2- جذور الاستبداد.

 

لقد وفّر الحديث حول الإصلاح، على نفسه الخوض في أصعب الإشكاليات وأهمها: أسباب قدم الاستبداد ودوامه بل وقدرته على التجدّد وكأنّه طائر الفينيق يبعث حيّا بعد كلّ اغتيال أو وفاة.

إن مقولة موت الأنظمة العربية في العقول والقلوب، وإن كانت صحيحة تعني الأنظمة المستبدّة الحالية،  لكن هل مات الاستبداد في العقول والقلوب ؟ ها نحن مجدّدا أمام خطر التهابه عبر الإسلام السياسي بعد أن اكتوينا بقوميته ووطنيته واشتراكيته. إن ما تظهره حربنا المتواصلة على الظاهرة هو أنه لا أسهل من الخلاص من المستبدّ ولا أصعب من الخلاص من الاستبداد وكأننا لا نتعلم أبدا من تجربة باهظة الثمن.

قيّموا لحظة عمق التخلف والخراب الذي تسببت لنا فيه حفنة من الأشخاص تسميهم الصحافة الزعماء العرب. وبالمناسبة لنذكّر بوجود أزمة مصطلحات لتعريف هؤلاء الناس الذين نصّبوا أنفسهم أوصياء مؤبّدين على مصير الأمة. نحن لا نستطيع تسميتهم قادة لأن القائد من يقود... والقيادة تعني دوما فتح طريق الشعوب وتعبيده إلى... الأمام وإلى فوق. هؤلاء الناس ما انفكّوا يجرّونا إلى الوراء وإلى تحت. لا يمكن أن نسمّيهم زعماء لأن الزعامة هيبة ومصداقية وقدوة. هي كل الخصائص التي لا يعترف عربي صادق واحد بوجودها فيهم. لا يمكن حتى وصفهم بالحكّام لأن في  الكلمة ضمنيا  معنى  الحكمة. ولو كان لهم منها الحدّ الأدنى لما وصلنا إلى هذا الحضيض. ولأن وجودهم مرتبط بالسلطة والتسلّط، فلنسمهم  السلاطين فهذا المصطلح أدقّ وصف وأقرب  تعريف  لهم  إلى الموضوعية.

المهمّ تذكّر ملايين الموتى بالحرب والتطهير وجو الرعب الذي عاشت فيه أمم كبرى عقودا، ناهيك عن بقية التكلفة الاجتماعية الهائلة لمرور أشخاص على السلطة مثل هتلر وستالين وماوتسي تونج  وبول بوت وصدّام حسين. يبقى الإنسان مشدوها أمام ما يستطيع فرد واحد التسبّب فيه من كوارث...ومع ذلك تواصل إنتاج هذا النوع من رجال السياسة .

لماذا نصنع  نحن وبقية الأمم بدون توقف المستبدّين  رغم تكلفتهم الباهظة   ؟

 

                                                                

لنبدأ بالتساؤل عن  طبيعة المستبدّ ،  هذا الشخص –اللعنة على شعبه وأحيانا على العالم بأسره .

لقد تغلّب في القرن الأخير الرأي القائل بأن ما يتحكم في مجرى التاريخ هو صراع البنى الفوقية والتحتية مثل الطبقات أو الإيديولوجيات أو الحضارات ،  أمّا الأشخاص فمجرّد أدوات في خدمة قوى تتجاوزهم.  المضحك في الأمر أن الماركسية ، التي نظّرت أكثر من أي مدرسة فكرية أخرى لهذه المقولة ، هي التي أفرزت ستالين وماو تسي تونح وبول بوت   وقد اثبتوا كلهم  ما لشخص واحد من قدرة هائلة على التحكم في  الهياكل  الكبرى التي يفترض  أنه مجرّد أداة لها . كيف يمكن تفسير الظاهرة؟

قد يكون نموذج البيولوجيا للفيروس والأنظيم Enzyme ،مدخلا لفهم الظاهرة، علما وأننّا لا ندّعي تشابها مطلقا بين الجسم البيولوجي والجسم الاجتماعي. فالفيروس، مثل  الدكتاتور،  خليّة بسيطة  لا يحسب لها حساب إذا قارنتها  بالعدد المذهل لخلايا  الجسم وتعقيدها المخيف. ومع هذا فيا  للقدرة الخارقة التي يمتلكها  لإلحاق أذى لا يقاس ببساطة تركيبه أو حجمه. هو يستطيع أن يتسلّل إلى الجسم  فيدمّره عبر تقنية ثابتة تتمثّل في الاستيلاء على آليات تسيير الخلايا وتفويض  قدراتها لصالحه الخاص غير عابئ  بما في هذا من  تدمير بقية  الجسم.

 هذه القدرة هي  نتيجة خاصية هامّة لهذا الأخير. هو نظام يخضع لسلطة مركزية موجودة في نواة الخلية. إذا استطاع الفيروس الوصول إلى مركز  النظام هذا استطاع الاستيلاء على كامل الجسم. ثمة خاصية أخرى تفسّر الأمر. كلّما تزايد تعقيد الجسم،  كلّما تزايدت نقط ضعفه وسهولة إلحاق عطب به. فحتى حصاة من الكالسيوم لا يتجاوز قطرها  بعض المليمترات مثلا،  يمكن أن تسدّ المجاري البولية متسبّبة  في آلام مبرحة وأحيانا في تعفّن ومرض الكلية. نفس الشيء عن حصاة الكوليسترول التي  يمكن أن تسدّ الشرايين القلبية فتكون الجلطة فالموت الصاعق  أحيانا. كذلك المجتمعات البشرية. هي أيضا  هياكل حية  بالغة التعقيد  تملك  أجهزة حيوية يسهل  إلحاق العطب بها ومن أخطرها نظامه السياسي الذي هو بمثابة الجهاز العصبي عند الإنسان. قد يجد البعض أن هناك إجحافا كبيرا في مواصلة التشبيه والقول إنه كما تؤدي إصابة الدماغ بالفيروس إلى ظهور أعراض الشلل والعته،  فإن إصابة الجهاز العصبي للمجتمع بالدكتاتور تؤدّي إلى نوع من الجنون سياسيا واجتماعيا. لكن أليس تعامل النظام الاستبدادي  مع الواقع مجنون بالمعنى الطبّي للكلمة،أي منفصل عن الواقع ومتطلباته ومناف للمنطق والعقل؟ أليس  التنكيل الوحشي  بالبشر على امتداد العقود الطويلة خير  دليل على اختلال المدارك العقلية  للنظام ككلّ ؟  أليست قصص المؤامرات التي تحاك في الظلام ضدّه  والهوس الأمني الدائم الذي يحيط بالدكتاتور من ظواهر أخطر الأمراض العقلية: البارانويا أو عقدة الاضطهاد. أليست المجتمعات المصابة بمرض جهازها العصبي غير قادرة على تحقيق أهدافها والفوز بقصب السباق مع  أمم تنافسها الريادة والخلق الحضاري، لأنه لا يمكن لمجتمع  مشلول أو ''مجنون''  أن يسابق طليقا  سويا وينتصر عليه؟

