنسبة لهم
خيارا ثانيا وربما حتى مجرّد أداة في خدمة
قيم أعلى منها. وأخيرا ثمّة جيل جديد جاء لعالم السياسة في مرحلة تشبع الجوّ
السياسي بقيم الديمقراطية فالتقط بعض شعاراتها دون أن يعني ذلك فهما عميقا لها أو انخراطا تامّا في ومشروعها. إنها حالة نجدها عند بعض أطراف الطيف الإسلامي
أو القومي لكنها
لا تنذر بنقلة نوعية وعميقة في تفكير
التيارين. ولا نتحدّث عن الديمقراطيين المزيفين، فعددهم مؤهل للارتفاع حسب ارتفاع أسهم الأفكار
الجديدة في بورصة السياسة. لكنهم لن
يتردّدوا عن البيع بالجملة إذا أحسّوا بأنها لن تحقّق لهم الأرباح المنتظرة. إن كان هذا حال
النخبة فماذا نقول عن عامة الناس التي نشأت وترعرعت جيلا بعد جيل في ظلّ قيم
وممارسات الاستبداد الأخطر من هذا كلّه أن عملية الدمقرطة
التي بدأت منذ السبعينات من داخل المجتمعات المدنية العربية، بدأت تصبح وكأنها
انتزعت من أيدينا لتتكفّل بها قوى خارجية وكأنها قضيتها التي اكتشفتها فجأة وليست قضيتنا التي نناضل من أجلها منذ ربع قرن
وأكثر.
ثمّة اليوم من يتساءل لماذا لا يأخذ الديمقراطيون العرب المبادرة الأمريكية
بخصوص ما تسميه دمقرطة ''الشرق الأوسط الكبير'' على
محمل الجدّ فيضعون أيديهم في أيديها للانتهاء من أنظمة ساقطة تجد نفسها لأوّل مرّة
بين فكّي كمّاشة
الداخل والخارج ؟ هل من الممكن أن نركب نحن الديمقراطيون
العرب المطالب الأمريكية وأن نستعملها لمصالحنا مثلما تركب الإدارة الأمريكية
مطالبنا وتحاول استعمالها لمصالحها؟
لكن،
لننظر
إلى القوى السياسية في الساحة العربية ومدى إمكانية تقبلها للمشروع الذي لا يتصور
أحد تحقيقه بدون طرف عربي يساهم في بلورته على أرض الواقع. في
البداية هناك الأنظمة. إنها لم تستجب يوما لمطالب شعوبها
الملحة لتعديل ساعتها واللحاق بركب العصر والخروج بالشعوب والأمة من الانحطاط التي
أوصلتها إليه. لكنها
رفضت كلّ تغيير جوهري يمسّ بالثوابت والمقدسات: البقاء في السلطة
إلى الوفاة وإذا أمكن توريثها، عدم المحاسبة والتحكّم في الإصلاحات بمنهجية الريّ
بالقطرة قطرة. هل ستفلح الضغوط المرتقبة، خاصة الاقتصادية منها، لدفع الإصلاحات
التي طال انتظارها؟ إن تجربتنا لأنظمة مستعدّة للتضحية بمصالح شعوب برمّتها من أجل بقاء بعض الأفراد في السلطة المؤيدة، تجعلنا نشكّ في رضوخها لضغوط لن تتضرّر
منها مصالحها المعفاة من أي عقاب اقتصادي.
إنه من غير الجدّي،
بداهة، المراهنة على قدرتها على
تبني قواعد لعبة جديدة مآلها طال الزمن أو قصر إزاحة القائمين عليها من السلطة.
أما وضع بعض المساحيق على نفس القناع البشع فلن يزيد الطين إلاّ بلّة. ولأننا لا نتصوّر أن أمريكا
سترسل جيوشها لفرض رغبتها، فإن المتوقّع أن الدكتاتوريات العربية ستتعامل مع
رغباتها كما تتعامل معها حكومة شارون بخصوص الملف الفلسطيني.
ثمة الطرف
الإسلامي المتواجد بقوة متصاعدة. وباستثناء بعض الحالات،
فإنّ أغلب تنظيمات هذا التيار مناهضة للديمقراطية ومناهضة لأمريكا. ولأنها حاملة
لبرنامج ورؤيا سياسية على طرفي نقيض من البرنامج الأمريكي فإنها
ساعية وستسعى لضربه بكلّ الوسائل.
