الجزء
الثاني
من أجل قواعد
أصلب عودا وأطول عمرا
8- حتى نجدّد آليات التحليل .
لننطلق من إشكالية بدأت البيولوجيا المتقدّمة تطرحها
بصفة جدّية : خلق نوع جديد من الإنسان عبر
إعادة صنع الجينات التي تتحكم في '' هندسته'' ؟ ثمّة أيضا من الباحثين من يفكّر في زرع أجزاء من
كمبيوترات متقدّمة في دماغ مثل هذا السوبرمان ممّا سيسمح له
بتخزين معلومات كانت تستدعي عقودا من التعلّم والحفظ. بداهة سيكون هذا
الآدمي الجديد المتأرجح
بين المادي والالكتروني ،بالغ الذكاء أي
أقدر على حلّ مختلف المشاكل التي
تقض مضجعنا منذ نزولنا من الأشجار. إن حصول شيء كهذا لا يعني غير خلق هوّة بينا وبين هذا الإنسان الجديد قد لا تقلّ اتساعا عن تلك التي تفصل جنسنا عن أشباه القردة التي عاشت منذ مليوني
سنة والتي يقول العلم أننا ننحدر منها
.
السؤال ما الذي سيبادر
بفعله هذا ''السوبرمان'' حال تمتعه بهذه القدرات
العجيبة ؟ تمديد العمر إلى مئات السنين ؟ تحقيق الخلود ؟ القضاء
على الفقر والجهل والقبح ؟ تغيير الطبيعة البشرية ذاتها ومن ثمة
تحقيق مشروع المدينة الفاضلة والإنسان الفاضل الذي فشلت في تحقيقه الأديان ووالثورات السياسية على مرّ العصور ؟
لكن فرضيتي (التي سيردّ عليه هذا الإنسان الجديد بالابتسام المشفق أو
بتذكّر أن أجداده لم يكونوا بالغباء الذي
تصوّره كتب التاريخ ) هي أن جلّ همّه
سينصبّ، لتحقيق مثل هذه المشاريع الجبّارة ، على هندسة النظام الاجتماعي الأول أي النظام
السياسي وبناء الأنظمة الفرعية ( التعليمي ، الاقتصادي ، الصحي ،
القضائي ، الثقافي الخ ) بمنتهى العناية
والابتكار .
لا غرابة في هذا فحتّى هذه الكائن المتطوّر ليس جزيرة
معزولة ولا يمكن أن يكتفي بذاته وإنما هو
بالضرورة خلية في مجتمع يكتسب فعاليته من
إحكام التنظيم القادر وحده على بلورة أحسن ما في الأفراد والجماعات . ذلك لأن القاعدة كانت وستبقى أنه بقدر ما ينجح مجتمع في بناء
أنظمة فعّالة بقدر ما تتحسّن قدرته على خلق المادة والمعرفة والقيم والجمال. وبقدر
ما تبدي هذه الأنظمة من ضعف بقدر ما ينهار العطاء في كلّ هذه الميادين.
إن
أحسن مثال على هذا القانون وضع أمتنا. خذ أي عربي
وضعه في أوروبا أو أمريكا. ستكتشف أنه لا يقل قدرة على التعلّم والابتكار والعطاء عن أي إنسان غربي أو أمريكي آسيوي.
ضعه الآن
في مجتمع يسيره النظام العربي، فإذا به طاقة معطّلة وأداة في اللافعالية العامة التي هي
اليوم الخاصية الأولى لأمتنا. والفعالية هي قدرة الفكر والساعد على دفع
الحضارة قدما، على التعامل مع الطبيعة، على بلورة القدرات الكامنة في الإنسان، على
تغيير موازين القوى السياسية على حلّ مشاكل مجتمع مخلوق من نسيجها... كلّ هذا
في إطار الظروف الصعبة التي تفرضها الحياة سواء تمثلت في شراسة
التنافس بين الأمم الأخرى أو شحّ
الإمكانيات المادية. بقدر ما يكون
المجتمع فعّالا وبقدر
ما تكون النتائج كبيرة ....والعكس بالعكس.
لا
غرابة أن يكون تفوّق
الأمم في تفوّق أنظمتها وأن يكون البحث عن نظام الفعالية القصوى
هاجس العقل الجماعي على مرّ العصور.
هذا
البحث عن أحسن الأنظمة هو دوما حركية تخبّرية –
تجريبية أي أنه بحث يتعلّم و يتطوّر بالأخطاء والنجاحات. لكن عباقرتنا في المستقبل قد يجعلون من البناء
عملية واعية منظمة تسهر عليها خيرة العقول درسا وتفكيرا ومقارنة وتجريبا . ولربح الوقت وعدم التسبب في دمار مجتمع كامل، فإنّ
هذه العقول قد ترفع إلى أعلى المستويات تقنية برامج المماثلةsimulation على أضخم الحواسيب
خالقة مجتمعات افتراضية تدرس تطورها حسب هذا النظام السياسي
والاجتماعي أو ذاك.
إن
هذا بالضبط ما نحاول تحقيقه بوسائلنا الذهنية'' البدائية'' ونحن نحلم لأمتنا وللعالم بديمقراطية
تساهم في حلّ المشاكل لا في تغيير طبيعتها. نحن أيضا نبحث عن نظام
مثالي في المجال السياسي. السؤال
هل يمكن أن يوجد شيء كهذا
؟ هل ثمة نظام مثالي أصلا ؟ قبل محاولة الردّ لنبدأ بالتساؤل
: ما النظام système؟
*
إنّ
النظام اجتماع
أجزاء في تشكيلة مترابطة و متناسقة تتأثر
ببعضها البعض وتخضع لنفس القوانين و'' تتجاوب'' بينها بمرونة وسهولة
للقيام بوظيفة ما، باحثة في
تأديتها عن أقصى قدر ممكن من المردود و
بأقل تكلفة ممكنة من الطاقة. الخاصية الأساسية لمثل هذا
النظام تصحيح كل خلل يداهمه من الخارج أو
من داخله، وذلك بفضل آليات بالغة الدقة
والتخصص والمهارة ترجعه إلى نقطة توازن
يكون فيها بتمام ''الصحّة'' أي في أوج قدراته وعطائه وفعاليته. لقد أعطتنا الفيزياء في صورة الذرّة
أو النظام الشمسي والبيولوجيا في الجهاز العصبي أو الغدد، أحسن الأمثلة عن
أحسن الأنظمة. ومن هذا المنظور يمكن أن نقول أن الجسم
نفسه نظام كبير ينغلق على جملة من الأنظمة الصغرى. فهو مكوّن من أعضاء تنسّق العمل بينها وهو أيضا يحاول
العودة والبقاء في نقطة التوازن التي تضمن
له الفعالية القصوى. هكذا تراه يبادر لتعويض
الكرويات الحمر التي تموت دوريا حتى يبقى عددها قارا ممكّنا
الجهاز التنفسي من تأدية وظيفته على أحسن وجه. هكذا ترى جهاز الغدد يرفع كمية إفرازه من الهرمونات في
الوقت المناسب ويخفض آليا منها إذا قلّت حاجته إليها... كل هذا في تناسق تامّ بين غدد كثيرة ومختلف الأعضاء.