يبقى لحسن الحظّ أن التاريخ لا يحفل فقط بأسماء أفذاذ  القتلة بالجملة والذين قادوا شعوبهم إلى التهلكة  هو حافل أيضا بأسماء تنحني لها الرؤوس إجلالا لا خوفا ولا طمعا.

 نعود  للبيولوجيا وما تسميه الأنظيم. هو أيضا  مكوّن عضويّ وحيد  بالغ الصغر. لكنه خلافا  للفيروس عامل  رئيسي من عوامل  البناء والتشييد. فلولاه لما استطاعت المفاعلات الكيماوية الضرورية لحياة الجسم  أن تضطلع  بوظائفها. وفي غيابه تتوقّف عمليات البناء والإصلاح أو تتباطأ بشكل رهيب. هو يلعب دور المحرّك والمنشّط والموجّه للطاقات الكامنة في الجسم.  من هذا المنطلق يمكن القول أنّه بقدر ما لعب صدّام حسين دور فيروس العراق بقدر ما كان نلسن مانديلا أنزيم جنوب إفريقيا.

ذلك هو  دور الشخص الفذّ  في مفاعلات التاريخ. هو يستعمل ما فيها من مخزون مدمّر ليدمّر فيكون فيروس شعب، أو يوظّف إلى أعلى المستويات ما يوجد بداخلها من طاقات بنّاءة  ليبني،  فيكون أنزيم أمة وحتى حضارة بأكملها.

تنتهي هنا  حدود التشبيه البيولوجي لأنّ الفيروس المجتمعي ليس مثل الفيروس الذي يرتطم به الجسم عندما يصاب بالحمى الصفراء أو نقص المناعة المكتسب . هو ليس حدثا طارئا وليس صدفة سيئة وليس عاملا خارجيا دخل الجسم عنوة واغتصابا. هو افرازة من افرازات المجتمع.

*                                                            

السؤال: إن كان من السهل فهم إفراز المجتمع لأنظيم مثل مانديلا أو غاندي  فلأي سبب يفرز فيروسا خطيرا  مثل  هتلر أو ستالين  أو مصيبتنا الكأداء: الطاغية العربي لبس عمامة شيخ أو  قبعة شرطي أو خوذة عسكري ؟

  انظر إلى ظروف انتصاب أي دكتاتورية. ستجد أنها كانت نتيجة  حالة لا يتحملها  أي مجتمع: الفوضى. انظر إلى الظروف التي يجيد الدكتاتور  استغلالها خلقا وتفويضا للاستيلاء على السلطة أو البقاء فيها . ستجد دوما أنها ظروف تتعلّق  بصفة مباشرة أو غير مباشرة بنفس الظاهرة .

ثمة ثلاث حالات رئيسية تبرز فيها الصلة الوثيقة بين الفوضى والمستبدّ  ( بما هو حجر الزاوية في منظومة كاملة من الأشخاص  والأجهزة و''القيم'' والتبريرات الإيديولوجية لممارسة السلطة كتسلّط):

-هو يغتنم  وجودها أو يهدّد بظهور بوادرها لتقديم خدماته للقوى التي ترهبها.

- يصنعها  ليبرّر انقضاضه على المجتمع حتى  تتواصل الحاجة إلى القبضة الحديدية. توقّعوا دوما من مخابرات كلّ نظام استبدادي في وضع صعب، أن تبادر، هي لا غير، لوضع القنابل  بغية إشاعة جوّ من الرعب أملا في التفاف الأغلبية الصامتة حول الممرض الشافي.

- يخلق ظروفها الموضوعية ،  فلا شيء يساهم في تكوينها ولو ببطء شديد  أكثر من نظام  مبني على ثلاثية الفساد والقمع والتضليل.

ما الذي نعنيه بالفوضى ؟ إنها أزمة استثنائية  يمرّ بها المجتمع ، تتميّز بانقلاب  موازين القوى، ليصبح من هم تحت فوق، ومن هم فوق تحت ،مع اختفاء الحدّ الأدنى من الأمن الفردي والجماعي وبروز المخفي والمكبوت من العنف والهمجية القديمة. يحصل  كلّ هذا نتيجة  تبخّر مؤقّت  لسلطة كانت تحمي نظاما سياسيا واجتماعيا معينا  بالترغيب أحيانا وجلّ الوقت بالترهيب.

