اللجنة العربية لحقوق الإنسان
ARAB COMMISSION FOR HUMAN RIGHTS
المباحثات السورية- الإسرائيلية وحقوق الإنسان
كان
السلام ومازال أحد أنبل القيم الإنسانية في كل العصور. فقبل المناقشات التي تبعت
ولادة الأمم المتحدة إثر الحرب العالمية الثانية لإعداد إعلان عالمي لحقوق الإنسان،
دعت الأديان والفلسفات الكبرى إلى السلام في المجتمع البشري كأحد مقومات دعوتها
ونظرتها للوجود. ورغم أنه من الصعب الاتفاق على تعريف لهذه الكلمة أو التوصل إلى
استنتاجات تطبيقية عامة لمفهوم السلام في الصراعات الدائرة على سطح البسيطة، نرى أن
هذا التعبير يكتسب مصداقيته ضمن منطق حقوقي شامل يعتبر حقوق الإنسان الفردية
والجماعية مرجعا رئيسيا. الأمر الذي يعني برأينا:
1- الربط
الجدلي والضروري بين مفهوم السلام والعدل. هذا الربط الذي أرّخ له العهد القديم منذ
دهور: "فيسكن في البرية الحق والعدل في البستان يقيم. ويكون السلام ثمرة العدل
وعمل العدل سكونا وطمأنينة إلى الأبد (أشعيا 16 إلى 18، الإصحاح 32). وأكدت عليه كل الاتفاقيات والشرائع
الدولية.
2- الربط الضروري بين السلام وحقوق الإنسان،
باعتبار أية عملية سلمية لا تأخذ بعين الاعتبار موضوع السلام (الإنسان) وحقوقه، هي
عملية قصيرة النظر وقصيرة العمر.
إذا "كانت الحروب تتولد في عقول البشر، ففي
عقولهم يجب أن تبنى حصون السلام" كما يذكرنا ميثاق اليونسكو التأسيسي. لكن هل
بالإمكان بناء ثقافة سلم على مجرد مبدأ وقف العمليات العسكرية وإقامة علاقات
دبلوماسية بين الدول ؟ أم أن التنشئة على السلام تتطلب ثقافة تعتبر السلم الأهلي
والسلم الإقليمي والعالمي جزءا مركزيا من كرامة الإنسان وحقه في الحياة المطمئنة ؟
من المؤكد وجود حروب واعتداءات ذات دوافع بربرية، إلا أن حالة التوتر بين الشعوب
غالبا ما تكون ابنة خلل في العلاقات وخلل في موازين القوى وخلل في التمتع بالحقوق
الجماعية. بالتالي، من البديهي أن
أية عملية سلمية تقوم على الإذعان تحمل في رحمها قنبلة الظلم الموقوتة. ولا يضعف من
قوة موقف أنصار السلم في العالم القول أن اتفاقيات "السلام" التي وقّعت ولم تحترم
وبقيت مجرد حبر على ورق تفوق تلك التي تم احترامها. بل على العكس، إن ذلك يعزز
تصميم جبهة السلم في كل مكان على رفض الموقف الساذج والمختزل الذي يقبل بأية حلول
على حساب حقوق الشعوب والأفراد.
لو
اقتصرنا على المباحثات السورية الإسرائيلية منذ بدايتها في مؤتمر مدريد وحتى اليوم،
فإن بالإمكان رصد جملة أحداث هامة تمس الحريات الأساسية وحقوق الإنسان في سورية:
1- أول
ما يمكن ملاحظته هو الطابع اللاديمقراطي لهذه المباحثات : من غياب حرية الحديث فيها
في وسائل الإعلام السمعية والبصرية والمكتوبة إلى حصر تناولها في فئة محددة ومنتقاة
من الصحفيين والدبلوماسيين. ذلك، في محاولة لتصوير الموقف السوري على أنه كتلة
متماسكة متراصة وراء قرار القيادة السياسية الذي لا يحتاج للمناقشة أو الاغتناء،
حتى لا نتحدث في النقد.
2- ترافق مؤتمر مدريد بحملة اعتقالات شملت
رموزا يسارية شيوعية ونشطاء حقوق إنسان، وسبق عودة المباحثات في الولايات المتحدة
تكثيف النشاط والمراقبة الأمنية في أوساط المعارضة الدينية والعلمانية وفي أوساط
الفصائل الفلسطينية العشرة المعارضة لاتفاقية أوسلو، مع مزيد من القيود على الأفراد
وإجراءات قاسية بحق التنظيمات الفلسطينية.