إن
همّ الآدميين على مرّ العصور كان وسيبقى خلق مثل هذه الأنظمة التي يبهر تعقيدها
وجمالها وذكائها كلّ
العلماء الذين قضوا حياتهم
في محاولة فهمها.
الإشكالية
أن الأنظمة الاجتماعية من غير طبيعة الأنظمة البيولوجية
والفيزيائية وأن
هذه الطبيعة تجعل الوصول إلى فعالية الأنظمة الفيزيائية والبيولوجية شبه مستحيل.
ولتوضيح
الاستحالة وأسبابها سنأخذ مثال نظام'' بسيط'' يسهل
تفكيكه هو النظام الصحّي.
إن
أولى الصور التي تتبادر
للذهن عندما نتحدّث عن مثل هذا النظام
هي صور المستشفيات الضخمة والأجهزة
المعقدة . لكن كلّ هذه البنايات
والإمكانيات التقنية التي بداخلها لا تفهم ولا توجد إلاّ من أجل وبالبشر الذين
يملئون المكاتب والأروقة والأسرّة. وكما قلنا أن الإسلام
هو المسلمون والديمقراطية هي الديمقراطيون،
فإن النظام الصحي في آخر تحليل ليس أكثر من الجماعات الإنسانية التي تشكّله وهي تتألف من :
-
المهنيين ( أطباء وصيادلة وممرضين وباحثين وسواق عربات الإسعاف ومنظفين الخ ) ومهمتهم تقديم خدمات تقنية محدّدة تخدم وظائف النظام الكبرى.
- الزبائن وهم المرضى الذين خلق النظام لتلبية حاجياتهم.
- الإداريين ومهمتهم التصرّف في الموارد المادية التي تضخّ في النظام و تنظيم عمل
الموارد البشرية بحيث يتحقق أحسن أداء بأقل تكلفة.
-
أصحاب القرار السياسي
ومهمتهم توفير هذه الموارد وسنّ القوانين التي تتحكّم في العلاقات
بين كلّ الأطراف وتوجيه نظام ليس مستقلاّ وإنما يخضع لهيئة إشراف عليا:
النظام السياسي.
إن
القاعدة في عمل هذا النظام أن لا أحد راض تماما عن عمله والموضوع المفضّل لدى
الجميع هو القدح
والتشكّي من غياب التنسيق
وضعف الروابط وأنانية الطرف الآخر وقلة الجدوى والفعالية في النظام ككلّ.
لنسأل
هؤلاء الأطراف عن تصورهم المثالي للنظام الصحي الذي يريدون.
ستتمحور تصورات الزبائن
حول الاستقبال الحسن في المستشفيات وقربها من منازلهم وتوفر الطبيب الكفء والدواء
الناجع وطلب مركزي : أحسن الخدمات لكن
بأقلّ مقابل ممكن ولم لا مجّانا. وفي البلدان الديمقراطية المتطورة سيطالبون بنظام فيه مراقبة
وتقييم للعمل الطبي وحق التدخل فيه لجمعياتهم المدنية الممثلة. لكنهم
سيبدون امتعاضا شديدا لو طلب منهم الانضباط في استعمال الأدوية التي يلقون نصفها
في سلة المهملات متسبّبين في خسائر هائلة للثروة الجماعية وتبذير لا يغتفر لموارد
ثمينة نادرة. سيقوى صراخهم لو
طولبوا بمضاعفة أجر الطبيب
أو مساهمتهم في صناديق الضمان الاجتماعي. أما الأطباء فسيريدون من نظامهم المثالي أن يوفّر
لهم أجورا محترمة و كلّ الأجهزة الباهظة الثمن والسماح لهم بوصف كل أنواع العلاج بغض النظر عن
تكلفتها. هم سيريدون من المريض الطاعة ومن الإدارة أن
تكون في خدمتهم ومن رجال السياسة أن يوفروا لهم استقلالية القرار والحماية
القانونية. وفي نظامهم المثالي لا حقّ لأحد في تقييمهم حيث لا يخضعون في ممارسة
وظيفتهم إلا لضمير مهني قد يوجد عند البعض ويغيب عند البعض الآخر. أما
الإداريون فهم لا يحلمون إلا بنظام فيه الحدّ الأقصى من الاقتصاد وحسن استعمال
الموارد حتى تبقى صناديق
الضمان الاجتماعي الممولة للنظام رابحة على الدوام، مع توفّر
الإدارة على أقصى قدر ممكن من الصلاحيات على حساب الأطباء أساسا. أمّا أصحاب
القرار السياسي فمشكلهم
الأوحد في النظام الديمقراطي الفوز بأصوات الناخبين ولا يهمّ أن
تكون بعض المستشفيات عديمة الجدوى أو أن تتجاور على بعد بعض كيلومترات طالما أن
هذا يوهم السكّان بشدّة اعتناء عمدتهم أو
نائبهم بمشاكلهم الصحية. أمّا في النظام الاستبدادي فالهدف في إطار التزييف الشامل
والتغطية على المشاكل
إعطاء الانطباع بأن النظام قائم بمهمته الإنسانية ولا يهمّ نوع
الخدمات التي تقدّم.