لم يبق
لإنقاذ المشروع سوى الديمقراطيين. من هذا المنظور نفهم
لماذا تفتح مكاتب في العواصم العربية وأولها تونس لتسويق
المبادرة للنخب والقوى الديمقراطية الفاعلة في الساحة.
لكن الديمقراطيين
الوطنيين هم،
آخر من يقبل نظريا على الأقلّ الانخراط في المشروع الأمريكي وآخر من يستطيع
المشروع الأمريكي التعويل عليهم. لنتذكّر أصول هؤلاء
الديمقراطيين. هم لم يولدوا على ''العقيدة'' الديمقراطية، إنما اعتنقوها بعد أن
هاجروا إليها من الإيديولوجيات الكبرى التي كانت تسود
وطننا العربي منذ الستينات أي الوطنية والقومية والاشتراكية. حصل هذا بعد اقتناعهم
أن الخلل الأساسي في نظامنا السياسي العربي ليس الإيديولوجيا
وإنما الاستبداد. وثمة قاسم مشترك بينهم على تباين مرجعياتهم هو إيمانهم أن على الديمقراطية أن تكون
أداة تحرّرنا من الاستبداد الداخلي والتبعية للخارج، انطلاقا من قناعة راسخة بأن
الاستبداد استعمار داخلي والاستعمار استبداد خارجي. إن وطنيتهم وقوميتهم تجعلهم مثلا من ألدّ أعداء
التطبيع مع إسرائيل، خاصة في ظرف الاستئساد الشاروني،
ومن ألدّ أعداء الاحتلال الأمريكي –البريطاني للعراق. كل هذا يجعل من المستبعد جدّا تلاقي
الديمقراطيين الوطنيين مع المشروع الأمريكي.
ماذا بقي إذن؟ الديمقراطيون على شاكلة المعارضة العراقية السابقة التي
ترعرعت بفضل أموال أجهزة
الاستخبارات ودخلت بغداد على ظهر الدبابات ؟ إذا تصورت
أمريكا أن مثل هذا الطابور الخامس، الذي سيتصدّى له الاستبداد والإسلاميون
والديمقراطيون الوطنيون، كلّ لأسبابه الخاصّة، هو القادر على تسويق المشروع
الأمريكي فإن حجم خيبة أمل النهاية ستكون بحجم غرور البداية.
لم يبق إلا
حلّ واحد وهو الذي أعتقد إن الإدارة الأمريكية تراهن عليه: القوى
''الإصلاحية'' من داخل الأنظمة المتعفّنة. إنها نفس الآلية
التي أنتجت ''ديمقراطيين''من نوع بوتين في الاتحاد
السوفييتي السابق. فجأة اكتشف أباطرة الشيوعية في بداية
التسعينات، أن عهد الشيوعية قد انتهى، فانقلبوا وطنيين هنا وديمقراطيين هناك وبنوا
على أنقاض النظام السابق الذين كانوا أكبر المدافعين عنه، أنظمة وطنية
و''ديمقراطية''. يكفي أن تتجدّد العملية لنرى وزراء سابقين في
الحكومات الدكتاتورية أو ابن هذا الدكتاتور أو شقيق
ذاك
يعلن اعتناقه للديمقراطية ويبدأ في بعض الإصلاحات التي تنفس عن الاحتقان ولا تمسّ
جوهر النظام. توقّعوا انقلابات من حرير داخل الأنظمة الحالية تجدّد المظهر وتواصل
الجوهر. هكذا سيقع إزاحة السلاطين
الرافضين للتأقلم مع الوضع الجديد بأقل
تكلفة. هكذا سيسحب البساط من تحت أرجل الديمقراطيين
الوطنيين مع ما يمكن أن يشكّلوه من تهديد للسياسة الأمريكية.