3- سواء كان التحرك ضد الحركة الإسلامية
السياسية بجناحيها : حزب التحرير الإسلامي وحركة الإخوان المسلمين وجماعات أخرى، قد
جاء ضمن ترتيبات إقليمية (مع الأردن) أو داخلية (خنق كل التعبيرات المعارضة
للمباحثات مع إسرائيل)، فإن المباحثات تجري في جو تسلطي يرفض أي صوت مخالف. لقد شمل
عدد من اعتقل منذ 18 ديسمبر /كانون الأول 1999 إلى 18 يناير/كانون الثاني2000 قرابة نصف مجموع المعتقلين السياسيين في
البلاد في العام الماضي (تجاوز عدد من جرى التحقيق معه في مختلف المدن السورية
الألف شخص من الإسلاميين أو ذويهم وكان التعذيب منهجيا للجميع)..
خلال
العقود الثلاثة الأخيرة تمت التضحية بأولى وظائف السياسة (الوفاق الداخلي
والازدهار) لصالح ثانيها (الأمن الخارجي). ودفع المجتمع في سورية باسم الحرب ضريبة
الحرية، وحرم باسمها من أوليات حقوق المواطنة، وارتبطت الحرب في الذاكرة الجماعية
باللجوء والنزوح لقرابة 900 ألف بين فلسطيني وسوري. ناهيكم عن الاحتلال الإسرائيلي
لهضبة الجولان وتكاليف المجهود الحربي مع منعكسات ذلك على أجهزة الدولة والعلاقات
المجتمعية من عسكرة مؤسسات الدولة
وديمومة حالة الطوارئ وتأميم الخطاب الوطني وتفريد القيادة وإلغاء السياسة بالمفهوم
المعاصر وغيره. فهل يمكن مناقشة نهاية حالة الحرب بالتعايش مع جملة هذه الانتهاكات
الجسيمة للكيان الإنساني؟
من
المؤسف أن قضية حقوق الإنسان ليست على أجندة المباحثات بأي شكل من الأشكال، ولا يتم
التعرض لمسألة دور الجيش إلا من نافذة الأمن الإسرائيلي والأمريكي. فليس ثمة حرص من
أي من الأطراف، راعية ومشاركة، على ضرورة وضع حد لنهاية حقبة تسلطية وعودة الاعتبار
للسياسة والتعددية والحريات العامة بعد 37 سنة من حالة الطوارئ جرى فيها خنق السلطة
القضائية وفرض هيكل السلطة التشريعية من فوق وصار التعبير السياسي للسلطة التنفيذية
فيها أسير الجهاز الأمني.
إننا
في اللجنة العربية لحقوق الإنسان وإن حرصنا باستمرار على عدم إضعاف الموقف السوري
في المباحثات، باعتبار الطرف الإسرائيلي هو المحتل والمعتدي، نجد من واجبنا التذكير
بأن احترام حقوق الإنسان في سورية هو أول ضمانة لتعزيز حقوق الشعب في أية مباحثات
وأن أي خنق إضافي للمجتمع إنما هو إضعاف أكيد للموقف السوري.
ومن
أجل ذلك، لا بد من وضع حد لسياسة العسف السائدة وتحقيق المصالحة مع المجتمع ليكون
بوسع البلاد التعامل من موقع ناضج وفاعل مع التغييرات الجديدة التي تجتاح المنطقة
والعالم.
لقد
أصبح من الضروري إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ورفع حالة الطوارئ وإطلاق
الحريات الأساسية والترخيص لكل التعبيرات السياسية والطوعية السلمية بالعمل في ظل
دستور تعددي ديمقراطي يعيد التوازن بين السلطات الثلاث ويستوعب ضرورة وجود تعبيرات
مختلفة للسلطة المضادة ويعتبر حق المبادرة والتعبير والتنظيم من أركان إعادة
الاعتبار للمجتمع السياسي.
C.A.DROITS HUMAINS -5 Rue Gambetta - 92240 Malakoff
- France
Phone:
(33-1) 4092-1588 * Fax: (33-1) 4654-1913 *
Email:
cdfdh@compuserve.com