ما من شكّ أنّ المجتمعات الآدمية قادرة على تحمّل كلّ شيء إلاّ  مثل هذه الحالة التي تضرب كلّ مقومات حياتها وتعيدها إلى ما قبل التاريخ. وقد تكون ذكرى مثل هذه ''الزلازل'' وما ألحقته من ضرر مريع هي التي تجعل من الاستقرار مطلب كلّ مجتمع إنساني. قديما قال أجدادنا ''ألف ليلة  تحت  سلطان جائر خير من ليلة واحدة  دون سلطان''. ثمة أشكال أخرى من الفوضى لا تظهر بانفلات الأمن في الشارع وإنما في استشراءها داخل العقول والقلوب عبر حالة متميزة بالقلق والتململ الناجمة عن  شعور عارم بأن الأمور تسير في الاتجاه الخاطئ  وأن المجتمع على حافة  الهاوية. لا بدّ من حلّ سريع وجذري للمخاطر المحدقة بالمجتمع، الحقيقية والوهمية، فالاستقرار طلب الطبقات الساحقة  مثلما هو طلب الطبقات المسحوقة. هو لا يحمي مغانم الأولى فقط،  وإنّما يحافظ  أيضا على النزر القليل الذي تحصلت عليه الثانية بشقّ الأنفس.

ها قد دقت ساعة'' المنقذ '' وهو شخص   يفترض منه أو يفرض على الآخرين  فكرة قدرته على تعديل الميزان وجعله يعود إلى نقطة التوازن المطمئن . وفي اللحظة  التي يبدأ  فيها الشخص عمله كأنزيم محتمل ومأمول فيه ،تبدأ المفاعلات المعقدة التي ستجعل منه الفيروس القاتل والمجتمع في كلّ هذا كالمستجير من الرمضاء بالنار.

 ثمة شبكة معقدة من الأسباب لتفسير الانتقال من الوظيفة '' الأنزيمية'' إلى الوظيفة''الفيروسية ''.

هناك  في البداية شخصية '' المنقذ''  .

دافع فرانك هربرت الكاتب الأمريكي الشهير عن نظرية للسلطة  جدّ متشائمة وملخصها أن هذه الأخيرة  وخاصّة المطلقة ، لا تستهوي إلا من بنفوسهم مرض عقلي خطير.

    ومن هذا المنطلق لم أستغرب شهادة شاهد من أهله تقول بمنتهى الوضوح أن بورقيبة كان مجنونا بالمعنى الطبي للكلمة وهو ما يفسر  الكثير من مواقفه الهوجاء وآخرها تسمية بن علي.

وحتى لا أتهم بالكذب وسوء النية وتصفية الحسابات العائلية والعقائدية بالوسائل الخسيسة مع ميّت ،  فإنني سأكتفي بتقديم شهادة محمد الصياح وكان في وقت ما  خليفته المحتمل. فيه   أما من سيبحث عن المهرب بالقول  أنني أخرجت الجملة من سياقها فما عليه إلا أن يعود للمصدر (1). إذن يقول الصياح :

 

‘’Bourguiba présenta les signes d’un nouvel accès de ce qui avait été diagnostiqué chez lui par certains médecins traitants en France et aux Etats- Unis   comme une psychose maniaco- dépressive. Cela lui a valu ، un séjour de plusieurs mois à Genève   en 1971 où il était suivi par l’équipe du professeur AjuriaGuerra .’                                                                                 

 

والآن هذه هي الترجمة الحرفية '' لقد أبدى الحبيب بورقيبة أعراض نوبة جديدة مما شخصه عنده بعض الأطباء المباشرين في فرنسا والولايات المتحدة تحت اسم الجنون الدوري . وهذا ما أدى مثل سنة 1971 إلى البقاء أشهرا عديدة في جنيف تحت مباشرة طاقم الأستاذ أجوريا جرّا''

 هنا  سأسمح لنفسي بالتعليق أو على وجه التدقيق بالشرح كطبيب مختص في أمراض الجهاز العصبي 

1-في السبعينات كنت أعدّ مسابقة الإقامة في المستشفيات الجامعية واذكر أنني كنت أتمرّن على حفظ رسوم  ألأستاذ السويسري المشهور جدّا '' أجوريا جرّا ''في خرائط الدماغ لأنه كان من أكبر الأطباء  في الأمراض العقلية .  إنّ طبيبا كهذا لا يخطئ  في تشخيص مرض  جدّ'' بسيط'' كالذي عانى منه بورقيبة ، فتشخيص الجنون الدوري  من إمكانيات  طالب في السنة الخامسة لما فيه من أعراض تعمي البصر. لكن انتبهوا إلى قول الصياح أن الأطباء الأمريكيين والسويسريين هم الذين قاموا بالتشخيص  أي ليس الأطباء التونسيون الذين كانوا يعرفون الحقيقة وأخفوها عن الشعب. أليس كذلك يا '' زملائي'' الأعزّاء '' ؟ قيل لي عندما  بحثت  في الموضوع مع بعض  قدامي البورقيبيين أن هؤلاء

'' الأطبّاء''  كانوا يتملقون الرجل بافتعال الغضب من هذا التشخيص  وربما منعوا عنه الدواء الكفيل على الأقلّ بتحجيم الجنون.

2-المرض المسمى psychose maniaco-dépressive هو مرض عقلي ومن ثمة كلمة psychose وضدّها مصطلح  névrose   الذي يطلق على الاضطراب النفسي وهو بالطبع أقل خطرا . ويتمثل  المرض في المرور من انهيار عصبي تامّ يترك المرء شهورا مشلول القوى في حالة متواصلة من  الحزن والكآبة وسوداوية مزاج إلى حالة هيجان وصخب وحيوية فائقة وسرعة التفكير واتخاذ القرارات الحمقاء مثل بيع حلي الزوجة  لأول عابر سبيل بأبخس ثمن دون استشارتها أو تدمير البيت لبناء آخر فوقه بحجة انه لم يعد صالحا للسكن. وثمة  من يتأله ومن يتنبأ ومن يفتح له  عيادة طبيب وهو ممرّض الخ .... لهذا يقع الحجر بسرعة على هؤلاء المرضى إلى أن تمرّ فترة الهيجان ويدخلوا من جديد في فترة الانهيار العصبي ويقع الحجز عليهم في هذه الفترة  لمنعهم من الانتحار.

3-ثمة أدوية تعطى لهؤلاء المرضى  لتسوية مزاج متقلب على أمل تمكينهم من حياة عادية لكن المراقبة مستمرّة إلى الموت حيث  لا علاج نهائي  لهذا الخلل المزمن.