معنى هذا أن
نظامنا ''المثالي'' مطالب بتحقيق
رغبة المريض في دفع أقل ثمن ممكن ورغبة الطبيب في تلقي أعلى أجر
ممكن ورغبة الإداري في دفع أقلّ
تعويض ممكن ورغبة السياسي في أن لا يكلّف النظام الصحّي كثيرا، علما وإن كلّ طرف يريد أقصى الحرية على حساب حرية الآخر.
يحصل كلّ هذا لأن من طبيعة كل نظام اجتماعي أن
تكون له أهداف عامة
معلنة ومتفق عليها من قبل كل الأطراف،
وأهدافا خاصة لا تتطابق دوما مع
الأهداف العامة . فالأهداف المعلنة للنظام الصحي والحاصل حولها إجماع
نظري، هي توفير الوقاية
والعلاج للسكّان بدون تمييز. أمّا أهداف المرضى فاستغلال النظام بكل إمكانياته إلى أقصى مدى وأهداف الأطبّاء تكوين الثروة والسمعة أو
استغلال المؤسسة للأبحاث العلمية. نفس الشيء عن الإداري والباحث أيضا عن قسط من
السلطة يشعره بأهميته. أما صاحب القرار فقد يكون آخر ما
يهمّه الوقاية والعلاج وإنما هدفه إعادة انتخابه في الديمقراطية وصمت السكّان في
النظام الاستبدادي. نواجه
مجدّدا بالقانون الذي يجعل
وجود قواعد اللعبة يعني ضرورة وجود رغبة الغشّ.
هذا
أيضا نظام تخترقه صراعات سياسية بالمعنى العميق والأول
للكلمة تتعلق كلها بكيفية الردّ على سؤال بسيط : كيف
ووفق أي أولوية تحدّد الخيارات والآليات الساهرة على توزيع الموارد المادية والمعنوية ومن يحدّدها ؟
ومن هذا المنظور يمكن القول أن هناك ''حزبين'' داخل
النظام الصحي:
-''حزب''
الطبّ الإستشفائي التقني ''ومن ايدولوجيته أن الصحة تختزل في ردّها للمريض الذي فقدها، أن
العملية مرتبطة بالتقدّم التقني والفني
ومن ثمة فإن الموارد الأساسية يجب أن تخصص للمستشفيات والأطباء والتكنولوجيا المتطوّرة وما بقي يمكن أن يذهب للوقاية بما هي
فرع تقني آخر من فروع الطبّ.
-
''حزب الطب الجماعي
'' ومن ايديولوجيته أن الصحة مرتبطة بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية...أن
المستشفيات والتكنولوجيا عنصر
ثانوي في تمتع الشعب بالصحة...أنّ مردودها جدّ قليل ولا
بدّ للموارد الأساسية أن توضع في تحسين ظروف العيش والوقاية وما يبقى يمكن أن يذهب
للعلاج التقني.*
أي ترابط وتناسق وتناغم وتصحيح آلي وعودة
دائمة إلى نقطة التوازن عند الاختلال يمكن انتظاره من مثل هذه الأطراف التي تدفع النظام في اتجاهات مختلفة ولا توفيق بينها ؟ ولو كانت مكونات الجسم تعمل
بخصائص الأطراف الاجتماعية لكان وضع الجهاز التنفسي هو الصراع الدائم بين الرئتين والقلب والخصومات التي لا
تنتهي بين الكرويات الحمر والمطالب التي لا تتوقف للشرايين وتهديدها بالإضراب وسدّ
الطريق أمام الدم إن لم تلبّى طلباتها العادلة والمشروعة.
معنى
هذا أن تربيع
الدائرة أسهل من رضا وتوافق وانسجام الأطراف المشكلة للنظام وكلّها تريد أكل التفاحة والاحتفاظ بها.
لا
غرابة أن يكون عمل
النظام مطبوعا بالتوتّر والأزمات المتلاحقة ومقايضات متواصلة لا ترضي أحدا مائة
في المائة حيث يضطر كلّ طرف لتقديم تنازلات
موجعة علما وأن ميزان القوى يجعل تنازلات هذا أوجع من تنازلات ذاك.
لا
ننسى أن الصراع يدور تحت ضغط دائم للمحيط على النظام يطالبه بتحسين أداءه لمواجهة ندرة الموارد وتكاثر الحاجيات والطفرة
التكنولوجية وارتفاع مستوى التوقعات عند الناس الخ...
يدخل
النظام آنذاك في بحث محموم عن نقطة التوازن عبر مسلسل الإصلاحات. لكن هذه الأخيرة تبقى محكومة بصراع الأطراف على
أكبر نصيب من الكعكة. فإصلاحات الضمان الاجتماعي
المتواصلة في فرنسا مثلا، تعبّر في نفس الوقت عن صراع المصالح بين الإداريين ورجال السياسة من جهة و
المرضى والأطباء من جهة أخرى. لكنها تعكس أيضا حالة تأزّم عامّة
تتمثّل في العجز المالي للصناديق واستحالة
تواصله.
تأتي
مرحلة تصبح
المشاكل الداخلية شغل النظام الشاغل
تستنزف جلّ طاقاته في حين تصبح المهمة الأساسية من مشمولات الأشغال الروتينية.
وفي المرحلة المتقدمة
من مرض النظام تصبح الأهداف العامة مجرّد
ورقة التوت لصراع المصالح بين أطراف لم يعد يهمّها إلا الخدمات التي يمكن للنظام أن يؤدّيها إليها. ها قد بدأ التصدّع ينذر بالانهيار التامّ
وضرورة التأسيس لشيء جديد.