لكن الأخطر
من هذا كلّه نموذج '' الديمقراطية التي يراد تصديرها لنا. هل هي برلمانات منتخبة وأحزاب تتخاصم وحكومات تذهب وتجيء وصراخ متصاعد من أعمدة
الصحافة ؟ إذا كان الأمر كذلك فقد عرفت
مصر وسوريا ولبنان، حتى عراق الخمسينيات، أنظمة ديمقراطية كنستها الانقلابات
العسكرية ولم يدافع عنها أحد ؟ ألم يحصل ذلك لأنّها كانت قشرة سطحية تعوم فوق بحر هائج من الظلم
الاجتماعي والإهانة الوطنية وثقافة استبدادية قاهرة. فأي مصلحة
لنا في قشرة سطحية أخرى وعمق البحر لم يتغيّر في شيء؟ ولأن نفس الأسباب تولّد نفس
النتائج فإنه من حقنا أن نفترض أنه لو استطاعت أمريكا فرض مثل هذه الديمقراطية لما
كانت إلا مرحلة عابرة بين دكتاتوريتين.ندر
من يتساءل عن أحقية الأنظمة الغربية وخاصة الإدارة الأمريكية الحالية في إعطائنا
دروس الديمقراطية. لقد اختارت هذه الأنظمة، إلى حدّ
الآن، لرؤية ضيقة وقصيرة المدى مساندة
النظام السياسي العربي لأنه يحمي مصالحها الظرفية ويوهمها بأنه قادر على حمايتها
من المدّ الأصولي. فهل يمكن أن نسمي
أنظمة الغرب نفسه أنظمة ديمقراطية وهي تساند التعذيب والفساد والتضليل ومصادرة
الحريات خارج حدودها ؟
يبقى السؤال المحوري
وهو هل لنا أنموذج في مواجهة النموذج الأمريكي لأن الرفض ليس بديلا عن البديل ؟ ما
هو الأنموذج
الذي نحمله في عقولنا وقلوبنا ونريد بلورته في واقعنا الاجتماعي والسياسي لكي نخرج
نهائيا من مسلسل الاستبداد وما جرّه ويجرّ من تخلّف وتبعية؟
إن
الردّ على هذا السؤال محبط للعزائم لأننا لو حاولنا الردّ عليه بنزاهة لاكتشفنا
أنه ليس لنا رؤيا محلية
للديمقراطية وليس لنا مشروع
لكيفية تحقيقها. إمّا
إذا وجد فهو نسخة طبق الأصل من المشروع الأمريكي. معنى هذا أن الدمقرطة أن نطبّق المشروع الأمريكي تحت الإملاء الأمريكي أو ....بمحض حريتنا. يا له من خيار !
إنّ القاسم المشترك بين
جلّ الديمقراطيين التسليم بأنهم أمام وصفة جاهزة لا يمكن أن يؤدي تطبيقها إلا
لتدشين عهد سياسي –اجتماعي يبشّر بكل خير. تتغيّر الأديان والعقائد وحاجة الإيمان
في الإنسان واحدة ثابتة على نفس الآمال والأوهام.
إن
انتصاب النظام الديمقراطي في شكله الغربي وخاصة الأمريكي في أكثر من مئة بلد،
أحيانا على امتداد قرن، بلور عيوبه
البنيوية المتعدّدة و أظهر كيف يمكن أن تشكّل بعض آلياته تهديدا جدّيا للمشروع
الديمقراطي نفسه.
وعين الرضا عن
كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
ولو استمع الشيوعيون في
الثلاثينات لرأي أعداء الشيوعية وفهموا أن عين السخط هي بمثابة مجهر يضخّم عيوبا حقيقية ولو سارعوا
لهذه العيوب، ربّما أخذ التاريخ مجرى آخر.
وإن كان لهذه الملاحظة أهمية ففي تذكيرنا أن كل العيوب
التي نخرت في الوطنية والقومية والاشتراكية، كانت موجودة في الآليات والمؤسسات
والأفكار والقيم التي ارتكزت عليها... أنها لم تفعل
سوى التبلور عند التمكّن من مقاليد السلطة. وهذه قاعدة عامة لا نظنّ أن
الديمقراطية بمنجى منها وهو ما يتطلب أن نسائل أنفسنا ما هي السلبيات التي تحملها
ونتعامى عنها مما قد يجعل تضحياتنا تذهب سدى كما ذهبت سدى طموحات الاشتراكيين وقد
خانتهم اشتراكيتهم قبل أن يخونهم العالم.
من أين لنا التخطيط المحكم ونحن نفتقر
للحدّ الأدنى من الرؤيا؟
لا يمكن أن
يخرج أي شيء إيجابي، سياسيا أو ثقافيا، من
كل هذه الفوضى الفكرية، من هذه السطحية في تناول إشكالية بأهمية غرس الديمقراطية
كبديل لنظام استنزف طاقات الأمة وأهدر كرامتها وحقوقها على امتداد أربعة عشر قرنا.