4-هذا الرجل الذي يبعث أمثاله إلى مستشفى  الرازي  هو الذي سماه البرلمان رئيسا مدى الحياة سنة 1974  وهو الذي قاد بلادنا سنينا وعقودا  واتخذ كل القرارات المشئومة  التي تعرفون .

الغريب في الأمر أن شهادة بمثل هذه الخطورة – والخطورة الفائقة- مرّ عليها الجميع مرّ الكرام ، وقد يكون عرضها في كتاب لا يقرأه إلا المختصون ولن يترجم يوما للعربية وملخّص لقاء أكاديمي .... أقول

قد يكون كل هذا من باب إخفاء حقيقة دامغة بعرضها من بين جملة معلومات كثيرة حتى تضيع في الزحمة والتعقيد والابتذال ولا ينتبه لمعناها أحد. لسوء حظّ أصحاب هذا النوع من التعتيم الذكي يتصادف أنني اقرأ وبحكم مهنتي لا زلت أعرف ما معنى  مرض عقلي خطير مزمن  نسميه بالعربية ''الجنون الدوري ''.

الثابت أنّه يجب أن تكون ''للمنقذ'' مهما كانت خطورة أمراضه النفسية أو العقلية  جملة من المواصفات لتأدية المهمّة وتختزل كلها في القبضة الحديدية .

لكن من يقدر على التضحية بالثلث الفاسد لإنقاذ الثلثين الصالحين حسب التعبير الشهير الذي قال به علماء المسلمين في عهد عمر سوى دكتاتور قادر على الفتل بلا شفقة.

لنتذكّر أن القمع الضروري لفرض الاستقرار مثل علبة ''باندور'' الشهيرة في الأساطير اليونانية. ما أن تفتح هذا الباب حتى يستحيل إغلاقه ذلك لأن العنف يولّد الأحقاد والأعداء وهو ما يتطلب رفع مستوى الحيطة والحذر عند الشخص  الجالس على سدّة التسلّط.  هكذا سترى السلطان  يزيد  في تشديد القبضة الحديدية... الشيء الذي يؤدي ضرورة إلى ظهور مقاومة أقوى  لا بدّ أن يكسرها  بمزيد من العنف ، ممّا يؤدي إلى توسّع جديد في دائرة الأعداء وهي ستضمّ  طال الزمان أو قصر أقرب الناس إليه. تتعمّق عنده   البارانويا إن كانت موجودة من قبل،  أو تبرز وتتطوّر بحكم الوضع الذي هو فيه. يعرف أطبّاء الأمراض العقلية أن خطر  المصابين بالشيزفرانيا  أو انفصام الشخصية هو الانتحار،  أمّا خطر المصابين بالبارنويا فهو القتل. هم  دوما في حالة دفاع مرضي عن النفس،  يتوهمون أنهم في حالة حصار من قبل أعداء  لا عدّ لهم ولا حصر. معنى هذا أن المجتمع لعب بالنار عندما وضع مصيره بين يدين لا تخشيا سفك الدم. شتّان بين مردود الحزم بالقانون والإرهاب خارج كل قانون  لحلّ مشاكل المجتمع.

 حقا لا يجوز لنا الادعاء أن كل مستبدّ مريض عقلي مصاب بهذيان البارانويا أو جنون العظمة. لكن يحق لنا  القول أن  داخل شخصية كل مستبدّ استعدادا  كبيرا لبلورة خصائص مرضية تصل أحيانا الجنون الكامل عند طغاة حفظ التاريخ أسماءهم مثل كاليجولا ونيرون ومراد الثالث. إن التعامي عن هذا  الجزء من حقيقة النظام الاستبدادي قد ينطلق  من سياسة النعامة إذ نفضّل كلّنا  أي فرضية على أن يكون المجتمع  بين يدي مجون لا يحال  إلى أقرب مستشفى للأمراض العقلية وإنما تتعبّد له  الجماهير  كرها أو طوعا. المرعب في نظرية هربرت أنّه لا أمل لنا يوما في حكم سويّ لأن  السلطة لا تجذب إلا المرضى. أمّا الأسوياء فمشغولون عنها بما هو أهمّ. أضف إلى هذا أنّ الأنظمة السياسية لا يمكن أن تستوعب كل المصابين بالبارنويا وجنون العظمة في المجتمع ، فالدكتاتور واحد من بين  آلاف، نجح في الوصول إلى أعلى مراكز القرار وبقي الآخرون احتياطا لا ينضب لتجدّد الاستبداد، ينتظرون فرصتهم . في الأثناء فتحوا  لمجال مرضهم فضاء العائلة والجمعية والحيّ  والإدارة والمؤسسة الاقتصادية.

                                           *

يبقى أنّ شخصية المستبدّ لا يمكن أن تفصل عن الوظيفة السياسية التي حمّلها إياه المجتمع وخاصة الأدوات التي يعتمدها للتغلّب على الفوضى.

نحن نعلم أن  المطلوب من المستبدّ تقديم حلول جذرية وسريعة بتركيز كل السلطات بين يديه والحال أن مشاكل المجتمع المتراكمة من قديم زمان لا تحلّ إلا بسياسات معقدة طويلة المدى بعيدة العطاء  لا تخضع فقط للإرادة الفردية المطلقة من كل عقال. لا خيار للمستبدّ سوى الركون إلى ستراتجياته الثلاث وهي  التضليل حول النتائج الباهرة التي وصل إليها وشراء الضمائر وخاصة إرهاب الدولة للقضاء على المشككين في نجاعة السياسة المتبعة.

إن ما يحققه الاستبداد  في بداية انتصابه هو  استقرار المستنقعات حيث السطح هادئ والأعماق زاخرة بالعفن. هو يذكّر أيضا  باستقرار البركان الذي ترعى الأغنام على سفحه وفي أعماقه تغلي مراجل الحمم. لا غرابة في  ذلك  لأنّ الاستبداد  لا يلغي الأسباب التي أدّت إلى الفوضى  وإنّما يغطّي عليها. وفي صورة أخرى هو مثل الجرّافة  التي  تهشّم كلّ ما يقف أمامها لكن قوّتها لا تؤدّي إلى  استئصال  النباتات'' المضرّة '' وإنّما إلى دفنها  أعمق في التراب لتزهر من جديد حال توفّر أوّل فرصة لذلك.