إن
من يدرس تطوّر أيّ نظام
صحي كمن يدرس تاريخ بناء قصر لا ينتهي أصحابه من ترميمه وتحسينه. فمرّة تتم إزالة
جناح ومرّة أخرى يشيّد جناح جديد . وثمّة أماكن كانت
تستخدم لوظيفة فإذا بها تخصّص لوظيفة مختلفة. كلّ هذا إلى أن تتبلور ظروف لا ترضى
بأقلّ من تهديم جزء كبير من البناء وحتى البناء بأكمله لإعادته على دعامات أصلب . تحدث مثل هذه
التغييرات النوعية في حالة
توفر ظروف استثنائية مثل الثورة أو ظهور مصلح كبير يرتكز على القوى
الغالبة داخل النظام لفرض هذه الإصلاحات.
ثمّ يبدأ النظام
الجديد مرحلة جديدة من تاريخه لن تختلف عن
الأولى إلا في التفاصيل وتغيّر المشاكل والساهرين على خلقها و/ أو حلّها وطول أمد ظهور الحاجة الماسّة لتأسيس آخر.
*
الثابت
أن هناك فترة تطول أو تقصر تعرف الحدّ الأدنى من التفاعل بين الأطراف، ممّا يمكّن
النظام الصحّي من القيام بوظائفه المعروفة ولو بالاحتكاك الدائم والمشاكل التي لا
تنتهي. بأي قدرة قادر تبقى الأطراف تتفاعل بينها ولا تفجّر ما يجب أن نسميه من هنا
فصاعدا نظاما
بين ظفرين ؟
ثمة في البداية قوّة ارتباط المصالح
للأطراف المتنازعة . فالمرضى يدفعون للمهنيين ما يمكّنهم
من العيش، والمهنيون يقدمون خدمات صحية للمرضى مما يمكنهم من الحياة،
والإداريون يسهرون على تنظيم تبادل الخدمات هذه مقابل أجر في الوقت الذي يتمتعون
فيه هم أيضا بخدمات المهنيين . أما أصحاب القرار السياسي
فهم يخدمون الجميع عندما يوفرون للنظام موارد تتزاحم على الاستئثار بأكبر نصيب
منها أنظمة أخرى مثل النظام التعليمي أو الاقتصادي. وفي مقابل هذه الخدمة فإنهم
يستعملون النظام الصحي
لحماية صحتهم ولإرساء سلطتهم. تدرك إذن كلّ الأطراف حاجتها لبعضها
البعض والقاعدة أن كلّ
الفاعلين يأملون دوما أن تتحقّق المكاسب الفئوية والشخصية، لكن في إطار الحفاظ على النظام ورفع أدائه.
وثمة أيضا القانون الذي يحدّد لكل طرف حقوقه وواجباته محاولا وضع القواعد
لحل النزاع عند نشوبه.
لكنّه
من الظلم أن نتوقّف عند قراءة نفعية بحتة كالتي تنسجها وتشيعها الليبرالية جاعلة
من المرضى والأطباء والإداريين والسياسيين، مجرّد مقاولين يتبادلون بينهم
سلعة اسمها الخدمة الصحية، لا يتحكم في كل تصرفاتهم سوى هاجس الربح وقوانين العرض والطلب...أو خوف الشرطي والقاضي.
إنها صورة مشوهة وناقصة للوضع، فكلنا نعرف أن هناك أطباء لا يتحرّكون من موقع
الدفاع عن مصالحهم المادية بل يذهب بهم
التفاني إلى التضحية بالغالي والنفيس من أجل حق الناس عموما والفقراء خاصة
في الصحة. وفي نفس السياق نجد إداريين وحتى سياسيين جعلوا من الدفاع عن حقوق
المرضى هاجسا شخصيا لا يعود عليهم أحيانا
إلا بكثير من المتاعب والأحزان وهم يواجهون زملائهم المنخرطين أكثر منهم في الرؤية
الليبرالية للعالم.
إن فكرة الصحة كحقّ للجميع وكمسؤولية أساسية من
مسؤوليات الدولة لا علاقة لها ببضاعة يمكن أن يشتريها الأثرياء وأن يتصدّق بثمنها
المحسنون، فكرة ثورية لا يزيد عمرها عن قرن . هي تنبع من تغيّر عميق في سلّم
القيم الجماعية. كذلك الخطاب الجديد عن حقوق المرضى داخل المستشفيات وحقوق كلّ
الأطفال في الرعاية وحقوق المسنين في الرعاية الطبية وحقّ الشعب في الصحّة. ولولا هذه الثورة القيمية لما وجد
النظام الصحي المعاصر بالشكل الذي نعرفه له. لنحاول
تخيّل نظام صحّي ليس فيه مرضى و أطباء وتقنيون
وإداريون ومستشفيات وأجهزة وأدوية.
لا يمكن لنا وضع أيّ اسم أو صورة على مثل هذا الفراغ .
لنتخيّل الآن كلّ هذا، لكن بأطبّاء جهلة،
محتالون، قساة القلب، ومرضى يرفضون كلّ
أوامر الطبيب ويتصرّفون بكيفية هوجاء تدمر صحتهم ،
وجمهور يسرق أسرّة المستشفى في كل زيارة للأقارب،
وإداريون وسياسيون لا همّ لهم سوى اقتسام الموارد العمومية لحسابهم الخاصّ. من نافلة القول أنّ نظاما مثل
هذا سينهار على رؤوس أصحابه حتّى ولو وجد الممثلون والمال والمعرفة
والقانون. إن ما يسند مواقف وتصرفات الجميع هي قيم
أخلاقية مهنية وروحية. والقاعدة أنّه بقدر ما يتزايد التفاني والنزاهة والإخلاص والاحترام والتعاضد والتراحم، بقدر ما
يرتفع أداء النظام والعكس بالعكس. وليسمح لنا أحمد شوقي باستعمال آخر لبيته الشهير لنقول:
إنما
الأنظمة بالأخلاق إن
ذهبت أخلاقها ذهبت.
لننتبه هنا إلى خاصية هامّة في الأنظمة الفعّالة وهي أخلاقيتها. إن هذه الأخلاقية في
التعامل مع الأهداف والوسائل والأطراف العاملة داخل النظام هو أساس في كل فعالية تقنية. يمكن أن نذهب إلى أبعد من هذا والقول أنها جزء
مكوّن وشرط ضروري من التقنية العالية في خلق وإدارة الأنظمة .