إن ما نحن بأمسّ الحاجة إليه هو رؤيا فكرية واضحة لما نريد وما تقدمه لنا
الديمقراطية، مع فهم لنواقصها وحدودها، الشيء الذي يمكننا من الاستعداد لكل مترتبات هذه
السلبيات والبدء في التفكير في طرق تداركها.
إن
هدف هذا الكتاب ليس الطعن في الديمقراطية على شاكلة أعداء الديمقراطية، وإنما على
العكس الدفاع عن قيمها وأفكارها ومشروعها،
لكن عبر قراءة نقدية، تعتمد على التجربة
وتتعظ بها وتستعملها لتجاوز لا بدّ أن يأتي يوم يقع فيه تجاوزه هو الآخر، لأن سنة
الحياة كانت وستبقى '' تتناهى النصوص (والعقائد والنظم السياسية) ولا تتناهى أحوال
الناس''.
لا جدال في
تفوّق قيم وأهداف الديمقراطية على أي مشروع سياسي آخر. لكن
القضية في الآليات وقد بدأت بعضها تبدي وهنا مثيرا للقلق الشديد. من أين لنا
الاعتقاد بأن الديمقراطية هي المخرج من الأزمة وهي نفسها في أزمة؟ ألسنا في وضعية من يستميت في السعي إلى إطعام جوعان غذاء فاسدا
؟
حتى
نتعلّم من تجاربنا مع ''الاشتراكية هي الحلّ'' و''الوحدة هي الحلّ''، لا بدّ من أن نضع العقل قبل النقل. وحتى لا
نرمي يوما بهذا الحلّ نلعنه ونشتم اليوم الذي آمنا به كما فعلنا مع الوطنية
والوحدة والاشتراكية، لا بدّ أن نقلب ''البضاعة'' جيّدا. لابدّ أن نتساءل عن كل
عيوبها ونواقصها وأن نقيم تجربتها أينما
جربت. معنى هذا أن علينا وضع كل الحلول ومنها الديمقراطية على طاولة التشريح لا
تنهينا عن الأمر قداسة ولا ترهبنا سلطة
سياسية أم معنوية، هدفنا الفعالية ودافعنا
سوء الظن والنية والشكّ بكل ما
يقدّم على أساس أنّه ''وصفة'' جاهزة يمنع أن
نستشف وراءها الخطأ الآدمي والنسبية الآدمية وتاريخية الأفكار الآدمية
والتفويض الآدمي لكل ما هو جميل ونبيل من أجل تحقيق صنف أو آخر من المصالح الخسيسة.
إن الدمقرطة
العربية ،إن حصلت، لن تكون إلا لحظة من بحث العقل
الجماعي عن الطريق والمرفأ. إنه بحث انطلق منذ ولادة الأمّة وتواصل طوال جاهليتها
وإسلامها وحداثتها، عبر أدمغة-خلايا نذكر
منها أبن عقل وعروة بن الورد والشنفرى وعنترة و بلال وأبو ذرّ وابن المقفع وعبد الحميد الكاتب والمعرّي والكواكبي وقاسم أمين
وأبو القاسم الشابي وأيليا
أبو ماضي الذي ذكّرنا بما لا يجب أن يغيب عنا يوما
لا يقتني المرء مذهبا وإن
جلاّ إلا كان في عنقه غلاّ.
وبطبيعة الحال فإنّ كاتب هذه
السطور لا يدّعي أن القطرة استوعبت إرادة النهر،
أنّه أصبح يفهم هذا العقل الجماعي أو يتحاور معه. هو
مثل كل عقل فردي أعجز من أن يرتقي إلى فهم مقاصد وأهداف وتقنيات النسيج الذي هو
جزء منه ولمحة خاطفة من زمنه الطويل. لكنه كجزء من
الشبكة، يعبّر عمّا يختلج داخلها من تردّد وتساؤل وحيرة وقلق. وكجزء
من الشبكة هو مطالب بتأدية وظيفته في المساهمة في التوضيح والبلورة والاستكشاف،
لتتلقّى بقية أدمغة الشبكة مقطعا من خطاب مسترسل، تنطلق منه مواصلة وإضافة وتحويرا
وهكذا إلى ما لا نهاية من أجل حسن القرار. فالأمر الذي يخيّل لي سماع
صداه يتردّد في وعي أمّة أرهقها الإخفاق وراء الإخفاق وفقدت احترامها لنفسها
واحترام العالم لها من طول دورانها في الحلقات المفرغة وضياعها في نفس الرمال
المتحرّكة هو: لا حقّ لكم في تجربة فاشلة أخرى.
****