معنى هذا أن الاستبداد هو دوما إرجاء باهظ الثمن لمشكلة لا حلّ لها في إطاره وإنما في إطار آخر وبعقلية أخرى ومنهجية مختلفة تماما.

إن أسباب الفوضى دوما متشابكة بالغة التعقيد ولا ينفع فيها على الأمد الطويل لا التضليل ولا شراء الضمائر ولا إرهاب الدولة، وإنما تساهم كل هذه العوامل في تغذيتها وتقويتها لجولة جديدة من التمرّد والقمع. هكذا يعيد السلطان عقارب الساعة إلى الصفر ليبدأ فصل جديد من الانزلاق نحو الفوضى تحرّكه قوى ثلاث: الظلم والقدوة السيئة والتراتبات السلبية للعنف الأعمى.

وبخصوص  الظلم فإنه ليس بالضرورة الظلم  في المطلق بقدر ما هو عجز الأرستقراطيات  عن شراء السكوت عنه بما يكفي من الفتات. ففي أمريكا مثلا هناك من الفتات ما يكفي لكي تقبل الأغلبية الصامتة بالتفاوت الطبقي الرهيب يحدوها الطمع والوهم بأنها قد تستطيع بين عشية وضحاها الالتحاق بركب المنتصرين ولو على جثث  كل مهزومي الأرض.  لكن عندما تتناقص كمية الفتات وتنزل تحت خطّ أحمر ويتضح استحالة دخول النادي المغلق،  تبدأ بوادر الثورة  في أي مجتمع.

إن من أهمّ تراتبات السلطة المطلقة الفساد بما هو حقّ التصرّف المطلق في الأعراض الخاصّة والثروات العامّة. لكن المجتمع السليم مبني دوما على العكس أي على الاحترام الدقيق للأعراض الخاصة والثروات العامّة. معنى هذا أن الفساد الذي يصاحب الاستبداد هو بمثابة البكتريا التي تحلّل الأنسجة وتفكّك الروابط التي تجعل من الأنسجة أعضاء ومن الأعضاء جسما سليما. إن أخطر ما في الفساد ليس كمية الأموال العامّة المسروقة، أو عدد التجاوزات الأخلاقية بقدر ما هو القدوة السيئة.  فالناس دوما على دين وطبائع ملوكها. ضع فاسدا على هرم السلطة  ترى الفساد يتسلل كالسرطان إلى كل خلايا المجتمع  ليقضي تدريجيا على كل القيم والقوانين التي تغرس فيها المؤسسات السياسية والاجتماعية  جذورها. هكذا رأينا الفساد يصبح ممارسة طبيعية عند أبسط أعوان  الشرطة والقضاء والإدارة والمؤسسات  الاقتصادية. ولا مجال لإيقاف هذا التحلّل والتفكّك إلاّ   بضرب رأس النظام   الذي يعتقد أنه يمكن مواصلة التضليل  عبر شعار : افعلوا ما أقول ولا تفعلوا  ما أفعل. 

القوّة الثالثة  هي سلبيات القمع. ثمة تصاعد الأحقاد عند الضحايا الذين تتسع دائرتهم بطول الوقت. لكن ثمّة خاصة الأثر الجانبي  للعنف الأعمى. إنّ  لدواء ''الفينوباربيتال ''( الذي يوصف لمرضى الصرع)، مفعولا عاديا: تهدئة الأعصاب.  لكن عند عشرة في المائة من الناس هو دواء يثير ويهيّج. أمّا القهوة فهي  عند الأغلبية منشّط، لكن مفعولها العكسي يجعلها أحسن مخدّر بالنسبة لأقلية من النّاس. كذلك الأمر بخصوص القمع. يلعب  مفعوله العادي دوره في زرع الرعب عند الأغلبية وإجبارها على الخضوع. لكن هناك المفعول المعاكس الذي  يستثير ويحفّز ويصطفي ويجمّع نوعية قارّة داخل المجتمع  هم  المتمرّدون. هذه الملّة الملعونة من قبل كل استبداد،  هي التي ستطيح به لأنها تتغذّى بالقمع وتقوى به ثم هي التي تنقل عدوى الشجاعة إلى  المسحوقين.

هكذا تتراكم يوما بعد يوم أسباب الفوضى الجديدة وتعود دار لقمان على حالها  عشية عملية ''الإنقاذ''. إنها  كالفيضان الناجم عن تراكم الأوساخ في مجرى النهر وارتفاع منسوب الماء فيه بكيفية تفوق قدرة الاستيعاب. وفي آخر المطاف فإن  المستبدّ محكوم عليه بأن يكمل الدوران في حلقة فارغة انطلقت من الفوضى وعادت إليها بعد ترك المجتمع، سواء كان المجتمع الألماني بعد  هتلر أو الكامبودي بعد بول بوت أو العراقي بعد صدّام، في  حالة متقدّمة من الخراب.

هكذا يبدو  المجتمع الإنساني ككل نظام طبيعي  عرضة  للاختلال. وعندما يختل التوازن بكيفية مرضية تراه يمرّ من انتقام المظلومين بالثورة إلى أقصى الاختلال  الآخر الذي هو انتقام الظالمين بالاستبداد. لقد كان  تاريخنا السياسي دوما   تاريخ هذا التأرجح بين قطبي الاختلال وأمر العقل الجماعي اليوم  أن نجد نقطة التوازن. هذا التوازن هو استقرار البحر حيث السطح متحرّك أهوج تتابع عليه أمواج الاضرابات والمظاهرات الصاخبة،   لكن الأعماق هادئة تزخر بدفق الحياة.  ما أعجز الاستبداد عن وضع  المجتمع في نقطة التوازن هذه  وهو الذي يمتلك أيّ من آليات التصحيح.