فلو نظرت لشروط الفعالية التقنية في النظام الصحّي من
تجدّد ومرونة وحسن استعمال للموارد البشرية والمادية لما اكتشفت وراء كل هذا سوى
مواقف أخلاقية مثل الاحترام والتفتّح والحرّية والنزاهة. معنى
هذا أن القيم لا
تلعب دور التوابل في الطعام وإنما هي مكوّن رئيسي بدونه
لا يوجد الأكل.
لنلخّص
ونجمع هذه الأفكار حتى تتضح لنا صورة النظام الاجتماعي أكان النظام السياسي أو الصحي أو
التعليمي أو القضائي.
أن
أقرب الصور له هي صورة جبل الجليد الذي لا ترى منه إلا الجزء الطافي ، أما ما
يحمل ما نلاحظ فلا يرى لكنه هو الأساس .
وفي مثل هذه الصورة سنتخيّل نظامنا الصحي مشكّلا كالآتي:
- الطبقة السطحية وهي الموارد المادية والبشرية كالتي تتجلّى
لنا في المباني
الإدارية
والمستشفيات
والمستوصفات والعيادات بما فيها من أجهزة ومختصين في خدمة أهداف
عامة تتحسّن بخبرة علمية وإدارية تتراكم
بمرور الوقت ... كلّ هذا
وفي إطار عمل مشترك مع أنظمة أخرى تساهم هي أيضا في حماية الصحة مثل النظام التعليمي أو النظام
الاقتصادي.
- الطبقة التحتية وهي جملة
القوانين التي تنظم عمل القطاع وتحدّد لكلّ الأطراف حقوقها وواجباتها وتحدّ من الصراع بين الأهداف الخاصّة للأطراف
المكونة للنظام وبينها والأهداف العامّة.
- طبقة الأسس وهي جملة القيم الفردية
والجماعية التي تلعب دورا حيويا في الحفاظ
على استقرار النظام ودينامكيته.
ولو طبقنا هذا النموذج على بقية الأنظمة
الاجتماعية مثل النظام التعليمي لوجدناها تخضع لنفس الهيكلة إذ لا يوجد
نظام إلا وهو طبقات متراكمة يستند فيها المرئي والمادي على غير المرئي والرمزي من
قوانين وخاصة من قيم تشكّل الدعامات التي ترتكز عليها كلّ العوامل المادية للنظام.
*
لنطبق نموذجنا الآن على النظام السياسي.
سنكتشف أنه هو أيضا
مكوّن من أربعة أطراف:
- أصحاب القرار وينقسمون إلى أهل النظام
وهي القلة النافذة التي تتحكم في أجهزة
التنفيذ وتوجهها لتحقيق سياسات معينة في خلق وتوزيع الثروة المادية
والمعنوية، وأهل الدولة الذين
يأتمرون بأوامر أهل النظام لتنفيذ هذه السياسات
ويسعون إبان التنفيذ للحصول على
بعض فتات السلطة لصالحهم الخاصّ.
- الجماعات التي تساند النظام في
أساليب التصرّف و خياراته الكبرى لأنها تتماشى مع مصالحها.
- الجماعات التي لا
تساند النظام في أساليب التصرّف وخياراته الكبرى لأنها لا تتماشى مع مصالحها.
- الجماعات النشطة
الساعية إلى تغيير طبيعة النظام والاستيلاء على مقاليد الدولة لتغيير
السياسات وتغليب مصلحة طرف على آخر.
هذه الهيكلية العامة
تسمح بالقول أن أهل النظام في الاستبداد هم المستبدّ وعصابة الشرّ والسوء المحيطة به،
وأهل الدولة أجهزة الأمن ودواليب الإدارة الخاضعة لها ومن بينها القضاء المستغلّ
ووظيفتها الأولى الحفاظ
على وجود ومصالح المستبدّ وبطانته. أمّا الجماعات
المساندة فهي العصابات التي تشارك في وليمة الضباع علما وأن هناك أقلية
اجتماعية، قد تكون طبقة أو جهة أو طائفة،
تحقّق بعض المكاسب بالعيش الراضي على فتات الوليمة. تترك هذه العصابات البدائية في الشكل الاستبدادي القديم مكانها في الليبرالية للشركات
العالمية الكبرى. أمّا الجماعات التي لا
تساند النظام (بالوقوف موقفا غاصبا وسلبيا
أو بالنزول إلى الشارع) فهي تتشكّل بالأساس من الأغلبية أي من الرعايا الذين يضعهم النظام السياسي بين كماشة الفقر
والقمع. وأخيرا فإن هذه الوضعية تفرز الطرف الرابع ويتخذ حسب العصور شكل النبيّ أو الثائر
أو المصلح ومن يتبعهم وهمّهم كلهم تغيير الوضع بغزو القلوب بقيم جديدة وغزو
السلطة بمن جندتهم هذه القيم.
أمّا في الديمقراطية
فإن أهل النظام هم من انتخبهم الشعب للحكم باسمه،
وأهل الدولة كلّ القائمين على دواليب الإدارة التي أصبحت نظريا في
خدمة الجميع ومنها القضاء المستقلّ. أمّا الجماعات
المساندة فهي القطاعات المختلفة من المجتمع التي تضمن الدولة مصالحها وهي تضيق
وتتسع حسب السياسات المتبعة. أما الجماعات المعارضة فهي بقايا النظام الاستبدادي
القديم وبراعم النظام الاستبدادي الجديد. أما الطرف الرابع فجزء منه متكوّن من مثقفي الديمقراطية الذين يتابعون
بعين القلق مشاكل النظام الديمقراطي. لكن الجزء الأكبر يتشكّل من أنصار بدائل
أخرى، منها الاستبدادية الواضحة أو
المقنّعة، و تنجم عن حدود ونواقص النظام الديمقراطي خاصة إذا توقفت ديمقراطيته على
الطقوس التمثيلية وتجاهلت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أو الثقافية للأغلبية.
تتضح من البداية كل
الصعوبات الهيكلية في تخيّل نظام مثالي.
ثمة في البداية التناقض
الجوهري بين مكونات اجتماعية تستعمل كل منها النظام السياسي لتحقيق مصالح فئوية يستحيل التوفيق بينها
استحالة التوفيق بين مصالح الغزال والنمر.
ثمة الصراع الدائم بين
الأفراد لغزو أجهزة التحكّم لتحسين أدائها ظاهريا باسم الصالح العامّ وعمليا
لتحويل وجهتها نحو الصالح الخاصّ ، وهذه قاعدة عامة لا
يهمّ هل النظام استبدادي أو ديمقراطي.
ثمة
خاصّة التناقض بين قيم الأطراف المختلفة (وإن ادعت بعضها نفاقا وكذبا إجماعها على القيم
الاستهلاكية مثل الحرية والعدالة والسلم الخ). وفي هذا المستوى سيرتطم علماء
المستقبل بحدود البيولوجيا والهندسة الجينية لخلق نظام سياسي مثالي، لأنه لا وجود لجينات
الأخلاق الفاضلة يمكن زرعها في نواة الخلية عند من لا يتوفرون عليها وتحسينها عند
من توجد عندهم بنسبة قليلة.
ها نحن أمام
وضع جدّ محبط للعزائم. لكنه
أيضا وضع مثير لأنه يستفزّ فينا الفكر والخيال. نحن نعلم أن الأنظمة مثل القصور لا تبنى من السطوح خلافا لما
يعتقده الديمقراطيون المقلّدون. نعلم
إنّها تبنى على أنقاض خراب من
المؤسسات والقوانين والقيم القديمة وقع
جرفها. نعلم أنّ أي بناء نريد تشييده لا بدّ أن يغرس جذوره في طبقة من القيم الغالبة تستطيع حمل ''ثقل'' المؤسسات. معنى هذا أنّ التحديات الأساسية
التي تنتظرنا في عملية الدمقرطة العربية ثقافية قبل أن تكون تشريعية.
9-
تشخيص الأمراض المطلوب علاجها.
لنلخّص مآخذنا على ''الوصفة''
الديمقراطية.
1- حدود
إرادة الشعب.
إن ''إرادة الشعب ''
كقاعدة أساسية ومبدأ مطلق لإرساء الشرعية مفهوم طال وضعه خارج المحاسبة والحال
أنّه بأمسّ الحاجة إليه. قلما نكون واعين عند ما نتحدّث عن هذه الإرادة
بلغة التقديس، أنه موقف ضدّي من ايدولوجيا الاستبداد التي ترتكز على تقديس إرادة
الفرد. لكن الآليات الفكرية للخيارين واحدة. ألا نستبدل استبداد
الشعب باستبداد الفرد ؟ هل كانت لإرادة الشعب الألماني (وعلى وجه التحديد تواطؤه
مع زعيمه هتلر طوال مرحلة الانتصارات) أي قيمة شرعية لتبرير غزو جيرانه؟ هل يمكن اليوم القبول
بالمنطق الصهيوني لا لشيء إلاّ لأنه يعبّر عن إرادة الإسرائيليين ؟ بداهة هناك
حدود لإرادة الشعب أولها
المصالح المشروعة للشعوب الأخرى. لكن ألا توجد داخل الشعب نفسه قضايا يمكن أن
تتضرّر من إرادة لا تستمدّ شرعيتها إلاّ
من ذاتها. إن أحسن مثال على هذا الخلل الموقف من الأقليات العرقية والدينية
التي يمكن لهذه الإرادة (وهي في أحسن الأحوال إرادة الأغلبية) أن تستعبدها بكلّ
راحة ضمير. ثمة أيضا قضية عقوبة الإعدام التي تظهر كل الشعوب
تعلقا بها عن جهل بفظاعتها وبوظيفتها التاريخية في قمع الأقليات السياسية
والاجتماعية ولا فعاليتها في محاربة الجريمة. لقد وقع إلغاء هذه العقوبة في كل
البلدان المتقدّمة بالرغم من رأي الأغلبية واتضح دوما
أنه كان الخيار الأسلم. معنى هذا إن إرادة الشعب، أو قل
دوما إرادة الأغلبية، ليست المرجع الأعلى
وإنما ثمة مرجع أعلى منها يتمثّل في جملة القيم التي تمنع شعبا من استعباد شعب آخر
أو هذا الشعب من اضطهاد أقلياته أو انتهاك حقوق الإنسان. أمّا ضرب هذه القيم أو
تجاهلها باسم حقّ الأغلبية في خلق قيمها التي تتماشى مع مصالحها- وبالأحرى مع مصالح
المحرّضين على اعتبار هذه المصالح قيما - فإن الأمر لا يعدو أن يكون
بمثابة إطلاق إعصار على بستان.
أليس من الغريب أن أغلبية الناخبين الأمريكيين الذين صوتوا لجورج
بوش قرّروا، بوعي أو دونه،
جزءا هاما من مصير الشعب العراقي والفلسطيني والأفغاني وكم من شعوب أخرى
على قاعدة تبنيهم لموقف الرجل من المبادئ الدينية وقضايا الاستنساخ وزواج الشواذّ
والمشاكل الاقتصادية . أما التسعة وأربعون في المائة من
الناخبين الذين صوتوا ضدّه ولفائدة السلام في العراق فإن آليات الديمقراطية ألغت
بجرّة قلم أي تأثير لرأيهم ، مما يجعل السياسة الأمريكية تتواصل كما لو كان قرابة نصف الشعب
الأمريكي غير موجود.
2
– حدود التمثيلية.
لو كانت التمثيلية شرط ممارسة
الشعب لسيادته والضمان الرئيسي لمصالحه لكانت الوسيلة العادلة الوحيدة تسمية نوّاب الشعب ابتداء من عيّنة ممثلة
للجمهرة.