ثمّة غياب  تامّ لكل ضوابط  التصحيح من حرية النقد والتقييم. ثمة شخص يؤمن بعبقريته الفذّة وتغذّي فيه هذا الهذيان باستمرار  بطانة السوء والشرّ.  

لنركّز هنا على دور هذه  البطانة  في تعفن الأوضاع وشلّ كلّ آليات التصحيح لو وجدت. هي  تكوّنت بمفعول قانون مضاد لقانون الطبيعة الأوّل وهو تصفية  الأكفأ  في صراع الحياة. فالطاغية   لا يستطيع أن يقبل حوله منافسين أو معاونين  لهم  شخصية يمكن أن تلقي بظلالها عليه، ومن ثمة سياسته في التخلّص من  الأكفاء وإحاطة نفسه  بكلّ من هو خانع وتافه وضعيف. هكذا تمتلئ أعلى دوائر قرار تتحكّم في مصير مجتمع بأكمله  بضعاف النفوس والشخصية  وكلهم في سكرة من أمرهم لوصولهم إلى مراكز ما كانوا يحلمون بها لو كانوا في نظام سياسي  طبيعي. هذه ''الردائقراطية '' هي التي  ستحجب عن الدكتاتور الواقع وتغذّي هذيانه. هي التي ستزيّن له ما تطمح نفسه لسماعه أي أن كل الصعوبات  التي يواجهها ناجمة عن  العمل التخريبي لشواذّ يكرهون  الزعيم الأوحد لأنّ ''كل ذي نعمة محسود''. هي  التي ستسكت أمام القرارات الهوجاء التي تدرك خطرها. هي التي ستنفذها رغم ذلك لأنّ  ولائها لبطونها وليس لمجتمع أصبحوا بالنسبة إليه مثل خلايا السرطان بالنسبة لجسم عليل. وفي هذه الوضعيّة ترى رعايا الدولة الاستبدادية  كركّاب باخرة تتقاذفها العواصف وهم  بين يدي ربّان معتوه وبحّارة  تبدأ مهارتهم وتنتهي عند تقديم  الخمر والأفيون والمنشطات للربان. يدخل الاستبداد آنذاك  في حلقة مفرغة لا تنتهي إلا عندما يخرّب التسلّط  المطلق من عقاله كل مقومات حياة المجتمع والدولة.

لقد مورست السلطة على مرّ التاريخ  من قبل المجانين والعبيد والعاهرات والأغبياء واللصوص والمجرمين  مثلما مورست من قبل الأنبياء والمصلحين والأفذاذ من صناع التاريخ. وإن كان هناك درس علّمنا إياه التاريخ فهو أن المهمّ ليست ممارستها  بقدر ما هو النجاح في هذه الممارسة .هذا النجاح له مؤشران: الأول  موضوعي وجماعي ويتمثل في  تشغيل مؤسسات  وسياسات  تضيف وتبني وتعمق وتدفع إلى الأمام بمكتسبات الإنسان والمجتمع أمّا الفاشلة كالتي تصول وتجول في بلادنا وكامل أرجاء الوطن العربي ،فهي  سلطة تدمّر وتخرّب وتقمع وتضلّل وتجهّل وتمنع الإنسان والمجتمع من بلورة أحسن ما فيه. أمّا المؤشّر الثاني فهو  ذاتي،  فالنجاح أن ينال المسئول  المحبة دون تصنّع والاحترام دون إكراه، أن يبقى له ذكر بين الناس واسم يفاخر بحمله الأطفال والأحفاد. تفتقد العصابات  التي تتحكّم في رقابنا اليوم كلّ هذا. هي تسرق وتنهب وتضلّل وتقمع وتزوّر وتكذب تحت الأضواء الكاشفة. لعمري أي لذّة يجدون في غداء فاخر، لكنه ملوّث بالتراب والبول؟ أي منفعة يستمدّون من نفوذهم  وهم أوّل  من يعلم أن ما يحفّ بهم من تبجيل كذب ونفاق، أن سمعتهم مضغة في الأفواه، أنهم لن يتركوا إلا أسماء سيخجل من حملها الأطفال والأحفاد. المضحك المبكي في الأمر أن الناس لا يبحثون عن الشهرة والمال والسلطة إلا ليحصلوا على المحبة والاحترام  والمكانة الرفيعة في قلوب الناس والصيت الحسن بعد رحيلهم. هؤلاء الناس تحصلوا على كلّ هذا  فلم يجنوا من ورائه  إلا كره المجتمع  واحتقاره الناقم الغاضب،  ناهيك عن سخرية الأجانب واحتقارهم الذي نكتوي بها كلّنا. وكلما أفاقوا لهذا الفشل الرهيب سارعوا إلى مهرجانات تزييف الحبّ وشراء الاحترام  وافتعال الإجماع  فلا يزيدون الطين إلاّ  بلّة. يا للمساكين إنهم في آخر المطاف  جديرون بالرثاء. فلو دقّقنا النظر في الوضعية الحقيقية والبالغة التعقيد والصعوبة  للمستبدّ  وأفراد بطانته ،لما كان شعورنا تجاههم سوى الشفقة. إن هذه الأرستقراطية الفاسدة  في حالة تسمّم متقدّم بمخدّر اسمه السلطة، ومن أعراضه اللذة الخارقة التي يوفّرها والبحث الدائم عن مزيد منه واستحالة مفارقته  ودفع الثمن الباهظ  من كرامتهم وكرامة البشر لمواصلة التسمّم. لكن وراء  حالة التوحّش الظاهرية  التي  تسمح لهم  بالتمتع مؤقتا  بأقصى قدر من الحرية والامتيازات  توجد  حالة أقلّ بهجة  هم فيها  بيادق لا حول لهم ولا قوّة  بين يدي لاعب قاس سمّه القدر أو روح المجتمع أو ما شئت من الأسماء.  وإن كان هناك مستشفيات لعلاج مدمني الخمر والمخدرات فلا توجد مستشفيات لعلاج المدمنين على السلطة باستثناء زنزانات الإيقاف عندما تنتهي السكرة  ويحضر الدائنون. وما من شكّ أنّ لهم صحوة  تطول أو تقصر يدركون فيها ورطتهم  والأخطار المتعاظمة المحدقة بهم. ثمة طريقة العلاج  الذاتي  بالبحث عن المسوغات والتبرير وتذكير أنفسهم بالأعمال الصالحة التي قدموها. كأن إطعام طفل وكساءه يمكن أن يغطّي على تجويع أخيه واغتصاب أمّه وتعذيب أبيه.

لقد مورست  السلطة على مرّ التاريخ، من قبل المجانين والعبيد والعاهرات والأغبياء واللصوص والمجرمين، مثلما مورست من قبل الأنبياء والمصلحين والأفذاذ من صناع التاريخ. إنما المشكل هو  النجاح في ممارستها. هذا النجاح له مؤشران.

 

 

المؤشّر الأوّل ذاتي. فالنجاح أن ينال الحاكم  المحبة بدون تصنّع والاحترام بدون تكلّف، أن يبقى له  ذكر بين الناس واسم يفاخر بحمله الأبناء والأحفاد. تفتقد العصابات التي تتحكّم في رقابنا اليوم كلّ هذا. هي تسرق وتنهب وتضلّل وتقمع وتزوّر وتكذب تحت الأضواء الكاشفة. لعمري أي لذّة يجدون في غداء فاخر، لكنه ملوّث بالتراب والقاذورات ؟ أي منفعة يستمدّون من نفوذهم  وهم أوّل  من يعلم أن ما يحفّ بهم من تبجيل كذب ونفاق ....أن سمعتهم مضغة في الأفواه ...أنهم لن يتركوا إلا أسماء سيخجل من حملها الأبناء والأحفاد. إنّ  الناس  لا يبحثون عن الشهرة والمال والسلطة إلا ليحصلوا على المحبة والاحترام  والمكانة الرفيعة في قلوب الناس والصيت الحسن بعد رحيلهم. هؤلاء الناس تحصلوا على الشهرة والمال والسلطة فلم يجنوا من ورائها إلا كره شعب كامل واحتقاره  الناقم الغاضب. وكلما أفاقوا لهذا الفشل الرهيب سارعوا إلى مهرجانات تزييف الحبّ وشراء الاحترام  وافتعال الإجماع  فلا يزيدون الطين إلاّ  بلّة. يا للمساكين ! تبقى القاعدة التاريخية صحيحة إلى الأبد أن أول ضحية للدكتاتورية هو الدكتاتور وبعده بطانة الفساد والشرّ المحيطة به.

أمّا المؤشّر الثاني فهو موضوعي وجماعي ويتمثل في  كون السلطة نجحت في أن  تضيف وتبني وتعمّق وتدفع إلى الأمام بمكتسبات الإنسان والمجتمع. أمّا الفاشلة، كالتي تصول في بلادنا و الوطن العربي، فهي سلطة تقمع وتضلّل وتفسد وتخرّب الوطن والإنسان.

هذه السلطة التي تمتّع بها سلاطيننا الفاسدين والتي منعتنا من احتلال المكان الذي نستحق بين الأمم العظمى هي القيد في اليدين والسلاسل في الرجلين .

كم عرف التاريخ  من هؤلاء المساكين  الذين لقوا حتفهم في أفظع الظروف بعد حياة كاملة قضّوها يرتعشون من الرعب في قفصهم الذهبي لا يكحّل النوم الهانئ جفونهم.  كم من قرابين وقع التضحية بهم بعد أن تجاوزوا حدّا معيّنا من البطش والفساد. ولم هذا ؟  لأن القوى التي تقود حركة المجتمع وأساسا الأرستقراطيات الفاسدة  لا تغفل  أبدا عن مراقبة المستبد وبطانته  مقيّمة ثمن ومردود '' الخدمات'' التي يقدمونها. ويوم يصبح  المستبدّ  بشططه وغلوّه وتجاوز الحدود في القمع واستخلاص ثمن خدماته،  أكبر عنصر يهدّد ما وضع في مركزه  للحفاظ عليه،  فإنّ ساعة النحر تكون  قد دقّّت،  إذ  لا يوجد فرد أو مجموعة تقدر على فرض إرادتها نهائيا على مجتمع كامل  وظروف موضوعية وقوانين سرمدية.  معنى هذا أنّ الدكتاتور رغم كل ما يتسبب فيه من مآسي  أول ضحية نظامه هو يعيش في رعب دائم رغم تسممه بالمخدر الخطير أو قل أنه لا يكثر من المخدّر إلا للتغطية على رعبه الدائم. ينتهي كابوسه يوما بالخلع أو بالقتل . لكن يقع المسارعة إلى'' مسكين'' جديد يفوّض  لنفس المهمة المستحيلة لأن المجتمع المتخلّف عاجز عن التعامل مع مشاكله بطول النفس والحكمة والعمق الذي يتطلبه مستوى تعقيد هذه المشاكل. من يدري ربما  يفهم الطامحون لدور المنقذ(على الأقلّ أذكاهم وأقلّهم مرضا)  أنهم مجرد قرابين للنحر بعد تخديرهم بمخدّر السلطة....أنّهم  مبرمجون للذبح  في خدمة قضية مخسورة مسبقا ...إن أكبر ضحية للاستبداد في آخرة المطاف هو المستبدّ  ذاته ومن غامر بالدوران في فلكه.