إنّها تقنية
بسيطة يمارسها المختصّون في علم الإحصاء وتتمثل في اختيار عشوائي لجملة من الأشخاص
داخل مجموعة الرجال ومجموعة النساء ومجموعات الأعمار والمهن. هكذا سنرى البرلمان نسخة طبق الأصل للتركيبة الحقيقية والدقيقة للشعب، فيكون نصفه من النساء والنصف الآخر من الرجال وستين في المائة من النواب في مجالسنا
من الأميين مع نسبة كبيرة من
الأطفال والمراهقين والشباب. ومن مزايا هذه الطريقة العلمية أن توفّر علينا مصاريف الحملات
الانتخابية، حيث يمكن الانطلاق لتعيين نواب الشعب
من ملفات الحالة المدنية مثلا. بل
يستطيع القيام بالعملية حاسوب محايد يبعث لمن تمّ اختياره باستدعاء لاحتلال مقعده
في البرلمان. لكن
النظام الذي يدّعي أن هاجسه هو التمثيلية، يتحايل عليها، لتكون لنا برلمانات تحصى
فيها النساء على الأصابع ويغيب فيها الشباب تماما ويتزاحم على المقاعد ممثلي
تيّارات سياسية استطاعت الفوز بالمقاعد لقدراتها على بيع وعودها المعسولة. أي
تمثيلية لإرادة الشعب'' والمؤسسات المنبثقة عن انتخابات الاستعراض والديماغوجية والاستقالة الجماعية،
لا
تعبّر إلا عن
سيطرة الأقلية المتحركة، الأحسن تمويلا والأكثر تجنّدا لفرض توجهاتها. لنتذكّر
أن الشعب طيف من المكونات ذات الرؤى والمصالح المتباينة.
فمن أين لنا استخلاص موقف عامّ يعكس الإرادة الجماعية ؟
ما أغرب أن نقبل أنها إرادة 50،01 %
من القوائم الانتخابية أما الباقي فلا ناقة لهم ولا جمل.
ثمة
ظاهرة أخرى تظهر حتّى
فشل تمثيل إرادة الأغلبية و
يعرفها النظام البرلماني المنتخب على
قاعدة النسبية. إذا انفجر الشرق الأوسط يوما كبرميل البارود وحرثته القنابل
النووية، فلا يجب أن ينسى المحلّلون دور
النظام السياسي الإسرائيلي وديمقراطيته المبنية على التمثيلية النسبية في الكارثة. فهذه الديمقراطية تمكّن حزيّبات
دينية، تمثّل أقليات تتنافس على التطرف والعدوانية من دخول البرلمان. ورغم أنها تتوفّر على عدد
ضئيل من المقاعد فإنّها تفرض إرادتها
بلعبة التحالفات على حزبين كبيرين
أضعف من قدرة الحكم لوحدهما. هكذا انزلقت السياسة
الإسرائيلية على مرّ السنين تحت الابتزاز
الدائم للأقلية، نحو مزيد من التطرّف
يقوده تحكّم الأقلية في الأغلبية . هكذا لم تعكس أزمة الشرق الأوسط فقط أزمة
احتلال وإنما عكست أيضا أزمة النظام داخل
الكيان الصهيوني.
3- الاستحواذ على آليات الديمقراطية.
إن
النموذج الأشهر لوصول الشخص إلى أعلى مراكز القرار بالانتخاب الديمقراطي، ثم
الانقلاب على الديمقراطية، هو انتخابات 1933 في ألمانيا التي حملت هتلر للسلطة. لكن هناك أيضا إعلان إنديرا غاندي في الهند في السبعينات حكما استبداديا لم ينته
إلا باغتيالها. ثمّة أيضا الليبرالية التي تستطيع بالمال إفراغ النظام الديمقراطي من كل مضمون دون أن يصرخ أحد إنه
انقلاب لا يفصح عن هويته.
4- التداول على
الوصاية والإقصاء.
إذا
كانت الدكتاتورية تلغي مناهضيها بالعنف والإرهاب وتفرض وصاية ثقيلة على كلّ
الأطراف الملغاة والمهمشة سياسيا ،
فإن الديمقراطية التمثيلية تمارس نفس اللعبة لكن بالطرق السلمية. فالأحزاب التي هزمت لأنها لم تتحصّل
إلا على 49،9% من الأصوات لا دور
لها غير الصراخ. أما المنتصرة فيمكنها تطبيق سياستها مدّعية أنها خيار الأغلبية
ومن ثمة خيار الشعب . ثم تعاد اللعبة وتوزيع الأدوار في
الانتخابات الموالية. هكذا يبقى المجتمع يتأرجح بين حلّ ونقيضه،
بين سياسة وأخرى. هكذا تصبح السياسة صراع القوى الملغية لبعضها البعض، فلا
يؤدّي الإلغاء والتداول عليه إلاّ لتكوين
جيوب مقاومة تنغّص على كل حاكم حكمه وتعيق برامجه مشكلة إهدارا مريعا
لطاقات المجتمع.
وإذا
كانت هناك فكرة مركزية واحدة يجب أن تبقى دوما نصب أعين كلّ مسئول نزيه فهي أنه لا يوجد حلّ حزبي-أيدولوجي للمشاكل
الاجتماعية إلا من باب التدجيل. فلا حلّ إسلامي أو اشتراكي أو قومي أو ليبرالي
للبطالة والتصحّر و شحّ الماء وعجز صناديق الضمان الاجتماعي والجباية العادلة وبطء القضاء وثقل
البيروقراطية وإدماج المعاقين ورفع مستوى التعليم والخدمات الصحية وة الثقافة.
إن
صراع الأحزاب السياسية على '' الحلّ'' في المطلق الذي هو دوما نقيض الحل في المطلق
للخيار الحزبي الآخر، هو صراع عميان
الأسطورة الهندية على تعريف الفيل. فهذا يتحسسه من خرطومه فيقول الفيل خرطوم، وذاك
من ذيله فيقرّر بمنتهى الصدق أنه ذنب،
ويغضب الثالث لأنه مقتنع أن الفيل عظم أملس وقد أمسك بنابه الأيسر. هكذا ترى
الإسلامي يتحسّس المشاكل الاجتماعية من باب الهوية والثقافة، والليبرالي لا تعنيه
غير وسائل خلق الثروة المادية
لا'' يري'' تكلفتها البشرية إنتاجا وتوزيعا. أمّا الاشتراكي فهمّه
الأوحد توزيع هذه الثروة بصفة عادلة لا يهمّه أن تنضب أو من أين تأتي . أما القومي فجلّ همّه منحصر على الأولوية المطلقة للبعد
القومي والحال أن البعد العالمي هو أكثر من أي وقت مضى جزء من معادلة متزايدة التعقيد.ولو كانت السياسات تخضع للمنطق وليس للهوى، لما كان التعامل مع أي إشكالية إلا من باب
دراسة الشبكة السببية المعقّدة والأبعاد
المختلفة للموضوع والمستويات المتباينة له، في إطار رؤية شاملة بدل إنكار التعقيد
والالتجاء إلى التبسيط السحري. هذا لا
يستقيم بالطبع إلا في إطار جلوس كل التيارات إلى نفس المشكل وتقليبه من كل
الأوجه، واعتراف كل طرف بأحقية الطرف
الآخر في رؤيته، ثم استخلاص أقلّ الحلول ضررا وأكثرها اعتبارا لكل جوانب المشكل ، مع تحكيم دائم
للقيم والمصلحة العليا والظروف الموضوعية. ما أبعدنا عن كلّ هذا في نظام يفرض فيه الأقوى رؤيته كما كان
الأمر في الاستبداد وكلّ ما في الأمر تغيير طبيعة القوة التي تفرض.
صحيح
أنه لا توجد ّ حلول تقنية
في المطلق وإنما توجد حلول فعالة بالنسبة لخيارات سياسية معينة. ثمة
سياسة جبائية فعّالة وذكية في خدمة مصالح الأثرياء
وأخرى معاكسة لا
تقلّ ذكاء وفعالية في مصلحة الفقراء تتمثّل في توزيع العبء الجبائي
على الأقلية الثرية دون دفعها إلى تهريب أموالها للخارج ودفع الأغلبية المتلكئة
أيا كان دخلها إلى تأدية واجبها الجبائي.
يبقى
أن شكل النظام الحالي يدفع حتى
بالأحزاب القريبة من نفس الخيار السياسي إلى عرقلة بعضها البعض
وإظهار قدر كبير من سوء النية في تقييم سياسة الخصم وعرقلة مسعاه حتى ولو كان على صواب. إن هذه
العيوب نتيجة شكل النظام الذي يكافئ التنافس ولا يكافئ التكامل
، يحرّض على التفرقة ولا يسهّل توحيد الأدمغة لحلّ مشاكل لا تخضع لتحليل
بسيط وعلاج أحادي.
5-: التداول السريع على
المسؤولية.
إذا كان من أهم أمراض النظام الاستبدادي بطء
تغيير المسئولين فإن الديمقراطية تعاني من العكس أي سرعة التداول على المسئولية. ولو سألت أي ديمقراطي عن الظاهرة لاعتبرها جدّ صحية وأحسن
ضمانة لمنع عودة الاستبداد وتجدّد الدماء في النظام. تأمل مليا في دوافع الأمر.
ستجد أنها بالأساس نتيجة نوع من توافق المصالح بين إرادة الأرستقراطيات المخفية في
تلهية الناس، ناخبين ومنتخبين، وإرادة هؤلاء
المنتخبين في تبوّأ المراكز بأسرع وقت. إن عدد الطامعين في
المناصب أكبر بكثير من عدد المناصب المتوفّرة، فلا بدّ إذن من قصر
آجال من فازوا بها، حتى يتمكّن الخاسرون من تجربة حظّهم سريعا. لا مجال للشكّ أن للأمر
إيجابيات منها الفرز المتواصل للطاقات ومنع تكوّن جيوب أرستقراطية كسولة أو منعدمة الكفاءة. لكن ماذا عن
السلبيات ؟
ثمّة
في البداية الهستيريا
الإصلاحية أي التواتر السريع للإصلاحات التي تفرضها قصر النيابات.
فمن طبيعة الإنسان أن يطمح لترك بصماته
على الأشياء وان يؤرّخ لمروره الخاطف على المسؤولية.هكذا تتسارع الإصلاحات وإصلاحات
الإصلاحات وإصلاحات إصلاحات الإصلاحات.
لكنها عمليات قلما تعالج
أزمات هيكلية. هي في أغلب الأحيان علاج عرضي
لمرض مستفحل خطير لا قدرة لحكومة عابرة على التعامل العميق مع أسبابه ، أو لا
إرادة لها على ذلك لما في الأمر
من مخاطر انتخابية. هكذا يؤدّي التداول السريع إلى توارث المشاكل من حكومة إلى أخرى مع
تزايد تعقيدها وخطورتها وتناقص إمكانيات حلّها، لأنها كالمرض المستفحل الذي
تقلّ حظوظ علاجه بتقدّمه وتأخّر القرار الحازم الصائب بخصوص التعامل معه. قلما ينتبه الملاحظون لظاهرة أخطر وهي أن قصر النيابات السياسية يساهم في نقل السلطة الفعلية إلى مؤسسات عالم المال والصحافة وأجهزة المخابرات والبيروقراطية. فكلّ هذه
القوى ثابتة في مكانها، توسّع ببطء مجال نفوذها وراء الستار، وجدّ مبسوطة من التتابع السريع للمسؤولين
السياسيين. حقّا لا تستطيع
الأرستقراطيات المخفية نفسها، أن تتصدّى مباشرة لسياسة قوية لا
تتطابق مع مصالحها، لكن لها ألف وسيلة لإفشالها بالتراخي والسلبية وحتى التخريب. يكفي أن يسرّ بيروقراطي رفيع المستوى في أذن زميل
أن الإصلاح الجديد ''أزمة مارّة''
وأن على الجميع انتظار الحكومة المقبلة أو
التحوير الوزاري المقبل لكي يضيع
الإصلاح في الرمال المتحرّكة.
أمام
كل هذه النواقص والعيوب التي تشكل جزءا كبيرا من مشاغل الديمقراطيين وتستنزف
طاقاتهم في محاولة تطويقها، لا بدّ من رؤيا شاملة لا تكتفي بإصلاحات شكلية وإنما
تعود إلى الأسس ذاتها التي بنيت عليها المؤسسات الديمقراطية لعملية إعادة تأسيس
شاملة.