 

                                         

إن تعاملنا  العادي  مع ظاهرة الاستبداد  مبني على كره الاستبداد   واحتقار المستبدّ.  أما الكره فسببه ما يظهره   مثل هذا النظام من فظاعة وظلم وهمجية وقسوة ووحشية ولامبالاة بمعاناة البشر. أمّا الاحتقار  فمحرّكه ما يحفّ دوما  بالمستبدّ  من تزييف وكذب وفساد و إرهاب وإذلال.  لكن الحقد والاحتقار في آخر المطاف مواقف تلوث الذات الشاعرة بها قبل الذات التي تتوجه إليها. والأخطر من هذا أنها كالضباب الذي يتجمّع فوق النظّارات فيمنع من الرؤية. لا بدّ من مسحه دوريا ولما ينقشع ويفرض العقل  الصمت  على الغضب والاستنكار تتضح حقائق وبديهيات غيبتها العواطف منها ما لا نحبّ الاعتراف بها ومن أهمّها :

- أنّ  المجتمع  لا يستورد المستبدّ من المرّيخ ولم يفرضه عليه شعب  يريد به  شرّا. هو منه وإليه، بل ويعبّر أحيانا عن الحسّ والتصرّف العامّ  أكثر ما يعبّر عنها المعارض  الديمقراطي. لا يجب أن يغيب عنّا لحظة  كما رأينا  أنّ النظام السياسي يغرس جذوره في النظام العائلي... أن الدكتاتور ليس إلا الأب البدوي بغطرسته وتجبّره على المرأة والطفل،  لكن بدون المحبة والتفاني. أليس صحيحا أن هناك مستبدّ ينام داخل كلّ واحد منّا  لذلك ترى التداول على الاستبداد لا إلغاءه هو خاصية تاريخنا ؟

- لا زالت الأغلبية ''ترجو الخلاص بغاشم من غاشم'' كما يقول إيليا أبو ماضي. وسيتواصل الأمر  طالما بقي المجتمع العربي متشبّعا بمفهوم متجذّر في ثقافتنا  هو المستبدّ العادل. أنه مفهوم بغرابة الذكر الأنثى والبارد الحار لأن المستبد لا يكون عادلا والعادل لا يكون مستبدا. هذا المفهوم قنبلة موقوتة داخل حضارتنا ولا بدّ من تعريته حتى نستأصله من عقول  بشر صنعتهم قرون من الاستبداد يترجون الخلاص على يدي سيّد عادل يعاملهم برفق ورأفة وقد استبطنوا عقلية وسلوكيات حيوانات الرعي فأصبحوا رعية وسيدهم الراعي. أن الأوان  لنسيان مثال عمر،  فهذا الرجل شاذة وليس قاعدة والشاذة تحصى ولا يقاس عليها.

- أخيرا وليس آخرا،  أن طول قبول الجسم الاجتماعي بالمستبدّ ليس دوما بسبب الخوف وإنما أيضا بسبب الطمع واللامبالاة وحتى التواطؤ. وهذه  ليست  خصائص  البطانة التي تحيط بالسلطان  فحسب. هي أيضا خصائص قطاعات تتسع وتضيق  من الشعب ترضى بالاستبداد وتدعمه طالما وجدت فيه أضيق مصلحة لا يهمّها محتشدات أو تعذيب. هذه القطاعات هي التي تختزل خديعتها وسوء تقييمها للأرباح والخسائر في الكلمة الشهيرة  لألماني في عهد  هتلر '' عندما جاءوا لأخذ الشيوعيين حوّلت بصري، وعندما جاءوا لأخذ الاشتراكيين حوّلت بصري، وعندما جاءوا لأخذ اليهود حوّلت  بصري، وعندما جاءوا لأخذي لم يكن ثمة أحد ينصرني'' .

 إن الاستبداد مرحلة  في حياة الشعوب تفضح ما بها من أزمة قيم من أهمها  استشراء الجبن والأنانية والجهل والقسوة وحتى النذالة.

لنعد إلى مثال الطب والبيولوجيا. لا بدّ للإصابة بالسلّ من جرثومة 'كوخ'. لكنها بلا تأثير إذا لم  تجد  العوامل المسهّلة مثل سوء التغذية والسكن غير الصحي. لكن حتى الأسباب المسهلة هذه لا تكفي. لا بدّ من أرضية تتمثل في ضعف قوى الدفاع الذاتي للجسم وعجزه عن إفراز الأجسام المضادّة الكفيلة بشلّ مفعول الجرثومة حتى في أصعب الظروف الاقتصادية والاجتماعية. بنفس الكيفية لا يكفي وجود الشخص المختلّ المدارك العقلية أو ظهور الفوضى. لا بدّ  من عامل ثالث وهو وجود  مجتمع غير محصّن فكريا وأخلاقيا وقانونيا ضدّ المرض الذي سيضعه على  حافة الهاوية. نحن لا  نستطيع فهم  انتصاب الاستبداد إذن إن لم نعد إلى الطبقة الحاملة للنظام السياسي ككل  أي ''للقيم''  والأفكار ثم القوانين ، التي تصنعه وتبرره وتمدّ في أنفاسه حتى وهو في أوج التخريب.

ها قد اتضحت الأبعاد البالغة التعقيد للمشروع الديمقراطي العربي. فالقضية ليست في نقل وصفة جاهزة  قد تصبح مصدر فوضى تعيد  لمجتمع الرعايا الحاجة إلى سيّد يحميهم على طريقة المافيا. هي اعتماد تجربتنا الطويلة في بناء الأنظمة الاستبدادية نلدغ من نفس الحجر ألف مرّة ولا نتعّظ،  واعتماد  تجربة الأمم المتقدمة في بناء النظم السياسية الأكثر نضجا وفعالية وإنسانية، ثمّ ابتكار نظام  نحمي به أنفسنا من أنفسنا  ويستعيد به المجتمع حيويته ويعيدنا إلى الفعل في ساحة التاريخ. إنّه تحدّ  د اخل التحدّي  ومغامرة داخل المغامرة، فهل نكون على مستوى الآمال التي وضعها فينا التاريخ. ألم يعلمنا أن الحضارة تتجدّد دوما ابتداء من جيوب الهمجية النائمة على حدود الإمبراطوريات التي أبطرتها النعمة. وهل ثمة اليوم امّة غير العرب للعب هذا الدور ؟

***                                         

 1-M.Camau et V.Geisser : Habib Bourguiba , la trace et l’héritage P 636-ed Karthala  2004